السبت مارس 29, 2025
السبت, مارس 29, 2025

القتال بين قوات الأمن والأسديين يقود إلى مجازر طائفية في سوريا

سورياالقتال بين قوات الأمن والأسديين يقود إلى مجازر طائفية في سوريا

✍🏾 فابيو بوسكو

في السادس من شهر آذار، قامت الميليشيات الأسدية، التي تدعو نفسها بـ “المجلس العسكري لتحرير سوريا”، بتنفيذ عملية عسكرية منسقة ضد قوات الأمن التابعة للحكومة المؤقتة، أفضت إلى مقتل 16 جنديا في محافظتي اللاذقية وطرطوس الساحليتين.
إثر ذلك، أرسلت الحكومة المؤقتة تعزيزات لقمع الأسديين، وانضمت إليها عدة ميليشيات حليفة. وقد اشتدت حدة القتال في 7 آذار، حتى تدهور الوضع باقتراف سلسلة من المجازر الطائفية ضد السكان العلويين.
وفقا للمرصد السوري لحقوق الإنسان فقد “ارتفعت حصيلة القتلى إثر انضمام الميليشيات لدعم قوات الأمن وتشكيلات وزارة الدفاع، إذ بلغ إجمالي عدد القتلى حتى مساء السبت 1018 شخصا، بينهم 745 مدنيا تم قتلهم بدم بارد عبر مجازر طائفية. بالإضافة إلى ذلك، قتل 125 عنصرا من قوات الأمن التابعة لوزارة الدفاع والقوات المتحالفة معها (من بينهم 93 سوريا على الأقل)، و148 مسلحا من فلول النظام السابق وأنصاره في الساحل”. وفي اليوم التالي، ارتفع عدد القتلى إلى 1083 مدنيا، و231 عنصرا من قوات الأمن، و250 من أتباع الأسد”.
مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، صرح بأن المجازر الطائفية ارتكبتها كل من قوات الأمن والميليشيات المتحالفة معها، لا سيما ميليشيا العمشات “التي كان لها الدور الأكبر في ارتكاب هذه المجازر والقيام بعمليات النهب في مدينة جبلة ومحيطها”. وتعمل ميليشيا العمشات بالتنسيق مع ما يسمى “الجيش الوطني السوري”، وهي ميليشيا مرتبطة بالنظام التركي، وتركز على قتال “قوات الدفاع السورية” (قسد)، الميليشيا التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وتدعمها الولايات المتحدة.
الرئيس المؤقت أحمد الشرع سعى إلى النأي بنفسه عن المجازر عبر التصريح بأنه ستتم محاسبة كل من اقترف الفظائع ضد المدنيين.

محاربة الثورة المضادة ومعاقبة مرتكبي الفظائع

إن المجازر المقترفة بحق المدنيين العلويين تتعارض مع أهداف الثورة، ولا بد من معاقبة مرتكبيها بشكل صارم، واعتقال المسؤولين عن التسبب بها، سواء أكانوا من عناصر قوات الدفاع والميليشيات “المتحالفة”، أو من الأسديين.
في الوقت نفسه، يجب مكافحة الاستفزازات المسلحة التي يقوم بها الضباط الأسديون السابقون، ولا بد من اعتقالهم ومحاكمتهم على جرائمهم الماضية والحالية.
الاستفزازات التي حدثت في السادس من آذار كانت بقيادة أعضاء رفيعو المستوى في نظام الأسد، مثل الجنرال السابق غيث دلة (عضو في القوات الخاصة للفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد)، وسهيل الحسن، قائد قوات النمر سيئة السمعة، والتي دربتها القوات الروسية، وكلاهما شارك على نطاق واسع في الفظائع التي ارتكبها النظام السابق ضد السكان.
التأخير في اعتقال كافة كبار ضباط النظام الدكتاتوري ومحاكمتهم على الجرائم التي ارتكبوها بحق الشعب السوري، من شأنه تمهيد الطريق أمام إعادة تنظيم الثورة المضادة واستفزازاتها المسلحة.

