✍🏾 فابيو بوسكو
منذ الثاني من آذار، تكثف إسرائيل هجماتها المدمرة ضد لبنان، مستهدفة بشكل خاص المنطقة الجنوبية والضاحية الجنوبية لبيروت. وقد خلّف هذا العدوان حتى الآن أكثر من 3100 شهيد، وأكثر من مليون نازح، فضلا عن دمار هائل لحق بمناطق واسعة. فأين تقف حدود الأطماع الإسرائيلية؟
لفهم هذه الهجمات، لا بد من العودة إلى الرؤية التاريخية التي يحملها الصهاينة تجاه لبنان. ففي 16 أيار 1955، دوّن رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، موشيه شاريت، في مذكراته تفاصيل اجتماع جمعه ببن غوريون (وزير الدفاع حينها) وموشيه دايان، رئيس أركان جيشه، حيث قال:
“وفقاً لـ [دايان]، كل ما يتطلبه الأمر هو العثور على ضابط، ولو برتبة رائد، لنكسب قلبه أو نشتريه بالمال، لكي يقبل بإعلان نفسه منقذاً للمكون الماروني. وحينها سيدخل الجيش الإسرائيلي إلى لبنان، ويحتل الأراضي اللازمة، ويقيم نظاماً مسيحياً يتحالف مع إسرائيل. وبذلك يُضم الشريط الواقع جنوب نهر الليطاني بالكامل إلى إسرائيل…”.
وقد جرى اختبار هذا المخطط عملياً عام 1978 عندما اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان وشكلت جيشاً عميلاً بقيادة الرائد سعد حداد، والذي خلفه بعد وفاته الجنرال أنطوان لحد (وكلاهما من المسيحيين الموارنة). وبعد أربع سنوات، تقدمت القوات الإسرائيلية حتى العاصمة بيروت لطرد القوات الفلسطينية، وهزيمة قوى اليسار، وفرض حليفها بشير الجميل رئيساً للبلاد.
كان الجميل يتبنى أجندة إسرائيلية واضحة تقوم على طرد الفلسطينيين الذين كان يراهم “فائضاً سكانياً”، وفرض سلطة استبدادية لتمرير مصالح البرجوازية اللبنانية المسيحية.
ولتحقيق ذلك، كان الجميل بحاجة إلى كسب الوقت لإخراج الفلسطينيين والقوات السورية قبل المضي في تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني. وكان هذا هو الاتفاق الذي أُبرم بين الجميل والجنرال الإسرائيلي أرييل شارون في بكفيا قبل يومين فقط من اغتيال الجميل في تفجير استهدف مقر حزبه.
لاحقاً، في عام 1983، تمكنت المقاومة اللبنانية -التي كانت تقودها آنذاك أحزاب يسارية- من دحر القوات الإسرائيلية وإجبارها على التراجع من بيروت إلى الجنوب. وفي عام 2000، نجحت المقاومة اللبنانية، التي أصبحت تحت قيادة حزب الله، في طرد القوات الإسرائيلية وجيشها العميل بالكامل.
أما المحاولة الثانية لفرض هذا المخطط الاستعماري على لبنان فقد بدأت في تشرين الأول 2024 عبر غارات مدمرة استهدفت الأراضي اللبنانية، ولا سيما الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، بالإضافة إلى بلدات وقرى في وادي البقاع. وتوقف هذا العدوان مؤقتاً بضغط من ترامب، إلا أن إسرائيل خرقت وقف إطلاق النار 15,000 مرة حتى الثاني من آذار 2026، وهو التاريخ الذي استأنفت فيه إسرائيل عدوانها واسع النطاق.
وفي مسار المفاوضات التي تفرضها الإمبريالية الأمريكية، تبدو الأهداف الإسرائيلية واضحة: إجبار الحكومة اللبنانية على الدفع نحو حرب أهلية لنزع سلاح حزب الله، في الوقت الذي تحتل فيه القوات الإسرائيلية جنوب البلاد، مع الاحتفاظ بالحق في ضرب أي نقطة في العمق اللبناني في أي وقت. إن هذا المخطط الإسرائيلي يسعى لتحويل الحكومة اللبنانية إلى مجرد أداة لتنفيذ مصالحها الاستعمارية في الأراضي العربية.
