✍🏾 فلورنس أوبين (الولايات المتحدة)
مقدمة
تقدم روسيا اليوم بوصفها دولة إمبريالية كان نتيجة تطور صناعي غير متوازن، فالرأسمال الاحتكاري الروسي يعتمد بدرجة كبيرة على الجهاز العسكري لفرض النفوذ في مناطق متعددة خارج حدود البلاد، ورغم أنه يفتقر إلى القدرة على منافسة الهيمنة الأميركية على المستوى العالمي، تأسس اقتصاد الاتحاد الفيدرالي الروسي على قاعدة الدولة العمالية السوفييتية، التي أنهكتها عقود من البيروقراطية الستالينية، قبل أن يتم خصخصة موارد الدولة بسرعة خلال تسعينيات القرن الماضي، عقب انهيار الاتحاد السوفييتي.
لقد كانت حقبة التسعينيات حقبة مضطربة على الصعيد الاقتصادي بالنسبة لروسيا، كما شهدت تدهورا حادا فيما يتعلق بمستوى معيشة الطبقة العاملة الروسية. ورغم دخول الاستثمارات الغربية إلى السوق الروسية، إلا أنها لم تنجح في إخضاع الاقتصاد الروسي بالكامل؛ إذ سرعان ما أزاح الأوليغارشيون المنتمون إلى الدائرة الاستخباراتية لبوتين، في مطلع الألفية الجديدة، رجال الأعمال الفاسدين الذين ازدهروا في عهد يلتسين. وقد اندمج هؤلاء اللاعبين الجدد في برجوازية تابعة للدولة، علاوة على ذلك، حصلت على تمويل مصرفي عام، وصفقات حكومية، وحماية مباشرة من السلطة.
إضافة إلى ذلك، شكلت الحروب الدموية في الشيشان ومنطقة القوقاز، نقطة التحول التي مكنت بوتين من تثبيت قبضته السياسية. فالدولة الروسية، تحت حكمه، بدأت تدفع بقوة نحو تركيز رأس المال الاحتكاري الروسي وتوسيع نشاطه، خاصة في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة، في شرق أوروبا، والقوقاز، وآسيا الوسطى، إلى جانب بلدان أخرى. وبالتوازي مع هذا التوسع، أعاد النظام الروسي إنتاج خطاب الإمبراطورية الروسية القديمة، وروج له كأداة لتبرير مشروعه التوسعي على الصعيدين الاقتصادي والسياسي.
أما فيما يتعلق بالإمبريالية الروسية، التي أعيد بناؤها بعد استعادة الرأسمالية، فقد كانت مشابهة إلى حد كبير لذات الدولة الروسية الإمبريالية التي شهدناها قبل الحرب العالمية الأولى، وكذلك الدول التي لحقت بالركب في سياق صراع القوى الإمبريالية، مثل ألمانيا بين عامي 1871 و1945، التي “اضطرت” بدورها إلى استخدام القوة العسكرية لاختراق مناطق النفوذ البريطانية والفرنسية.
لكن، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، استعاد الجيش الروسي دوره كـ“شرطي رجعي” من شأنه التدخل لقمع أي تمرد على نفوذ سلطة البلاد. وقد سعت الدولة الروسية إلى سحق أي حركة شعبية تحررية، أو أي تحرك عمالي يطالب بتحسين ظروف العمل، يمكن أن يهدد عملية الضم الاقتصادي لأطراف الإمبريالية الروسية شبه التابعة. وفي هذا السياق، أسست هذه الإمبريالية، عام 2002، “منظمة معاهدة الأمن الجماعي” لترسيخ هيمنتها.
وخلال مسيرتها القصيرة حتى الآن، قامت روسيا بتدخلات عنيفة للحفاظ على نفوذها في جوارها المباشر: الشيشان (1994–1996، 1999–2009)، طاجيكستان (1992–1997)، جورجيا (2008)، أوكرانيا (2014 و2022). ولم تكن أوكرانيا وحدها الساحة التي اهتزت بسبب التمدد الروسي المفرط؛ فكل من كازاخستان، وأرمينيا، وأذربيجان، وجورجيا، وأبخازيا، وصربيا، والبوسنة، عانت كذلك من تداعيات هذا التوسع.
النظرية الماركسية حول الإمبريالية والتطور المتداخل اللامتكافئ
مصطلح “الإمبريالية” يتم استخدامه اليوم بطرق متعددة؛ فالبعض يطلقه على القوى العالمية، التي تتقاسم النفوذ فيما بينها، والبعض الآخر يعتبره مرادفا للهيمنة، بينما يربط آخرون هذا المصطلح بالعدوان العسكري، أو بأنماط السيطرة عبر تحكم القيمة الزائدة في “النظام العالمي”.
المفهوم الماركسي حول الإمبريالية، والذي أرسى لينين أسسه الأولى، ثم تطور لاحقا على يد العديد من المفكرين، كشف الآليات المحددة داخل النظام الرأسمالي الذي يدفع الدول الإمبريالية إلى التدخل اقتصاديا خارج حدودها، ومن ثم اللجوء في نهاية المطاف، إلى التدخل العسكري لحماية استثماراتها، وضمان استدامتها.
لكن رغم أن جوهر الإمبريالية، المتمثل في “هيمنة الاحتكارات ورأس المال المالي”، والسعي المستمر لإعادة تقسيم العالم، والسيطرة على أسواقه، ما يزال حقيقة ثابتة، إلا أن أشكال الهيمنة الإمبريالية قد تغيرت عبر الزمن. فقد حل النفوذ غير المباشر، على هيئة أنظمة شبه استعمارية، محل السيطرة المباشرة على المستعمرات التي كانت تمارسها القوى الإمبريالية في السابق.
على أي حال، لا بد من فهم تحليل وتاريخ الدول الإمبريالية باعتبارها جزء من صيرورة التطور المركب غير المتكافئ للرأسمالية العالمية، بعيدا عن النظريات المرحلية العقائدية المتجانسة. إذ أن كل دولة تتبع مسارا خاصا يجعلها منغمسة في تناقضات عدة. وجدير بالذكر أن في مقدمة الطبعة الألمانية من مؤلف الثورة الدائمة (1930)، يوضح تروتسكي أن “النوع المجرد من الرأسمالية الوطنية” غير موجود في الواقع – وبالتالي لا يوجد نوع مجرد من الإمبريالية. ومعظم أولئك الذين ينكرون الطابع الإمبريالي للصين وروسيا اليوم يفعلون ذلك لأنهم يقيسون هذه البلدان بالإمبريالية الأمريكية في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي يرفعونها ضمنيا إلى معيار مجرد لما يجب أن تكون عليه الدولة الإمبريالية، بيد أنهم لا يقارنون الإمبرياليات الجديدة ببلجيكا أو إسبانيا أو أستراليا، ما من شأنه أن يجعل منطقهم غارقة في دوامة التعقيد.