التوغل الإسرائيلي يفرض تحديات أخرى

“انتبهوا: لن نسمح لقوات هيئة تحرير الشام أو الجيش السوري الجديد بدخول منطقة جنوب دمشق. (…) نطالب بنزع السلاح الكامل من قوات النظام السوري الجديد في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء”. بهذه العبارات أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 23 شباط نيته فرض نزع السلاح في جنوب غرب سوريا، وهي منطقة احتلتها القوات الإسرائيلية جزئيا عام 1967.
بعد أن أدان الرئيس المؤقت أحمد الشرع التهديدات الإسرائيلية والعدوان العسكري في ختام مؤتمر الحوار الوطني في 25 شباط، قامت إسرائيل بقصف ثلاث مناطق في جنوب البلاد.
هذه الاعتداءات العسكرية تأتي في سياق المخطط الإسرائيلي الهادف إلى تقسيم سوريا إلى ثلاث دول، وإقامة دولة درزية في الجنوب، ودولة كردية في شمال شرق البلاد. لكن إسرائيل لا تملك القوة الكافية لتنفيذ هذه الخطة بمفردها، لذا تضغط على ترامب لإبقاء القوات الأمريكية في سوريا (بالإضافة إلى إبقاء العقوبات)، وتتفاوض مع بوتين لإبقاء القاعدتين العسكريتين، وتضغط على الاتحاد الأوروبي لإبقاء العقوبات المفروضة على سوريا.
غالبية الدروز رفضت الخطة الإسرائيلية، وهذه ليست مصادفة، ففي عام 1967، استولت إسرائيل بشكل غير قانوني على جزء من مرتفعات الجولان، وسعت لعقود إلى استمالة السكان السوريين المحليين، ومعظمهم من الدروز، عبر منحهم الجنسية الإسرائيلية. ومع ذلك، لم يقبل بها سوى 6000 من أصل 29000 سوري، وتحولوا إلى مواطنين إسرائيليين من فئة أدنى داخل المجتمع الصهيوني العنصري، أدنى من السكان اليهود (الذين يتسمون أيضا بالطبقية، حيث يتصدرهم اليهود من أصل أوروبي – الأشكناز -، يليهم اليهود من أصل سفاردي، ثم اليهود من أصل أفريقي). بالإضافة إلى ذلك، يجب عليهم الالتحاق بالجيش الإسرائيلي، والمشاركة في الفظائع المستمرة ضد الشعب الفلسطيني، والشعوب العربية في المنطقة.
كما وجدت إسرائيل في حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي شريكا في مخطط تقسيم سوريا. وقد صرحت نائبة وزير خارجية الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، إلهام أحمد، بأن “إسرائيل جزء من الحل الديمقراطي”. وفي مقابلة مع شبكة “بي بي سي”، صرح قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، عندما سؤل عن إسرائيل، بالقول: “نرحب بأية جهة في العالم تستطيع دعم حقوقنا وحماية إنجازاتنا”، مضيفا: “دعوني أقدم إجابة عامة، نرحب بدعم أية جهة”.
منذ بداية الثورة السورية عام 2011، اتخذ حزب الاتحاد الديمقراطي سياسة “الحياد”، إذ عمل على الحيلولة دون انضمام السكان الأكراد، الذين لطالما اعتبروا الأسد عدوا لهم، إلى الثورة. وقد عزز هذه السياسة موقف المجلس الوطني السوري، الذي جمع قوى المعارضة، المتمثل في إنكار حق الأكراد في تقرير المصير. وبعد معركة الدفاع عن كوباني (عين العرب)، تحالف حزب الاتحاد الديمقراطي مع الإمبريالية الأمريكية بحجة محاربة داعش (منظمة تطلق على نفسها اسم الدولة الإسلامية في العراق والشام). وقد أتاح هذا التحالف لميليشيات قوات سوريا الديمقراطية السيطرة على منطقة واسعة في شمال شرق سوريا، أوسع بكثير من المناطق التي يشكل فيها السكان الأكراد الأغلبية، والمعروفة باسم “روج آفا” (غرب كردستان). وتسيطر قوات سوريا الديمقراطية اليوم على نحو 27٪ من الأراضي السورية، إضافة إلى معظم إنتاج البلاد من النفط والغاز والكهرباء.
بالإضافة إلى ذلك، تحتفظ قسد بعشرين سجنا يحتجز فيها 9,500 عنصر من داعش (دون محاكمة قانونية عادلة). كما يحتجز نحو 40,000 من أفراد عائلاتهم، معظمهم من النساء والأطفال. هؤلاء أشخاص لا ينبغي سجنهم لجرائم ارتكبها أزواجهن أو آباؤهم أو إخوتهم، وفقا للمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان.
للأسف، تخلى حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني عن النضال من أجل وحدة واستقلال كردستان، وتبنيا الدفاع عن “الكونفدرالية الديمقراطية”. وفي سوريا، الكونفدرالية الديمقراطية هي مجرد إدارة رأسمالية استبدادية تقمع المعارضة، وتتحالف مع الإمبريالية الأمريكية المعادية للشعوب العربية في نضالها من أجل تقرير مصيرها.
الإمبريالية الأمريكية لها أجندتها الخاصة، وقد برهنت على ذلك برفضها قرار الشعب الكردي العراقي بالاستقلال. وفي أي لحظة، قد يعقد ترامب صفقة مع أردوغان ويخون الأكراد في سوريا، كما فعل مع الأوكرانيين بتحالفه مع بوتين. لإسرائيل أيضا أجندتها الخاصة، التي تركز على تعزيز التطهير العرقي للشعب الفلسطيني، وسرقة الأراضي العربية. ولا يمكن اعتبار أي منهما حليفا استراتيجيا للشعب الكردي.
والآن أتيحت الفرصة لاستبدال التحالفات مع الأقوياء بتحالفات مع الشعوب المضطهدة، والنضال إلى جانب العمال العرب والأتراك والإيرانيين من أجل الحقوق الديمقراطية والاجتماعية في كل بلد، وفي الوقت نفسه من أجل حقهم في تقرير المصير.
الآن هناك فرصة متاحة لاستبدال التحالفات مع الأقوياء بتحالفات مع الشعوب المضطهدة، والنضال إلى جانب العمال العرب والأتراك والإيرانيين من أجل الحقوق الديمقراطية والاجتماعية في كل بلد، وفي الوقت نفسه من أجل حقهم في تقرير المصير.

