فشل المشروع الأمريكي في أفغانستان يتجلى مجددا في المشاهد الدرامية بمطار كابول، حيث احتشد آلاف الأجانب والأفغان لمحاولة مغادرة البلاد منذ 14 آب.
بقلم فابيو بوسكو_ 27 آب 2021
ما زاد الأمر سوءا أنه يوم السادس والعشرين، قام تنظيم سلفي صغير، منشق عن طالبان نفسها، وليس له جذور اجتماعية، وهو داعش- خراسان (الدولة الإسلامية في ولاية خراسان – فئة سابقة لجزء من وسط وجنوب آسيا)، المعروف بتنفيذه هجمات إرهابية ضد مدنيي الـ “هازارا”، بتنفيذ تفجيرات إجرامية خارج مطار كابول أسفرت عن أكثر من 180 حالة وفاة غالبيتها العظمى من الأفغان و13 عسكريا أمريكيا، وهم أول القتلى الأمريكيين منذ الاتفاق مع طالبان في شباط 2020.
حكومة الولايات المتحدة حذرت من احتمال وقوع هجمات جديدة حتى نهاية شهر آب، عندما تنتهي المهلة المحددة لإجلاء الأجانب والمواطنين الأفغان الذين يريدون مغادرة البلاد، وفقا للاتفاقية التي تم التفاوض عليها بين الحكومة الأمريكية و”طالبان”.
“الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة” ترفض هذا الهجوم الذي يتعارض مع نضال الجماهير ويستهدف السكان المدنيين.
التقييم الأولي والمختصر يبين أن هذا الهجوم يفضح، من جهة، تعاون قوات الولايات المتحدة و”طالبان” منذ شباط 2020، والذي يميل ليصبح أشد في هذه اللحظة، ويؤكد مجددا، من جهة أخرى، على ما هو بالفعل محط إجماع المحللين السياسيين: حقيقة الهزيمة الأمريكية، والتي قد يكون من تداعياتها تعزيز الحركات المناهضة للإمبريالية، وزيادة المشاعر المناهضة للحرب بين السكان الأمريكيين، كشيء من قبيل “متلازمة كابول”، في إشارة إلى نفس الآثار الناجمة عن الهزيمة في فيتنام.
في مواجهة تيار التاريخ والواقع، تنوح الصحافة السائدة على أن هذه الهزيمة ستقود إلى انتهاك حقوق الإنسان في أفغانستان، مغذية وهم أن حقوق الإنسان كانت على نحو ما مكفولة خلال العشرين سنة لنظام الاحتلال الأمريكي.
أسطورة الإمبريالية الإنسانية
الولايات المتحدة وحلفاؤها الإمبرياليون لم يقوموا بلعب أي دور إنساني في أفغانستان. بل على العكس، فرضوا نظام احتلال في البلاد بضمان القوات التي وصل عددها إلى أكثر من 100 ألف جندي. قوات الاحتلال هذه قامت بقصف القرى والبلدات كما واقترفت المجازر بحق المدنيين الأفغان. ما يقدر بنحو 47000 مدني تم قتلهم كنتيجة مباشرة للاحتلال الأمريكي. إضافة إلى هؤلاء، فُقد 66.000 جندي وشرطي أفغاني آخرين و51.000 من مقاتلي “طالبان” والمنظمات الأخرى (المفترضين) حياتهم. بين الأمريكيين، تجاوز عدد الإصابات الـ 6000 إصابة، ما بين جنود (2400) ومتعاقدين (3600)[i].
خلال 20 عاما، تم إنفاق 2.3 تريليون دولار أمريكي، أي ما يعادل حوالي 300 مليون دولار أمريكي يوميا. هذه الموارد الوفيرة لم يتم استخدامها في المدارس أو المستشفيات أو الإسكان أو الأشغال العامة لتوليد الوظائف. أنفقت بشكل أساسي على الجنود والعتاد الحربي، ولاحقا على تدريب القوات المسلحة وقوات الشرطة التابعة للحكومة التابعة. الموارد القليلة المخصصة لتنمية البلاد انتهى بها المطاف في جيوب النخبة الحاكمة الفاسدة.
