✍🏾 هيئة تحرير الجريدة الحمراء (21 آذار 2025)
أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول من حزب الشعب الجمهوري، والذي يستعد لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة كأقوى منافس لأردوغان، تم إلقاء القبض عليه بتهمة قيادة منظمة إجرامية! كما تم إلقاء القبض على نحو مئة شخص من تنظيمه، بمن فيهم بعض رؤساء البلديات! كانت هذه هي موجة القمع التي شهدناها مؤخرا، والتي تجاوزت حتى الدستور والقوانين البرجوازية. وعلينا أن لا ننسى أن تهمة الإرهاب قد تم إلصاقها بين التهم الأخرى، كما هو معتاد!
نظام أردوغان ينقلب إلى الأسوأ
بناء على الأحداث الأخيرة والتطورات حتى الآن، يمكننا القول بأن تغيير موقف النظام وسياسته تجاه القضية القومية الكردية لا علاقة له بالتحول الديمقراطي الشامل، أو بعبارة أخرى، لا يهدف إلى بناء “مجتمع ديمقراطي”. على أية حال، لا يمكن أن ننعم بربيع “الديمقراطية” في جزء من البلاد في الوقت الذي يتم فيه تدمير آخر بوادر هذه الديمقراطية التي يشهد الجزء الآخر من البلاد خريفها! سبق وأن قلنا إن هدف تغيير توجهات التحالف الإسلامي الفاشي الحاكم بشأن القضية الكردية جاء لضمان اصطفاف القوى السياسة والاجتماعية الكردية خلف هذا النظام “قبل أن تغلق أبواب التوبة”، وذلك إثر التطورات الخطيرة التي تشهدها المنطقة، وخاصة على الساحة الدولية.
تصريحات حزب الحركة القومية، الحزب الرائد في هذه “الصيرورة”، والتي تتضمن أحيانا لغة تهديد، تؤكد هذا التحليل. لا نعلم ما الذي سيقدمه النظام أو لا يقدمه من أجل “التعايش مع الأكراد” أو تحقيق “ألف عام من الأخوة”. بمعنى آخر، لا نعرف حتى الآن شكل “القانون والسياسة” اللذين ذكرهما أوجلان في ملحق بيانه، وكيفية تطبيقهما، إن تحقق ذلك. ومع هذا، عندما ننظر إلى ممارسات النظام حتى الآن، وصفاته الثابتة، وتوجهاته الحاسمة، وما يفعله اليوم، يتضح أن هذه “الصيرورة” لن تفضي إلى “ديمقراطية” أو “مجتمع ديمقراطي” كما يأمل البعض.
في الواقع، العملية ضد إمام أوغلو تبين أن النظام بدأ يتخذ خطوات متسارعة للتحول إلى أسوأ مما كان عليه. كما تبين قضية إمام أوغلو أن “الانتخابات الحرة، التي صورها النظام “النيو بونابرتي” الحالي كمصدر رئيسي للشرعية حتى اليوم، يراد أيضا تطهيرها من آخر صورها الديمقراطية، باستثناء بعض عمليات التلاعب بصناديق الاقتراع، ومؤامرات اللجنة العليا للانتخابات، وهجمات الأوصياء. إذا حقق النظام هدفه، فلن يتبقى سوى انتخابات صورية، وبرلمان فاقد لفاعليته، ومتروك لرحمة مستبد، ومعارضة لا تملك إلا التذمر والوقوف مكتوفة الأيدي؛ هذا إن بقيت!
يهدف النظام إلى دخول الانتخابات المقبلة أمام معارضين يراهم مناسبين، معارضين مثبتين بين أسنانه، ومعارضة منقسمة وضعيفة إلى أقصى حد. كل هذا يتماشى تماما مع تصور أحد كبار مستشاري النظام، الذي قال إنه “في ظل الظروف الجديدة للمنطقة، وباعتباره جبهة داخلية ضد القوى الخارجية (إسرائيل والإمبريالية!) والأخطار، وباعتباره قيمة وطنية، ينبغي لأردوغان البقاء في السلطة شريطة اعتماده مدى الحياة”. إن الفخ الذي يتم نصبه عبر هذه الأهداف الوطنية يهدف إلى قطع الروابط بين الحركة الكردية، التي سئمت من القمع والمتعطشة للسلام، وقطاعات المعارضة الأخرى.
