✍🏾 فابيو بوسكو
لدى الشعب السوري العامل أسباب كثيرة للاحتفال بسقوط ديكتاتورية الأسد، الذي وقع قبل عام، في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024.
لقد بنى الأسد نظاما ديكتاتوريا بونابرتيا قائما على جيش قوي وأربعة أجهزة للقمع والتعذيب (المخابرات العسكرية/ المخابرات الجوية/ أمن الدولة/ الأمن السياسي). ومن أشهر هذه الأجهزة ما كان يُسمّى بـ «فرع فلسطين» التابع للمخابرات العسكرية بقيادة ياسين ضاحي، والذي تم تأسيسه بذريعة التصدي للعمليات المخابراتية الصهيونية، ولرعاية شؤون الفلسطينيين، لكنه سرعان ما تحول إلى ملاحقة واعتقال وتعذيب وإعدام الفلسطينيين والسوريين وغيرهم من العرب أيضاً. إضافة إلى ذلك، كان النظام يضم نحو 400 سجن اختفى فيها 200 ألف سوري — من بينها سجن صيدنايا الشهير — وميليشيات شبه عسكرية في جميع المدن تُعرف باسم «الشبيحة»، فضلا عن شبكة من مليوني مخبر، أي ما يعادل نحو 10% من السكان. ورغم أن الغالبية لم تكن تتعاون طوعا، فإن هذا شكّل عنصرا أساسيا في نشر الخوف بين عموم الشعب.
كل هذه الأدوات القمعية اختفت ببساطة مع سقوط الأسد.
إضافة إلى ذلك، دمّرت ديكتاتورية الأسد البلاد: فقد كانت تعيش على نهب السكان بطرق متعددة، من آلاف الحواجز التي كانت قوات النظام تفرض فيها إتاوات على تنقّل الأشخاص والبضائع، إلى عمليات الخطف التي كانت تُطلب فيها فدىً مالية ضخمة من العائلات السورية. وإلى جانب نهب السكان، اعتمد نظام الأسد، خصوصا في السنوات الأخيرة، على إنتاج وتصدير مخدر الكبتاغون الصناعي بشكل غير شرعي.
وشملت عملية تدمير البلاد قصف أحياء كاملة في مدن كبرى مثل حلب ودمشق الكبرى، بما في ذلك مخيم اليرموك، أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين خارج فلسطين المحتلة.
وقد أدّى هذا الدمار إلى عيش 90% من السكان تحت خط الفقر، في حين اغتنت نخبة صغيرة حول عائلة الأسد وحلفائها من الرأسماليين — وكان قريب الرئيس، رامي مخلوف، أحد أبرز رموز هذا الثراء على حساب الشعب.
كما كان النظام طائفيا، أي أنه كان يتغذّى على تقسيم البلاد إلى جماعات طائفية أو قومية. فقد قمع الأسد الأكراد بقسوة، وهمّش الدروز، واضطهد السكان العاملين من السنّة والعلويين والمسيحيين. ورغم اعتماده بشكل أساسي على أبناء الطائفة العلوية في الجيش وأجهزة المخابرات، فإنه أبقى غالبية هذه الشريحة في حالة فقر.
للأسف، لم ينتهِ هذا النظام الطائفي، بل تغيّر شكله. فاليوم، يتمركز الحكم الجديد بشكل شديد في يد نخبة صغيرة منبثقة عن هيئة تحرير الشام (HTS)، ويعيد بناء الجيش والشرطة وأجهزة الاستخبارات بالاعتماد أساسا على السكان السنّة في البلاد.
وأخيرا، كانت البلاد محتلة من قبل ست قوى عسكرية أجنبية: الولايات المتحدة في الشمال الشرقي؛ روسيا بقاعدتين على الساحل إضافة إلى قوات من مجموعة فاغنر المنتشرة في البلاد؛ تركيا في الشريط الحدودي شمالا؛ إسرائيل في هضبة الجولان؛ ميليشيات إيرانية أو موالية لإيران؛ وتنظيم داعش. وبعد سقوط الأسد، فرت القوات الإيرانية وبقيت القوات الروسية متمركزة في قاعدتيها على الساحل السوري.
ومن المهم القول إنه رغم صورة «مناهضة الإمبريالية» المزعومة، فإن سلالة الأسد تعاونت مع الولايات المتحدة في غزو لبنان عام 1976 وفي حرب الخليج عبر إرسال قوات لغزو العراق. وفي السنوات الأخيرة، ابتعد بشار الأسد عن النظام الإيراني واقترب من السعودية والإمارات، فضلا عن تعاونه النشط مع دولة إسرائيل عبر تزويد الصهاينة بمعلومات عن مخازن أسلحة وقوافل متجهة إلى حزب الله والميليشيات الإيرانية ليتم قصفها داخل الأراضي السورية.
الحكومة المؤقتة وعدت بالعدالة ضد الأسديين لكنها لم تفِ
وعد أحمد الشرع بالتحقيق مع مجرمي النظام القديم ومعاقبتهم. إلا أن فظائع نظام الأسد لم يتم التحقيق فيها حتى الآن بشكل جدي، ولم يُعتقل أو يُعاقب المسؤولون عنها. فقد قُتل أكثر من 600 ألف سوري على يد النظام منذ عام 2011. وهناك نحو 200 ألف مفقود في سجون النظام السابق، وقد كُشف حتى الآن عن 66 مقبرة جماعية.
