✍🏾 فابيو بوسكو
إن العدوان الإمبريالي الهادف إلى تغيير النظام الإيراني وإخضاع البلاد للولايات المتحدة وإسرائيل قد فشل حتى الآن، وقد يتحول إلى أول هزيمة عسكرية لإدارة ترامب.
نفذت الآلتان العسكريتان الضخمتان للولايات المتحدة وإسرائيل أكثر من 23 ألف غارة جوية، أسفرت عن اغتيال قادة إيرانيين بارزين، وتدمير مبانٍ حكومية، ومصانع، ومنازل، ومدارس، ومستشفيات، وتراث تاريخي. إلا أن النظام الإيراني، الذي كان مستعداً للأسوأ، جدد هيكليته وتركزت سلطته حول الحرس الثوري. وبواسطة الطائرات المسيرة والصواريخ، فرض إغلاقاً على مضيق هرمز واستهدف القواعد العسكرية الأمريكية في عدة دول، ما ألحق بها خسائر فادحة وعطّل عمل العديد منها.
أدى طول مدة العدوان إلى انخفاض نوعي في المخزونات الإمبريالية من الصواريخ الاعتراضية للدفاع الجوي والصواريخ الحديثة، مما أربك ترامب واضطره لإعادة توزيع المعدات، وهو ما تسبب في أزمات دبلوماسية وضعف في تقييم القدرات العسكرية الأمريكية. علاوة على ذلك، ألقى إغلاق مضيق هرمز بظلاله على الاقتصاد العالمي، وأدى إلى تراجع شعبية ترامب داخل الولايات المتحدة وخارجها، وهو أمر من المرجح أن ينعكس على انتخابات منتصف الولاية مع احتمال فقدان الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب.
دفعت هذه التطورات ترامب إلى إعلان وقف لإطلاق النار في شهر أبريل، أعقبه توقيع مذكرة تفاهم في 17 حزيران/ يونيو. وتماشياً مع الواقع السياسي والعسكري، جاءت مذكرة التفاهم لصالح إيران بشكل كبير، وجاء ضمن بنودها الفورية:
- إلغاء العقوبات المقرّرة على صادرات النفط الإيراني.
- إنهاء الحظر المباشر على الموانئ الإيرانية.
- إعادة فتح مضيق هرمز تحت إدارة ومشاطرة إيرانية – عُمانية.
- إقرار وقف شامل لإطلاق النار في المنطقة يشمل لبنان.
عقب توقيع الاتفاقية، حاول دونالد ترامب التراجع عن ثلاثة بنود رئيسية في مذكرة التفاهم:
- وقف إطلاق النار في لبنان: رعى ترامب اتفاقاً نيولبرالياً/ استعمارياً جديداً ضد لبنان بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية وإسرائيل. يضمن هذا الاتفاق للمحتل الصهيوني الإبقاء على قواته في الأراضي المحتلة وحق اللجوء إلى العمل العسكري متى رأى ذلك ضرورياً، مع إسناد مهمة نزع سلاح حزب الله للحكومة اللبنانية كشرط لانسحاب إسرائيل. كما تعهدت الحكومة اللبنانية بعدم اللجوء إلى المحافل الدولية للمطالبة بإنهاء الاحتلال أو التنديد بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها القوات الإسرائيلية.
- السيطرة على مضيق هرمز: وجه ترامب ثلاث سفن للعبور عبر المضيق من مسار غير مصرح به من قبل الحرس الثوري الإيراني، مما دفع إيران لإطلاق طائرات مسيرة فوق المراكب لإجبارها على التراجع، واُتبع ذلك بسلسلة من الهجمات العسكرية الأمريكية على الشريط الساحلي ومناطق أخرى داخل إيران، ردت عليها إيران بالمثل.
- منظمات محور المقاومة: لم يكن هذا البند مدرجاً في مذكرة التفاهم، إلا أن ترامب نسق مع السعودية لاستهداف المنظمات الحليفة لإيران في العراق (الحشد الشعبي) وفي اليمن (أنصار الله – الحوثيون). دفع هذا الحوثيين إلى إعلان الحرب على السعودية والتأكيد على منع أي سفن قادمة من الموانئ السعودية من المرور عبر مضيق باب المندب في البحر الأحمر.