تشكيلات الدول الرأسمالية القومية – سواء أكانت دولا شبه مستعمرة أو مستقلة أو إمبريالية – ينبغي فهمها استنادا إلى “خصائصها الوطنية”، أي باعتبارها تشكيلات اجتماعية تاريخية مدمجة في علاقات اجتماعية متعددة، إذ أنها تمثل “مزيجا أصيلا من السمات الأساسية للتطور العالمي”، وليست مجرد نتاج لعدم تكافؤ التطور التاريخي. وقد اعتبر تروتسكي التشكيلات الوطنية كليات ملموسة، وليست تنويعات على نمط وطني تجريدي: “من الخطأ اعتبار السمات الخاصة “مجرد مُكملات للسمات العامة”، كالبثور على الوجه .
لينين وتروتسكي قاما بتحليل نشأة الإمبريالية العالمية وتطورها منذ أوائل القرن العشرين وحتى الحرب العالمية الثانية. النظام الإمبريالي العالمي كان في أزمة شبيهة بأزمة القرن الحادي والعشرين، وفي كلتا الفترتين، تنافست دول إمبريالية متفاوتة ومتنوعة، كل منها بقوى مختلفة، نتيجة لمزيج مركب من التحولات الاقتصادية، لفرض هيمنتها العالمية، وذلك في سياق تزايد المنافسة والاعتداءات العسكرية. وفي كتابه التحضيري “دفاتر الإمبريالية”، عمد لينين إلى تحليل الدول الإمبريالية باعتبارها جزء لا يتجزأ من نظام عالمي ديناميكي تحكمه علاقات حيوية متبادلة بين مختلف الدول، ويستند إلى علاقات معقدة من التبعية والهيمنة. ولم يتم النظر إلى الدول الإمبريالية الفردية قط بمعزل عن سياقها التاريخي وفقا لمعايير أو قواعد مجردة.
في عام 1916، لاحظ لينين فجوات هائلة من حيث الموارد الصناعية والعسكرية والمالية بين قوى مثل روسيا واليابان، وأخرى مثل بريطانيا والولايات المتحدة. وعلى الرغم من هذه الفجوات، لا تزال روسيا واليابان تعدان قوتين إمبرياليتين، قادرتين على تطوير صناعات احتكارية، وتصدير كميات كبيرة من رأس المال، وإخضاع دول الجوار. وقد تم تصنيف الدول الإمبريالية وفقا لقدرتها على فرض حكمها بنفسها. وبينما برزت بريطانيا العظمى وألمانيا والولايات المتحدة كقوى “مستقلة تماما”، عرفت روسيا واليابان بأنهما إمبرياليتان “غير مستقلتين بشكل كامل”. إن التناقضات المتأصلة في الإمبرياليات التابعة وغير المتكافئة، مثل الإمبريالية الروسية، ليست استثناء بالنسبة للنظرية الماركسية حول الإمبريالية، بل إن الشذوذ كان في الهيمنة العالمية غير المتنازع عليها لعقود من قبل قوة عظمى واحدة، هي الولايات المتحدة.
اللامساواة التاريخية للإمبريالية الروسية
نظام بوتين الذي نشهده اليوم، فيما يتعلق بطابعه ودوره التاريخي، يذكرنا بالأنظمة التي اضطلعت بها روسيا في أوائل القرن العشرين. في ذلك الوقت، عرف البلاشفة روسيا بأنها دولة إمبريالية تفتقر إلى القدرة على العمل باستقلالية تامة عن القوى الإمبريالية الكبرى، وذلك بسبب الضعف النسبي لاحتكاراتها الصناعية ورأس مالها المصرفي، إذ كان كلاهما خاضعا جزئيا لسيطرة رأس المال المالي الأوروبي. في كتابه “الإمبريالية”، وصف لينين روسيا بأنها “إمبريالية رأسمالية حديثة” “متشابكة، إن صح التعبير، في شبكة وثيقة من العلاقات ما قبل الرأسمالية”. وقد عوّضت الدولة الروسية هذا التطور الاقتصادي الضعيف بتشييد الجهاز العسكري القيصري، الذي سمح لها بالهيمنة على الدول الأضعف المحيطة بها. قبل انهيارها خلال الثورة الروسية، شنّت الإمبراطورية القيصرية العديد من التوغلات العسكرية ضدّ ما تبقى من الأراضي المستقلة في أوروبا الشرقية والقوقاز وآسيا الوسطى، بالإضافة إلى التوغل العسكري في منطقة نفوذ الإمبراطورية العثمانية المتداعية، ومحاولة الهجوم على اليابان عام 1904 والتي باءت بالفشل. بيد أن الحرب الروسية اليابانية الثانية أدت إلى السيطرة على الإمبراطورية الكورية. وقد تبع ذلك انتفاضة شعبية واسعة النطاق للعمال في روسيا. وهكذا، اندلعت ثورة العام 1905 نتيجةً لتفشي الفقر والبطالة، وتزايد القمع السياسي من قِبَل النظام القيصري، وتزايد التعبئة القسرية، والخسائر الفادحة التي خلفتها الحرب. لقد تم تجنيد نحو مليون فلاح وعامل حينها للخدمة على الجبهة، ولقي حوالي 70 ألفًا منهم حتفهم. وفي النهاية، أجبر نيكولاس الثاني على الاستسلام وتوقيع اتفاقية سلام مع اليابان.
وصول بوتين إلى السلطة أعاد إحياء ديناميكيات مماثلة. إذ أن استعادة الرأسمالية الفوضوية في تسعينيات القرن الماضي عزز من مركزية القوى البرجوازية، وتطور الاحتكارات، والتوسع الخارجي للاستثمار الأجنبي، بدءا من أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وقد اعتمدت الاحتكارات الروسية على الجهاز العسكري للحفاظ على تراكم رساميلها، وتوسيع نفوذها، عبر فرض صفقات على جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة في روسيا، والتي أصبحت شبه مستعمرات لها. لكن ضعف رأس المال المالي الروسي، المتركز أساسا في القطاعات الصناعية ذات القيمة المضافة المنخفضة مثل الطاقة والتعدين، أدى إلى مطالبة الإمبريالية الروسية بمنطقة نفوذها الإقليمية من خلال اتخاذ تدابير اقتصادية إضافية، كفرض أنظمة شبه استعمارية استبدادية في تلك البلدان، لتأمين إبرام اتفاقيات تجارية، وصفقات ديون تعود بالنفع على الأوليغارشية الروسية، وتعيق أية منافسة للاحتكارات الغربية.