إسرائيل كقاعدة متقدمة للإمبريالية الأمريكية
يعتمد هذا المخطط الإسرائيلي اعتماداً مباشراً على راعيه الرئيسي: الإمبريالية الأمريكية. فمنذ عام 1973، حوّلت واشنطن الكيان الإسرائيلي إلى قاعدة متقدمة لها للسيطرة على منطقة المشرق العربي والعراق وشبه الجزيرة العربية. ولتحقيق هذه الغاية، تتلقى إسرائيل مجاناً أحدث الأسلحة التي تفوق قدرات أي دولة أخرى في المنطقة، في حين تبيع الولايات المتحدة للدول الأخرى أسلحة غير كافية لمواجهة الصهاينة. ومنذ عهد إدارة أوباما، تحصل إسرائيل على 3.8 مليار دولار سنوياً، وتتضاعف هذه المساعدات عند الحاجة، كما حدث خلال حرب الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة.
علاوة على ذلك، طوّرت الإمبريالية الأمريكية سلسلة من الاستراتيجيات الدبلوماسية لإجبار الدول العربية على التطبيع مع إسرائيل؛ بدأت مع مصر عام 1979، ثم الأردن لاحقاً. وفي عام 1993، جاءت اتفاقيات أوسلو لتحوّل منظمة التحرير الفلسطينية إلى وكيل لإدارة الاحتلال الإسرائيلي. وفي عام 2020، وُقعت “اتفاقيات أبراهام” مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب والسودان، بالتوازي مع مسارات تطبيع غير معلنة مع معظم الأنظمة العربية، باستثناء الجزائر وتونس والكويت.
إلا أن هذا المسار المتصاعد للتطبيع انكسر بفعل عملية المقاومة الفلسطينية بقيادة حماس في 7 تشرين الأول 2023، والتي أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الدولية، وجمّدت مفاوضات التطبيع الجارية -خاصة مع المملكة العربية السعودية- وزعزعت الثقة الصهيونية المطلقة في منظومتها الأمنية.
ومنذ ذلك الحين، قدمت الولايات المتحدة، في عهدي بايدن وترامب، دعماً غير مشروط لدولة إسرائيل في حرب الإبادة الجماعية في غزة، وعمليات التطهير العرقي في الضفة الغربية، ونظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.
الأهداف الفاشلة للعدوان على إيران
بعد تصعيد استمر 12 يوماً في عام 2025، شنت الإمبريالية الأمريكية والقوات الإسرائيلية عدواناً وحشياً ضد إيران في 28 شباط.
وكان المخطط يهدف إلى فرض حكومة حليفة، تلبية للمصالح الأمريكية في صراعها الإمبريالي مع الصين، وتقويض الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني، وبما يفسح المجال كاملاً أمام أطماع الهيمنة الإسرائيلية.
بيد أن هذا المخطط تحطم أمام نجاح الاستراتيجية الإيرانية في إغلاق مضيق هرمز وشل حركة الاقتصاد الدولي. وتعيش المنطقة حالياً حالة من الانسداد السياسي المأزقي، بينما يبحث ترامب عن مخرج لإعادة فتح المضيق لتفادي انهيار أكبر في الاقتصاد العالمي، وهو ما يمس بمصالح الشركات الكبرى والمواطن الأمريكي والدول الحليفة على حد سواء.
وبالتوازي مع ذلك، تفعل الولايات المتحدة الخطة “ب” عبر مبعوثها توم باراك، الذي يجري جولات في العواصم العربية لبناء تحالف إقليمي ضد إيران. وقد أحرز هذا التوجه خطى ملموسة عبر التحالف العسكري قيد التفاوض بين إسرائيل والإمارات، وتغيير رئيس الوزراء العراقي.
الطموحات السعودية وبناء “الخيار الثالث”
رغم ذلك، يواجه هذا المخطط عقبات عدة، تبرز أولاها من جانب النظام السعودي -الذي يقود الجامعة العربية حالياً- إذ يمتلك تطلعات خاصة ليصبح القوة الإقليمية المهيمنة، كبديل لإيران وإسرائيل معاً.
