الثلاثاء أبريل 16, 2024
الثلاثاء, أبريل 16, 2024

(24) المؤتمرات العالمية الأربعة الأولى للأمميـــــــــــة الشيوعيــــــــــــــة

النظرية الماركسية(24) المؤتمرات العالمية الأربعة الأولى للأمميـــــــــــة الشيوعيــــــــــــــة

موضوعات عامة حول المسألة الشرقية

أولاًـ نمو الحركة العمالية في الشرق

لقد حدد المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية، بالاستناد إلى تجربة البناء السوفياتي في الشرق وإلى نمو الحركات القوية الثورية في المستعمرات، الموقف الأساسي من مجمل المسألة القومية ومسألة المستعمرات، في حقبة صراع طويل الأجل بين الإمبريالية والديكتاتورية البروليتارية.
منذ ذلك الحين، تعزز النضال ضد النير الامبريالي بشكل كبير في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة على أرضية تفاقم الأزمة السياسية والاقتصادية لما بعد الحرب الامبريالية.

وتثبت ذلك الوقائع التالية:

أ ـ إفلاس معاهدة سيفر، التي كان هدفها تجزئة تركيا وإحياء الاستقلال الذاتي القومي والسياسي لهذه الأخيرة؛
ب ـ نمو قوي للحركة القومية الثورية في الهند، وفي بلاد ما بين النهرين وفي مصر، وفي المغرب، وفي الصين وفي كوريا؛
جـ ـ الأزمة الداخلية التي لا مخرج لها حيث تجد الامبريالية اليابانية نفسها متورطة، أزمة أحدثت النمو السريع لعناصر الثورة البرجوازية الديمقراطية وانتقال البروليتاريا اليابانية إلى نضال طبقي مستقل.
إن الوقائع آنفة الذكر هي مؤشر على تحول طارئ مفاجئ على القاعدة الاجتماعية للحركة الثورية في المستعمرات؛ فهذا التحول يحدث تكثيفاً للنضال المعادي للامبريالية الذي لم تعد تنتمي قيادته حصراً، بهذه الطريقة، للعناصر الإقطاعية وللبرجوازية القومية المستعدتين لمساومات مع الامبريالية.
إن الحرب الامبريالية لعامي 1914 ـ 1918 والأزمة الطويلة للرأسمالية، وخاصة للرأسمالية الأوروبية، الناجمة عنها، أضعفتا الوصاية الاقتصادية للحواضر على المستعمرات.
ومن جهة ثانية، زادت الظروف نفسها، التي كانت نتيجتها تضييقاً للقاعدة الاقتصادية ولدائرة النفوذ السياسي للرأسمالية العالمية، زادت أكثر أيضاً من حدة المنافسة الرأسمالية حول المستعمرات، وهو ما أدى إلى حدوث انقطاع في التوازن في مجمل النظام الرأسمالي العالمي (صراع من أجل البترول، صراع إنجليزي ـ فرنسي في آسيا الصغرى، تنافس ياباني ـ أميركي من أجل السيطرة على المحيط الهادئ، إلخ..).
هذا الإضعاف للسيطرة الرأسمالية على المستعمرات، كما التنافس المتنامي بين مختلف المجموعات الامبريالية، في الوقت نفسه، تحديدا، هو الذي سهل تطور الرأسمالية المحلية في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة؛ فهذه الرأسمالية قد تجاوزت الإطار الضيق والمعيق لسيطرة الحواضر الامبريالية، وتواصل تجاوزها. وحتى الوقت الحاضر، يسعى رأسمال الحواضر المثابر على إرادة احتكار فائض قيمة الاستثمار التجاري والصناعي والضريبي للبلدان المتخلفة، لعزل هذه الأخيرة عن الدورة الاقتصادية لبقية العالم. إن مطلب الاستقلال الذاتي الوطني والاقتصادي الذي ترفعه الحركة القومية في البلدان المستعمرة هو التعبير عن حاجة التطور البرجوازي التي تشعر بها هذه البلدان. ويدخل بذلك التطور الثابت للقوى المنتجة المحلية في المستعمرات في تناقض لا يقهر مع مصالح الرأسمالية العالمية، لأن جوهر الامبريالية بالذات يتضمن استخدام الفرق في المستوى القائم في تطور القوى المنتجة لمختلف قطاعات الاقتصاد العالمي، بهدف أن تضمن لنفسها مجموع فائض القيمة المحتكرة.