اليوم، لا يمكن لروسيا بوتين أن تلعب دورا مستقلاً تماما، حتى في محيطها المباشر، دون ربط نفسها بقوة، تمهد قوتها المالية الطريق للحفاظ على تبعية الدول الضعيفة. وقد أقامت روسيا في البداية شراكة اقتصادية مع ألمانيا، ثم ركزت بشكل متزايد على تعزيز علاقاتها مع الصين، وكذلك إيران وكوريا الشمالية. كما أتاحت هذه العلاقات الأخيرة لروسيا تجاوز العقوبات الإمبريالية الأمريكية والأوروبية والحفاظ على قوتها الجيوسياسية. ورغم ضعفها النسبي أمام القوى الإمبريالية المستقلة الكبرى، نجحت روسيا في إخضاع محيطها شبه الاستعماري (أجزاء من أوروبا الشرقية والوسطى، والقوقاز، وجمهوريات آسيا الوسطى)، لكنها لاتزال غير قادرة على منافسة القوى الإمبريالية المستقلة، أو ترسيخ مكانتها كقوة مهيمنة على الصعيد العالمي.
من استعادة الرأسمالية إلى تبلور النزعة الإمبريالية
الدولة الروسية الحديثة كانت قد ولدت من رحم الانهيار العنيف للاتحاد السوفييتي السابق. إذ كان سقوط الاتحاد حدثا فوضويا بكل معنى الكلمة. وبعد تفككه الفعلي عام 1991، اندلعت صراعات حادة داخل الطبقة البرجوازية الصاعدة، وانتهت بمحاولة انقلاب فاشلة ضد ميخائيل غورباتشوف. وعندما تولّى بوريس يلتسن السلطة، أطلق برنامج “العلاج بالصدمة” الذي تضمن إصلاحات اقتصادية جذرية، وعملية خصخصة واسعة، وفتح الأسواق، وإلغاء الرقابة على الأسعار، وغيرها من الإجراءات، وكان هذا بدعم مباشر من صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والولايات المتحدة، ودول أوروبا الغربية.
هذه التحولات لم تكن مفاجئة تماما؛ فقد مهّدت لها التبعية الاقتصادية المتزايدة للاتحاد السوفييتي في الثمانينيات، وارتفاع ديونه الخارجية بشكل متسارع، وتحوّله المتزايد إلى منتج رئيسي للنفط والغاز على حساب مكانته كقوة صناعية.
استعادة الرأسمالية في روسيا أفضت إلى تراجع كبير في قواها الإنتاجية، فالدولة التي كانت ثاني أكبر اقتصاد عالمي بات اقتصادها يعتمد بشكل أساسي على تصدير المواد الخام. كما بدأت روسيا تشهد دخول استثمارات أجنبية هدفت فعليا إلى وضعها في حيز يصفها بدولة شبه مستعمرة. وفي عام 1995 توقّعت صحيفة وول ستريت جورنال عوائد استثمارية “خيالية” قد تصل إلى 2000% خلال ثلاث سنوات. ورغم ذلك، فإن ملكية الشركات التي جرى تخصيصها آلت إلى أيدي البيروقراطيين السوفييت السابقين، الذين تحوّلوا إلى فئة “أوليغارشية”، إثر القيود المفروضة على شراء الأجانب للأصول الروسية. وقد تم بيع شركات ضخمة مملوكة للدولة، مثل “نوريلسك نيكل”، و“يوكوس”، و“سيدانكو”، مقابل مبالغ زهيدة للغاية. كما استخدم الأوليغارشيون المال العام الذي تم نهبه لتحويله إلى حساباتهم الخاصة، ما يعني أن “الشعب الروسي كان عمليا من دفع ثمن نهب بلاده”.
لكن، رغم فوضى الخصخصة، فقد ضمنت هذه العملية أن تبقى الحصة الأكبر من الثروة في يد لاعبين محددين من الأوليغارشية الروسية، وليس بين أيدي المستثمرين الأجانب. وبعد فشل انقلاب آب عام 1991، انتقل العديد من عناصره السابقين “كي جي بي” إلى القطاع الخاص، وباتوا فاعلين في السوق السوداء، مستفيدين من رأس المال الأولي، وشبكات نفوذ واسعة. ومنهم من أصبح من كبار الأثرياء، والبعض الآخر لعب دور الحماية وفرض السيطرة لصالح الأوليغارشية، ما أسّس لبروز طبقة حاكمة جديدة ترتبط بشكل وثيق ببقايا أجهزة الدولة الأمنية السابقة.
كانت نتائج هذا البرنامج الصادم كارثية على الاقتصاد الروسي والمجتمع بشكل عام، فبين عامي 1989 و1998، انخفض الناتج المحلي الإجمالي الروسي بنسبة 45%، وارتفع التفاوت في الدخل بشكل حاد، كما ارتفع معدل الوفيات بمقدار 700 ألف حالة وفاة إضافية سنويا. وانخفضت نسبة الأجور إلى الثلث، ناهيك بارتفاع معدل البطالة بنسبة 8%. وارتفع عدد الروس الذين يعيشون في فقر من مليونين عام 1989 إلى 74 مليونا بحلول منتصف التسعينيات. أما على الصعيد الدولي، فقد ضعفت الدولة وافتقرت إلى النفوذ. وعندما دفعت إدارة كلينتون توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أوروبا الشرقية في التسعينيات، لم يكن بإمكان يلتسين سوى تقديم شكاوى غير مجدية، ثم أعلن مستسلما: “حسنًا، لقد حاولت”.
بعد وصول بوتين إلى السلطة واعدا بإنهاء فوضى سنوات يلتسين واستعادة الإمبراطورية الروسية، خلال أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، انتعش الاقتصاد الروسي، مدعوما بارتفاع أسعار النفط والغاز، إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الروسي بنسبة 70% خلال أول فترتين لبوتين. في البداية، تحدى بوتين سلطة الأوليغارشية بشكل علني، مؤكدا أنه “سيخلص روسيا من الطبقة الأوليغارشية”، إلا أن التحقيقات والملاحقات اقتصرت على خصومه السياسيين؛ بينما بقي الأوليغارشيون المرتبطون ببوتين يتجولون دون عوائق، بل أصبحوا من أصحاب المليارات. وقد ازداد تركيز الثروة الإجمالية في أيدي النخبة؛ فبين عامي 1991 و2011، تضاعفت ثروة الأغنياء، بينما انخفضت مداخيل الفقراء إلى النصف.
صعود الاحتكارات الروسية في عهد بوتين
صعود بوتين إلى السلطة ضمن استمرار خصخصة الشركات الحكومية، وتكوين عدد من الاحتكارات الصناعية في القطاعات الحيوية، وذلك عبر عملية “الاندماج العمودي”. بعض هذه الاحتكارات — مثل “غازبروم” و“لوك أويل” — تطورت لتصبح شركات عابرة للحدود. وقد قاد هذا المسار أعضاء من البيروقراطية السوفيتية السابقة الذين تحولوا إلى برجوازية جديدة، بالتوازي مع تسارع كبير في عملية تركّز رأس المال والملكية الخاصة. ولتشجيع تشكل الاحتكارات الكبرى، دفعت الحكومة الروسية باتجاه موجة واسعة من الاندماجات والاستحواذات؛ إذ ارتفع عدد العمليات من 398 عملية في عام 2004 بقيمة 25 مليار دولار، إلى 3,684 عملية في عام 2010 بقيمة 109 مليارات دولار، وهو العام الذي بلغ فيه النشاط الاقتصادي ذروته. ويرى الاقتصادي البولندي ماريك دابروفسكي أن نتيجة هذا الوضع هي أن ملكية الشركات الروسية أصبحت اليوم “شديدة التركّز”، بمتوسط حصة مسيطرة يصل إلى 57.6%.