وقبل أحد عشر عاماً، شن النظام السعودي حرباً غير ناجحة ضد الحوثيين في اليمن، توقفت عملياً بعد استهداف الطائرات المسيرة لأكبر مجمع نفطي في البلاد عام 2019.
وتزامن ذلك مع إطلاق المملكة لـ “رؤية 2030” بهدف تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط. ومع ذلك، لم تنجح الرؤية في حشد كافة الموارد المالية اللازمة لتنفيذها، وهي اليوم تواجه تحديات حقيقية بسبب الهجوم الإمبريالي على إيران، والذي انعكس سلباً على دول الخليج كافة.
يسعى النظام السعودي اليوم إلى بناء تحالف إقليمي بديل لإسرائيل وإيران، يدمج فيه قدراته الاقتصادية الهائلة مع الصناعات العسكرية التركية، والثقل السكاني لمصر، والقوة النووية الباكستانية، وهو ما يشكل تحالفاً ذا وزن ثقيل. ورغم أن هذا المحور يحتفظ بتحالفه مع الولايات المتحدة، إلا أنه يقيم علاقات ممتازة مع الإمبريالية الصينية.
ومن أبرز مرتكزات هذا التوجه تجميد التطبيع مع إسرائيل وربطه بـ “مبادرة السلام العربية لعام 2002″، التي تشترط الاعتراف بدولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967. وتنشط الدبلوماسية السعودية حالياً في لبنان لمنع فرض أي شروط تطبيعية مع إسرائيل.
لبنان المنقسم
ترفض الأغلبية الساحقة من البرجوازية اللبنانية والشعب اللبناني التطبيع الكامل مع إسرائيل، غير أن الرؤى تنقسم خلف خطوط طائفية حول كيفية إنهاء العدوان الإسرائيلي.
إذ تطالب البرجوازية المسيحية باتفاق لوقف إطلاق النار مع إسرائيل ونزع سلاح حزب الله. وفي المقابل، ترفض البرجوازية الشيعية المفاوضات مع إسرائيل باعتبارها شكلاً من أشكال التبعية الاستعمارية، وتدعم المقاومة المسلحة بقيادة حزب الله التي تحتاج إلى السلاح لمواصلة المواجهة. وتقف البرجوازية السنية والدرزية بين هذين الموقفين؛ حيث تطالب بوقف إطلاق النار دون السقوط في فخ التطبيع، مع السعي لنزع سلاح حزب الله عبر الحوار والتفاوض.
أما الانقسام على المستوى الشعبي فيبدو مختلفاً نسبياً؛ فوفقاً لاستطلاع رأي أجرته قناة “الجديد” المحلية، تؤيد غالبية المسيحيين والدروز والسنة نزع سلاح حزب الله، بينما يرفض ذلك 87% من الشيعة. وحول المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، يؤيدها المسيحيون والدروز بنسبة تتجاوز 70%، في حين ينقسم السنة بنسبة 52% لصالح السلام مع إسرائيل مقابل رفض 46%. كما يرفض 53% من السنة أي تفاوض مباشر بين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون.
أما بين الشيعة، فإن 93% يرفضون هذه المفاوضات، مما يؤكد أن الطلاق بين حزب الله والبيئة الشيعية لم يحدث، على الرغم من وجود حالة من الاستياء الشعبي من سياسات الحزب منذ تدخله في سوريا عام 2013 وصولاً إلى الهجمات الإسرائيلية الأخيرة.
وفيما يتعلق بالتطبيع، يبدو المكون الدرزي هو الوحيد المؤيد له بأغلبية واضحة، حيث يدعم 70% منهم فتح سفارة إسرائيلية في بيروت. ويأتي هذا التقارب الدرزي مع إسرائيل في أعقاب الاضطرابات التي شهدتها مدينة السويداء بين قوات الحكومة السورية والفصائل التي يقودها الشيخ حكمت الهجري. ومن اللافت هنا حجم الفجوة بين الموقف التاريخي للزعيم الدرزي وليد جنبلاط -الذي يدعو للتقارب بين الحكومة السورية ودروز السويداء والابتعاد عن إسرائيل- وبين التوجهات الحالية للشارع الدرزي.