ثانياًـ شروط النضال

يبرز الطابع المتأخر للمستعمرات في تنوع الحركات القومية الثورية الموجهة ضد الامبريالية ويعكس مختلف مستويات الانتقال بين العلاقات المتبادلة الإقطاعية والإقطاعية – الأبوية والرأسمالية. ويمنح هذا التنوع سمة خاصة لإيديولوجية هذه الحركات.
في هذه البلدان، تنشأ الرأسمالية وتتطور على قاعدة إقطاعية؛ فتتخذ أشكالاً ناقصة، انتقالية، وهجينة، تترك الغلبة، قبل كل شيء، للرأسمال التجاري والربوي (الشرق المسلم، والصين). وتتخذ الديمقراطية البرجوازية، من أجل التمايز عن العناصر الإقطاعية ـ البيروقراطية والإقطاعية ـ المناصرة للإصلاح الزراعي، طريقاً ملتوياً ومشوشاً. ذلك هو العائق الأساسي أمام نجاح النضال ضد النير الإمبريالي، لأن الامبريالية الأجنبية لا تتوانى عن تحويل الشريحة العليا الإقطاعية (وبجزء منها شبه ـ إقطاعية، شبه ـ برجوازية) للمجتمع المحلي، في جميع البلدان المتخلفة، إلى أداة لسيطرتها (حكام عسكريون، أو توكوينز في الصين، بيروقراطية وأرستقراطية في إيران، أكّارو الضريبة العقارية، والزيميندا والتالوكدار في الهند، الزرّاعون ذوو التكوين الرأسمالي في مصر، إلخ..).
لذا فليس لدى الطبقات الحاكمة في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة لا القدرة ولا الرغبة في قيادة النضال ضد الامبريالية، بقدر ما يتحول هذا النضال إلى حركة ثورية جماهيرية. وفقط حيث لم يتفسخ النظام الإقطاعي بشكل كاف لفصل الشرائح العليا المحلية كلياً عن جماهير الشعب، كما لدى البدو وأشباه البدو على سبيل المثال، يمكن أن يلعب ممثلو هذه الشرائح العليا دور المرشدين النشطين في النضال ضد الاضطهاد الرأسمالي (بلاد ما بين النهرين، منغوليا، مراكش).
في البلدان الإسلامية، تجد الحركة الوطنية إيديولوجيتها قبل كل شيء في الشعارات السياسية ـ الدينية للوحدة الإسلامية، مما يسمح للموظفين والدبلوماسيين في الحواضر باستخدام الأفكار المسبقة وجهل الجماهير الشعبية لمحاربة هذه الحركة (هكذا يلعب الإنجليز مثلاً لعبة الوحدة الإسلامية والوحدة العربية، معلنين أنهم يريدون نقل الخلافة إلى الهند، إلخ… وتعتمد الامبريالية الفرنسية على «التعاطف الإسلامي»). مع ذلك، وكلما اتسعت حركة التحرر الوطني ونضجت، تزيح المطالب السياسية الملموسة الشعارات السياسية ـ الدينية للوحدة الإسلامية. وما يؤكد ذلك، هو النضال الذي بدأ أخيراً في تركيا من أجل انتزاع السلطة الزمنية من الخلافة.
إن المهمة الأساسية، المشتركة بين جميع الحركات الوطنية ـ الثورية، تقوم على تحقيق الوحدة الوطنية والاستقلال الذاتي السياسي. ويرتبط الحل الحقيقي والمنطقي لهذه المهمة بأهمية الجماهير العاملة التي سوف تستطيع هذه الحركة الوطنية أو تلك أن تجعلها تنخرط في مسارها، بعد أن تكون قد قطعت كل علاقاتها مع العناصر الإقطاعية والرجعية وضمنت برنامجها المطالب الاجتماعية لهذه الجماهير.
وإذ تدرك الأممية الشيوعية جيداً أنه في شروط تاريخية متنوعة يمكن أن تكون العناصر الأكثر تنوعاً هي الناطقة باسم الاستقلال الذاتي السياسي، فإنها تدعم كل حركة وطنية ـ ثورية موجهة ضد الامبريالية. مع ذلك، لا يغيب عن ناظريها في الوقت نفسه، أن خطاً ثورياً منطقياً، مرتكزاً على مشاركة جماهير واسعة في النضال النشط والقطيعة مع كل أنصار التعاون مع الامبريالية دون تحفظ، يمكنه وحده أن يقود الجماهير المضطهدة إلى النصر. إن الارتباط القائم بين البرجوازية المحلية والعناصر الإقطاعية ـ الرجعية يسمح للإمبرياليين بالإفادة كثيراً من الفوضى الإقطاعية، ومن التنافس الذي يسود بين مختلف العشائر والقبائل ومن التناقض بين المدن والأرياف، ومن الصراع بين الفئات المغلقة والطوائف القومية ـ الدينية لأجل تفكيك الحركة الشعبية ـ (الصين، فارس، كردستان، بلاد ما بين النهرين).

