✍🏾 فابيو بوسكو
في 15 أغسطس/ آب 2021، انسحبت قوات الاحتلال الأمريكية من أفغانستان، منهية احتلالا إجراميا استمر 20 عاما، أنفقت خلاله الإمبريالية الأمريكية نحو 300 مليون دولار يوميا لدعم حكومة عميلة فاسدة، إلى جانب قوة عسكرية ارتكبت مختلف أشكال انتهاكات حقوق الإنسان بحق الشعب الأفغاني.
“إضافة إلى ذلك، لم يطرأ أي تغيير نوعي على وضع المرأة الأفغانية خلال سنوات الاحتلال العشرين. فـ 25% فقط من النساء يعرفن القراءة والكتابة، وتتزوج نصف النساء قبل بلوغ سن 18 عاما. كما تنتشر، ولا سيما في المناطق الريفية التي يعيش فيها 75% من السكان الأفغان، ممارسة دفع المهر إلى أسرة العروس، وفرض ارتداء البرقع. ولم يهتم نظام الاحتلال قط بالتطبيق الفعلي لقانون مكافحة العنف الأسري. أما القانون الآخر الذي يضمن إدراج اسم الأم في الوثائق الثبوتية لأبنائها، فلم يُقرّ إلا في نهاية عام 2020. وفي الواقع، لم تحتل الإمبريالية أفغانستان من أجل «إنقاذ» النساء من القمع؛ بل على العكس، فقد تكيفت أساسا مع الممارسات الاجتماعية الذكورية السائدة، مع إدخال بعض التغييرات الشكلية، مثل تقديم بعض الموارد للمنظمات غير الحكومية، ووجود نساء في برلمان النظام العميل، وغير ذلك.”(1)
وقد سبق هذا الاحتلال الإجرامي احتلال آخر، هو الاحتلال السوفييتي، الذي بدأ عام 1979 وانتهى بطرد القوات السوفييتية بعد عشر سنوات. ووضع هذا الاحتلال حدا لإنجازين مهمين من إنجازات ثورة أبريل/ نيسان 1978، المعروفة باسم “ثورة ثور” (“ثور” تعني اسم الشهر الثاني بالتقويم الأفغاني): الإصلاح الزراعي وإلغاء المهر في البلاد، باعتباره أحد أشكال تحويل المرأة إلى سلعة، كما أغرق أفغانستان في حرب أودت بحياة مليون شخص.
وخلال السنوات الخمس الماضية، فرض النظام الجديد بقيادة طالبان احتكار العنف بيد الدولة، وحصل على اعتراف دبلوماسي قانوني من جانب روسيا، وعلى اعتراف فعلي من جميع دول الجوار، إضافة إلى القوى الدولية.
وجاء هذا الاعتراف نتيجة مصالح تلك الدول في تكييف أفغانستان بما يتناسب مع أهدافها الخاصة. فعلى سبيل المثال، عقد الاتحاد الأوروبي في يونيو/ حزيران اجتماعا مع ممثلين عن الدولة الأفغانية، بهدف تسهيل ترحيل اللاجئين الأفغان المقيمين في دول الاتحاد الأوروبي، في انتهاك واضح لحقوق هؤلاء اللاجئين.
ولدى دول الجوار مصالح مرتبطة بأمن المنطقة؛ أي إنها معنية بأن يمنع نظام طالبان تنظيم حركات معارضة داخل أراضيها. ولعل أفضل مثال على ذلك هو الصين، التي تحتل منطقة شينجيانغ بعنف، حيث تعيش غالبية من الأويغور في ظل دولة احتلال عنيفة. وتريد الصين من النظام الأفغاني أن يحد من أنشطة الجماعات التي تناضل من أجل حقوق الأويغور، وهو ما ينفذه النظام الأفغاني بسرعة.
وفي الوقت الراهن، يتهم النظام الباكستاني النظام الأفغاني بتسهيل نشاط حركة طالبان باكستان (TTP)، وهي الحركة التي تنشط في باكستان والتي، رغم التقارب الأيديولوجي، لا تشكل التنظيم نفسه. وعلى خلفية ذلك، طردت السلطات الباكستانية مئات الآلاف من اللاجئين الأفغان، ونفذت قصفا متقطعا في المناطق الحدودية، وفرضت عمليات إغلاق على المعابر الحدودية.
الحياة لم تتحسن
لكن، رغم انتصار الشعب الأفغاني بطرد الغزاة عام 2021، لم تتحسن الحياة، بل انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 20%.
وتتحمل الدول الإمبريالية المسؤولية الأولى، إذ لا تزال تحتجز نحو 10 مليارات دولار من الأموال الأفغانية، 70% منها مجمد في الولايات المتحدة، وهي موارد كانت ستكون أساسية لتحسين ظروف حياة السكان. كما أدى استبعاد البلاد من نظام المدفوعات الدولي “سويفت” إلى ارتفاع تكلفة استيراد المواد الغذائية والأدوية والوقود التي تعتمد عليها البلاد.
إضافة إلى ذلك، خفضت القوى الإمبريالية المساعدات الإنسانية بشكل حاد. واليوم، يعيش ثلثا السكان الأفغان تحت خط الفقر.
أما المسؤول الثاني فهو نظام طالبان نفسه. فسياساته الاقتصادية والاجتماعية، التي فُرضت بصورة ديكتاتورية، لم تؤد إلى تحسين ظروف الحياة في البلاد.