من جهة أخرى، تبدو علاقة الشارع اليساري بحزب الله معقدة هي الأخرى. ويرى الأكاديمي زياد ماجد أن اليسار اللبناني ينقسم إلى أربعة تيارات: الأول يدعم حزب الله بالمطلق لدوره في مقاومة إسرائيل. والتيار الثاني يوجه انتقادات حادة للحزب في ملفات السياسة الداخلية لكنه يضع مواجهة إسرائيل فوق أي خلاف. أما التيار الثالث فيعارض الحزب في ارتباطه بإيران وتدخله في سوريا، لكنه يرفض الاصطفاف مع القوى المناهضة للمقاومة ويدرك أن إسرائيل هي الخطر الأكبر على لبنان. وينتهي التقسيم بالتيار الرابع الذي يرى ضرورة إبرام اتفاق مع إسرائيل لإنهاء العدوان بأي ثمن.
القوى الإمبريالية الأخرى
على الساحة الدولية، بات دور الإمبريالية الأوروبية -التي كانت تتمتع بنفوذ واسع في الشرق الأوسط- يقتصر على البيانات الدبلوماسية التي تنتقد “التجاوزات الإسرائيلية” (مثل انتقاد العمليات العسكرية في لبنان)، في حين تغض الطرف عن حرب الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين، مع الحفاظ على كافة القنوات الدبلوماسية والتجارية مع إسرائيل.
أما الصين، فتطرح نفسها كحليف لإسرائيل وإيران والسعودية في آن واحد، وليست لها مصلحة في سقوط أي من هذه الأنظمة. في حين تحتفظ روسيا بعلاقات هامة مع إيران وإسرائيل، لكن هوامش حركتها تظل مقيدة حالياً بسبب استنزاف قدراتها في حربها المستمرة ضد أوكرانيا.
دحر الاحتلال وإسقاط النظام الطائفي
في ظل هذا الواقع المعقد، يصبح من الضروري تحديد البوصلة السياسية للطبقة العاملة اللبنانية، والتي تبدأ حتماً بضرورة دحر القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية والانخراط بكافة السبل المتاحة في المقاومة. ولتحقيق ذلك، يظل النظام الطائفي وأحزابه البرجوازية الحاكمة العقبة الأساسية. إن هذا النظام الطائفي ما هو إلا نتاج هندسة إمبريالية هدفت إلى تقسيم الطبقة العاملة اللبنانية وربطها بأوهام المصالح الطائفية تحت قيادة البرجوازيات المحلية. وكان هذا النظام قاب قوسين أو أدنى من السقوط في بداية الحرب الأهلية اللبنانية، لولا التدخل العسكري السوري عام 1976 الذي حال دون هزيمة اليمين المسيحي المتطرف.
هذا النظام الرأسمالي الطائفي هو المسؤول المباشر عن الانهيار الاقتصادي للبلاد، وعجزه عن توفير أبسط الخدمات الأساسية مثل جمع النفايات أو تأمين الكهرباء على مدار الساعة. يُضاف إلى ذلك قيام البرجوازية اللبنانية في عام 2019 بتهريب الرساميل إلى الخارج، مما أدى إلى انهيار حاد في قيمة الليرة والاقتصاد اللبناني، وتبعه التفجير الإجرامي في مرفأ بيروت الذي دمر العاصمة وأودى بحياة 300 شخص.
وضد هذا النظام الطائفي، تفجرت انتفاضة 19 تشرين الأول 2019، التي رفعت شعار إسقاط النظام الطائفي وجذبت فئات اجتماعية متنوعة؛ بدأت من الأوساط العمالية الراديكالية في مدينة طرابلس، وصولاً إلى الفئات الوسطى في العاصمة بيروت. إن بوصلة الحركة العمالية والشبابية يجب أن تنطلق من رحم معركة التصدي لإسرائيل، وبناء جبهة مستقلة للطبقة العاملة والشباب، بعيداً عن الأحزاب الطائفية، ومستلهمة من روح الشباب البرجوازي الثائر في مدينة طرابلس.
ترجمة فيكتوريوس بيان شمس



