18 كانون الأول/ديسمبر 2015
أثر نضال المقاتلين الكورد في مدينة كوباني بالعالم بأكمله، ففي إقليم روجافا (الاسم الذي يطلق على هذه المنطقة في كوردستان سوريا)، ورغم الضعف العسكري، ومشاركة كبيرة من الشباب قليل الخبرة، هزموا مرتين قوات الدولة الإسلامية، وأحكموا سيطرتهم على المدينة.
أعاد هذا النصر، من جانب، إلى واجهة السياسة الدولية النضال التاريخي للكورد لإقامة دولتهم المستقلة، ومن جانب آخر، حللت تيارات أممية مختلفة الحالة التي تتشكل في روجافا واعتبرتها بمثابة نوع من “اشتراكية القاعدة”، وبالناسبة لآخرين اعتبروها تجسيدا للمبادئ الأناركية (بلد يتم حكمه بدون دولة).
في هذا المقال، محاولة لتتوسع بطريقة تركيبية في تحليل التاريخ الحديث للشعب الكوردي ونضالاته، أوضاعه العامة في الدول المشتت فيها، والبدء بتحليل ما يخص الطبيعة الطبقية لروجافا وأيضا تحليل مختصر للأحزاب والمنظمات السياسية التي تعمل بشكل فاعل في كل منطقة من هذه الأقاليم، وخاصة حزب العمال الكوردستاني، ذو الوزن الثقيل بين السكان الكورد في كل من سوريا وتركيا.
أصل وتشعبات الشعب الكوردي
بدأ تاريخ الكورد في المنطقة التي يعيشون فيها اليوم منذ العصور الأولى: فقد استقروا في آسيا الصغرى قبل ألف عام من الميلاد. خلال العصور الوسطى، سيطرت الامبراطورية العربية على المنطقة، وفيما بعد الامبراطوية العثمانية. ومنذ تلك الفترة، حافظوا نوعا ما على لغتهم الخاصة. أغلبية الكورد تبنوا تعاليم الطائفة السنية من الدين الإسلامي، على الرغم من وجود أقلية هامة لا تزال على دينها التقليدي (السابق للمسيحية) ألا وهو اليزيدية.
خلال الحرب العالمية الأولى، تحالفت الامبراطورية العثمانية مع القوى المركزية (ألمانيا والنمسا وهنغاريا) وهزمت. بعد تلك الهزيمة، القوتان الإمبرياليتان المنتصرتان (إنكلترا وفرنسا) فتتا هذه الإمبراطورية وقسمتا المنطقة إلى بلدان تحت نفوذهما.
في العقود اللاحقة، في العديد من هذه المناطق، تم الاعتراف باستقلال بلدان جديدة. ولكن تم إقامتها ضمن معايير استبدادية، ودائما كان يتم الحفاظ على سيطرة كبيرة على اقليم غني جدا بالبترول. في حالة معينة، (سياسة فرق تسد) فصلت مناطق يجب أن تبقى موحدة بشكل طبيعي، كحالة سورية والعراق، أو إنشاء دولة الكويت (التي كانت تاريخيا جزءا من العراق). في حالات أخرى أنشئوا حدودا كانت تحوي أقليات (والذين لم يتم الاعتراف بحقهم في الحصول على دول خاصة بهم).
في حالة الكورد، اعترفت اتفاقية سيفريس (1920) بحق الشعب الكوردي بتقرير المصير، واقترحت إقامة الدولة الكوردية (على الرغم من اقتصاره على جزء بسيط من أرضه التي يطالب بها هذا الشعب وفقط في الأماكن التي يشكلون بها أغلبية ساحقة). ولكن هذه الاتفاقية لم تدخل أبدا حيز التنفيذ وأعيد الالتفاف عليها في اتفاقية لوزان (1923) ومن خلالها يبقى الشعب الكوردي مقسما في أربعة بلدان (تركيا، إيران، العراق وسوريا)، بالإضافة إلى اندماج قطاع صغير منه يقيم في أرمينيا وأذربيجان في الاتحاد السوفييتي السابق.
منذ ذلك الحين، ناضل الكورد من جانب ضد القمع الذي يعانون منه في هذه البلدان، ومن جانب آخر لانتزاع دولته الخاصة الموحدة.
الكورد: الأرض والشعب
مساحة أرض كوردستان التاريخية تبلغ 400 ألف كيلومتر مربع (190 ألف في تركيا، 125 ألف في إيران، 65 ألف في العراق و15 ألف في سوريا). في هذه الأراضي، هناك جزء عام من الاحتياطي النفطي في كل من العراق وإيران، وتقريبا كل الاحتياطي النفطي السوري.
وبالرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية، يقدر عدد الكورد بين 30 و40 مليون نسمة: 16 مليون في تركيا (12 مليون كوردي تركي و4 مليون من أقاليم أخرى)، أكثر من 8 مليون في إيران، و7 مليون في العراق و2 مليون في سوريا. بالإضافة إلى وجود أكثر من 2 مليون كوردي مستقرين في بلدان أخرى (أغلبيتهم في أوروبا، 700 ألف منهم في ألمانيا).
في الوقت الحالي يعتبر الكورد أحد أكبر القوميات في العالم بدون دولة خاصة بهم، وبالطبع الأكبر في الشرق الأوسط. ففي البلدان التي تشتتوا فيها، يتعرضون للظلم والتمييز، وعندما يناضلون من أجل رفع المظلمة التاريخية عنهم يتم قمعهم بقسوة.
نضالات الشعب الكوردي والقمع الممارس ضدهم
بعض النضالات التحررية للكورد:
- في القرن التاسع عشر، قام الكورد بعدة انتفاضات ضد الامبراطورية العثمانية، ولكنهم هزموا في جميعها.
- في العام 1925، تم هزيمة العصيان من قبل القوات التركية، وتم ذلك في مرحلة الجمهورية التي قادها كمال أتاتورك.
- في العام 1946، في إيران، وبنضال من مصطفى بارزاني (والد القائد الكوردي العراقي الحالي) استطاعوا إقامة جمهورية ماهاباد التي دامت أقل من عام واحد، وتم هزيمة الكورد من قبل الجيش الإيراني وإعدام قادتهم.
- في سبعينيات القرن الماضي، كان هناك نمو في الكفاح العسكري في كوردستان العراق. استغل صدام حسين الحرب مع إيران ليقوم بهجمات بالأسلحة الكيماوية ضد السكان الكورد.
- في التسعينيات، كجزء من عملية قمع نضالات الكورد، دمر الجيش التركي 3 آلاف قرية كان يعيش فيها السكان الكورد.
العمليات المعاصرة، سنناقشها في النقاط التالية.
لماذا ندافع عن حق الكورد في الحصول على دولة موحدة خاصة بهم؟
تاريخيا، تمر السياسة الماركسية الثورية تجاه مسألة القوميات المضطهدة (أي القوميات التي تعاني من الظلم داخل الدولة المهيمنة من قبل قومية مضطهِدة، كما يحصل في الدولة الإسبانية أو بالنسبة للشيشان في روسيا) بافتراضين أساسيين. الأول دعم النضال ضد الظلم الذي يعانون منه، والثاني والمركزي الدفاع غير المشروط عن حقهم في تقرير المصير. أي الدفاع عن ما يريدون أن يقرروه أو ما يستطيعون أن يفعلوه: سواء في البقاء مع الحقوق الكاملة في الدولة المندمجين فيها (في كثير من الأحيان يحدث الاندماج بطريقة قسرية) أو الاستقلال وإقامة دولة مستقلة.
كماركسيين ثوريين، لا نؤيد تفتيت الدول القائمة حاليا. على العكس، نناضل من أجل دمج الدول متعددة القوميات في نظام فيدرالي. ولكن في حال وجود قومية مضطهدة تريد استقلالها، ندعم وندافع بدون أي قيد أو شرط عن هذا القرار. ليست مسألة برنامج نظري، قمنا بتطبيق ذلك عمليا عندما كنا في السلطة الأمر الذي أثر علينا بشكل مباشر. مثلا، في العام 1917، قبلت الحكومة البلشفية بقيادة لينين وتروتسكي واحترمت قرار الشعب الفنلندي بإقامة دولته المستقلة وعدم الانضمام إلى الاتحاد السوفييتي الناشئ.
الحالة الكوردية هي حالة خاصة: من الواضح بأنها تتعلق بأمة مضطهدة، ولكن لا يحصل هذا في بلد واحد فقط وإنما في أربعة بلدان يتعرض بها الكورد للتقسيم والاضطهاد. لذلك، الصيغة الوحيدة لتنفيذ حق تقرير المصير تتمثل في تحطيم الانقسام وإعادة التوحد فيما بعد. هذه هي نقطة البداية، الاعتراف والدفاع عن الحق في فصل أراضيهم التاريخية في البلدان التي تم دمجهم فيها وإنشاء دولتهم المستقلة الخاصة (ودعم بشكل كامل نضاله لهذا الهدف). نعتقد بأنها، في هذه الحالة، ليست عملية تفتيت للدول وإنما، على العكس، إعادة توحيد جوهرها التقدمي.
هذا الموقف ليس جديدا بالنسبة للرابطة الأممية للعمال- الأممية الرابعة ولا بالنسبة لمنظمتها التركية: فقد تم التعبير عنه في عدة اصدارات من مجلتها (كوريو انترناسيونال)، في حقبة تسعينيات القرن الماضي، في إطار نضال هذا الشعب ضد هجمات نظام صدام حسين في العراق، وضد القمع الوحشي للحكومات التركية المختلفة.