خلال مسار الخصخصة بعد استعادة الرأسمالية، بقيت بعض القطاعات تُصنف رسميا كـ“شركات مملوكة للدولة”، رغم كونها تُدار عمليا من قبل قطاعات برجوازية تجني الأرباح بصورة غير مباشرة. وقد دفع نظام بوتين بخطة صناعية انتقائية لإعادة تدوير المزايا الاستراتيجية التي ورثها من الدولة السوفيتية، مع التركيز على الوقود الأحفوري والتعدين وصناعة السلاح والطاقة النووية. بعض شركات الطاقة اليوم مملوكة بالكامل للقطاع الخاص مثل “لوك أويل”، فيما تُدار شركات أخرى مثل “غازبروم” و“روسنفت” بملكية مشتركة بين الدولة الروسية (40–50%) ومستثمرين من القطاع الخاص. أما الاحتكارات في قطاعات الكيميائيات والصلب والتعدين فهي خاضعة بالكامل لرأس المال الروسي الخاص.
لقد ركز بوتين على تعزيز الإنتاج الصناعي في قطاع الوقود الأحفوري بسبب وفرة الموارد الطبيعية في روسيا، إذ أصبحت البلاد ثاني أكبر منتج للغاز الطبيعي بنسبة 12% من الإمدادات العالمية. وقبل الحرب في أوكرانيا، كانت تنتج 13% من النفط الخام عالميا، و11% من المنتجات النفطية المكررة، إضافة إلى امتلاكها احتياطيات ضخمة من المعادن. كما تعد روسيا المنتج الأول عالميا لمعدن البلاديوم المستخدم في الإلكترونيات والمحفزات الصناعية، والمنتج الثاني لمعدن الكوبالت المستخدم في بعض بطاريات السيارات الكهربائية، وكذلك لعنصر الجاليوم الذي يُعد من المعادن النادرة المطلوبة بشدة لتعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي. إلى جانب ذلك، تُعد روسيا من أهم كبار اللاعبين في إنتاج الفوسفات، وتملك صناعة كيماويات زراعية مزدهرة.
لا يزال أبرز الاحتكارات الروسية هو “غازبروم”، أكبر شركة غاز طبيعي في العالم، والتي تسيطر على نحو خُمس احتياطيات الغاز المعروفة عالميا. إن توسع “غازبروم” و“نوفاتِك” و“روسنفت” في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى يرتبط بالسيطرة على حقول النفط والغاز والبنية التحتية للطاقة النووية، وبالأخص السيطرة الكاملة على توزيع الطاقة إقليميا. كما تمتلك هذه الشركات مسارات وممرات الأنابيب الرئيسية نحو الأسواق الغربية والشرقية. وحتى عام 2022، كان 35% من الغاز والنفط الذي تستورده دول الاتحاد الأوروبي يأتي من روسيا. ومع الحرب في أوكرانيا، وجدت الاحتكارات الروسية أسواقا جديدة مثل الصين والهند. ففي الأشهر الأولى من عام 2023، تجاوزت روسيا السعودية لتصبح أكبر مورد نفط للصين.
تحتل الاحتكارات الروسية دورا محدودا للغاية مقارنةً بنظيراتها في الصين، أو غيرها من القوى الإمبريالية الكبرى. ففي عام 2024، لم يكن لدى روسيا سوى خمس شركات – غازبروم، ولوك أويل، وروسنفت، وسبيربنك، وبنك “في تي بي” _ ضمن قائمة فورتشن لأكبر 500 شركة في العالم من حيث الإيرادات. وهذا يضعها في مرتبة متأخرة عن قوى إمبريالية مثل المملكة المتحدة (17)، وفرنسا (24)، وألمانيا (29)؛ بل وأبعد من القوى الرائدة، كالولايات المتحدة والصين، اللتين تمتلك كل منهما أكثر من 100 شركة. وفي هذا السياق، تندرج روسيا ضمن فئة القوى الإمبريالية الأصغر، مثل الدنمارك (شركتان) والسويد (شركة واحدة) أو إيطاليا (خمس شركات).
الإمبريالية الروسية ودول الجوار
تعد روسيا اليوم دولة إمبريالية، رغم أنها لا تمتلك الثقل الاقتصادي الذي تمتلكه الصين مثلا، ولا حتى أسبانيا، لكنها مع ذلك تمارس نفوذها بنشاط في ما يسمى ب «محيطها القريب». ففي أوروبا الشرقية والوسطى، تفرض روسيا هيمنتها الاقتصادية عبر احتكاراتها في مجال الطاقة، وكذلك من خلال الديون. كما تمتلك نفوذا عسكريا واقتصاديا وسياسيا قويا على جزء كبير من منطقة القوقاز وآسيا الوسطى. ويشكل هذا مثالا واضحا للغاية على الكيفية التي تمارس بها الإمبريالية الروسية سيطرتها.
قبل تفكك الاتحاد السوفيتي، كانت جمهوريات آسيا الوسطى تتلقى دعما ماليا كبيرا من السوفييت. إذ شكّلت الإعانات الروسية في مختلف جمهوريات آسيا الوسطى نسبة كبيرة جدا من ناتجها المحلي الإجمالي. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، استمرت هذه الإعانات على أمل ترسيخ قبولٍ متزايد بالهيمنة الرأسمالية الروسية. وخلصت دراسة أُجريت عام 2011 إلى أنه في عام 1992 كانت الإعانات الروسية لا تزال تشكّل 25.1٪ من الناتج المحلي الإجمالي لكازاخستان، و22.6٪ لقرغيزستان، و42.3٪ لطاجيكستان ، و67.1٪ لتركمانستان، و69.2٪ لأوزبكستان. ومع سعي الجمهوريات المستقلة حديثا إلى فكّ ارتباطها بروسيا، تم إلغاء هذه الإعانات، ما أدى إلى خسارة جمهوريات آسيا الوسطى دعما ماليا بلغ نحو 40 مليار دولار. وتحولت الأموال غير المدفوعة للاتحاد السوفيتي السابق، سواء في مجال الطاقة أو صفقات السلاح، إلى ديون خارجية مستحقة لروسيا، التي قامت بدورها بالاستحواذ على البنية التحتية ومنشآت الإنتاج في آسيا الوسطى مقابل هذه الديون، عبر صفقات مبادلة الدين بالملكية. وقد سمح هذا الشكل الجديد من الارتهان بالديون لروسيا بتعزيز قبضتها على إمدادات الطاقة، وتسعيرها، وأسواقها، وشبكات نقلها في المنطقة. كما أدى ذلك إلى ترتيبات «أمنية» لمواجهة «الإرهاب»، هدفت إلى إخضاع جمهوريات آسيا الوسطى لاحتياجات روسيا الخاصة.