ثالثاً: المسألة الزراعية

تمثل المسألة الزراعية في أغلب بلدان الشرق (الهند، فارس، مصر، سوريا، بلاد ما بين النهرين) أهمية من الدرجة الأولى في النضال من أجل الانعتاق من نير طغيان الحواضر. إن الامبريالية، إذ تستغل الأغلبية الفلاحية وتدمرها في البلدان المتخلفة، تحرمها من وسائل المعيشة الأولية، فيما تكون الصناعة قليلة التطور، المشتتة في نقاط مختلفة من البلد، عاجزة عن امتصاص فائض السكان الزراعيين، الذين لا يمكنهم، بالإضافة إلى ذلك، حتى أن يهاجروا. ويتحول الفلاحون الفقراء الذين بقوا على أرضهم إلى عبيد. وإذا كانت الأزمات الصناعية لما قبل الحرب تلعب، في البلدان المتحضرة، دور منظم الإنتاج الاجتماعي، فإن دور التنظيم هذا مليء بالمجاعات في المستعمرات. وتدعم الإمبريالية، التي تملك مصلحة حيوية في تلقي أكبر قدر ممكن من الأرباح بأقل مصاريف ممكنة، وحتى آخر الحدود، الأشكال الإقطاعية والربوية الاستغلالية لليد العاملة في البلدان المتخلفة. وفي بعض البلدان، كما في الهند مثلاً، تمنح نفسها الاحتكار العائد للدولة الإقطاعية المحلية، احتكار الاستمتاع بالأرض، وتحول الضريبة العقارية إلى أتاوة ينبغي أن تُدفع إلى رأس مال الحواضر ومعتمديه، الـ «زيمييندارام» والـ «تالوكدار». وفي بلدان أخرى تحصل الامبريالية على الريع العقاري باستخدامها من أجل ذلك التنظيم المحلي للملكية الكبرى العقارية (فارس، مراكش، مصر، إلخ). ينجم عن ذلك أن النضال من أجل إزالة العوائق والأتاوات الإقطاعية التي تبقى على الأرض تكتسي طابع نضال تحرري وطني ضد الامبريالية والملكية العقارية الإقطاعية الكبيرة. ونستطيع أخذ انتفاضة الموبلاه ضد الملاكين العقاريين والإنجليز في خريف 1921 في الهند، وانتفاضة السيخ عام 1922، كأمثلة على ذلك. وحدها، ثورة زراعية هدفها مصادرة الملكية الإقطاعية الكبيرة، ستكون قادرة على إثارة الجماهير الفلاحية، وكسب تأثير حاسم في النضال ضد الامبريالية. إن القوميين البرجوازيين يخافون الشعارات الزراعية ويقلمونها قدر مستطاعهم (الهند، فارس، مصر)، مما يبرهن على الارتباط الوثيق القائم بين البرجوازية المحلية والملكية العقارية الإقطاعية الكبيرة والإقطاعية البرجوازية؛ وهذا يبرهن أيضاً على أن القوميين يخضعون أيديولوجياً وسياسياً للملكية العقارية. إن هذا التردد وهذه التقلبات ينبغي أن تستخدمها العناصر الثورية في نقد منهجي ومعلن للسياسة الهجينة لقادة الحركة القومية البرجوازيين. وهذه السياسة الهجينة تحديداً هي التي تمنع تنظيم الجماهير العاملة وتماسكها، كما أثبت ذلك إفلاس تكتيك المقاومة السلبية في الهند (لا تعاون).
إن الحركة الثورية في بلدان الشرق المتخلفة لا يمكن أن تكلل بالنجاح إلا إذا كانت مرتكزة على عمل الجماهير الفلاحية. لهذا ينبغي أن تحدد الأحزاب الثورية في جميع بلدان الشرق برنامجها الزراعي بوضوح وتفرض الإزالة الكاملة للإقطاعية وبقاياها، التي تجد تعبيرها في الملكية العقارية الكبيرة وفي الإعفاء من الضريبة العقارية. ولأهداف المشاركة النشطة للجماهير الفلاحية في النضال من أجل التحرر الوطني، هناك ضرورة للمطالبة بتغيير جذري لنظام الانتفاع بالأرض. كما أن هناك ضرورة لإجبار الأحزاب البرجوازية القومية على تبني أكبر جزء ممكن من هذا البرنامج الزراعي الثوري.