نقاش حول “المسألة الكوردية” في سوريا
في إطار هذا التحليل والموقف الذي نعرضه، هناك نقاش حول “المسألة الكوردية” في سوريا. في عمل تم نشره قبل عدة سنوات، برهن سلامة كيلة (معروف بمفكر ماركسي سوري، يقيم حاليا في مصر) بأن “المسألة الكوردية في سوريا” مختلفة تماما عن مثيلتها في العراق (لم يحلل الكاتب ما يجري في إيران أو في تركيا): يقول نعم في العراق هناك أراض كوردية تاريخية، ولكنها غير موجودة في الحالة السورية.
يشير في عمله إلى حدث استقلال سوريا (في العام 1946) “لم يكن هناك منطقة خاصة للكورد وعددهم كان محدودا جدا”، بالإضافة إلى توزعهم في مناطق متباعدة ومعزولة. لهذا السبب “عندما طرح القادة الكورد المسألة الكوردية في الأمم المتحدة في العام 1947، لم يشيروا إلى سوريا…”.
يعتبر كيلة أن “المسألة الكوردية” في سوريا تطورت “في لحظة سابقة، وخاصة نهاية خمسينيات القرن العشرين، وبشكل أوسع بداية الستينات، عندما زاد عدد المهاجرين الكورد باتجاه سوريا”. على الرغم من أنه لم يشر في عمله بأن هذا كان نتيجة القمع الوحشي الذي عانوا منه في تركيا. أصل هذه الهجرة “لقد زاد عدد الكورد أكثر فأكثر، واليوم هناك مدن كوردية كاملة والشعب الكوردي السوري وجد نفسه جزء من شعوب الأراضي السورية”.
بالحقيقة، “طرح المسألة يقارب بكيفية حل القضية: هل نتجاهل التاريخ ونتقاسم الوضع الحالي في الحاضر؟. بهذا التناقض، يجيب كيلة: “هذا يستلزم أخذ التاريخ بعين الاعتبار (…) لهذا السبب، لا يمكن اعتبار روجافا كما لو كانت منطقة كوردية (أو أرض كوردية)”. ابتداءا من هذا المعيار المركزي، يضع وحدة أرض-الدولة السورية بعين الاعتبار، وبالنسبة له، يعارض الحق بتقرير المصير للشعب الكوردي في سوريا.
بهذا المنهج، لا يجب تأييده “الصراعات القومية لا تسهم إلا في زيادة التعصب المتبادل. التعصب الذي أوقدت ناره أيضا سياسة آل الأسد وحزب البعث (وخاصة عندما نزعوا المواطنة السورية عن الكورد في العام 1962).
نتيجة لهذا الطرح، يقترح لحل “المسألة الكوردية” في سوريا المرور بـ “تأسيس دولة مدنية (في سوريا) والتي تنجز من خلال تكريس مبدأ المواطنة لجميع السوريين، عرب وكورد وتوركمان وشركس وأرمن …” وهذا يعني الاطاحة بنظام آل الأسد والتأسيس للحقوق الديمقراطية الأساسية لجميع السكان والقوميات الموجودة في الأراضي السورية حاليا. بهذا الإطار، بالإضافة إلى المواطنة السورية، سيمتلك الكورد “الحق بالتكلم بلغتهم والتعبير عن ثقافتهم الشعبية، وفتح المدارس وتعليم اللغة الكوردية على مستوى سوريا بشكل عام”.
في نفس الدراسة، أكد كيلة على حق الكورد ببناء دولتهم القومية المستقلة بأراضيهم التاريخية. ولكن هذا الحق لا يطبق في سوريا بسبب عدم وجود هذه “الأراضي التاريخية”.
لا نتفق مع اقتراح سلامة كيلة، الذي يعتبر غير صحيح سياسيا. أعتقد أن هذا الموقف الطائش هو نتيجة لخطئ في المنهج الذي درس من خلاله المسألة الكوردية في سوريا. فقد حد هذا الموضوع بالتحليل داخل الأمة-الدولة-الأرض السورية ولم يطرحه بأبعاده الحقيقية: نضال أممي لشعب مقسم ومضطهد في أربع دول عربية وإسلامية. بهذا المعنى، هو كفاح تخطى الوضع الأقليمي والدولي، مواجها أنظمة وحكومات هذه البلدان والإمبريالية أيضا.
بداية من هذه المسألة العالمية التي يجب تحليلها من ظروفها في سوريا. هل هو وضع استثنائي ذاك الذي، سيطر به حق الأمة-الدولة-الأرض السورية على ما يخص الكورد؟ لا أعتقد ذلك. أولا، إن عملية الاستيطان حصلت بشكل مسبق لوضع الكورد في تركيا. وثانيا لأنه، كما اعترف سلامة كيلة نفسه، يوجد مدن ومناطق كوردية بشكل كامل لديها استمرارية جغرافية مع كوردستان التركية (والتي يعيش فيها، من جانب أخر، وبدون أي تمييز أو اضطهاد أقلية عربية سورية، بما في ذلك بعض من هرب من هول الحرب الأهلية). بمعنى أنه حتى لو لم توجد هذه “الأراضي التاريخية” خلال القرن العشرين، فقد أنشأت أراض كوردية خالصة في سورية، ذاك الفصل يمكن إعطاء بدون ضرر ما تبقى من الأمة-الدولة-الأراضي السورية.
إن التركيز على الموضوع فقط من وجهة نظر سورية، تبقي “المسألة الكوردية” مختصرة على قومية مضطهدة “داخلية” قدم سلامة كيلة لحلها برنامج حقوق مدنية فضفاض: مواطنة سورية، استخدام لغتهم، الحق في انشاء مدارسهم الخاصة وتطوير ثقافتهم، إلخ… ولكن هذا البرنامج الديمقراطي لم يرق إلى إضافة حق تقرير المصير للكورد في إقليم روجافا حيث يشكلون فيه الأغلبية الساحقة.
النقاش أيضا يجب أن يجيب على مشكلة محددة جدا، يجب أن يقدم موقفا: في روجافا ظهر كيان على شكل دولة كوردية ذاتية الحكم. هل ندير ظهرنا إليه ونطرحه بأنه نقطة دعم من أجل توحيد كوردستان؟ أو على العكس، نطرح إعادته واندماجه كمنطقة سورية ونترك للمستقبل غير المحدد النضال من أجل كوردستان موحدة؟ كما أشرنا سابقا، لدينا إجابة واضحة جدا ونهائية بهذا السياق.
روجافا (كوردستان السورية)
يحتل الكورد جزءا صغيرا من شمال سوريا (15 ألف كيلومتر مربع، 7 بالمئة من مساحة البلد) ويشكلون حوال 2 مليون نسمة (10 بالمئة من السكان). يتوزع الكورد في ثلاثة مقاطعات أو مناطق، تحيط بثلاث مدن أساسية: عفرين (900 ألف)، الجزيرة (650 ألف) وكوباني (450 ألف). لا تملك هذه المقاطعات تواصل جغرافي ضمن الأرض السورية (عفرين مفصولة عن المقاطعتين الأخرتين بأرض ليست كوردية). لكن التواصل راسخ مع كوردستان التركية.
لقد تم مطاردة وتمييز الكورد دائما في سوريا. لدرجة عدم الاعتراف بلغتهم الخاصة، منذ العام 1962 وحتى زمن قريب، لم يكن لديهم الحق بالمواطنة السورية. في العام 2012، على هامش الحرب الأهلية بين الثوار ونظام بشار الأسد، حدثت انتفاضة مسلحة ضد النظام. مع صعوبات كبيرة لمواجهتها بشكل مباشر، اجرى الأسد اتفاقا واقعيا مع القيادة الكوردية: اعترف من خلاله بالكورد كمواطنين سوريين ووافق على الحكم الذاتي، وبالمقابل لا يتم انفصالهم عن البلد ولا يتحدوا مع “الثوار”. من تلك اللحظة، تبدأ العملية التي سنقوم بتحليلها.
لم يكن اقتصاد روجافا متطورا بما يكفي تحت الهيمنة السورية. كانت تعود ملكية الأرض إلى الدولة السورية وكانت مكرسة ضمن ترخيص من أجل إنتاج القمح ظاهريا وإمكانية الاحتفاظ ببعض المؤن. أيضا كان هناك استخراج النفط (وهو أيضا ملكية للدولة السورية)، على الرغم من أن الحقول الرئيسية كانت خارج المناطق الكوردية (ولكنها ضمن منطقة تأثيرهم). هذا يتكامل مع التجارة وبعض المعامل الصناعية الصغيرة. البنوك كانت حكومية والأبنية الرئيسية والخدمات أيضا. قطاعات من السكان أجبروا على الهجرة إلى مدن جنوب سوريا وفيها تحولوا إلى عمال برواتب متدنية.
وعندما حملت الإدارة الكوردية الجديدة على عاتقها تسيير جميع هذه الأملاك والأعمال، قامت بتوزيع بعض الأراضي على تشاركيات ذاتية التنظيم والتي تعمل على توسيع عمل تربية الحيوانات وزيادة انتاج المحاصيل. كما استمرت في استخراج بعض النفط (حقول النفط الرئيسية ومعامل التكرير لا تزال حتى اللحظة في أيدي الدولة الإسلامية، على الرغم من مواجهتها الكثير من الصعوبات في تشغيلها بسبب القصف الجوي الإمبريالي)، تكرر مواد بترولية منخفضة الجودة، وتبيعها في مناطق مختلفة أو توزعها على التشاركيات والمؤسسات الأخرى. إن انتاج هذه التشاركيات يتم بيعه بالتجزئة وتحصل الإدارة على العائدات (والتي تتحكم بكل العملية وبالأسعار). تقوم الإدارة بتخصيص حصة من الخبز والمواد الغذائية الأساسية وترسلها إلى جميع المناطق (في روجافا هناك ثورة لتغيير الحياة اليومية).