في عهد بوتين، كان لقرار فرض أسعار السوق الأوروبية على الغاز المُصدَّر إلى مستوردي الطاقة في آسيا الوسطى أثرٌ بالغ، تماما كما حدث في أرمينيا. وفي الوقت نفسه، دفعت هشاشة اقتصادات جمهوريات آسيا الوسطى ملايين العمال المهاجرين إلى التوجه نحو روسيا، حيث شكّلت تحويلاتهم المالية نسبا كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي لبعض هذه الجمهوريات. وقد مكّن هذا الوضع روسيا من استخدام سلاح تشديد قوانين الهجرة للضغط على جمهوريات آسيا الوسطى من أجل الانضمام إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وهو تكتل تجاري أُنشئ عام 2014 لخدمة المصالح الروسية، ويضم اليوم نحو 183 مليون نسمة بإجمالي ناتج محلي يبلغ 2.4 تريليون دولار.
الحرب الإمبريالية الروسية على أوكرانيا
منذ عام 2014، ينبغي فهم العدوان العسكري الذي شنّه بوتين على أوكرانيا بوصفه التجسيد الأكثر فجاجة للإمبريالية الروسية. ففي ذلك العام، جاء استيلاء بوتين على شبه جزيرة القرم وجزء صغير من إقليم دونباس ردا على التهديد الذي طال الاستثمارات الروسية ومصالحها السياسية في أوكرانيا، وكذلك كوسيلة للهروب من الأزمة الداخلية لنظامه، في ظل حركة معارضة انطلقت بين عامي 2011 و2012 وخرج فيها عشرات الآلاف إلى الشوارع. وبعد ثماني سنوات، نفّذ بوتين غزوا واحتلالا لما يقارب 20٪ من جنوب شرق البلاد. وطوال هذه الفترة، كان المستفيدون من هذا التدخل العسكري هم مالكو رأس المال الاحتكاري في قطاعات الإنتاج العسكري واستخراج الموارد الطبيعية.
لقد مارست روسيا نفوذا كبيرا على أوكرانيا منذ تعافيها من الانهيار الاقتصادي في تسعينيات القرن الماضي. وقبل ثورة الميدان عام 2014 التي أطاحت بيانوكوفيتش، كانت روسيا القوة السياسية والاقتصادية المهيمنة في البلاد، رغم محاولات الاتحاد الأوروبي استمالتها. كما خضعت أوكرانيا لاعتماد اقتصادي على الطاقة الروسية، سرعان ما تحوّل إلى اعتماد مالي. ففي عام 1991، كانت أوكرانيا تشتري «60٪ من غازها ونحو 90٪ من نفطها من روسيا»، ولم تكن قادرة إلا على تغطية ثلث احتياجاتها من الطاقة، بينما اعتمدت على روسيا في تأمين الباقي. وفي عام 1993، فرضت روسيا زيادة خماسية على أسعار الغاز، ثم ضاعفتها مرة أخرى عام 1996 لتصل إلى أسعار السوق العالمية، ما شكّل بداية مديونية أوكرانيا الضخمة. ولضمان السداد، بدأت روسيا باستخدام صفقات مبادلة الدين بالملكية، حيث استحوذت الشركات الروسية على حصص في الإنتاج الصناعي الأوكراني ومنشآت نقل الغاز. وبحلول عام 2012، لم تعد أوكرانيا قادرة على دفع الأسعار المرتفعة التي فرضتها روسيا، ومع رفض صندوق النقد الدولي تقديم أي دعم مالي، عادت أوكرانيا مجددا إلى روسيا للحصول على قرض أكبر لسداد دين قدره مليارا دولار لشركة «غازبروم». ومن أصل إجمالي ديون خارجية بلغت 10 مليارات دولار كان يتوجب سدادها بحلول عام 2021، لم تكن أوكرانيا مدينة لصندوق النقد الدولي إلا بـ3.7 مليارات دولار، فيما كان الباقي مستحقا لروسيا، ومعظمه لبنك «سبيربنك».
حركة الميدان الديمقراطية اندلعت عام 2014 احتجاجا على الابتزاز المالي المدعوم بالتدخل السياسي الروسي في الشؤون الأوكرانية، والفساد المستشري. وسرعان ما حظيت بدعم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وكانت كارثية على روسيا، إثر انهيار حكومة يانوكوفيتش الموالية لها. وردا على ذلك، تدخل بوتين لضمان سداد الديون بالاستيلاء على شبه جزيرة القرم، وأجزاء من دونباس. ووفقا لصحيفة واشنطن بوست، فإن أوكرانيا “تضم بعضا من أكبر احتياطيات العالم من التيتانيوم وخام الحديد، وحقولا من الليثيوم غير المستغل، ورواسب هائلة من الفحم. وتبلغ قيمتها مجتمعة عشرات التريليونات من الدولارات”. وكان الهدف من الاحتلال الروسي لجنوب شرق أوكرانيا، من بين أمور أخرى، الاستيلاء على جزء من هذه الموارد، فضلا عن صناعة الصلب والموارد الزراعية.
أما غزو عام 2022 فكان مجرد استمرار لنفس خطة الضم الإمبريالية، نظرا لغياب أي رد فعل على عدوان العام 2014. وقد ازداد بوتين جرأةً وسارع بتنفيذ خطته لإعادة بناء الإمبراطورية الروسية القديمة. وقبل العدوان الجديد، هيأ البلاد اقتصاديا لمقاومة عقوبات الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وذلك عبر تخفيف عجزها العام، وتكديس احتياطيات من العملات الأجنبية. كما عزز النزعة القومية الروسية العظمى، والمشاعر المعادية للغرب، وأعلن أن الأمة الأوكرانية غير موجودة. وقد تبنى النظام الادعاء الإمبريالي القديم بأن منطقة النفوذ “الطبيعية” لروسيا قد تم التعدي عليها من خلال توسع حلف الناتو، وأن للبلاد حقا مشروعا في استعادتها.