رابعاً: الحركة العمالية في الشرق

إن الحركة العمالية الشرقية الشابة هي نتاج تطور الرأسمالية المحلية حديث العهد. حتى الوقت الحاضر، تمر الطبقة العاملة المحلية، حتى لو أخذنا نواتها الأساسية، في حقبة انتقالية بدءاً بالحرفة التعاونية الصغيرة، ووصولاً إلى المشغل من الطراز الرأسمالي الكبير. لهذا بمقدار ما يجذب المثقفون البرجوازيون القوميون الطبقة العاملة إلى الحركة الثورية من أجل النضال ضد الامبريالية، يضطلع ممثلوهم في البداية بدور قيادي في التحرك المهني الجنيني وفي تنظيمه. في البدء، لا يتخطى تحرك الطبقة العاملة إطار المصالح «المشتركة لكل الأمم» الخاصة بالديمقراطية البرجوازية (إضرابات ضد البيروقراطية والإدارة الإمبريالية في الصين والهند). وغالباً جداً ما كان ممثلو القومية البرجوازية، كما أشار إليه المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية، يستغلون السلطة السياسية والأخلاقية لروسيا السوفياتية ويتأقلمون مع الغريزة الطبقية للعمال، مدثرين تطلعاتهم الديمقراطية ـ البرجوازية بـ «الاشتراكية» و«الشيوعية»، من أجل أن يحرفوا هكذا الأجهزة الجنينية الأولى للبروليتاريا، وأحياناً دون التنبه لذلك، عن واجباتها التنظيمية الطبقية (كما حزب بهيل أردو في تركيا الذي أعاد صبغ تركيا الكبرى بالأحمر، و«اشتراكية الدولة» التي ينادي بها بعض ممثلي حزب كيومينغ تانغ).
على الرغم من ذلك، تطورت الحركة المهنية والسياسية للطبقة العاملة في البلدان المتخلفة بشكل كبير في الفترة الأخيرة. إن تشكيل أحزاب مستقلة للطبقة البروليتارية في جميع البلدان الشرقية تقريباً هو حدث ذو مغزى، رغم أن الأغلبية الساحقة من هذه الأحزاب ينبغي أن تقوم بعمل داخلي كبير أيضاً لكي تتحرر من الروح العصبوية ومن الكثير من العيوب الأخرى. لقد قدرت الأممية الشيوعية، منذ البداية، تقديراً صحيحاً الأهمية الكامنة للحركة العمالية في الشرق، وهذا يثبت جيداً أن البروليتاريين في العالم أجمع موحدون أممياً تحت راية الشيوعية. إن الأمميتين 2 و2,5 لم تجدا حتى الوقت الحاضر أنصاراً في أي من البلدان المتخلفة، لأنهما تكتفيان بلعب «دور مساعد» بمواجهة الامبرياليتين الأوروبية والأمريكية.