في كوباني، أيضا في الجزيرة، أجبر هجوم الدولة الإسلامية على وضع هذا النظام ضمن “اقتصاد الحرب”، ولكن في عفرين (المنطقة غير المتأثرة بهذه المواجهات) استمر هذا النظام بالتطور. في إحدى المقابلات حول الاقتصاد في روجافا، قال أحمد يوسف، وزير الاقتصاد في منطقة عفرين وشرح أن المنطقة كانت دائما تعاني من الفقر لأنه، من الحكومة المركزية “لم يسمحوا بفتح المعامل أو تطوير أي نوع من المشاريع لتحسين الاقتصاد في المنطقة”. في تلك الأعوام، قاموا بإغلاق عدة مصانع انتاجية صغيرة ومخازن الزيتون ومعاصر زيت الزيتون.
ابتداء من وجود الحكم الذاتي، بالإضافة إلى انتشار التشاركيات الزراعية والمعامل الصغيرة لإنتاج الديزل في الإقليم، يعمل الآن “50 مصنعا لانتاج الصابون، و20 ورشة تعليب، 250 معصرة زيت، 70 مصنعا لإنتاج مواد البناء، 400 ورشة نسيج، 8 مصانع أحذية، 5 مصانع لانتاج النايلون، 15 مصنعا لأعمال الرخام”، كما توجد مطحنتان (لإنتاج القمح) وفندقان. بالإضافة إلى بناء خزان لتأمين مياه الشرب”.
خلال هذه العملية، تضاعف عدد السكان في الإقليم، فمع الكورد الذين جاؤوا من كوباني ومن هرب من مدن أخرى، بالإضافة إلى قسم من العرب وليس الكورد (يقدر عدد السكان بمئتي ألف). بحسب يوسف، الآن هناك خطة توظيف في الإقليم.
بخصوص الآلية المالية، يشرح بأنه لا تزال تستخدم الليرة السورية، ولكن البنوك الحكومية السورية لم تعد تعمل وتم تشكيل هيئات بنكية كوردية في الأقاليم. دفع الفائدة يتم التحكم به بشكل جيد، على الرغم من أن “الناس الآن تفضل حفظ أموالها تحت الوسادة”.
أخيرا يشرح “رأس المال الخاص ليس ممنوعا ولكن يجب أن يكون متفق مع أفكارنا ونظامنا. نحن في طور تطوير نظام يعتمد على التشاركيات والكومونات. هذا النظام لا يعني أننا ضد رأس المال الخاص. يمكن أن يكون متمم لنظامنا. نعتقد بأن عندما يكون نظام التشاركيات في مستوى متطور، يمكن إضافة رأس المال الخاص الأخلاقي ليشكل جزءا من الاقتصاد العام”.
الدستور والكومونات في روجافا
في إطار حكمهم الذاتي، أقر سكان روجافا عقدهم الاجتماعي (الدستور). سنقوم بتحليل جانبين اثنين منه فقط: الاقتصاد والنظام الاقتصادي.
بما يخص الاقتصاد والملكية، فهو يؤسس إلى أن “المصادر الطبيعية، الواقعة فوق وتحت الأرض، هي ثروة عامة للمجتمع. إن أعمال التنقيب والإدارة والتراخيص والاتفاقات التعاقدية الأخرى المتعلقة بالمصادر المذكورة سابقا تخضع لحكم القانون” بالإضافة “الأبنية والأراضي هي ملكية للمجتمع ويتم إدارتها من قبل الحكومة” كما ينص أيضا على أن جميع السكان لديهم “الحق في استخدام والاستمتاع بملكياتهم الخاصة”.
ويؤكد أن “النظام الاقتصادي، يجب أن يتجه نحو الرفاهية العامة، وبشكل خاص، التمويل الذي يمنح للعلم والتكنولوجيا. الغرض منه ضمان الحاجات اليومية للأشخاص وضمان حياة كريمة. الاحتكار ممنوع بحسب القانون. كما يضمن حقوق العمال والتطور المستدام”. وأخيرا، كما نرى في تقرير وزير الاقتصاد في عفرين، “رأس المال الخاص غير ممنوع ولكن يجب أن يتفق مع أفكارنا ونظامنا”.
وبما يتعلق بالنظام السياسي، جزء من الفرضية الأساسية لعدم إقامة “دولة” وإنما “ديمقراطية القاعدة” (والتي يطلقون عليها كونفدراية ديمقراطية)، تنشأ بصيغة هرمية.
في القاعدة، يتم تعيين “كومونات”. كل كومونة تمثل 300 شخص ضمن معيار الإقامة في الأحياء. لديها رئيس مساعد وعدة لجان تتدخل من أجل حل المشاكل المحددة إلى أن يتم تحديد المشاكل السياسية الأكثر عمومية. من هذه النقطة إلى الأعلى، هناك “منسقو الكومونات” حتى الوصول إلى منسقي كل إقليم، والتي تملك رؤساء مساعدين وعدة لجان. وفي كل مستوى، هناك لجان للمرأة.
وأخيرا، يصل إلى مستوى إقليم روجافا ككل، الذي يعتمد على برلمان و22 وزيرا. حتى الآن، تم تعيينهم بفضل اتفاق بين أحزاب ومنظمات، ولكن، في المستقبل، يجب أن يتم انتخابهم بواسطة التصويت الشعبي. قادة القوة العسكرية (حزب الاتحاد الديمقراطي) تم تعيينهم من قبل اللجنة العسكرية الإقليمية بالاتفاق مع لجان القاعدة.
يشكل حزب العمال الكوردستاني التيار الغالب في البناء السياسي، في هذه المنطقة يسمى (حزب الاتحاد الديمقراطي). هذا الحزب أجرى تحالفين ليحكم: (حركة المجتمع الديمقراطي) و (مجموعة مجتمعات كوردستان). وبالإضافة إلى حزب الاتحاد الديمقراطي، هناك منظمة تدعى (الحركة الثورية الأناركية) بتوجهات أكثر مباشرة إلى القاعدة، ولا تأخذ شكل الحزب.
ما هو الطابع الطبقي للكيان في روجافا؟
في هذه النقطة الهامة، أريد أن أكون حذرا جدا خاصة وإني أعمل فقط ضمن معلومات صحفية و “من الخارج”، وبدون معرفة مباشرة للوضع على أرض الواقع. هو عبارة عن نقاش مفتوح سأعمل به ضمن فرضيات وبدائل ممكنة.
ضمن السيادة السورية، لا توجد برجوازية كوردية في روجافا بالمعنى الصارم للكلمة. لأكون أكثر تحديدا، أقول بأنها كانت الأضعف: فهي برجوازية ناشئة أو برجوازية زراعية وتجارية وصناعية. يعد هذا الجانب هام جدا في تحليل الوضع الحالي.
ابتداء من العام 2012، تشكلت بالأفعال وليس بالأقوال، دولة كوردية في روجافا. أعرفها بأنها “كيان” بسبب (لم يطالب بالاستقلال عن سوريا وغير معترف به دوليا) امتلاكه لحكمه الذاتي الخاص به، وبشكل مركزي، يملك قواه العسكرية الخاصة (مقاتلي حزب الاتحاد الديمقراطي). يستحوذ هذا الكيان على الأرض وعلى الخدمات العامة التي كانت ملكيتها تعود للدولة السورية. بمعنى آخر، هذا الكيان أصبح مالكا للموارد الاقتصادية الرئيسية، وفي الوقت نفسه، أخذ مكانه على أنقاض بنية اقتصادية متخلفة، بدون برجوازية تقريبا. هذا بالنسبة لي القاعدة الموضوعية للظرف الحالي.
هو ظرف خاص جدا، يمكن أن يقال عنه استثنائي في التاريخ الحديث. نستطيع تصنيف حزب الاتحاد الديمقراطي بمثابة قيادة غير عمالية أو برجوازية صغيرة استولت على السلطة والآن تسيطر على الكيان. هذا الحدث ضمن هذه الخصائص ليس جديدا: حصل هذا في بلاد مثل يوغسلافيا السابقة، والصين، وكوبا، ونيكاراغوا… في تلك الظروف، كان ينشأ تناقض حاد بين البنية الفوقية (النظام والحكومة)، التي لم تكن تسيطر عليها البرجوازية، والبنية الاقتصادية للبلد (التي كانت لا تزال رأسمالية).
تناقض كان يمكن حله من خلال بديلين اثنين. الأول، هذه القيادة يمكن أن تتحرك من نواياها الأصلية في قطيعتها مع البرجوازية والإمبريالية وتجردها من الملكية، وبذلك تبدأ بإنشاء دولة عمالية جديدة (وقع هذا في يوغسلافيا السابقة والصين وكوبا)؛ البديل الثاني، القيادة لا تتقدم في القطيعة مع شكل الكيان ولا في عملية تجريد الملكية وتعيد تشكيل الدولة البرجوازية “العادية” (حدث هذا مع الجبهة الساندينية للتحرير الوطني في نيكاراغوا). لا يوجد حلول وسطى أو بدائل “وسيطة” بين الأول والثاني.
الوضع في روجافا مختلف نوعا ما عن الدول التي أشرنا إليها. ففي حين في تلك البلدان كان يوجد مقدار معين من التطور الرأسمالي، وبناء عليه، برجوازيات وطنية وإمبريالية توجب مصادرة ملكياتها، في روجافا، وبسبب التطور التاريخي السابق، التوازنات الرئيسية للاقتصاد بقيت بيد الدولة الجديدة، التي ترسم الشكل المركزي للأنشطة الاقتصادية. ولكن نأتي إلى هذا الوضع بدون أن يكون على القيادة أن تقوم بسياسة مصادرة الملكية.