الاشتراكية الأوكرانية هانا بيريخودا أوضحت أن إنكار النظام الروسي واليمين المتطرف العالمي للقومية الأوكرانية ليس بالأمر الجديد، فقد انطلقت من الأيديولوجية الإمبريالية الروسية والمحاولات الأولى لـ”الترويس” في القرن الثامن عشر. وقد تطورت هذه الأفكار بشكل أكبر في أواخر القرن التاسع عشر، عندما سعت النخب الروسية إلى دمج الأوكرانيين “الروس الصغار” والبيلاروسيين “الروس البيض” قسرا في الأمة “الروسية الكبرى”، واضعةً هدفا مشابها لهدف حركة التوحيد الألمانية وغيرها من الحركات القومية الأوروبية. واعتُبر إخضاع هذه الشعوب المجاورة الناطقة باللغات السلافية الشرقية ودمجها في الشعب الروسي الواعي بذاته “إجراءً حاسما للحفاظ على القدرة التنافسية للإمبراطورية”. هذه الأيديولوجية القومية الإمبريالية القديمة، التي عارضتها بشدة الحركة الاشتراكية الثورية في مطلع القرن العشرين، عادت للظهور مجددا منذ وصول بوتين إلى السلطة عام 2000.
اقتصاد بوتين الحربي
لقد استغل بوتين الحرب ضد أوكرانيا لتعزيز سيطرة نظامه على القطاعات الاستراتيجية الرئيسية للاقتصاد، وتوطيد نفوذ بلاده الإمبريالي. كما مكن فرض اقتصاد الحرب الحكومة من الاستيلاء على موارد غير مسبوقة لتعزيز احتكارات استراتيجية لدعم المجهود الحربي، متجاوزةً بذلك قرارات القطاع الخاص. ويشير تقرير صدر عام 2024 إلى أن “المناطق التي تضم تجمعات كبيرة في مجال تصنيع الآلات استفادت بشكل خاص من الزيادة الكبيرة في المشتريات الحكومية للمعدات العسكرية”، وأن “بعض المناطق الفقيرة في الشرق الأقصى الروسي استفادت من زيادة الاستثمار في البنية التحتية للنقل، في ظل سعي روسيا لإعادة توجيه تجارتها الخارجية نحو الصين” . في الواقع، يتم إنفاق نحو 40% من ميزانية الحكومة على هذه الحرب. ويقدر معهد أبحاث السلام السويدي أن إجمالي الإنفاق العسكري الروسي في عام 2024 بلغ 7.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024 (للمقارنة، كان 5.4 في المائة في عام 2015).
علاوة على ذلك، بعد أن تمت خصخصة معظم الأصول المملوكة للدولة في تسعينيات القرن الماضي، منح بوتين في يناير/ كانون الثاني 2023 صلاحية للمدعين العامين لإعادة جميع المؤسسات الاستراتيجية، مثل مؤسسات الوقود الأحفوري والصناعات العسكرية والكيميائية والإنتاج الزراعي، إلى الدولة. وكان الهدف هو تشكيل احتكارات أكثر تنافسية تحت إشراف الدولة، على غرار النموذج الصيني. وتشير التقديرات إلى أنه “في المجمع الصناعي العسكري وحده، أُعيدت 15 مؤسسة استراتيجية بقيمة إجمالية تبلغ حوالي 4 مليارات دولار إلى الدولة بحلول مارس/آذار 2024”. وفي العديد من الحالات، شملت عمليات إعادة التأميم هذه أصولا خُصخصت قبل أكثر من 30 عاما. وفي كثير من الحالات، لجأ بوتين إلى مصادرة الأصول بأوامر قضائية. وفي حالات أخرى، كان يتم إبرام الصفقات من قبل الكرملين. وقد ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال في نوفمبر الماضي أن بوتين كان يخطط لعملية اندماج ضخمة بين أكبر ثلاث شركات نفط في البلاد، بهدف تعويض خسائر غازبروم الناجمة عن العقوبات، وتعزيز قدرتها التنافسية في السوق. وبموجب هذه الخطة، ستستحوذ شركة روسنفت النفطية المدعومة من الدولة على كل من غازبروم ولوك أويل، لتصبح بذلك “ثاني أكبر منتج للنفط الخام في العالم، بعد أرامكو السعودية، حيث تنتج نحو ثلاثة أضعاف ما تنتجه إكسون موبيل”.
لكن، تبقى نقطتا الضعف الأساسيتان في الرأسمالية الاحتكارية الروسية متمثلتين في هشاشة رأس المال المالي وتخلّف القاعدة الصناعية. فعلى مدى الثلاثين عاما الماضية، ورغم المحاولات المتكررة لتطوير التصنيع المحلي ورفع القيمة المضافة للإنتاج، لم تنجح روسيا في تحقيق مسار تصنيع متوازن. ولا تزال مستويات إنتاج المعدات والسلع الاستهلاكية متدنية للغاية، مع اعتماد مزمن على الاستيراد. وقد قدّر الاقتصادي مايكل روبرتس أنه في عام 2023 شكّل قطاع التعدين نحو 26 في المئة من إجمالي الإنتاج الصناعي، في حين استحوذت ثلاثة قطاعات فقط — استخراج النفط الخام والغاز الطبيعي، وصناعة فحم الكوك وتكرير المنتجات النفطية، وصناعة المعادن الأساسية — على أكثر من 40 في المئة من إجمالي الإنتاج.
في الماضي، لم تؤدِ محاولات تطوير صناعتي السيارات والطيران إلى نتائج ملموسة. ويكاد التقدم الوحيد الذي يمكن ذكره يكمن في بعض فروع الصناعات الزراعية، ما سمح لروسيا بتقليص وارداتها الغذائية في منتجات محددة، إضافة إلى الاستثمارات في قطاع الطاقة النووية. وقد لجأ فلاديمير بوتين إلى اقتصاد الحرب لدفع الاستثمار في قطاعات إحلال الواردات، مثل «الهندسة الميكانيكية»، التي تشمل تصنيع المنتجات المعدنية النهائية (بما فيها الأسلحة)، وأجهزة الكمبيوتر، والبصريات والإلكترونيات، والمعدات الكهربائية. بيد أن هذه الجهود تبدو غير كافية، فبرغم أن الحرب والعقوبات رفعتا الطلب المحلي على التصنيع، فإن «الكينزية العسكرية» وحدها لا يُرجّح أن تعالج الاختلالات البنيوية في التطور الصناعي الروسي، ولا أن تعزز إنتاجيته على المدى الطويل.
إضافة إلى ذلك، لا تستطيع روسيا الاستمرار في تمويل هذا المجهود الحربي إلى ما لا نهاية من دون دعم خارجي متزايد. فاحتياطاتها آخذة في التآكل، وشركة «غازبروم» تتكبد خسائر جديدة، فيما تواجه البلاد نقصا حادا في اليد العاملة نتيجة الحرب. فقد جرى تعبئة نحو 1.5 مليون روسي وإرسالهم إلى الجبهة، بينما غادر أكثر من مليون شخص البلاد. ويقدّر أرباب العمل الروس وجود عجز يقارب 2.5 مليون عامل في القطاعات الصناعية الحيوية.