علاوة على ذلك فإن وضع المرأة الأفغانية لم يتغير بشكل ملموس خلال سنوات الاحتلال العشرين. 25٪ فقط من النساء متعلمات. نصفهن يتزوجن قبل سن الثامنة عشر. دفع مهر العروس وفرض ارتداء البرقع ينتشران على نطاق واسع، لا سيما في المناطق الريفية حيث يعيش 75٪ من السكان الأفغان. نظام الاحتلال لم يكلف نفسه أبدا عناء تطبيق القانون المتعلق بالعنف الأسري فعليا. قانون آخر، وهو القانون الذي يضمن إدراج اسم الأم في وثائق الأطفال، لم يتم تمريره إلا في أواخر العام 2020. في الواقع، الإمبريالية لم تقم باحتلال أفغانستان “لإنقاذ” النساء من الاضطهاد. بل على العكس، كيفت نفسها، جوهريا، مع الممارسات الاجتماعية الحالية المنحازة جنسانيا، مع بعض التغييرات التجميلية (بعض الموارد للمنظمات غير الحكومية، ووجود النساء في برلمان النظام التابع، إلى جانب أمور أخرى).
في النهاية، “الحرب على المخدرات” لم تشهدها أرض الواقع. زراعة الخشخاش، الذي ينتج منه الأفيون والهيروين، تنامت 200% منذ العام 2001، وفقا لأحدث تقرير للأمم المتحدة، واتسعت رقعة معالجته محليا، ليستفيد منه بشكل أساسي أمراء الحرب، وجزء من الأوليغارشية الريفية، وكذلك “حركة طالبان” نفسها. أفغانستان تستحوذ على أكثر من 80٪ من إمدادات الأفيون والهيروين في العالم[ii].
باختصار، التستر على الاحتلال الإمبريالي ببعض الأدوار الإنسانية يخفي عنفه الإرهابي الحقيقي ضد السكان، وتحالفه مع الأوليغارشية الريفية وأمراء الحرب.
الغزو السوفييتي “المُحرر”
أسطورة التحضر الأمريكي لها نظيرتها الستالينية. القطاعات النيوستالينية تجادل بأن الغزو السوفييتي عام 1979 والنظام الذي تبعه كانا يهدفان إلى توفير إصلاحات تحديثية هامة، كالإصلاح الزراعي، وإلغاء دفع مهر العروس، الذي يقدمه أهل العريس ثمنا لطلب يدها، والذي هو وسيلة لتسليع المرأة.
حقيقة الحقائق بعيدة كل البعد عن هذا. عام 1973 قام محمد داود خان بشن انقلاب عسكري، وإزاحة ابن عمه الملك محمد ظاهر شاه، والقضاء على النظام الملكي، وتولى السلطة بدعم من الاتحاد السوفيتي والحزب الشيوعي المحلي، الحزب الديمقراطي الشعبي الأفغاني، الذي تنظم في جناحين: البارشام (العلم) والخلق (الشعب). رغم استخدام الخطاب اليساري، لم يتغير شيء فيما يتعلق بسلطة الأوليغارشية الريفية. هذه الحقيقة لم تمنع البارشام من دعم النظام الجمهوري الجديد.
في نيسان 1978، أمر داوود خان باغتيال الزعيم الشيوعي – مير أكبر خيبر – واتحد جناحا الحزب الشيوعي للقيام بانقلاب عسكري. تم إعدام داوود خان واستلم الشيوعيون السلطة. هذه الحركة تسمى بثورة أبريل (ثورة ساور)، وقد تم التوقيع على مرسومين تقدميين: الإصلاح الزراعي وإلغاء دفع مهر العروس.
دون وجود دعم شعبي في الريف، بات النظام الجديد يواجه معارضة يقودها ملاك الأراضي، والزعماء الدينيون المحليون، والملالي المحافظون المتطرفون.
مع ظهور الثورة الإيرانية في فبراير 1979، اشتدت معارضة النظام الجديد، رغم القمع الشديد، وهددت بالتأثير على الجماهير داخل الجمهوريات السوفيتية التي يعيش سكانها تحت اضطهاد النظام الستاليني في موسكو.
في مواجهة هذا السيناريو، قام النظام السوفيتي بتوجيه الشيوعيين الأفغان إلى التخلي عن سياسة الإصلاح الزراعي وإلغاء دفع مهر العروس. الجناح الأكثر اعتدالا، “البارشام” بقيادة بابراك كرمال، وافق على التوجيهات السوفيتية، لكن تم طرده من السلطة من قبل “خلق”، بقيادة نور محمد تراقي وحفيظ الله أمين. كرمال ذهب إلى المنفى، وتم اعتقال العديد من أعضاء “البارشام”، كإحدى الممارسات سيئة السمعة للمنظمات الستالينية في تعاملها مع المنشقين عنها[iii].
النظام السوفييتي كان يتقرب من تراقي، وكان جهاز المخابرات “كي جي بي” يعمل على القضاء على أمين، لكن أمين هو الذي قضى على تراقي وتولى السلطة. وعلى نقيض الغزو السوفيتي، فإن هذا الأمر حدث هذا في كانون الأول 1979، حيث تم إعدام أمين وعاد بابراك كرمل إلى السلطة على متن الدبابات السوفيتية.