كما يتضح من مختلف العمليات، ينبغي في هذا السياق أيضا النظر في جهود تفكيك الجماعات الاشتراكية المرتبطة بالحركة الكردية. من الأهداف الرئيسية للحكومة فصل السياسة الكردية عن جماعات المعارضة الأخرى قدر الإمكان من خلال التعبئة الجماهيرية. وتحت شعار الأمل في سلام دائم ومجتمع ديمقراطي، يسعى النظام إلى ترهيب الحركة السياسية الكردية وتهدئتها، وإجبارها، إن أمكن، على المشاركة في صياغة دستور يرسي الإطار القانوني للنظام الجديد.
الشعب قال لا للنظام القمعي
إننا الآن أمام نقطة تحول حرجة. حادثة إمام أوغلو هي تحذير أخير لحزب الشعب الجمهوري، المعارضة البرجوازية الرئيسية، التي تجاهلت حتى الآن العديد من الأمور الواضحة. في حرب النظام ضد الإرهاب، هبطت السياسة الكردية اليوم إلى المرتبة الثانية، بينما بدأ حزب الشعب الجمهوري في احتلال المرتبة الأولى. حزب الشعب الجمهوري هو الهدف الحالي لهجمات الوصاية (بما في ذلك قياداته). وقد لعبت سياسة الاستسلام التي تنتهجها المعارضة الرئيسية حتى الآن دورا مهما في الوصول إلى هذه النقطة. اليوم، تكمن المشكلة في الاختيار بين الموافقة على استسلام تاريخي أو الصمود. المعارضة الرئيسية تدرك تماما هذا الأمر، لذا، اضطرت إلى النزول إلى الشوارع وتحشيد الجماهير. قد يلجأ جلاوزة السلطة إلى العنف للقضاء على التعبئة الجماهيرية، وربما يتراجعون؛ ومع ذلك، طالما استمروا في الوجود، فلن يتخلوا عن أهدافهم التاريخية وسيحاولون استخدام ذات الأساليب مرارا وتكرارا. موجة الاعتقالات المتعلقة بانتفاضة غيزي قبل 12 سنة ينبغي أخذها اليوم بعين الاعتبار.
على الطبقة العاملة أن تفرض نفسها في ساحة النضال
لكن مهمة النظام لم تعد سهلة كما كانت، لا سيما بعد محاولة انقلاب 15 تموز العسكري، فبعد سنوات من انتفاضة جيزي، وبعد سنوات من الإحباط واليأس، عاد مئات الآلاف إلى الشوارع بكل غضب وشجاعة. دعونا نعيد صياغة مقولة شهيرة عن الثورات: تأتي مثل هذه الثورات في وقت يسود فيه الاعتقاد بأنها لن تعود أبدا! هذا ما يحدث. لقد لاقت دعوة حزب الشعب الجمهوري اليائسة استجابة أكبر بكثير مما كان متوقعا. وهذا يدل على أن الحراك يتمتع بديناميكيات اجتماعية أقوى بكثير تتجاوز مجرد الدفاع عن إمام أوغلو. الاحتجاجات قادها شباب الجامعات، الذين حشدوا بأعداد كبيرة بعد فترة طويلة من الخمول. حتى أكثر مدن البلاد محافظة وموالاة للحكومة تحولت إلى بؤر احتجاج. هناك بالطبع مسألة القيادة السياسية المطلوبة لمثل هذه التعبئة الجماهيرية لتحقيق نجاح محدد، لكن علينا أن نتذكر أن وقود كل التغييرات الثورية هي عمل الجماهير الشعبية. وإن تأثير استمرار هذه التطورات، بزخم متزايد، بشكل مباشر على الصراع الطبقي مسألة حتمية. وفي حال بدأت الإجراءات الجزئية للطبقة العاملة، التي تتعرض لاستغلال والقمع بشكل متزايد، في اتخاذ شكل سياسي شمولي في ظل هذا المناخ الجديد، فإن النضال ضد النظام سيكتسب طابعا مختلفا تماما.
لنؤكد مجددا في النهاية: إن النضالات المحدودة وغير الحاسمة وغير المكتملة من أجل الديمقراطية محكوم عليها بالهزيمة، حتى لو اكتسبت صدى جماهيريا من حين لآخر. إن القوة الوحيدة القادرة على دمج النضال من أجل الديمقراطية بالصراع الطبقي ودفعه إلى ما هو أبعد، وصولا إلى حل تاريخي يشمل حق الأمم في تقرير المصير، هي القوة المنظمة للطبقة العاملة. إنها القوة الوحيدة القادرة على تغيير الوضع تغييرا حقيقيا. الحرية ستأتي بأيدي العمال!
ترجمة تامر خرمه
مراجعة فيكتوريوس بيان شمس