في الوقت الراهن، تتخلل المشهد فترات متقطعة من وقف إطلاق النار تتداخل مع هجمات عسكرية محدودة في منطقة الخليج وسط مفاوضات مباشرة وأخرى عبر وسطاء، في حين تستمر الهجمات العسكرية السعودية في العراق واليمن، إلى جانب الاعتداءات الإسرائيلية في لبنان وسوريا وفلسطين.
القضية الفلسطينية
لم ينعكس الفشل الإسرائيلي في العدوان على إيران بشكل مباشر حتى الآن على الوضع الفلسطيني. ومنذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حققت المقاومة الفلسطينية إنجازين رئيسيين:
- موجة تضامن دولي عارمة كسبت قلوب وعقول الشعوب، لا سيما في الدول الإمبريالية الغربية، وانعكست على الحراك السياسي والعمليات الانتخابية في تلك البلدان.
- تجميد مسار تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل نتيجة الرفض الشعبي العارم.
ومع ذلك، فإن التكلفة الإنسانية لهذه الإنجازات كانت باهظة للغاية، وتمثلت في استمرار الإبادة الجماعية في غزة، وتكثيف التطهير العرقي في الضفة الغربية والقدس الشريف، واستمرار نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) ضد الفلسطينيين في أراضي 48.
دفعت الوضعية الدفاعية في غزة حركة حماس إلى إعلان استعدادها لتسليم الإدارة والسلاح لـ “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، المنصوص عليها في خطة ترامب للسلام، شريطة انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل من غزة، وهو ما رفضه نتنياهو لاعتبارات تتعلق بالانتخابات الإسرائيلية.
من جانبه، يسعى الكيان الإسرائيلي للتعافي من فشل عدوانه على إيران عبر تصعيد اعتداءاته العسكرية في لبنان وسوريا وغزة والضفة الغربية، وصياغة تحالفات إقليمية مع الإمارات العربية المتحدة، وقبرص، واليونان، والمغرب، إضافة إلى الشيخ حكمت الهجري (الذي برز كقائد أساسي للدروز في سوريا عقب مجازر راح ضحيتها 1400 درزي في تموز/ يوليو من العام الماضي).
رغم ذلك، يتجلى ضعف إسرائيل في تراجع هيبتها أمام الرأي العام العالمي، وفي أزماتها الداخلية المتفاقمة: من هرب رؤوس الأموال والكوادر المتخصصة قبل وبعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وفقدان الثقة بأجهزتها الأمنية، والصعوبات في تجنيد الجيش، ورفض الحريديم للخدمة العسكرية، وصولاً إلى الاستقطاب الانتخابي الذي يحرم أي تكتل صهيوني من تحقيق أغلبية استقرار في انتخابات أكتوبر المقبلة.
إعادة تشكيل الخارطة الإقليمية
أدى فشل العدوان الإسرائيلي – الأمريكي على إيران إلى نهاية الحلم الصهيوني بـ “شرق أوسط جديد” يخضع لهيمنته. فإلى جانب “محور المقاومة” بقيادة إيران الذي خرج أكثر قوة، أسست السعودية حلفاً عسكرياً جديداً (“ميثاق مكة”) يجمعها بتركيا وباكستان كبديل لإسرائيل ولمحور المقاومة. وتحتفظ هذه الكتل الثلاث بروابط مباشرة مع القوى الإمبريالية.
بالإضافة إلى هذا الحلف، أبرمت السعودية اتفاقاً مع الولايات المتحدة لتطوير المحطات النووية، حيث سارع ترامب لإتمامه قبل أن توقع الرياض اتفاقيات مماثلة مع أطراف أخرى كالصين وروسيا وفرنسا. وتستمر دول محورية أخرى في المنطقة، كالعراق وقطر ومصر، في انتهاج سياسة التوازن بين هذه الكتل الثلاث.
الاتجاهات العالمية
تعتبر التداعيات العالمية لهذا العدوان الإمبريالي عميقة وبدأت ملامحها الأولى بالظهور:
- تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي: يتوقع البنك الدولي انخفاض النمو إلى 2.5%، مع إمكانية تراجعه أكثر في حال عدم إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل. وتتأثر دول الخليج ومنطقة اليورو بشكل أكبر بهذا التباطؤ.