الغزو السوفيتي أدى إلى زيادة المعارضة الشعبية نوعيا، رغم التنازلات المقدمة للنخب الزراعية والملالي المحافظين المتطرفين عبر سحب مشاريع القوانين المتعلقة بالإصلاح الزراعي وإلغاء دفع ثمن العروس. الاحتلال السوفييتي لجأ إلى القمع الوحشي الذي أدى إلى مقتل نحو مليون شخص. وكان من بين القتلى مارتير مينا، مؤسسة “الرابطة الثورية للنساء الأفغانيات”، والتي قتلت على يد مخابرات النظام عام 1987 بسبب معارضتها لكل من الاحتلال السوفييتي وتنازلاته للنخب الريفية[iv].
في النهاية، قامت عدة مجموعات من المقاتلين الإسلاميين، المعروفين بشكل جماعي باسم المجاهدين، بقيادة أمراء الحرب المدعومين من النظام الباكستاني، ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية “سي آي اي”، والنظام السعودي، والصين، والمملكة المتحدة بالبدء بحرب عصابات أدت لاحقا إلى انسحاب القوات السوفيتية عام 1989 والإطاحة بالنظام الذي يقوده الشيوعيون في العام 1992. لاحقا تشكّلت “طالبان” عام 1994 بدعم من النظام الباكستاني، والـ “سي آي اي”، والسعودية، ووصلت إلى السلطة عام 1996، ولكن تمت الإطاحة بها من قبل الاحتلال الأمريكي بعد ذلك بخمس سنوات.
على عكس ما تقوله هذه القطاعات الستالينية، فإن الغزو السوفييتي كان يهدف إلى منع رياح الثورة الإيرانية من الوصول إلى الجمهوريات السوفيتية المضطهدة، وليس للترويج للإصلاح الزراعي أو إلغاء دفع مهر العروس، وهي السياسات التي ضحى بها ستالينيو موسكو من أجل البقاء في السلطة.
طالبان سلام ومحبة؟
في أول تصريح علني لهم قال ممثلو “طالبان” أنهم سيحترمون الملكية الخاصة، وحرية المرأة، ضمن الأعراف الإسلامية، وسلامة الأجانب، والممثلين الدبلوماسيين، والصحفيين، إضافة إلى إعلان العفو عن مسؤولي وموظفي نظام الاحتلال السابق.
من المثير للاهتمام ملاحظة أن رئيس الولايات المتحدة نفسه أعفى “طالبان” من مسؤولية قصف المطار، وأن القوات الأمريكية تعمل مباشرة مع طالبان لضمان أمن المطار.
على أي حال، بعض هذه التصريحات يتعارض مع السنوات الخمس التي قضتها “طالبان” على رأس الدولة الأفغانية، ومع الحلفاء الذين ارتبطت بهم “طالبان” منذ ذلك الحين. دعونا نتناول بعض القضايا.
القضية الأولى هي ملكية الأرض. في أفغانستان يعيش 75% من السكان في المناطق الريفية. الزراعة والري هما النشاطان الاقتصاديان الرئيسيان في البلاد، حيث يعتبر الأفيون ومشتقاته المنتج الرئيسي للتصدير. من جهة، هناك كبار ملاك الأراضي. ومن جهة أخرى، هناك الفلاحون (صغار الملاك)، وكتلة العمال المعدمين (المزارعون والعمال الموسميين في مواسم الزراعة والحصاد). وفقا للبنك الدولي، فإن نحو 12 ٪ من الأراضي صالحة للزراعة. لذا، فإن مسألة الإصلاح الزراعي أو الثورة الزراعية هي مسألة أساسية. سياسة “طالبان” لم تكن أبدا تشجيع أي إصلاح زراعي. سواء عندما كانت على رأس الحكومة (1996-2001) أو في مرحلة الصراع مع نظام الاحتلال القديم. على العكس، سعت “طالبان” إلى التسوية مع الأوليغارشية الريفية، وكل شيء يشير إلى أنها ستحافظ على هذا التوجه. هذه العلاقة توضح كيف تمكنت “طالبان” من السيطرة على البلاد في 11 يوما فقط. إضافة إلى ذلك، هناك قضية الاستيلاء على الأراضي من عائلات الفلاحين، لا سيما عندما تتولى شؤونها النساء (هناك 2 مليون أرملة في البلاد). بالتحالف مع الأوليغارشية، من المعقول أن نفترض أن نظام “طالبان” سيغض الطرف عن الاستيلاء على الأراضي، كما فعلت الأنظمة السابقة. وأكثر من ذلك، في مواجهة نضالات وثورات الفلاحين والعمال الذين لا يملكون الأراضي، والتي ستحدث عاجلا أم آجلا، ستلجأ “طالبان” إلى القمع الوحشي كما فعلت عندما حكمت البلاد لمدة 5 سنوات.