كنقطة مهمة جدا، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أننا نتحدث عن كيان صغير جدا قائم على قاعدة اقتصادية ضعيفة جدا. ما يتم القيام به الآن هو تطوير بدائي نستطيع أن نطلق عليه “تراكم أولي” (في حالة كوباني، هي في وضع بناء هذه القاعدة الضعيفة) من أجل ضمان العملية الاقتصادية الأولية.
بالنسبة للشروط الموضوعية الحالية، قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي قد تستطيع التقدم في هذا التراكم الأولي من خلال إقامة دولة صغيرة للعمال. نحن أمام مركب خاص جدا “بفرضية صعب جدا تحقيقها” وهذا ما طرحه تروتسكي في برنامج التحول. ولكن في هذه الحالة، لا نتقابل مع تعريف “اشتراكية القاعدة” الذي تستخدمه بعض التيارات. بشكل أساسي لأنهم ربما علمونا معلمينا في الماركسية، بأنه فقط يمكن الحديث عن “الاشتراكية”، إن قطعت، بالحد الأدنى، الحديث عن المستوى الأعلى من التطور الاقتصادي الذي نصل إليه بفضل الرأسمالية. بكل الأحوال، نحن بصدد وضع أولي من اقتصاد التحول.
ولكن، مع الحذر الشديد الذي أشرت إليه في بداية هذه النقطة، أعتقد بعدم وجود هذا المشروع لدى حزب العمال الكوردستاني-حزب الاتحاد الديمقراطي ولا هذا ما يقومون به. يبدو لي، بأن وراء الأيديولوجية ولغة “الاقتصاد الاشتراكي” و “الكونفدرالية الديمقراطية”، ما يتم انشائه الآن هو كيان برجوازي “شاذ”، مختلف قليلا عما نعرفه عادة، بسبب القواعد الموضوعية التي في جزء منها هي تعبير مجتزئ لهذه الأيديولوجية الخاصة. من وجهة نظري، دستور روجافا وسياسة حزب الاتحاد الديمقراطي لم تضع القواعد لدولة عمالية (انظر الفقرة التي تشير إلى قبول رأس المال الخاص) وإنما لدولة رأسمالية مع تدخل كبير من قبل الدولة.
هذه الحقيقة تفسر الطابع الطبقى للبورجوازية الصغيرة التي تمثلها قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي وقاعدته الاجتماعية (أيضا تعتبر بورجوازية صغيرة) بدون وجود ضغط أو فعل بروليتاري بسبب مطالبه وبرنامجه الخاص. أيضا ليس لديهم حاجة للقيام “بضربة معاكسة” ضد البورجوازية الوطنية والإمبريالية التي تهيمن على الاقتصاد الوطني وتضرب السيرورة (كما عرفها تشي جيفارا في السيرورة الكوبية 1959 و1961).
هناك مسألة مركزية يجب أخذها بعين الاعتبار في الديناميكيات الممكنة وهي السياق الإقليمي. روجافا إقليم صغير جدا يرتكز على قاعدة اقتصادية ضعيفة جدا. هذا السياق يعيش حالة من عدم الاستقرار وبخطر عميق. من جانب، يتعرض لهجمات الدولة الإسلامية وعزل تركيا. إن إعادة نشاط هذا الوضع يمكن أن يعصف بكل العملية ويحولها إلى “اقتصاد الحرب” (كما حصل في كوباني). من جانب آخر، وبشكل مناقض، “تحمي” عناصر أخرى هذا الوضع الإقليمي وتحافظ عليه (مثل الحرب الأهلية في سوريا) وتؤدي إلى عزل هذا الإقليم.
كاقتصاد ضعيف وقليل التطور، يمكن أن يبقى إقليم روجافا على قيد الحياد لوقت محدد (حتى الوصول إلى تطور مؤكد) بنموذج معزول. ولكن، من منظور أكثر استراتيجية، كيان صغير، هذه الدولة الصغيرة، ليس لها مستقبل. ماذا سيحدث على سبيل المثال إذا هزم تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا وخرج الأسد (بدعم من روسيا والإمبريالية) أكثر قوة؟ من الوهم أن نعتقد بأن الديكتاتور السوري سوف يحافظ على الهدنة التي اتفق مع الكورد بشأنها ولن يفكر في التقدم لاستعادة روجافا وإعادة توحيد الأراضي السورية.
بهذا المعنى، السياسة الدولية التي تحث عليها قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي هي سياسة مضللة وخطيرة جدا. هناك جناح مهيمن يقترح تحالفا مع بوتين وروسيا (المحور الحقيقي اليوم لمهاجمة الثوار الذين يقفون في وجه الأسد). جناح آخر يقترح تعميق التحالف مع الإمبريالية الأمريكية (حسب نموذج القائد الكوردي العراقي، برزاني). هي سياسات يمكن أن تقدم بشكل بناء ميزة معينة ولكن في المستقبل يمكن أن يكون الكورد في روجافا “فرق حساب” بالنسبة لهؤلاء “الحلفاء” في اللعبة الأكبر لمصالحهم في سوريا والشرق الأوسط.
يمكن حماية الأراضي المسيطر عليها في إقليم روجافا من قبل الكورد فقط إذا، من جانب، تم تعميق التحالف مع الثوار السوريين (الذين ساعدوا في هزيمة الدولة الإسلامية في كوباني) وتوسيع النضال من أجل هزيمة الأسد، ومن جانب آخر، استخدامها كمنصة من أجل تطوير النضال من أجل إقامة دولة كوردية موحدة. ستبقى روجافا جزء من هذا النضال الإقليمي (وأكثر عمومية، كجزء من الثورة في الشرق الأوسط)، وبدون ذلك سيحكم عليها بالضياع للأسف.
أسباب الانتصار في كوباني
لقد صدم العالم عندما هزمت القوات الكوردية في كوباني الدولة الإسلامية وطردتها من المدينة. حتى الآن (على الرغم من كل التكنولوجيا العسكرية المستخدمة من قبل الإمبريالية وبوتين في المنطقة، والتي يملكها أيضا نظام الأسد) كان الانتصار الوحيد الحقيقي على الدولة الإسلامية في سوريا. تتزايد الصدمة عند رؤية صور المعارك التي تقودها وتشارك فيها كثير من النساء الكورديات الشابات.
ولكن الدفاع عن كوباني كان دائما يتم بظروف عسكرية صعبة. فقد استخدم تنظيم الدولة الإسلامية أسلحة ثقيلة أكثر حداثة، كان قد استولى عليها من الجيش العراقي واشترى بعضها من عائدات البترول في المناطق التي يسيطر عليها، بالإضافة إلى إشراكه في تلك المعركة أفضل مقاتليه وجزء كبير من الخبراء والمقاتلين الأجانب شديدي الصرعة (قالت القيادة الكوردية بأنها استطاعت تحديد مقاتلين من 27 دولة من بين قتلى الدولة الإسلامية).
أظهر التاريخ في مواقع كثيرة أن التفوق العسكري لا يضمن النصر وبأن العوامل السياسية، مثل أخلاق ومبادئ الذين يقاتلون، يمكن أن تكون هامة في الحالة العسكرية “الخالصة”. يكفي رؤية، على سبيل المثال، نضال الشعب الفلسطيني ضد دولة إسرائيل.
ما هي تلك العوامل السياسية التي أسهمت بانتصار الشعب الكوردي في كوباني؟ أهم العوامل هو الشعب الكوردي (شعب مضطهد جدا ومنخرط تاريخيا بالقتال) الذي كان يقاتل من أجل تحرره الوطني ومن أجل حقه في تقرير المصير، وفي حالة كوباني، من أجل بقائه على قيد الحياة. إذن كان لديهم الأخلاق الثورية التي ساعدتهم كثيرا.
جاءت قوات الدولة الإسلامية بعد سلسلة متتالية من الانتصارات السهلة في العراق: الكثير من جنود الجيش في هذا البلد هربوا بدون خوض أية معركة وتركوا في الميدان أعداد كبيرة من الأسلحة. ولكن في كوباني واجهوا مقاومة بطولية حررت كوباني بيت بيت وسيطرت على المدينة من خلال النموذج الفعال لحرب العصابات.
في هذه الظروف، قوات الدولة الإسلامية (الكثير من جنودها لديه عقيدة راسخة) بدءوا بالشعور باليأس. كتب أحد الصحفيين الأجانب في المنطقة ما يلي: “إن الهالة التي تحصن بها تنظيم الدولة الإسلامية خفت كثيرا وبالفعل هناك معلومات تتحدث عن عشرات الجهاديين الذين تركوا تنظيم أبو بكر البغدادي”. وليزداد الوضع سوءا أمام قوات الدولة الإسلامية، لم تكن الهزيمة أمام بضع مقاتلين بأسلحة خفيفة، وإنما مواجهة جزء من النساء لهم، وهذا الأمر يضرب بعنف في صلب أيديولوجيتهم الرجعية.
النساء الكورديات (ولاسيما الشابات منهن) كن بطلات هذا النصر. لماذا؟ عامل واحد، بلا شك، كان مصيرهن الشخصي الخاص. لو أن الدولة الإسلامية انتصرت واحتلت المدينة، في أفضل الحالات، كن سينتظرن الموت، بعد تعرضهن لكل أنواع الانتهاكات. وفي أسوءها، تحويلهن إلى أمات وجوار، كما حدث في العراق مع الشابات من الأقلية اليزيدية. إن قصة القائد أرين ميركان، التي ضحت بنفسها في هجوم مات فيه عدد من قادة الدولة الإسلامية، كانت نموذجا للبطولة التي استعدين لها تلك النسوة في نضالهن.
في الأعمال الكبيرة في النضال الطبقي في القرن العشرين، كالثورات والحروب، عندما يتم تدمير المقاييس الثقافية اليومية بسرعة، تلعب النساء دورا هاما وحاسما. هذا ما جرى في الثورة الروسية والصينية، في الثورات والحروب الأهلية في المكسيك وإسبانيا، في مقاومة النازية خلال الحرب العالمية الثانية…إلخ. في وقت قصير، يكسبن المكانات والأدوار التي كانت سابقا غير ممكنة لهن.