خامسا: الأهداف العامة للأحزاب الشيوعية في الشرق

يثمن القوميون البرجوازيون الحركة العمالية تبعاً للأهمية التي يمكن أن تملكها من أجل انتصارهم. وتثمن البروليتاريا العالمية الحركة العمالية الشرقية من وجهة نظر مستقبلها الثوري. في ظل النظام الرأسمالي، لا يمكن أن تشارك البلدان المتخلفة في مكاسب العلم والثقافة المعاصرة دون أن تدفع ضريبة ضخمة للاستغلال والاضطهاد الهمجي لرأسمال الحواضر. إن التحالف مع بروليتاريا البلدان المتحضرة بشكل عالٍ، سيكون مفيداً لهما، ليس فقط لأنه يتلاءم مع مصالح نضالهما المشترك ضد الامبريالية، بل أيضاً لأن بروليتاريا البلدان المتحضرة لا يمكنها أن تقدم لعمال الشرق عوناً نزيهاً من أجل تطور قواهم المنتجة المتخلفة، إلا بعد انتصار هذه البروليتاريا. ويمهد التحالف مع البروليتاريا الغربية الطريق نحو اتحاد عالمي للجمهوريات السوفياتية. إن النظام السوفياتي يقدم للشعوب المتأخرة الوسيلة الأسهل للانتقال من شروطها المعيشية الأولية إلى حضارة الشيوعية السامية، المعدل للحلول محل النظام الرأسمالي للإنتاج والتوزيع في الاقتصاد العالمي. وأكبر شاهد على ذلك هو تجربة البناء السوفياتي في المستعمرات المنعتقة ضمن الإمبراطورية الروسية السابقة. وحده شكل الإدارة السوفياتي هو القادر على ضمان الإنجاز المنطقي للثورة الزراعية الفلاحية. إن الشروط الخاصة للاقتصاد الزراعي، عبر جزء معين من البلدان الشرقية (ريّ اصطناعي)، المرعية قديماً عبر تنظيم فريد للتعاون الجماعي على قاعدة إقطاعية وأبوية، هذه الشروط التي تعرّضها حالياً للخطر القرصنة الرأسمالية، تتطلب تنظيماً سياسياً قادراً على تأمين الحاجات الاجتماعية بشكل منهجي. وبفعل شروط مناخية واجتماعية وتاريخية خاصة، يعود لتعاون المنتجين الصغار، بشكل عام، دور هام في الشرق في المرحلة الانتقالية.
إن المهمات الموضوعية للثورة الكولونيالية تتخطى إطار الديمقراطية البرجوازية. وفي الواقع يتعارض انتصارها مع سيطرة الامبريالية العالمية. في البداية، اضطلعت البرجوازية المحلية والمثقفون المحليون بدور رواد الحركات الثورية في المستعمرات؛ ولكن ما أن تلتحق الجماهير البروليتارية بهذه الحركات، تنفصل عنها عناصر البرجوازية الكبرى والبرجوازية العقارية، تاركة المبادرة للمصالح الاجتماعية لشرائح الشعب الدنيا. إن نضالاً طويلاً، يمتد على حقبة تاريخية بأكملها، ينتظر بروليتاريا المستعمرات الشابة، نضالاً ضد الاستغلال الامبريالي وضد الطبقات المسيطرة المحلية التي تطمح إلى احتكار كل أرباح التطور الصناعي والفكري وتريد أن تبقى الجماهير في وضع «قبل تاريخي» كما في السابق.
ينبغي أن يُعد هذا الصراع على التأثير على الجماهير الفلاحية البروليتاريا المحلية لدور الطليعة السياسية. ولا تجد البروليتاريا المحلية نفسها قادرة على مواجهة الديمقراطية البرجوازية الشرقية التي تحمل طابعاً شكلاوياً أكثر نفاقاً من ذلك الذي تحمله البرجوازية الغربية، إلا بعد أن تخضع لهذا العمل الإعدادي وتُخْضع له الشرائح الاجتماعية المجاورة. إن رفض شيوعيي المستعمرات المشاركة في النضال ضد الاضطهاد الامبريالي تحت حجة «دفاع» حصري عن المصالح الطبقية، هو نتاج انتهازية سمجة جداً لا يمكن إلا أن تُفقد الثورة البروليتارية في الشرق اعتبارها. وليست محاولة الوقوف خارج النضال من أجل المصالح اليومية والمباشرة للطبقة العاملة باسم «التوحيد الوطني» أو «السلم الاجتماعي» مع الديمقراطيين البرجوازيين، أقل ضرراً. وتقع على عاتق الأحزاب الشيوعية في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة مهمتان ممتزجتان: من جهة، تناضل من أجل حل جذري لمشاكل الثورة الديمقراطية ـ البرجوازية وهدفها إحراز الاستقلال السياسي؛ من جهة ثانية، تنظم الجماهير العمالية والفلاحية كي تسمح لها بالنضال من أجل المصالح الخاصة لطبقتيها، وتستخدم لذلك كل تناقضات النظام القومي الديمقراطي ـ البرجوازي. وإذ تصوغ مطالب اجتماعية، تحفز الطاقة الثورية التي لم تكن تجد مخرجاً البتة في المطالب الليبرالية البرجوازية، وتحررها. إن الطبقة العاملة في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة ينبغي أن تعرف بحزم أن امتداد النضال ضد النير الامبريالي للحواضر وتكثيفه يمكنهما وحدهما إعطاؤها دوراً قيادياً في الثورة. وإن التنظيم الاقتصادي والسياسي والتربية السياسية للطبقة العاملة وللعناصر شبه البروليتارية، يمكنهما وحدهما أن يزيدا من الاتساع الثوري للمعركة ضد الامبريالية.
ينبغي أن تشارك الأحزاب الشيوعية التي لا زالت في وضع جنيني إلى هذا الحد أو ذاك، في بلدان الشرق المستعمرة وشبه المستعمرة، في كل تحرك قادر على فتح منفذ لها إلى الجماهير. لكن ينبغي أن تخوض نضالاً نشطاً ضد الأفكار الأبوية الطائفية وضد التأثير البرجوازي في المنظمات العمالية، من أجل الدفاع عن هذه الأشكال الجنينية للتنظيم المهني ضد الاتجاهات الإصلاحية، ولتحويلها إلى أجهزة قتالية جماهيرية. وينبغي أن تبذل كل جهودها لتنظيم المياومين والمياومين الريفيين العديدين، وكذلك قليلي المهارة من الجنسين، على أرضية الدفاع عن مصالحهم اليومية.


