✍🏾 فابيو بوسكو
في يوم 16 من الشهر الجاري، وقّع الرئيس ترامب والحكومة الإيرانية مذكرة تفاهم لإعادة فتح مضيق هرمز.
وتنص المذكرة على وقف إطلاق النار على كافة الجبهات، بما في ذلك لبنان، لمدة 60 يوماً. وتعهدت إيران بالسماح بالملاحة في مضيق هرمز دون فرض أي رسوم عبور. في المقابل، تعهد ترامب بإنهاء الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، بالإضافة إلى رفع العقوبات المتعلقة بتصدير النفط الإيراني.
كما تقر المذكرة فتح مفاوضات بشأن تجميد تخصيب اليورانيوم الإيراني، فضلاً عن مصير 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، مقابل إنهاء كافة العقوبات الإمبريالية، وإلغاء تجميد الأموال الإيرانية في الخارج (والتي تبلغ نحو 100 مليار دولار)، وتأسيس صندوق للاستثمارات الخاصة في إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، تساهم فيه بشكل أساسي دول الخليج.
ولا تُعتبر هذه المذكرة اتفاقية سلام، وهي عرضة للانهيار. وفي الوقت الراهن، ترفض “إسرائيل” إخلاء جنوب لبنان، مما يشكل تهديداً للمفاوضات.
وتأتي هذه المذكرة نتيجة لفشل الاستراتيجية الإمبريالية لترامب، بالتنسيق مع “إسرائيل”، لإسقاط النظام الإيراني وتصفية برنامجه النووي والباليستي، فضلاً عن تقويض دعمه للمنظمات الحليفة له ضمن ما يُعرف بـ “محور المقاومة” (حزب الله، الحشد الشعبي العراقي، أنصار الله/الحوثيين في اليمن، وحركة حماس).
فقد نجا النظام الإيراني من القصف الإمبريالي العنيف، وأثبت قدرته على ضرب الدول المجاورة التي تضم قواعد أمريكية، بالإضافة إلى التحكم في تدفق السفن عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، مما أحدث تأثيراً كبيراً على الاقتصاد العالمي.
وكان لاحتمال حدوث ركود اقتصادي دولي نتيجة لإغلاق مضيق هرمز، والانقسام الداخلي بين أجنحة البرجوازية في الولايات المتحدة، وعدم شعبية الحرب بين المواطنين الأمريكيين ــ وهو ما يُتوقع أن ينعكس على انتخابات التجديد النصفي في النصف الثاني من العام ــ أثر بالغ على قرار ترامب.
وفي هذه اللحظة، يلجأ ترامب إلى “الخطة ب”: دمج إيران في السوق العالمية والسيطرة على قطاعات رئيسية في اقتصاد البلاد من خلال الاستثمارات الأجنبية، بالشراكة مع الحكومة الإيرانية. وبهذه الطريقة، يستهدف الاقتصاد الصيني، المستفيد الأكبر من النفط الإيراني الرخيص، حيث ستضطر الصين بموجب ذلك إلى دفع الأسعار الدولية. ومع ذلك، فإن نجاح خطة “الاستعمار” الاقتصادي هذه يظل غير مؤكد، ولا يستبعد احتمال شن هجمات عسكرية جديدة.
الأثر الأولي للفشل في العدوان العسكري
لقد فشل مخطط “الشرق الأوسط الجديد” الخاضع للهيمنة الإسرائيلية والقائم على تصفية ما يسمى بمحور المقاومة. فالنظام الإيراني وحلفاؤه، ورغم إضعافهم عسكرياً، قد نجوا وباتوا في وضع يسمح لهم باستعادة قوتهم ونفوذهم الإقليمي. علاوة على ذلك، شكلت المملكة العربية السعودية تحالفاً مهماً مع باكستان وتركيا ومصر وقطر، كبديل لكل من “إسرائيل” ومحور المقاومة. في المقابل، تحتفظ “إسرائيل” بمساحات شاسعة تحتلها في جنوب لبنان وسوريا، بالإضافة إلى كل فلسطين، وتحتفظ بحلفاء في المنطقة مثل الإمارات العربية المتحدة. واليوم، ما يلوح في الأفق هو شرق أوسط متعدد الأقطاب يتفاوض فيه كل تحالف بشكل مباشر مع القوى الإمبريالية.
ولم تكن القضية الفلسطينية جزءاً من المذكرة، على الرغم من استمرار حرب الإبادة الجماعية في غزة والتطهير العرقي في الضفة الغربية. ومع ذلك، فإن إضعاف “إسرائيل” في المشهد الإقليمي، واستمرار المقاومة الفلسطينية والتضامن الدولي، من شأنه أن يعيد القضية الفلسطينية إلى الأجندة العالمية.
وعلى الساحة الدولية، يبدو الأثر متعدد الأوجه، حيث يشهد العالم تسارعاً في سباق التسلح وتطوراً بارزاً في تكنولوجيات جديدة للطائرات المسيرة والصواريخ رخيصة التكلفة. كما تسعى الدول المستوردة للنفط إلى تنويع مصادر طاقتها بالاعتماد على الفحم، والطاقة النووية، والطاقات المتجددة.
لكن الأثر الأهم يكمن في إثبات أن القوة العسكرية، مهما بلغت سطوتها، ليست عصية على الهزيمة. فالإمبريالية الأمريكية و”إسرائيل”، على الرغم من تفوقهما العسكري الهائل، لم تتمكنا من دحر إيران. وهو الوضع ذاته الذي تواجهه الإمبريالية الروسية التي تمر بصعوبات جمة لفرض إرادتها أمام أوكرانيا. وفي خضم هذه المواجهات والانتفاضات العمالية والشعبية في عدة بلدان مثل بوليفيا وألبانيا، يتشكل ميزان نظام عالمي جديد.
وفي كل الأحوال، تستمر المعركة في لبنان لطرد القوات الإسرائيلية، وهي معركة قد تكتسب زخماً جديداً في سوريا. إننا نقف في الخندق العسكري للمقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله، والمقاومة الفلسطينية بقيادة حماس، والناشطين السوريين في نضالهم ضد الاحتلال الإسرائيلي، دون أن يعني ذلك تقديم الدعم السياسي لقياداتهم.