يجب أن نضيف على هذا، أيديولوجية حزب الاتحاد الديمقراطي-حزب العمال الكوردستاني والتي تعتبر تقدمية جدا بما يخص المرأة وهذا ما يعبر عنه في المنظمة المدنية والعسكرية. في إحدى المقابلات، قالت شينار صالح، ممثلة عن تيف ديم (الحركة من أجل مجتمع ديمقراطي)، ثورتنا هي ثورة نساء. في روجافا لا يوجد أي مكان في الحياة لا تحتل فيه النساء أدوارا فاعلة… نعتقد بأن أية ثورة لا تفتح طرقا لتحرر المرأة لا تعتبر ثورة”.
بهذا النموذج، تحول نضال المرأة الكوردية في روجافا إلى شعاع براق في منطقة الشرق الأوسط، حيث العديد من القوى الرجعية تريد الحفاظ على المرآة متخلفة ومقموعة. كما حولن أيضا الرمز الرائع لنضال المرأة في كل العالم.
كما ذكرنا سابقا، الضربات الجوية الإمبريالية ضد الدولة الإسلامية لعبت، بشكل كامل، دورا ثانوبا: فمن قتلى الدولة الإسلامية البالغ عددهم 1200، قتل 1000 منهم في معارك مع مقاتلي قوات الحماية الشعبية (التي استشهد منها 3000 بين مقاتل ومدني).
كما اعترف الناطق الرسمي باسم البنتاغون جون كيربي “كان من المستحيل تحقيق النصر” دون مشاركة القوات الكوردية. في حين حلل اختصاصي أمريكي بما يتعلق بالموضوع الكوردي في تركيا وسوريا: “ولا واحد من هذه العوامل (الضربات الجوية للقوات الإمبريالية) تغير الفعل في حين كان القلب لهذا الانجاز متعلق بمقاتلي قوات الحماية الشعبية التي قدمت مقاومة قوية جدا على الأرض، والتي أثرت بالعالم بأكمله”.
أخيرا، هناك عامل آخر هام جدا، لقد تم مساعدة القوات المتواجدة في كوباني من قبل البشمركة، القوات الكوردية المتواجدة في كوردستان العراق (الذين شاركوا بأسلحة ثقيلة في معارك الدفاع عن المدينة)، بالإضافة إلى مشاركة كتائب ومقاتلين من “الثوار” السوريين. هذا هو الواقع الذي يدعم مقترحاتنا في تعميق أواصر التحالف مع “الثوار”، من جانب، من أجل التقدم في النضال من أجل دولة كوردية موحدة.
نقاش مع الأناركيين
قبل التقدم في تحليل وضع الكورد في هذه البلدان، نريد التوقف قليلا عند توصيف المنظمات والمثقفين الأناركيين لإقليم روجافا وأجزاء أخرى من العالم. نحن معهم في نفس “الجانب” في الدفاع عن الشعب الكوردي ودعم نضاله. ولكن أفكارهم واقتراحاتهم السياسية لا تستجيب إلى الحاجات الحالية ولا إلى مآلات هذه المنطقة، وفي حال تطبيقها، ستمضي في طريق خطير جدا باتجاه الهزيمة.
بالنسبة لهذا التيار، تم تطبيق المبادئ الأناركية في إقليم روجافا: حكم والدفاع عن بلد من قاعدته الاجتماعية بدون وجود دولة. نعتقد بأن هذا التعريف مضلل نوعا ما.
من جانب، يعيد إطلاق النقاش القديم بين الماركسيين والأناركيين الذي نصرح به من خلال موقف أساتذتنا: في الظروف الحالية من تطور الإنسانية لا يمكن حكم أو الدفاع عن بلد بدون دولة أو مؤسساتها.
ولكن، زيادة على هذا النقاش النظري، هذا التعريف لا يعكس الواقع. نؤكد بأن لو وجدت دولة في روجافا، لكانت واقعيا، قوية جدا فيما يتعلق بحجم البلد. أولا، يوجد قوة مسلحة بقيادة مركزية (قوات الحماية الشعبية)، العامود الرئيس في أي نوع من الدول. ثانيا، يوجد مؤسسات سياسية والتي أيضا موجودة بشكل مركزي في البرلمان والحكومة. أخيرا، هذه الدولة وهذه الحكومة تلعب دورا محددا في برمجة وتطوير الاقتصاد.
مما لا شكل به لو وجدت الدولة، لكان من الواجب تحديد طابع هذه الدولة. أولا، الطبيعة الطبقية (مشكلة مفاهيمية لا يأخذها الأناركيون بعين الاعتبار). ولكن بالنسبة لنا، كما حللنا سابقا، الأمر يتعلق بـ “دولة برجوازية شاذة”. ثانيا، بالآليات الوظيفية ومؤسساتها.
إن تعاريف هذا التيار تنقسم في مقدمة منطقية خاطئة: كل دولة (بشكل مستقل عن طبيعتها الطبقية) هي الجهاز المركزي للاستغلال، ولهذا هي غير ديمقراطية. نتيجة لذاك، أية هيكلية ديمقراطية مبنية من الأسفل إلى الأعلى تنطبق على المبادئ الأناركية.
هذه المقدمة الخاطئة تمر بتناقض مزدوج. من جانب، مع الديمقراطيات البرجوازية التي يكون فيها بشكل واقعي الديمقراطية هي الشكل وليس المضمون، كما عرفها ماركس، هي شكل مقنع لديكتاتورية البرجوازية. من جانب آخر، مع الاتحاد السوفييتي البيروقراطي بفضل الستالينية، الذي لم يكن فيه ديمقراطية سياسية تمثل العمال والجماهير، والذي كان يتم تقديمه كـ “نموذج للاشتراكية”. ولكن الاتحاد السوفييتي البيروقراطي هذا كان بالحقيقة (على أرض المؤسسات السياسية) شكلا مشوها بعمق للنموذج الحقيقي للمؤسسات ووظيفة دولة العمال التي ننوي الانتقال بها إلى الاشتراكية.
نموذج دخل حيز التطبيق بين عامي 1917 و1919، حتى حرب أهلية طاحنة (جلبها الهجوم المشترك لعدة جيوش إمبريالية وروس معادين للثورة ضد الدولة العمالية الشابة) أجبرت إلى تركه في ذلك الأوان. إن هذا النموذج السوفييتي كان يستند بشكل محدد على السوفييتات (مجالس ممثلي العمال والفلاحين) كمؤسسة مركزية.
إنشاء ديمقراطية مبنية من القاعدة: صوت العمال للمثليهم في المصانع وأماكن العمل، والفلاحين في اتحاداتهم (أي تدخل ملايين في نموذج مباشر في الحياة السياسية). من هناك حتى الأعلى، اختاروا ممثليهم إلى مناطق السوفييتات، والأقاليم وعلى الصعيد القومي. كان بإمكان الممثلين والمبعوثين السوفييت أن يشكلوا الحلقات ويستبدلوا من القاعدة في حال لم يلتزم النائب المصوت له في الاجتماعات والاتحادات. تم اختيار الحكومة المركزية من قبل السوفييت الوطني (وبشكل مشابه للمستويات الأدنى) التي كانت تتصرف كمؤسسة تشريعية وتنفيذية (كانت المسؤولة عن تطبيق القرارات المتخذة). كانت دولة تستند على ديمقراطية مبنية من الأسفل إلى الأعلى، وفي نفس الوقت كان لديها مضمون طبقي: عمالي متحالف مع الفلاحين الفقراء. لم يكن بإمكان البرجوازيين التصويت ولا أن يتم انتخابهم ولا حتى جميع من كان يستغل العمال وفي الوقت ذاته كان ملزما كبح البرجوازيين ومحوهم كطبقة.
كعنصر تكميلي، نقول أن غالبية التيارات الأناركية الروسية في تلك الفترة عارضت هذا البناء بفضل المقدمة التي تدعو إلى الكفاح ضد أي شكل من أشكال الدول (على الرغم من أن بعض القيادات الأناركية العمالية دعموه بشكل فردي). بالحقيقة، لقد تحالفوا مع المعارضة المعادية للثورة وشمل هؤلاء القطاعات الأكثر تطرفا والتي شنت هجمات ضد لينين في العام 1918.
كما ذكرنا سابقا، كان من الضروري على حكومة لينين وتروتسكي ترك الاجماع التام جانبا بسبب الحرب الأهلية. لكن المشروع تم استعادته بشكل كامل عندما انتهت الحرب. تحول التأسيس إلى “ضرورة الإصلاح” وتقدم بشكل نوعي إلى بيروقراطية الدولة ومؤسساتها وقالوا بأنها “النموذج الصحيح”. ولكن، تروتسكي والتروتيسكيون الروس حاربوا الستالينية وبيروقراطية الاتحاد السوفييتي (وحاولوا الدفاع عن الديمقراطية السوفييتية)؛ كتروتسكيين، لا نعتبر مسؤولين عن الشكل المبني من قبل الستالينية ولا نتحمل أي وزر عن فشل المشروع.