سادساً: الجبهة الواحدة المعادية للامبريالية

لقد أطلق شعار الجبهة البروليتارية الواحدة في البلدان الغربية التي تمر بمرحلة انتقالية مميزة بتراكم منظم للقوى؛ وفي المستعمرات الشرقية هناك ضرورة في الوقت الحاضر لإطلاق شعار الجبهة الواحدة المعادية للامبريالية. إن إفادة هذا الشعار مشروطة بأفق نضال طويل الأمد ضد الامبريالية العالمية، نضال يتطلب تعبئة كل القوى الثورية. هذا النضال هو أكثر ضرورة كلما نزعت الطبقات الحاكمة المحلية إلى مساومات مع رأس المال الأجنبي وكلما نالت هذه المساومات من المصالح الأساسية للجماهير الشعبية. وكما ساهم شعار الجبهة البروليتارية الواحدة ولا زال يساهم في الغرب بفضح خيانة الاشتراكية ـ الديمقراطية لمصالح البروليتاريا، فإن شعار الجبهة الواحدة المعادية للامبريالية سيساهم كذلك في فضح تردد مختلف المجموعات القومية البرجوازية وتقلباتها. من جهة ثانية، سيساعد هذا الشعار في تطور الإرادة الثورية للشغيلة وتقنية وعيهم الثوري بحثّهم على النضال في الصف الأول ليس فقط ضد الامبريالية بل أيضاً ضد كل نوع من أنواع بقايا الإقطاعية.
ينبغي أن تحرز الحركة العمالية في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة قبل كل شيء موقع العامل الثوري المستقل في الجبهة المشتركة المعادية للامبريالية. وليس إلا إذا اعترفنا لها بهذه الأهمية الاستقلالية وحافظت هي على استقلالها السياسي التام، يمكن أن تكون اتفاقات ظرفية مع الديمقراطية البرجوازية مقبولة لا بل ضرورية. وتدعم البروليتاريا مطالب جزئية وتبرزها، كمطلب الجمهورية الديمقراطية المستقلة مثلاً، ومنح النساء الحقوق المحرومات منها، إلخ. طالما لا تسمح العلاقة المتبادلة بين القوى، القائمة في الوقت الحاضر، بوضع تحقيق برنامج البروليتاريا السوفياتي على جدول الأعمال. وفي الوقت نفسه تحاول إطلاق شعارات قادرة على الإسهام في الاندماج السياسي للجماهير الفلاحية وشبه البروليتارية بالحركة العمالية. وترتبط الجبهة الواحدة المعادية للامبريالية ارتباطاً وثيقاً للغاية بالتوجه نحو روسيا السوفياتية.
إن شرح ضرورة تحالف الجماهير العاملة مع البروليتاريا ومع الجمهوريات السوفياتية إحدى النقاط الأساسية في التكتيك المتحد المعادي للامبريالية. لا يمكن أن تنتصر الثورة الكولونيالية إلا مع الثورة البروليتارية في البلدان الغربية.
إن خطر أي وفاق بين القومية البرجوازية، ودولة امبريالية واحدة، أو عدة دول امبريالية معادية، على حساب جماهير الشعب، هو أقل بكثير في البلدان المستعمرة منه في البلدان شبه المستعمرة (الصين، فارس) أو في البلدان التي تناضل من أجل الاستقلال السياسي مستغلة لهذه الغاية التنافس الامبريالي (تركيا).
ينبغي أن تتصدى الطبقة العاملة بعناد ـ إذ تعترف بأن مساومات جزئية وظرفية يمكن أن تكون مقبولة وضرورية عندما يتعلق الأمر بأخذ استراحة في نضال التحرر الثوري الموجه ضد الامبريالية ـ لكل محاولة لاقتسام السلطة بين الامبريالية والطبقات الحاكمة المحلية، سواء تم هذا الاقتسام بشكل علني أو تحت شكل مقنع، لأنه يهدف إلى الحفاظ على امتيازات الحكام. إن مطلب التحالف الوثيق مع الجمهورية البروليتارية السوفياتية هو راية الجبهة الواحدة المعادية للامبريالية. وبعد صياغته، ينبغي خوض نضال حاسم من أجل دمقرطةٍ قصوى للنظام السياسي، بغية حرمان العناصر الأكثر رجعية اجتماعياً وسياسياً من كل دعم، وبغية ضمان حرية التنظيم للشغيلة التي تسمح لهم بالنضال من أجل مصالحهم الطبقية (مطلب الجمهورية الديمقراطية، والإصلاح الزراعي، وإصلاح الضرائب العقارية، وتنظيم جهاز إداري مرتكز على مبدأ حكم ذاتي واسع، والتشريع العمالي، وحماية العمل، والأطفال، وحماية الأمومة، والطفولة، إلخ). وحتى على أرض تركيا المستقلة لا تتمتع الطبقة العاملة بحرية الائتلاف، الأمر الذي يفيد كمؤشر مميز للموقف الذي يتخذه القوميون البرجوازيون إزاء البروليتاريا.