والأهم من ذلك، أن التناقضات الاجتماعية والسياسية داخل البلاد تتفاقم. فقد أسفر هجوم بوتين عن ما لا يقل عن 830 ألف إصابة في صفوف الروس، وترافق مع ارتفاع معدلات الفقر. إذ يعيش ما بين 13 و18 مليون شخص تحت خط الفقر، في ظل تضخم تراكمي في أسعار المواد الغذائية بلغ 24.6 في المئة. ويزداد الضرر الواقع على الطبقة العاملة الروسية بفعل الحرب، وليس من المستبعد أن تؤدي مجموعة من هذه العوامل مجتمعة إلى إحداث تصدعات في بنية حكم بوتين.
تغيرات وتناقضات الإمبريالية الروسية
لا تزال الإمبريالية الروسية ديناميكية مقارنة بمنافسيها الغربيين، إذ حققت نموا في ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة 3.6% عام 2024، متجاوزة بذلك المملكة المتحدة (0.6%) والاتحاد الأوروبي (0.9%) والولايات المتحدة (2.8%)، ومن المتوقع أن يزداد النمو بنسبة 2.5% في عام 2025. ويعود ذلك إلى قدرة بوتين على قمع أي معارضة ناشئة ضد الحرب بوحشية، لفرض سياساته الاقتصادية الحربية. كما تمكن من زيادة التجنيد العسكري بين المهاجرين من آسيا الوسطى والقوميات المضطهدة، الذين كانوا أقل قدرة على المقاومة. ويتجه نظامه نحو الاستبداد بشكل متزايد، وهو متحالف مع قوى اليمين المتطرف، ففي الشهر الأول من الغزو، تم اعتقال أكثر من 15 ألف متظاهر من مناهضي الحرب في البلاد، كما تم سن قوانين رقابة تحظر أي انتقاد للعدوان العسكري، أو لجرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الروسي. ويواجه المخالفون عقوبة السجن لمدة تصل إلى 15 عاما.
على الرغم من التوقعات التي أشارت إلى أن الحصار الاقتصادي الغربي سيسحق روسيا، إلا أن الإمبريالية الروسية استفادت من اعتماد السوق الأوروبية الكبير على الطاقة الأحفورية، وبالتالي بطء عملية فك الارتباط الجزئي عنها. ومع بدء تأثير العقوبات على مبيعات الغاز، أبرمت روسيا اتفاقيات اقتصادية جديدة مع الصين وإيران وشركاء آخرين. إضافة إلى ذلك، في عام 2024، استورد الاتحاد الأوروبي غازا طبيعيا مسالا من روسيا بقيمة 7.6 مليار دولار. وفي هذا العام، أصدرت أوكرانيا تقريرا يُشير إلى أن روسيا حققت 847 مليار يورو من عائدات الوقود الأحفوري منذ بداية الحرب، رغم العقوبات الغربية، وذلك من خلال مبيعات النفط الخام لشركائها التجاريين الجدد. ويعود ذلك إلى أن العقوبات الغربية كان قد تم فرضها مع وجود ثغرات متعمدة، مثل السماح لبعض البنوك الروسية الصغيرة باستخدام نظام سويفت المصرفي للتجارة مع أوروبا، أو استخدام دول وسيطة مثل تركيا وصربيا وبلغاريا لتسهيل التبادلات التجارية بين روسيا والقوى الغربية التي تلجأ إلى “أسطول ظل” يضم أكثر من 500 سفينة غير مؤمنة. بالإضافة إلى ذلك، نجحت سيطرة الدولة على البنوك في حماية رأس المال المالي الروسي من العقوبات والحصار وزيادة أرباحه.
من التطورات الرئيسية الأخرى تنامي العلاقات بين روسيا والصين، فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين بنسبة 64% منذ عام 2021، ما مكّن بوتين من الحفاظ على اقتصاد الحرب مزدهرا. وتصدّر روسيا نصف إنتاجها من النفط إلى الصين، وتمثل البضائع الصينية 38% من وارداتها. وعلى وجه الخصوص، زوّدت الصين روسيا بنسبة 63% من آلات التحكم الرقمي الحاسوبي التي تدعم آلة الحرب الروسية. وبينما تتشارك القوتان مصالحهما في هذه التبادلات، إلا أن علاقاتهما لا تزال متفاوتة ومتناقضة أحياناً. وتتنافس القوتان أيضاً على مناطق النفوذ، مثل آسيا الوسطى. فعلى سبيل المثال، تعمل الصين على إنشاء خط سكة حديد يربط بين الصين وقيرغيزستان وأوزبكستان، وقد كان من المقرر افتتاحه عام 2025، بهدف السيطرة على أسواق آسيا الوسطى التي تعتبرها روسيا ضمن نطاق نفوذها.
كما دفعت الحرب الأوكرانية الكرملين إلى توطيد علاقاته مع شركائه في الشرق الأوسط، لا سيما بعد سقوط الأسد، الحليف المخلص. ورغم هذه الضربة، يسعى بوتين إلى الإبقاء على قاعدتيه العسكريتين في سوريا. ومع اندلاع الحرب مع أوكرانيا، زودت إيران بوتين بأكثر من 2000 طائرة مسيرة. وقد أتاح ذلك لروسيا كسب الوقت لزيادة إنتاجها المحلي من الطائرات المسيرة، بل وحتى توطين تصنيع الطائرات الإيرانية. وفي عام 2025، أُبرمت اتفاقية تجارة حرة بين إيران والاتحاد الاقتصادي الأوراسي بقيادة روسيا، وبدأ البلدان في دمج أنظمة الدفع الوطنية لديهما. ولكن، فيما يتعلق بالشراكات الاقتصادية لمقاومة العقوبات الغربية، فإن العلاقات مع تركيا والإمارات العربية المتحدة أكثر أهمية من العلاقات مع إيران.
لكن الحقيقة الأبرز هي أن بوتين لم ينجح عسكريا في هزيمة المقاومة الأوكرانية وتحقيق النصر السريع في الحرب كما كان يتوقع، فقد زجّ بالطبقة العاملة الروسية في حرب طويلة الأمد استنزفت موارد البلاد، وفاقمت من حدة التفاوتات الاجتماعي. الجيش الروسي تكبد خسائر فادحة أكبر من تلك التي تكبّدتها أوكرانيا، واضطر إلى اللجوء، دون جدوى، إلى جنود من كوريا الشمالية لتعزيز صفوفه على الجبهات. وفي النهاية، أبدى الشعب الأوكراني شجاعة فائقة، وقاوم ببسالة لأكثر من ثلاث سنوات، رغم خيانات حكومته المتكررة. ويبقى الصراع الطبقي هو العامل الحاسم الذي سيحدد مستقبل الإمبريالية الروسية. تحويل الاقتصاد نحو الإنتاج الحربي، الذي سمح بتعزيز بعض القطاعات الاقتصادية، لم يسهم في حل مشكلة عدم التوازن في بنية الإمبريالية الروسية. لذلك، ولا تزال احتمالات العدوان العسكري المستقبلي على أوكرانيا أو غيرها من الدول المجاورة التي من شأنها تحدي حكم بوتين قائمة. وقد تتغير موازين القوى إذا ما تشكل تحالف رسمي بين الصين وروسيا. في غضون ذلك، يبقى التضامن مع جميع الشعوب المضطهدة من قبل الإمبريالية الروسية، مع برنامج نضال طبقي مستقل، ضرورة ملحة. وهذا البرنامج هو مفتاح إعادة تنشيط نضال الطبقة العاملة الروسية ضد حكامها المستبدين.