نريد إنهاء هذا النقاش مع الأناركيين، ينطبق هذا على مسألتين نعتقد بأنهما اقتراحين خاصين بهما (بالإضافة إلى مثاليتهما) إنهما خطيرتان أيضا. الأولى تتعلق بتعريف الطبيعة الطبقية للمؤسسات السياسية في روجافا. نوافق على أن اليوم في روجافا هناك “ديمقراطية من الأسفل إلى الأعلى”. ولكن، بنظام يتعلق بكيان برجوازي، ماذا يمكن أن يحدث معها في نظام تقوم برجوازية بتطويره في المنطقة وأيضا تزيد الضغوط من قبل الإمبريالية، وبوتين والبرجوازية العراقية في مقابل “مساعدتها”. بالنسبة لنا، هذا يذهب مع تناقض حاد بين السياسة التي من الممكن أن تتخذها قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي (تفريغ مضمون هذه العملية ومحوها بشكل علني) وعمليته الحالية. على أية حال، الأفق ممكن أن يكون بحاجة إلى النضال من أجل الدفاع عنها. وسياسة الأناركيين تتفكك أمام هذا النظال الممكن، ولذلك، تحمل في طياتها الفشل.
المسألة الثانية تتعلق بالجانب العسكري، بالحقيقة يستند على مجموعة من المقاتلين المحليين. بنية المقاتلين بالإضافة إلى التكتيكات القتالية الخاصة لهذه الشكلية (بدرجة أكبر في حال وجود أخلاق ثورية ودعم جماهيري) يمكن أن تكون مثمرة جدا في حال ارتباطها بنضال دفاعي ضد العدو، حتى لو كان متفوق عسكريا، ليس لديه قاعدة شعبية.
ولكن حتى في حال كانت المهمة المقترحة متفوقة أو هجومية، المقاتلين لا يستطيعون أن يكونوا أداة عسكرية مركزية (نعم يمكن أن يكونوا عنصرا متمما). المقاتلون الكورد يمكن أن يدافعوا عن كوباني أمام قوات الدولة الإسلامية ولكن فقط في حال تعلق الأمر بتطويره إلى نموذج نهائي، نحن بحاجة إلى أداة عسكرية أعلى: جيش متكامل، بمستوياته المختلفة، وقيادة استراتيجية مركزية. هذا ما نقوله بالنسبة إلى الدولة الإسلامية بتطويرها في حال تعلق الأمر بمهمة الإطاحة بالأسد (المدعوم من بوتين وحزب الله)، وبشكل إضافي، إذا تحدثنا عن النضال من أجل إقامة دولة كوردية موحدة والتي سيكون عليها مواجهة الجيشين التركي والإيراني على سبيل المثال.
إن اقتراح أن يكون المقاتلون المحليون الصيغة العسكرية النهائية (لأنها مناسبة لكيان بدون دولة) يعتبر مثاليا يوتوبيا ولا يؤديلا بناء أداة عسكرية ضرورية من أجل المهمات العسكرية المقامة بشكل واقعي.
في العراق يوجد برجوازية كوردية ذات امتيازات
حاليا يعيش الكورد في العراق وضعا خاصا. في هذا البلد، يحتلون الجزء الشمالي من البلد، والذي يطلق عليه كوردستان العرق، أو، حسب تسمية هذا الشعب “كوردستان الجنوب”، المدينة الرئيسية في هذا الإقليم هي الموصل. وهي من أغنى الأماكن التي تحتوي على البترول في تلك المنطقة.
في حقبة ثمانينات القرن الماضي، وخلال الحرب العراقية الإيرانية، أطلق نظام صدام حسين هجوما أطلق عليه “مجزرة الأنفال”، وأدى إلى نتائج قاسية على السكان، الذي هرب جزء منه من البلاد. بعد حرب الخليج الأولى (1991)، بدأ الكثير من اللاجئين العودة وحصلت المنطقة على الحكم الذاتي. بين عامي 1994 و1997، وقعت حرب أهلية تواجه فيها مقاتلي حزب العمال الكوردستاني والاتحاد الوطني في كوردستان ضد المنتصر الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
وعندما حصل العدوان الإمبريالي في العام 2003، قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقياد مسعود برزاني (ابن مؤسس الحزب، وواحد من قياديي جمهورية ماهاباد سريعة الزوال، في إيران)، وبدلا من السير نحو الحكم الذاتي اندمجت مع تحالف القوى بقيادة الإمبريالية، والتي غزت العراق وأطاحت بنظام صدام حسين.
ابتداء من هذا الاتفاق، منح دستور 2005 كوردستان العراق صفة “كيان فيدرالي ذاتي الحكم”، مع الحق في اختيار حكومته وبرلمانه الخاص، وأيضا ضمان علاقاته الخارجية المستقلة. دائما كان هناك ممثلين كورد في حكومات ما بعد العدوان الامبريالي في كل مراحل الاحتلال. كما وصل كوردي هو جلال طالباني إلى رئاسة البلاد.
بالأفعال، مرر الحزب الديمقراطي الكوردستاني قيادة كيانه الخاص، على الرغم من تبعتها الشكلية إلى باقي العراق. حتى الانتصارات الأخيرة للقوى الشيعية المدعومة من إيران (والذين سيطروا على منطقة تكريت)، كان المقاتلون الكورد في العراق الوحيدين الذين قاتلوا بفعالية الدولة الإسلامية وأجبروها على الخروج من هذا البلد، في الوقت نقسه هرب الجيش العراقي بطريقة مخجلة.
لقد حسنت البرجوازي الكوردية بشكل علني من وضعها، مررت قرار باستلامها 30 بالمئة من قيمة البترول المستخرج والمصدر بعد أن كانت 13%. بالاضافة إلى تمتع المنطقة بمحاصيل زراعية جيدة، مما جعلها واحدة من أغنى مناطق العراق، وباقتصاد قوي جدا. هذه هي القاعدة التي يتسند إليها الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي علاوة على طبيعنه البرجوازية، حول المنظمة إلى حليف علني للإمبريالية. وهي حقيقة هامة تصبغ هذا الحزب وحكومته. كوردستان العراق هي المصدر الرئيسي للنفط باتجاه تركيا، حيث حكومة أردوغان تقمع وتضطهد إخوانهم.
ولكن، حتى لو شعر الحزب الديمقراطي الكوردستاني والبرجوازية التي يمثلها بالرضى بهذا الوضع الحالي، إلا أن الوضع في هذه المنطقة سيقدم مصاعب أكثر تعقيدا. ولكن، بالإضافة إلى تحالفها السياسي، والاقتصادي والعسكري مع الإمبريالية الأمريكية، والعلاقات التجارية مع الحكومة التركية، حكومة برزاني والبرجوازية الكوردية هي أيضا منخرطة في قمع شعبها. لذلك، برزاني كان مجبرا على إرسال أسلحة إلى كوباني (على الرغم من أنها وصلت عبر الطائرات الإمبريالية) وسمحت بأن تذهب كتائب من مقاتلي البشمركة للقتال إلى جانب إخوانهم السوريين.
ولكن أقل ما يريده برزاني هو “ضرب المصالح” أو إغضاب الإمبريالية الأمريكية (وحليفتها التركية). لذلك، الآن فقط يطالب باستقلال كوردستان العراق (دون تحسين الوضع). هذا الهدف، في الوقت نفسه، سيكون تقدميا، في تطور نضال هذا الشعب، لأنه سيعطيه نقطة دعم إذا وضع في خدمة النضال الكوردي بشكل عام. ولكن في أيادي برزاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني يعني ترك النضال من أجل إنشاء الاتحاد الكوردي الموحد وترك قدر الكورد لتركيا وإيران وسوريا.
في إيران، الكورد يقربون من ثمانية ملايين نسمة (10 بالمئة من سكان هذا البلد). يسكنون بشكل رئيسي في شمال شرق البلاد، في منطقة حدودية مع العراق. وهي من المناطق الأقل تطورا في إيران، يعمل سكانها بالزراعة وتربية الحيوانات وهي فقيرة بالمنشئات الصناعية. المدينة الرئيسية فيها هي ماهاباد، بما يقارب 300 ألف شخص. بفكرة عامة، يمكن ملاحظة عدم الاندماج في المجتمع الإيراني.
في هذا البلد، في العام 1946، تحقق لأول مرة في المنطقة الحلم الكوردي بمنطقة مستقلة (جمهورية ماهاباد)، وتم هزيمتها في أقل من عام. بعد ثورة العام 1979، وإعلان الجمهورية الإسلامية الشيعية وتأسيس نظام أية الله، تعقد ظرف الكورد بسبب المسألة الدينية، بما أن أغلبيتهم من المسلمين السنة. تم استخدام الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) من قبل النظام من أجل تصعيد الهجوم على هذا الشعب.
يواجه الكورد تمييزا واضحا بما يتعلق بالوصول إلى الأعمال الحكومية، بوسيلة اختيار معروفة باسم “غوزنيش”. كما يعانون من اضطهاد لأسباب سياسية بحتة، مع وصول أحمد نجاد إلى الحكم في العام 2005، الحرب على المعارضة وصلت إلى الأحزاب الكوردية التي عانت كثيرا مثلها مثل الحركات الوطنية الأخرى، والمعارضين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
مؤخرا (في مايو/أيار 2015)، انتفض الكورد نتيجة مقتل إحدى الشابات الكورديات أثناء محاولتها الهروب من هجوم عنيف من جانب بعض رجال أمن النظام، في أحد فنادق ماهاباد. المظاهرات توسعت ووصلت إلى مدن كوردية أخرى في غضون ساعات، وأدى هذا إلى اعتقال مئات الكورد.
ينشط في هذا البلد حزب من أجل حياة حرة في كوردستان، المؤسس في العام 2004. الجناح العسكري لهذا الحزب يعرف بوحدات الدفاع عن كوردستان الشرقية، وكل فترة تحصل مواجهات مع “الحرس الإسلامي”. يحافظ حزب من أجل حياة حرة في كوردستان على علاقات سياسية مع حزب العمال الكوردستاني وما تبقى من الاتحاد الشعبي الكوردستاني.