سابعاً: مهام بروليتاريا بلدان المحيط الهادئ

إن ضرورة تنظيم جبهة معادية للامبريالية يمليها، فضلاً عن ذلك، النمو الدائم وغير المنقطع للتنافس الامبريالي. ويكتسي هذا التنافس حالياً حدة معينة تجعل حرباً امبريالية جديدة، يكون المحيط الهادئ ساحتها، محتومة إذا لم تتداركها الثورة العالمية.
كان مؤتمر واشنطن محاولة لتجنب هذا الخطر، لكنه في الواقع لم يقم إلا بتعميقه وبمفاقمة تناقضات الامبريالية. إن الصراع الذي حدث أخيراً بين هو ـ باي ـ فو وجان ـ سو ـ لين في الصين، هو النتيجة المباشرة لفشل الرأسماليين اليابانيين والانغلو ـ أميركيين في محاولتهم ربط مصالحه بواشنطن. وستشمل الحرب الجديد التي تهدد العالم ليس فقط اليابان وأميركا وإنجلترا بل أيضاً الدول الرأسمالية الأخيرة مثل فرنسا وهولندا، وكل شيء يسمح بالتوقع بأنها ستكون أكثر تخريباً من حرب 1914 ـ 1918.
تقوم مهمة الأحزاب الشيوعية في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة المتاخمة لشواطئ المحيط الهادي على القيام بدعاوة نشطة هدفها شرح الخطر الذي ينتظر الجماهير ودعوتها لنضال نشط من أجل الانعتاق الوطني، والتشديد على أن تتجه نحو روسيا السوفياتية، سند كل المضطهدين وكل المستغلين.
وواجب الأحزاب الشيوعية في البلدان الامبريالية مثل أميركا، واليابان، وإنجلترا واستراليا وكندا نظراً للخطر المحدق، ألا تكتفي بدعاوة ضد الحرب، بل أن تبذل جهدها بكل الوسائل لإبعاد العوامل القادرة على بلبلة الحركة العمالية في هذه البلدان وعلى تسهيل استخدام الرأسماليين العداوات القومية والعرقية.
هذه العوامل هي: مسألة الهجرة، ومسألة اليد العاملة الملونة الرخيصة.
إن نظام العقود يبقى حتى الوقت الحاضر الوسيلة الأساسية لجذب العمال الملونين إلى مزارع السكر في بلدان جنوب المحيط الهادئ، حيث يُستورد العمال من الصين والهند. هذا الواقع جعل عمال البلدان الامبريالية يصممون على المطالبة بوضع قوانين تحظر الهجرة واستخدام اليد العاملة الملونة موضع التنفيذ في أميركا كما في أستراليا. إن قوانين الحظر هذه تبرز العداء القائم بين العمال البيض والعمال الملونين، وتشق وحدة الحركة العمالية وتضعفها.
ينبغي أن تخوض الأحزاب الشيوعية في الولايات المتحدة وكندا واستراليا حملة نشطة ضد قوانين الحظر وأن تظهر للجماهير البروليتارية في هذه البلدان أن قوانين من هذا النوع إذ تثير العداوات العرقية، تنقلب في نهاية المطاف ضد عمال البلدان التي تمارس الحظر.
من ناحية أخرى، يعلق الرأسماليون قوانين الحظر، من أجل تسهيل هجرة اليد العاملة الملونة التي تعمل مقابل أبخس الأجور، ومن أجل خفض أجر العمال البيض بذلك. إن هذه النية التي يعبر عنها الرأسماليون بالانتقال إلى الهجوم يمكن إحباطها بشكل فعال إذا دخل العمال المهاجرون في النقابات التي ينظم فيها العمال البيض. وينبغي، في الوقت نفسه، المطالبة بزيادة أجور اليد العاملة الملونة، بطريقة تجعلها مساوية لأجور العمال البيض. إن إجراء مماثلاً تتخذه الأحزاب الشيوعية سيفضح نوايا الرأسماليين ويظهر في الوقت نفسه بصورة بديهية للعمال الملونين أن البروليتاريا العالمية غريبة عن الأفكار المسبقة العرقية.
من أجل تحقيق الإجراءات المشار إليها أعلاه، ينبغي أن يدعو ممثلو البروليتاريا الثورية في بلدان المحيط الهادئ إلى كونفرانس لبلدان الهادئ، يصوغ التكتيك المفترض إتباعه ويضع الأشكال التنظيمية لتوحيد البروليتاريا من كل عرق في بلدان الهادئ.