هناك قضية مهمة أخرى تتعلق بالشركات متعددة الجنسية العاملة في البلاد. هناك دراسات تبين أن التنقيب عن الثروة المعدنية يمكن أن يدرّ تريليون دولار أمريكي. اليوم، هناك شركة صينية لتعدين النحاس وشركة هندية لتعدين خام الحديد. إذا جلب انتهاء الحرب بعض الاستقرار، فستكون هناك بالتأكيد شركات تعدين جديدة، وكذلك شركات نفط مهتمة ببناء خطوط الأنابيب واستكشاف احتياطيات الغاز. كل شيء يشير إلى أن نظام طالبان سيضع نفسه في خدمة هذه الشركات. ليس صدفة أن الصين كانت أول دولة تعترف بنظام طالبان بحكم الأمر الواقع، وأن أجندتها تدور حول الأنشطة الاقتصادية (بما في ذلك طريق الحرير الجديد)، وقمع الجماعات التي تناضل من أجل حقوق الايغور في شينجيانغ. إضافة إلى الصين، فإن قضية قمع المنظمات المنشقة تهم كافة الأنظمة المجاورة (باكستان وإيران وأوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان)، وروسيا والهند القريبتين. بعض هذه الأنظمة دعمت “حركة طالبان” قبل صعودها إلى السلطة، وجميع المؤشرات تدل على اندماجها في النظام الرأسمالي الإقليمي، رغم أن الصراع بين باكستان والهند قد يعيق إلى حد ما التفاهم مع النظام الهندي.
أما بالنسبة لحقوق المرأة في الحصول على التعليم والعمل والحفاظ على ممتلكاتها، وفي الذهاب والمجيء دون أي “وليّ أمرٍ” ذَكَر، وفي تقرير لباسها دون فرض، وإنهاء العقوبات القاسية كالجلد والرجم، وإنهاء تزويج الأطفال ودفع مهر العروس، فمسار “طالبان” كان دوما هو تقييد هذه الحقوق أو إنكارها. رغم كون أفغانستان مجتمعا محافظا، إلا أن صعود “طالبان” إلى السلطة عام 1996 يعد انتكاسة لحقوق المرأة. ومن الأمثلة على ذلك ارتداء البرقع، الذي كان اختياريا، وترتديه أقلية ضئيلة قبل عام 1996، ولكنه أصبح إلزاميا في ظل نظام “طالبان”. لهذا السبب، من غير المحتمل أن يعترف النظام الجديد بهذه الحقوق، رغم أن بعض التغييرات التجميلية قد يتم إجراؤها. في الواقع، سيكون على عاتق الطبقة العاملة والفلاحين والشباب والنساء انتزاع كل هذه الحقوق، وتحدي نظام “طالبان” وحلفائه: ملاك الأراضي والملالي المحافظون المتطرفون.
هناك أيضا قضية الأقليات العرقية المضطهدة، لا سيما “الهزارة”، من بين أمور أخرى سيتعين على النظام الجديد التعامل معها.
الواضح أن اتجاه نظام طالبان “السلام والمحبة” هو فقط مع نخبة ملاك الأراضي والأنظمة الرأسمالية المجاورة والشركات متعددة الجنسية. وربما يمتد إلى الولايات المتحدة نفسها. أما بالنسبة للطبقة العاملة الريفية والحضرية المعذبة، والفلاحين، والنساء، والقوميات المضطهدة، فالاتجاه ليس نحو السلام أو المحبة، بل نحو الاستغلال والاضطهاد والكثير من القمع.
غالبية الطبقة العاملة الأفغانية أيدت النضال ضد الاحتلال، وكان هذا الدعم حاسما لهزيمة الإمبريالية. الآن يتعين على الطبقة العاملة أن تتحالف مع الرازحين تحت وطأة الاستغلال والاضطهاد في الداخل والخارج لانتزاع الحريات الديمقراطية، والإصلاح الزراعي، والحق في حياة كريمة، وهو نضال لن ينتهي إلا بإسقاط نظام “طالبان”، والنظام الرأسمالي بأسره، في البلاد، وفي العالم.
[i] https://apnews.com/article/middle-east-business-afghanistan-43d8f53b35e80ec18c130cd683e1a38f
[ii] https://www.bbc.com/news/world-us-canada-47861444
[iii] https://www.jacobinmag.com/2018/05/afghanistan-saur-revolution-communists-soviet-intervention
[iv] http://www.rawa.org/meena.html
ترجمة تامر خرمه
مراجعة فيكتوريوس شمس