تركيا: في صلب اهتمام الشعب الكوردي
يعيش في تركيا نصف الشعب الكوردي تقريبا (16 مليون نسمة، 20 بالمئة من إجمالي عدد السكان) وهم أغلبية واضحة في ما يقرب من ثلث الأراضي التركية (حوالي 200 ألف كيلومتر مربع). المدينة الرئيسية في هذه المنطقة هي دياربكر (باللغة التركية)، يطلق عليها أميد أو أميت باللغة الكوردية، ويسكنها حوالي مليون نسمة. حسب الأرقام التي تمكنت من إحصائها، 12 مليون هم في المناطق الكوردية و4 مليون هاجروا باتجاه المدن الرئيسية في تركيا، مثل اسطنبول.
منذ أيام كمال أتاتورك (بعد الوعد الذي لم يتم الالتزام به للحصول على الحكم الذاتي) عانى الكورد من الاضطهاد والتمييز والقمع في هذا البلد. لا يعترف النظام التركي بوجود منطقة كوردية ويعتبر هذه المناطق جزءا من إقليم الأناضول الشرقي والجنوب شرقي، ولا يسمح باستخدم الكوردية كلغة رسمية أو كلغة ثانية. بالإضافة إلى ذلك، يمارس التمييز الاقتصادي: فالبطالة نسبتها هناك خمس أضعاف المتوسط القومي.
أهم النشاطات الاقتصادية في تلك المنطقة هي الزراعة (القمح) وتربية الحيوانات (الماعز والأغنام)، بالإضافة إلى تجارة المعادن (النحاس)، يضاف إلى ذلك القليل من انتاج البترول التركي وطريق نقل البترول من العراق. أيضا هناك بعض النشاطات الصناعية وخاصة في دياربكر ومنطقة نفوذها، كصناعة الصوف والدخان ومعامل ثانوية أخرى لصناعة المشروبات.
بهذا السياق، هناك برجوازية كوردية مرتبطة بهذه الأنشطة الاقتصادية. واحد من التعبيرات السياسية هو الحزب الشعبي الديمقراطي أو من أجل السلام والديمقراطية، وهو منظمة شرعية حصلت على 80 مقعد في البرلمان التركي.
ولكن، المنظمة السياسية ذات التأثير الكبير والتي تملك الأغلبية “من القاعدة الجماهيرية” هي حزب العمال الكوردستاني بقيادة عبدالله أوجلان)، تعتبر غير قانونية ومصنفة كمنظمة “إرهابية” (لاحقا سنقوم بتحليل هذا الحزب بشكل منفصل).
بالنسبة إلى الدولة والبرجوازية التركية، فصل ما يطلق عليه كوردستان الشمال سيكون ضربة موجعة جدا وسيؤدي إلى تقليص الأراضي وعدد السكان. حتى هذه اللحظة، رفضوا أي نقاش حول الحكم الذاتي (واستحالة الحديث عن استقلال ممكن).
إن سيرورة كوردستان العراق (التي يسيطر عليها بارزاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني) لم تؤثر على حكومة إردوغان وعلى الوضع في تركيا. كما نرى، هذه المنطقة تزوده بالبترول. وعلى العكس، السيرورة في روجافا هو عامل عدم استقرار، بفضل الديناميكا (وذلك بعد الانتصار في كوباني) وأيضا بفضل العلاقات بين كلا الشعبين وتأثير حزب العمال الكوردستاني في طرفي الحدود. لذلك، سياسة إردوغان كانت دعم الدولة الإسلامية في سوريا.
في هذا السياق، ومنذ 2012 انطلقت مفاوضات بين حكومة إردوغان وحزب العمال الكوردستامي، بضغط من الاتحاد الأوروبي، الذي طلب حل “المسألة الكوردية” كشرط لدخول تركيا في الاتحاد الأوروبي. في العام 2013، أعلن حزب العمال الكوردستاني وقف إطلاق نار من جانب واحد. ولكن المفاوضات لم تتقدم كثيرا، أو بالأحرى تتقدم وتتراجع بشكل متقلب.
هناك تناقض مركزي وهو أن حزب العمال الكوردستاني يهدف إلى الحصول على درجة هامة من الحكم الذاتي في كوردستان التركية بينما حكومة إردوغان قدمت خطة تشبه “الصيغة الكولومبية”: التخلي عن السلاح والاندماج في الحياة السياسية: التي حصل من خلالها حزب العمال الكوردستاني، ملحقا بالحزب الشعبي الديمقراطي، على مقاعد البلديات وإدارات مناطقية أخرى. يحتوي هذا الاقتراح على جانب اقتصادي أيضا: تم تقديم عرض للبرجوازية الكوردية للعب دور الوسيط في تزويد البترول من العراق وبذلك يتم توسيع الأعمال.
إن سياسة إردوغان هذه وحزبه كانت في مرحلة ضعف فيها حزب العدالة والتنمية انتخابيا. إذ خسر هذا الحزب في الانتخابات السابقة في يونيو/حزيران الأغلبية البرلمانية وكان هناك إمكانية لتشكيل تحالفا برلمانيا من الأحزاب العلمانية (حزب الشعب الجمهوري وحزب العمل الوطني) مع الحزب الشعبي الديمقراطي، الذي كان باستطاعته تشكيل حكومة جديدة. هذه الفرصة تبددت: في الانتخابات التي حصلت في نوفمبر/تشرين الثاني، حصل حزب العدالة والتنمية على الأغلبية، وزادت قوة إردوغان، ومن هنا ربما سيشدد من موقفه تجاه الكورد.
بالإضافة إلى هذا الجانب، العلاقات مع المنظمات الكوردية في تركية مسممة بشكل دائم ومتقطعة بسبب سياسة حزب العدالة والتنمية تجاه إقليم روجافا: دعمه للدولة الإسلامية، التضييق العسكري على حدود هذه المنطقة واحتقاره للاجئيه (اليوم هناك حديث عن إمكانية إنشاء “شريط حدودي” يفصل بشكل كبير كوردستان التركية عن روجافا).
عمل آخر بهذا المعنى كان ما أطلق عليها “مجزرة سوروتج”، عندما قام إرهابيون من الدولة الإسلامية بمهاجمة مخيم للشباب ترك متضامنين مع كوباني (وهذا تعبير عن حركة واسعة جدا موجودة في هذا البلد) وقتلوا 30 شاب منهم (مع تستر من الحكومة أو تسهيل من جانبها). بهذا الشكل، تعطلت الهدنة المعلنة من قبل حزب العمال الكوردستاني عدة مرات وحصلت مواجهات بين ميليشياته والقوى العسكرية التركية.
بناء على ما سبق، المفاوضات التي تم الحفاظ عليها بين حكومات إردوغان وحزب العمال الكوردستاني (بما في ذلك زيارات لممثلي الحكومة إلى أوجلان، في سجنه) الآن هي منقطعة، وبدون نتائج واضحة حول متى ستستأنف وأين.
هذا الواقع يبرز تناقضات صارخة لمشروع الحزب الشعبي الديمقراطي ذي القوة الانتخابية والبرلمانية، والمتفق مع الحكومة. وأكثر من أي وقت مضى، يلتزم حزب العمال الكوردستاني، من موقع اليسار، في كل مرة سياسة الحزب الشعبي الديمقراطي.
حزب العمال الكوردستاني، التحول الأيدلوجي ومشروعه الحالي
ينطلق من سيرورة روجافا وحزب العمال الكوردستاني- حزب الاتحاد الديمقراطي (وخاصة بعد الانتصار في كوباني) بناء التيار الأممي لمواقفه بشأن هذه العملية، مدفوعا بقطاعات تتغذى على أفكار كاسترو-تشافيز والأناركيين، الذين يقدمون هذه العملية على أنها “اشتراكية جديدة”. تتعلق بمرجعية للواقع أكثر جاذبية من كوبا وفنزويلا. من الهام توسيع التحليل وإظهار خصائص هذه المنظمة.
تم تأسيس حزب العمال الكوردستاني في تركيا العام 1978 من قبل نشطاء طلاب كورد. ومنذ العام 1984، بدأ الكفاح المسلح ضد الكيان التركي. القائد الرئيسي هو عبدالله أوجلان (المسمى آبو)، عمره الآن 66 عاما. في العام 1999، تم اعتقال أوجلان بواسطة قوى الأمن التركية وحكم عليه بالموت، ولكن في العام 2002 تم استبدال هذا الحكم بالسحن المؤبد.
إن الأيديولوجية العامة لحزب العمال الكوردستاني كانت متلاصقة مع المبادئ السياسية والتنظيمية للماوية مع دمجها بالقومية الكوردية. من الماوية استمد مبدأ الثورة على مراحل، وتحالف الطبقات مع قطاعات برجوازية في المرحلة الأولى وإقامة الاشتراكية في بلد واحد فقط. لم يطرح أبدا أي مبدأ يتعلق بالثورة الأممية ولكن في برنامجه الأصلي يؤكد على إقامة دولة كوردية موحدة.
بنيته التنظيمية تبنت صيغ التيارات الماوية الأكثر تشددا: منهجية بيروقراطية مغلقة، شخصية “المثقف” للقيادي أوجلان؛ والبنية القتالية، ومنهجية التخلص من الاختلافات السياسية بمقتل المعارضين (جزء من اللجنة المركزية تم تطهيرها من قبل أوجلان). بنى أوجلان علاقة مع قائد أناركي كسب منه بعض أفكار هذه النظرية. ومنذ تلك اللحظة، بدأ التغير الأيدلوجي باتجاه مبدأ طغى عليه شعار “الكونفدرالية الديمقراطية”. فيما يلي بعض الأفكار الرئيسية لهذه الأيدلوجية:
· يعارض مبدأ الدولة-الأمة التقليدي، والذي يعتبر “جسم مبني عسكريا بصيغة مركزية” وبالنسبة له، دائما ينشئ من أفعال عسكرية ويقود المجتمع “للعسسكرة والمركزية”.