الاقتصاد: الخصخصة أم التخطيط؟

الظروف المعيشية في سورية لاتزال صعبة للغاية، فرغم انخفاض أسعار المواد الغذائية، باستثناء الخبز، لا تتوفر الكهرباء في المنازل سوى نحو ساعتين في اليوم. ثلث المنازل تم تدميرها، وكذلك نصف المدارس والمستشفيات. كما انخفض إنتاج النفط من 400 ألف برميل يوميا (2011) إلى 50 ألف برميل، ولا يزال معظمه تحت سيطرة “قسد”.
الحكومة المؤقتة ركزت على التقارب مع القوى الإمبريالية والإقليمية من أجل المساعدات الإنسانية وجذب الاستثمار لإعادة بناء البنية التحتية.

 الأوضاع آلت إلى مستوى متواضع، فالعقوبات الأمريكية الصارمة تحول دون الحصول على الاستثمار الأجنبي وإتمام المعاملات الاقتصادية مع بقية دول العالم. ورغم أن إدارة ترامب قامت بتعليق بعض العقوبات لمدة ستة أشهر للسماح بإرسال المساعدات الإنسانية، إلا أنها استمرت بفرض كل العقوبات الأخرى. وبات يتوجب على الدول الأوروبية رفع تلك العقوبات، لاسيما وأن شاغلها الرئيسي هو خلق الظروف التي تتيح لها ترحيل اللاجئين السوريين.

ما يزيد الطين بلة، أن الحكومة تطبق وصفة نيوليبرالية، فقد ألغت دعم الخبز، ورفعت سعره بنسبة 700% (ثماني مرات)، كما فصلت، أو أوقفت عن العمل، حوالي 250 ألف موظف حكومي من أصل 1.3 مليون. ويقول وزير التنمية الإدارية محمد السكاف إن هناك حاجة إلى نحو 600 ألف موظف حكومي فقط، ما يشير إلى التوجه لتسريح المزيد من العمال. أضف إلى ذلك أن الرواتب منخفضة للغاية، إذ يعمل الكثيرون مقابل 30 دولار شهريا فقط. وقد أعلن وزير الاقتصاد باسل عبد الحنان أنه سيتم خصخصة 107 شركات صناعية مملوكة للدولة، وسيتم الاحتفاظ فقط بالشركات الاستراتيجية في قطاعي الطاقة والبنية التحتية للنقل.