ولا تزال سياسة استقطاب شركات التعدين متعددة الجنسيات لاستغلال الثروات المعدنية المقدرة بنحو تريليون دولار، بما في ذلك احتياطيات الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة، من دون ثمار ملموسة حتى الآن. وهناك أيضا اتفاقات مع دول في آسيا الوسطى، مثل أوزبكستان وكازاخستان، تريد إنشاء خط سكك حديدية يصل إلى موانئ باكستان عبر أفغانستان، لكن المفاوضات بشأنها لا تزال جارية.
ولا تزال الزراعة النشاط الاقتصادي الرئيسي في البلاد. وتشكل صادرات الفواكه والزعفران والفحم والسجاد اليدوي، إلى جانب تحويلات اللاجئين إلى أسرهم، المصادر الرئيسية للعملة الصعبة.
أما الضرائب المفروضة على الأنشطة الزراعية والرعوية، وعلى التجارة المحلية والدولية، فتؤمن الموارد اللازمة لتمويل الدولة، التي سحبت الموارد من التعليم والصحة العامة، وركزت على دفع رواتب القوات العسكرية والشرطة، إلى جانب بعض الاستثمارات في الطرق السريعة.
وفي القطاع الزراعي، قيد نظام طالبان زراعة الخشخاش، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج السنوي من نحو 6 آلاف طن إلى نحو 300 طن من الأفيون. وأدت هذه السياسة إلى احتجاجات من المزارعين طالبوا فيها بسياسة لاستبدال هذه الزراعة بإنتاج زراعي مستدام.
وفي المقابل، جرى استبدال تجارة الأفيون جزئيا بالاتجار بالمخدرات الاصطناعية. ولم تُطبق أي سياسة للإصلاح الزراعي؛ بل على العكس، يتكيف نظام طالبان مع كبار ملاك الأراضي، ومع السياسة العنصرية المشينة تجاه سكان الهزارة الشيعة، الذين يتعرضون بصورة دورية للطرد من أراضيهم في وسط البلاد.
لكن السياسة الأكثر ضررا التي ينتهجها النظام الأفغاني تتعلق بالنساء. فأفغانستان هي الدولة الوحيدة في العالم التي تحظر الوصول إلى التعليم على الفتيات والنساء فوق سن 12 عاما، وتفرض ارتداء الشادور، وهو لباس يحجب النساء وينزع عنهن إنسانيتهن، كما تجبرهن على الخروج إلى الشارع برفقة رجل من أفراد الأسرة، أو ما يُعرف بـ”المحرم”.
ويؤدي ذلك إلى أن نحو نصف النساء لا يخرجن من منازلهن سوى مرة أو مرتين في الشهر، ما يحول بيوتهن إلى سجون حقيقية.
وتترك هذه السياسة المعادية للنساء أثرا اقتصاديا هائلا، إذ تشكل النساء نحو نصف قوة العمل، لكنهن مستبعدات عمليا من سوق العمل والمدارس والجامعات ومن أي مسار للتنمية البشرية. وإلى جانب كون ذلك إجراء لا إنسانيا، فإنه سيؤدي، على سبيل المثال، في المستقبل القريب إلى نقص في المعلمات والممرضات والطبيبات والعالمات.
سياسة اشتراكية لأفغانستان
تبدأ سياسة اشتراكية لأفغانستان بالمطالبة بفك تجميد جميع الأموال الأفغانية المجمدة في البلدان الإمبريالية، وتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية، والاعتراف الدبلوماسي بالبلاد من جانب جميع الدول، وإعادة حقها في الحصول على مقعد في منظمة الأمم المتحدة.
إضافة إلى ذلك، من الضروري دمج الحملات المدافعة عن حقوق اللاجئين الأفغان في مواجهة عمليات الترحيل، سواء من الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو الدول المجاورة مثل باكستان وإيران.
وأخيرا، فإن دعم الاحتجاجات العمالية والشعبية والتنظيم الذاتي للعمال والنساء وسائر الفئات المضطهدة أمر حاسم. ومن الأمثلة على ذلك الاحتجاج الذي شهدته مدينة هرات في 9 يونيو/ حزيران، حيث تظاهر نحو 100 شخص احتجاجا على ممارسات شرطة الآداب بحق النساء، وهم يهتفون: “التعليم والعمل والحرية”. وقد قمعت قوات الأمن المظاهرة بعنف باستخدام الرصاص، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى.
وفيما يتعلق بالتنظيم الذاتي، من الضروري دعم المنظمات الشعبية، مثل جمعية النساء الثوريات في أفغانستان (RAWA)، وهي أقدم منظمة من نوعها في البلاد، والتي تدافع عن قيام جمهورية علمانية، وتعارض أي تدخل أجنبي، وتدافع عن حقوق أقلية الهزارة، وتعمل بصورة سرية في مجال تعليم الفتيات وإنشاء شبكات للتضامن.
ومن المنظمات الأخرى اليسار الثوري الأفغاني (LRA)، الذي وجه نداء من أجل التضامن الدولي للدفاع عن حقوق النساء، وتحقيق استقلال وطني حقيقي لأفغانستان، واستخدام الثروات الطبيعية للبلاد من أجل التنمية الاجتماعية والاقتصادية ورفاه السكان، والدفاع عن تعليم عام ومجاني لجميع الرجال والنساء.
الهوامش
(1) المقال المشار إليه في النص الأصلي