- التعزيز النسبي لموقع الصين: في إطار تنافسها الإمبريالي مع الولايات المتحدة، ورغم كونها المستورد الأكبر للنفط عالمياً، نجحت الصين في تجنب الآثار الاقتصادية الصعبة عبر زيادة وارداتها من النفط الروسي، واستغلال احتياطياتها الضخمة، وتسريع تنويع مصادر الطاقة، معززةً روايتها الداعية للاستقرار والدفاع عن نظام عالمي متعدد الأقطاب. كما أسست الصين في تموز/ يوليو 2026 “المنظمة العالمية للتعاون في الذكاء الاصطناعي” (WAICO) بمشاركة 29 دولة بينها روسيا والبرازيل وجنوب إفريقيا لضمان ديمقراطية التكنولوجيا، وذلك كَرَدّ على تحالف “باكس سيليكا” (Pax Silica) الذي شكلته واشنطن في كانون الأول/ ديسمبر 2025 مع 24 دولة لاحتكار سلاسل توريد الشرائح الذكية.
- تراجع الإمبريالية الأوروبية واليابانية: أثرت الأزمة بشدة على الدول المعتمدة على النفط، وتزامنت مع فقدان التنافسية الصناعية أمام الصين، وفقدان أوروبا لمصادر الطاقة الروسية الرخيصة بسبب حرب أوكرانيا، وضغوط ترامب لفرض علاقات نفوذ غير متكافئة.
- خلق بدائل لمضيق هرمز: توسيع إنتاج النفط في دول مثل البرازيل وفنزويلا، وفتح خطوط أنابيب جديدة تربط الخليج بالبحر الأحمر والمتوسط، والتوسع في الطاقة النووية والمتجددة والفحم.
- تسريع سباق التسلح: كشف العدوان عن الهشاشة العسكرية للإمبريالية الهيمنية، تماماً كما كشفت الحرب في أوكرانيا عن حدود القوة العسكرية الروسية. أدى ذلك إلى زيادة الميزانيات العسكرية لكبرى الدول على حساب الإنفاق الاجتماعي والصحي والتعليمي والبيئي.
- أوهام زيلينسكي بشأن ترامب: قامت حكومة زيلينسكي بقصف سفينة تجارية إيرانية في بحر قزوين في 25 تموز/ يوليو أملًا في كسب دعم ترامب ضد روسيا، وهو تصرف خاطئ وواهم نرفضه. فالاستراتيجية الأمريكية، كما تعكسها عقيدتها الأمنية، تقوم على تقسيم أوروبا لإخضاعها، والوصول إلى تفاهمات مع بوتين تنتهي بمنحه أجزاء من الأراضي الأوكرانية ورفع العقوبات عنه.
موقفنا
إن سياساتنا تجاه العدوان الأمريكي والإسرائيلي ضد أي من دول وشعوب المنطقة (إيران، لبنان، سوريا، فلسطين، أو اليمن) تقوم على الوحدة العسكرية مع الشعوب والدول المعتدى عليها، دون أن يعني ذلك تقديم أي دعم سياسي للأنظمة أو المنظمات التي تقودها. ونحن ندعم حق هذه الشعوب في الحصول على السلاح للدفاع عن نفسها.
وفي الوقت ذاته:
- نطالب بإنهاء جميع العقوبات المقرّرة على إيران وإلغاء تجميد أصولها في الخارج.
- نطالب النظام الإيراني بوقف الإعدامات فوراً والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين (حيث أعدم النظام 24 متظاهراً منذ بدء الأحداث).
- ندعو إلى التسليح العام للشعب الإيراني لمواجهة أي إمكانية لغزو بري أمريكي – إسرائيلي.
- نؤيد ونستند إلى الحراكات العمالية والشعبية في المنطقة، مثل شبكات الحماية الشعبية ضد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، واحتجاجات المعلمين والمواطنين في إيران، والتظاهرات المناهضة للتطبيع في بيروت، وحركات الدفاع الذاتي والإضرابات العمالية في سوريا.
أخيراً، نتوجه بنداء دولي لتعزيز أعمال التضامن مع المقاومة الفلسطينية ومواجهة التضييق على الناشطين الداعمين لها في جميع أنحاء العالم، وصولاً إلى تحقق الهدف في فلسطين حرة من النهر إلى البحر.