هناك ائتلاف من النقابات والتجمعات العمالية التي تنظم احتجاجات صباح كل سبت في ست مدن سورية، مطالبة بإلغاء عمليات تسريح العمال وصيرورة الخصخصة. كما تقترح تشكيل لجان مشتركة مع الحكومة للتحقيق في وجود عمال وهميين، لكن حتى الآن، لم تبد تلك الحكومة المؤقتة استعدادا لبدء مفاوضات مع هؤلاء العمال.

لا بد من وضع خطة أشغال عامة لتوفير الغذاء بأسعار معقولة، واستئناف إنتاج القمح، من أجل تلبية الاحتياجات الأساسية للطبقة العاملة والفقراء. سوريا كانت مكتفية ذاتيا فيما يتعلق بإنتاج القمح، كما كانت تصدر قمحا عالي الجودة لدول أخرى. ويجب أن تنتقل المساعدات الإنسانية من الغذاء إلى توفير المدخلات والآلات اللازمة لتعزيز الاكتفاء الغذائي الذاتي.

التوسع في إنتاج الطاقة لا يمكن عقد الأمل لتحقيقه على “الأسواق” التي، بالإضافة إلى اقتصارها على إنتاج ما هو مربح، تعتمد على رفع العقوبات الأمريكية، وهو أمر قد لا يحدث أبدا. هناك حاجة إلى خطة أشغال عامة لتوليد الطاقة، سواء من الوقود الأحفوري، أو من مصادر متجددة. وينطبق هذا أيضا على إعادة إعمار الأحياء والقرى المدمرة.

الجمعية التأسيسية وسلطة العمال

الرئيس المؤقت أحمد الشرع اكتفى بالدعوة إلى عقد مؤتمر مع قادة الميليشيات في 29 كانون الثاني، ومؤتمر حوار وطني في 24 و25 شباط، للتأكيد على بقائه على رأس الحكومة وكسب التأييد لسياساته. ولم يقم بإشراك قطاعات المعارضة السورية الأوسع. الشرع ينفرد بالحكم مع حلفائه فقط، وهذا ليس ديمقراطيا.

لا بد من الدعوة إلى إجراء انتخابات حرة لانتخاب مجلس تأسيسي من أجل صياغة دستور جديد للبلاد. ولتحقيق ذلك، يجب ترخيص كل الأحزاب السياسية غير الأسدية.

إضافة إلى ذلك، يجب تشكيل مجالس شعبية في الأحياء والقرى لمناقشة السياسات المحلية وإقرارها. ويجب على سكان المدن الجنوبية مناقشة خطة دفاع ذاتي لمنع إسرائيل من الاستيلاء على المدن.

لا بد من تشكيل حزب عمالي ثوري للدفاع عن البدائل التي تصب في صالح العمال والشعب، باتجاه بناء حكومة عمالية.

ملاحظة:

بعد كتابة هذا المقال، تم توقيع مذكرة تفاهم رئيسية بين الحكومة المؤقتة وزعيم قوات سورية الديمقراطية (ميليشيا يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي) في 10 آذار، وأعلنت المملكة المتحدة رفع بعض العقوبات. في نفس الأسبوع، أعلنت قطر عن موافقتها على شحن الغاز الطبيعي، ووقعت الحكومة إعلاناً دستوريا (نوع من الدستور المؤقت لمدة تصل إلى خمس سنوات) دون استشارة عامة. ويؤكد الإعلان الدستوري على الفقه الإسلامي كمرجع له، وينص على أن يكون الرئيس مسلما، كما ينص على الحقوق الإنسانية مثل حرية التعبير والحق في حرية التنظيم والتظاهر السلمي. لكن مسألة الأحزاب السياسية ستخضع لتنظيم منفصل.

ترجمة تامر خرمه
مراجعة فيكتوريوس بيان شمس

Check out our other content

Check out other tags:

Most Popular Articles