___
فلاديمير لينين، الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية، الفصل الخامس.
تروتسكي، ليون. الثورة الدائمة، سياتل: مطبعة الحروف الحمراء، ٢٠١٠، ص ١٦٢.
المرجع السابق، ص 161-162.
المرجع السابق
لينين، ف. إ. “المفكرة ب عن الإمبريالية”، الأعمال الكاملة، المجلد 39، موسكو: دار التقدم للنشر، 1978، ص 202. الدول الإمبريالية المستقلة تمامًا: بريطانيا العظمى، ألمانيا، والولايات المتحدة. دول من الدرجة الأولى، وإن لم تكن مستقلة تمامًا: فرنسا، روسيا، واليابان. دول من الدرجة الثانية: إيطاليا، النمسا والمجر.
لينين، ف. إ.، الإمبريالية: أعلى مراحل الرأسمالية. الفصل السادس.
براوننج، إي. إس. “مستثمرو السندات يقامرون بالأسهم الروسية”، وول ستريت جورنال، 24 مارس/آذار 1995.
المصدر السابق.
داويشا، كارين. نظام بوتين الفاسد: من يملك روسيا؟ نيويورك: سايمون وشوستر، 2014. ص 73-75.
بوبوف، فلاديمير، وسوندارام، جومو كوامي. “الانهيار الاقتصادي الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي”، وكالة إنتر برس سيرفس، 6 يونيو/حزيران 2017.
كونرادي، بيتر. من خسر روسيا؟ من انهيار الاتحاد السوفيتي إلى حرب بوتين على أوكرانيا. لندن: منشورات ون وورلد، ٢٠١٧، الفصل السابع.
كلاين، نعومي. عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث. نيويورك: بيكادور، ٢٠٠٨، ص ٢٣٨.
كونرادي، بيتر. من خسر روسيا؟ الفصل السابع.
إنجل، باميلا. “كيف أصبح فلاديمير بوتن أحد أكثر القادة إثارة للخوف في العالم”، بيزنس إنسايدر، ١٤ فبراير ٢٠١٧.
أريس، بن. “بوتين: سلطة الأوليغارشية على الكرملين انتهت”، صحيفة التلغراف، ٢٨ يوليو ٢٠٠٠.
بارفيت، توم. “أثرياء روسيا يضاعفون ثرواتهم، لكن الفقراء كانوا أفضل حالًا في التسعينيات”. صحيفة الغارديان، ١١ أبريل/نيسان ٢٠١١.
أليكسي، إيفانوف. “نشأة سوق عمليات الاندماج والاستحواذ الروسية: دور القطاع الصناعي”، ص 2
دابروفسكي، ماريك. الاقتصاد الروسي المعاصر، سويسرا: بالغراف، 2023، ص 128.
https://www.bruegel.org/dataset/russiancrude-oil- tracker
هنلي، جون. “هل تُهدد الأزمة الأوكرانية إمدادات الغاز الأوروبية؟”، صحيفة الغارديان، 3 مارس/آذار 2014.
نوجنت، كلارا. “لماذا لا تستهدف العقوبات المفروضة على روسيا قطاع النفط والغاز؟”، مجلة تايم، 25 فبراير 2022.
https://www.aljazeera.com/
economy/2023/3/20/russia-overtakes-saudiarabia-as-chinas-top-oil-supplier
https://us500.com/fortune-global-500
ديسكالزي، كارمن وجايوسو أميليا. الهيمنة الروسية في منطقة رابطة الدول المستقلة: دراسة للنفوذ الروسي والاختلاف في الموافقة والمعارضة من جانب دول رابطة الدول المستقلة للتسلسل الهرمي الإقليمي، أطروحة، كلية لندن للاقتصاد، 2011، ص 98.
المصدر السابق ص 95
المصدر السابق ص 191
غورودنيتشينكو، يوري وعلي. “الاقتصاد الروسي في حالة حرب: واقع جديد ممول بصادرات السلع الأساسية”، مركز أبحاث السياسات الاقتصادية، مايو 2024.
https://theconversation.com/russiaseconomy-is-now-completely-driven-by-the-warin-ukraine-it-cannot-afford-to-lose-but-nor-canit-afford-to-win-221333
كوبر، جوليان. “ميزانية أخرى لدولة في حالة حرب: الإنفاق العسكري في الميزانية الفيدرالية الروسية لعام 2024 وما بعده”، رؤى معهد ستوكهولم الدولي للسلام والأمن، ديسمبر 2023.
بوزيداييف، ديمتري، “انفصال روسيا عن الغرب: المُعادل العظيم”، لينكس، 13 يونيو 2024.
باريس، كوستاس وآخرون. “روسيا تدرس خطة لدمج عمالقة النفط في منتج ضخم”، صحيفة وول ستريت جورنال، 4 نوفمبر 2024.
المصدر السابق
https://thenextrecession.wordpress. com/2024/03/15/russians-vote-for-putin/
https://thenextrecession.wordpress. com/2025/02/24/russia-ukraine-war-threeyears-on/
ليندل، دادا. “ليس في صف الفقراء: أرقام الفقر الصادرة عن هيئة الإحصاء الروسية مقابل الواقع الموضوعي”، ذا إنسايدر، 22 نوفمبر 2024.
كاترينا ميخائيلوفا. “الاقتصاد الروسي يزداد ضعفاً مع ارتفاع الديون وانخفاض أسعار النفط”، كييف بوست، 15 فبراير 2025.
https://b4ukraine.org/pdf/B4Ukraine_3Years_ Report.pdf
بروكوبينكو، ألكسندرا. “ما هي حدود “تسييس” روسيا؟”، كارنيغي بوليتيكا، 24 مايو 2024.
https://b4ukraine.org/pdf/B4Ukraine_3Years_ Report.pdf
https://english.www.gov.cn/news/202412/27/ content_WS676eabb1c6d0868f4e8ee51f.html
ليستر، تيم. “الطائرات الإيرانية بدون طيار التي نشرتها روسيا في أوكرانيا تعمل بتكنولوجيا غربية مسروقة، كما يكشف البحث”، سي إن إن، 28 أبريل 2023.
سماجين، نيكيتا. “معاهدة جديدة بين روسيا وإيران تكشف حدود شراكتهما” كارنيجي بوليتيكا، 21 يناير 2025.
المصدر السابق
ترجمة تامر خرمه
مراجعة فيكتوريوس بيان شمس