· بالنسبة له يبدأ من “الدفاع الذاتي” للمجتمع، والذي يعتبر ليس فقط مسألة عسكرية وإنما “يتقضي ضمنا الحفاظ على هويته، ووعيه السياسي الخاص وعملية الدمقرطة”.
· يعبر عن سياسة “الإدارة الذاتية”، والتي من خلالها تتوازن “المجموعات المركزية والمناطقية والمحلية، والتي تمثل مركب متناقض للمجتمع (مع اختلافاته الجندرية والإثنية والعمرية). معتبرا أن كل المركزية الحكومية لا تتنتهي فقط مع السيطرة على السلع المحتكرة وإنما تدخل في تناقض مع البنية المختلفة للمجتمع.
· يعرض أن “ضمن ظروف معينة، يكون التعايش السلمي ممكنا دوما عندما لا تتدخل الدولة-الأمة بالمسائل المركزية في عملية الإدارة الذاتية”.
· بالجانب الاقتصادي، يتحدث عن “اقتصاد بديل” و”مناهضة الاحتكار” مع أرضية بيئية، بحيث تزداد الموارد الطبيعية ولا يتم تدميرها، وإرضاء حاجات المجتمع.
· يدافع عن برنامج واضح بخصوص المرأة. في إحدى المقابلات، قالت شينار صالح، ممثلة عن تيف ديم (الحركة من أجل مجتمع ديمقراطي)، ثورتنا هي ثورة نساء. في روجافا لا يوجد أي مكان في الحياة لا تحتل فيه النساء أدوارا فاعلة… نعتقد بأن أية ثورة لا تفتح طرقا لتحرر المرأة لا تعتبر ثورة”.
حول مسألة الكورد على الصعيد الأممي
· تم تفسير حق تقرير المصير للأمم عل أنه حق إقامة أمة-دولة.
· تم تحويل نظام الأمم-الدول إلى سلسلة من العوائق من أجل تطوير المجتمع، الديمقراطية والحرية منذ نهايات القرن العشرين.
· الطريقة الوحيدة من أجل الخروج من هذا الظرف تتجلى في تأسيس الديمقراطية الفيدرالية وتطويرها يتعلق بشكل مباشر بالشعب وليس على العولمة التي تستند على الأمم-الدول.
· بالنسبة إلى كوردستان، الكونفدرالية الديمقراطية هي حركة لا يتم تفسيرها على أنها حق تقرير المصير مثل تأسيس الأمة-الدولة وإنما تطوير ديمقراطيتها الخاصة، أبعد من حدودها السياسية. في هيكلية كوردية سيتم تطويرها من خلال خلق فيديرالية الكورد في كل من إيران وتركيا وسوريا والعراق. فيما بعد، بواسطة الاتحاد على مستوى أعلى، وسيتم تشكيل نظام كونفدرالي.
لا نستطيع التوسع في هذه المادة من النقاش مع جوانب نظرية وتاريخية وسياسية مختلفة من هذه المفاهيم لأجولان وحزب العمال الكوردستاني. نريد أن نركز على الجانبين السياسي والبرنامجي المركزيين.
بهذا التوجه الأيدلوجي: يكون أوجلان وحزب العمال الكوردستاني قد تخلا عن النضال من أجل ديكتاتورية البروليتاريا وإقامة دولة العمال (على الرغم من أنها كانت مرحلة ثانية من الثورة. كنت قد أشرت إلى أنه برأيي وراء أيدلوجية ولغة “الاشتراكية البيئية” و “الكونفدرالية الديمقراطية”، يتم إخفاء مشروعا لإقامة دولة برجوازية “مشوهة”.
ثانيا، مسألة مركزية لتحليل المقترح المتخلى عنه في هذه المادة: تخلى أوجلان وحزب العمال الكوردستاني عن النضال من أجل الوصول إلى دولة كوردية موحدة. البديل كان رفع شعار إقامة حكم ذاتي فيدرالي في الدول الأربعة (بدون إزالة الحدود الحالية) ومقترح رمزي للاندماج المستقبلي.
هذا المقترح يظهر، من جانب، تبني للواقع المقبول من قبل الإمبريالية: الحكم الذاتي موجود في العراق وحاليا وصل إلى إقليم روجافا. من جانب آخر (وعلى الرغم من تعطل المفاوضات الآن)، لدي انطباع بأن الرسالة الرئيسية موجهة إلى البرجوازية والحكومة التركية (وللإمبريالية ذاتها)، حيث هناك الشعب الكوردي كبير العدد وهناك القاعدة الأساسية لحزب العمال الكوردستاني. ممكن أن يكون الأمر على النحو التالي: “يمكن تأطيرنا إذا قاموا بمنحنا مكان خاص بنا، وفي هذه الحالة، لن نقلب الطاولة”.
هذه هي النتيجة الحتمية للتوجه إلى اليمين من قبل قيادة برجوزاية صغيرة وبيروقراطية (كتعبير كوردي عن النوبة الانتهازية) والتي تخلت عن أي منظور للنضال من أجل الاشتراكية. “المخرج” فقط يمكن أن يقدم من خلال “الأطر الممكنة” الموجودة ضمن النظام الرأسمالي.
إن شعار إقامة نظام كوردي موحد ليس شعارا اشتراكيا وإنما شعار ديمقراطي-برجوازي. ولكنه تحول إلى اقتراح تقليدي خرافي لتحفيز الجماهير، لانه من جانب، هو أمل عميق يشعر به ملايين الكورد، ومن جانب آخر، يمكن أن يكون قطعيا مع نضال أممي مرير ضد البرجوزيات الوطنية في البلدان التي تقمعهم وضد الإمبريالية نفسها، والتي منذ عقود، تنكر عليهم هذا الحق.
بما يتعلق بهذا الشعار، يبرز وضعا مشابها مع شعار “فلسطين العلمانية والديمقراطية وغير العنصرية في جميع أراضيها التاريخية”، والذي تم التخلي عنها من قبل جميع القيادات الفلسطينية تقريبا. وأيضا القيادات الكوردية (مثل حزب العمال الكوردستاني-حزب الاتحاد الديمقراطي، الحزب الشعبي الديمقراطي والحزب الديمقراطي الكوردي) تخلوا جميعا عن النضال من أجل دولة كوردية موحدة. وعلى العكس من ذلك، نحن علينا أن نحافظ عليه بعمق، مع مقترح برنامجي ونضالي.
من المؤكد الآن وجود حكم ذاتي في منطقتين كورديتين، في العراق وسوريا: علينا أن نؤكد بأنهما انتصارين للشعب الكوردي. ولكن لا يمكن تحويلهما إلى هدف بحد ذاته وإنما يجب أن يكونا قاعدة لاستمرار النضال من أجل إقامة الدولة الكوردية الموحدة.
لمحة مختصرة عن برنامجنا حول كوردستان
مع نفس الحذر الذي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار (بسبب امتلاكنا قاعدة المعلومات الصحفية وليس من المعرفة المباشرة للواقع)، أريد أن أختم بلمحة مختصرة عن البرنامج المتعلق بكوردستان.
هذا البرنامج يجب أن يمضي، أولا وقبل أي شيء آخر، بالدفاع عن الشعب الكوردي في مواجهة القمع والاضطهاد والاعتداءات العسكرية التي يعاني منها في بلدان عديدة. وهذا يتضمن أيضا التضامن والدعم غير المشروط لنضاله.
ثانيا، كما أشرنا سابقا، ندافع عن الحق في إقامة دولته الموحدة (واستقلال الأراضي الواقع في الدول التي يعيش فيها) كصيغة للوصل إلى تقرير المصير.
بهذا المعنى، نعتبر الحكم الذاتي الذي حصل عليه في العراق وفي إقليم روجافا خطوة متقدمة في هذا الاتجاه، ولذلك، يجب أن يكون الحكم الذاتي هذا نهائيا. ولكن لا يمكن أن يعتبر بمثابة “الهدف النهائي” وإنما يجب أن يكون ركيزة في خدمة النضال من أجل الوصول إلى الدولة الكوردية الموحدة.
في حالة سوريا، علينا الدفع نحو تعميق التحالف مع الثوار من أجل التقدم في النضال للإطاحة بالديكتاتور الأسد.
ولهذا، لا نقدم أي دعم ولا ندعو للثقة بالقيادة الكوردية الحالية، بسبب طبيعتها الطبقية (البرجوازية والبرجوازية الصغيرة) وأيضا بسبب السياسة التي تمضي بها (مثل التخلي عن النضال من أجل إقامة الدولة الكوردية الموحدة). هذا يعني، أن تكون جزءا من التغيير في نضال الشعب الكوردي، نحاربهم سياسيا، ندعو إلى النضال ضد سياسياتها التي تمضي في طريق مناقض للنضال الوحدوي للكورد (مثل الاتفاق مع الإمبريالية وبوتين) ونطالبها بتطبيق سياسات تدفع بهذا النضال إلى الأمام. أما في حالة الحكم الذاتي في العراق، المؤسس، بشكل فعلي، ندعو لصراع الطبقة البروليتارية الكوردية ضد البرجوازية الكوردية التي يعبر عنها برزاني.
في سياق هذه السيرورة من النضال، ندعو إلى المضي قدما لخلق قيادات كوردية جديدة تكون راغبة في خوض هذه المعركة حتى النهاية. وبشكل أكثر تحديدا، نعتقد بضرورة إنشاء حزب العمال، الثوري والاشتراكي الكوردي والذي يتولى الانخراط بشكل فاعل في هذه النضالات، وأيضا يأخذ مكانه في إقامة الدولة الكوردية الموحدة كجزء من المهمة للتقدم باتجاه إتحاد الجمهوريات الاشتراكية في الشرق الأوسط.