ثامناً: المهام الكولونيالية لأحزاب الحواضر

تفرض الأهمية الرئيسية للحركة الثورية في المستعمرات من أجل الثورة البروليتارية العالمية تكثيفاً لعمل الأحزاب الشيوعية في الدول الامبريالية ضمن المستعمرات.
تعتمد الامبريالية الفرنسية من أجل قمع الثورة البروليتارية في فرنسا وفي أوروبا على سكان المستعمرات المحليين الذين يخدمون، حسب اعتقادها، كاحتياطي للثورة المضادة.
تستمر الامبرياليتان الانكليزية والأمريكية، كما في السابق، بشق الحركة العمالية عبر جذب الأرستقراطية العمالية إلى جانبهما عبر وعدهما بمنحها جزءاً من فائض القيمة المتأتي من الاستغلال الكولونيالي.
ينبغي أن يتعهد كلم من الأحزاب الشيوعية في البلدان التي تملك مجالاً استعمارياً بتنظيم دعم مادي ومعنوي للحركة الثورية العمالية في المستعمرات بشكل منهجي. ويجب بأي ثمن محاربة الميول الاستعمارية لبعض فئات العمال الأوروبيين ذوي الدخل الجيد الذين يعملون في المستعمرات، بعناد ودون رحمة. ينبغي أن يبذل العمال الشيوعيون الأوروبيون في المستعمرات جهدهم للارتباط بالبروليتاريين المحليين عبر كسب ثقتهم بمطالب اقتصادية ملموسة (رفع أجور السكان المحليين إلى مستوى أجور العمال الأوروبيين، حماية العمل، إلخ). إن إنشاء منظمات شيوعية أوروبية معزولة في المستعمرات (مصر والجزائر) ليس إلا شكلاً مقنّعاً للميل الاستعماري ودعماً للمصالح الامبريالية. فبناء منظمات شيوعية حسب المبدأ الوطني هو الدخول في تناقض مع المبادئ الأممية البروليتارية. ينبغي على أحزاب الأممية الشيوعية أن تشرح على الدوام للجماهير العاملة الأهمية القصوى للنضال ضد السيطرة الامبريالية في البلدان المتخلفة. وينبغي للأحزاب الشيوعية التي تتحرك في بلدان الحواضر أن تشكل لدى هيئاتها القيادية لجاناً دائمة للمستعمرات تعمل للأهداف المحددة أعلاه. ويجب أن تساعد الأممية الشيوعية الأحزاب الشيوعية في الشرق، بالدرجة الأولى، عبر منحها مساعدتها لتنظيم الصحافة، والنشر الدوري للصحف المحررة باللغات المحلية. وينبغي إيلاء اهتمام خاص للعمل بين المنظمات العمالية الأوروبية وبين جيوش الاحتلال الكولونيالية. ويجب أن تستغل الأحزاب الشيوعية في الحواضر كل فرصة تظهر أمامها من أجل فضح لصوصية السياسة الكولونيالية لحكوماتها الامبريالية كما لأحزابها البرجوازية والإصلاحية.

_____________

– الإشراف العام على التدقيق والمراجعة والتصحيح والتنضيد الإلكتروني منيف ملحم
– مراجعة فيكتوريوس بيان شمس بالتعاون مع صفحة التراث الأممي الثوري
– نقله إلى العربية لينا عاصي
– راجع الترجمة ودقّقها كميل قيصر داغر

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

(23) المؤتمرات العالمية الأربعة الأولى للأمميـــــــــــة الشيوعيــــــــــــــة

Check out our other content

Check out other tags:

Most Popular Articles