لا توجد أولوية حكومية لمعاقبة مجرمي النظام الأسدي. بل على العكس، لم يفعل الحكم الجديد شيئا لمنع فرار جماعي لهؤلاء المجرمين إلى لبنان في الأيام الأولى بعد سقوط الأسد. والأسوأ من ذلك أنه دمج ورفّع بعضهم، مثل فادي صقر، المسؤول عن مجزرة التضامن الجبانة في دمشق عام 2013. إن غياب العدالة يغذي عمليات القتل الانتقامية والحملات الطائفية ضد العلويين.
إضافة إلى ذلك، ارتكبت قوات أمن النظام الجديد وميليشياته المتحالفة مجزرتين في الساحل وفي السويداء، خلال مواجهات مع ميليشيات محلية، لكن الحكومة المؤقتة لم تعاقب المسؤولين من بين قواتها. والأسوأ أنها سمحت بحملات طائفية على الإنترنت ضد الأقليات. هذه السياسة الطائفية تعزز تفكك سوريا عبر تقوية قيادات معادية داخل الأقليات وفتح المجال أمام الدعاية الإسرائيلية أو الفلول (بقايا النظام القديم) في هذه الأوساط.
برج ترامب في دمشق؟
على الصعيد الاقتصادي، قرر النظام الجديد مواصلة السياسات الرأسمالية النيوليبرالية التي اتبعها بشار الأسد، والتي تركز الدخل بيد النخبة وتكرّس الفقر. ومن أسوأ إجراءاته إلغاء الدعم الحكومي للخبز. صحيح أن السلع أصبحت أكثر توفرا، لكنها بأسعار لا تُطاق. المطلوب سياسة لإنتاج غذاء رخيص وصولا إلى الاكتفاء الذاتي الغذائي. لكن هذا لا يهم الرأسماليين الذين يفضلون أن يموت جزء من السكان جوعا بينما يحققون الأرباح من تجارة الغذاء.
تغذّي الحكومة المؤقتة أوهاما بأن القوى الإمبريالية الكبرى ستستثمر في إعادة إعمار البلاد بعد رفع العقوبات. قد تستثمر الشركات الإمبريالية للاستيلاء على الثروات الطبيعية أو لإنشاء خطوط أنابيب غاز تمر عبر البلاد، لكنها لن تفعل شيئا لمصلحة الشعب. بل ستبيع الكهرباء والوقود بأسعار مرتفعة، أو تستولي على مناطق مدمّرة بمواقع مميزة، مثل شرق حلب ومخيم اليرموك في دمشق، لبناء مجمعات فاخرة أو مراكز تجارية، ولن يُسمح للسكان المهجّرين بالعودة.
نحن بحاجة إلى خطة أشغال عامة لإعادة إعمار كل هذه المناطق، وتوفير مواد بناء رخيصة ومدعومة لتمكين السكان من إعادة بناء أحيائهم.
سوريا لا تحتاج إلى «برج ترامب» في المدينة القديمة بدمشق أو في ساحة الأمويين. فذلك لن يكون سوى نصب تذكاري للمستعمرين أعداء الشعوب العربية.
أين تشريع الأحزاب السياسية والانتخابات الحرة؟
أتاح سقوط الأسد عودة نحو مليون لاجئ وفتح حريات ديمقراطية غير مسبوقة. لكن هذه المكاسب مهددة بسياسات بونابرتية للنظام الجديد الذي لا يقبل بالحريات الديمقراطية الكاملة. حتى الآن، لم تُشرّع الأحزاب السياسية، ولا يستطيع الشعب انتخاب قادته أو حتى تشكيل جمعية تأسيسية حرة. فقد نظمت الحكومة المؤقتة انتخابات محدودة وصاغت إعلانا دستوريا من دون استشارة شعبية.
إذا لم تنظم الطبقات الشعبية المكافحة نفسها وتناضل من أجل حقوقها، فسيفرض أحمد الشرع حكما سلطويا بونابرتيا شبيها بما كان قائما في محافظة إدلب.
لا ترامب ولا بوتين حلفاء!
في السياسة الخارجية، يسعى الحكم إلى الاندماج في النظام الرأسمالي العالمي بشكل تابع، عبر التقرب من الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا وتركيا ودول الخليج.
من الصحيح السعي للاعتراف الدولي والمطالبة برفع العقوبات الأميركية وغيرها عن سوريا. لكن الاعتراف ورفع العقوبات لا يحوّل هذه الدول الإمبريالية إلى حلفاء لسوريا.
فجميع الدول الإمبريالية (الولايات المتحدة، أوروبا، روسيا، الصين، واليابان) تدعم عمليا السياسات الإبادية لدولة إسرائيل ضد الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين. كما تحافظ الولايات المتحدة على وجود ألف جندي في شمال شرق وجنوب شرق سوريا (التنف)، وتقوّي النزعات الانفصالية في «قسد»، وتضغط على الحكومة السورية لعدم مقاومة العدوان الإسرائيلي.
أما روسيا، فهي إضافة إلى تحالفها مع نتنياهو، تحمي كبار مجرمي النظام السابق مثل بشار وماهر الأسد، ورامي مخلوف، وسهيل الحسن، إضافة إلى الأموال التي سرقوها من الشعب السوري. إن المفاوضات بين الشرع وبوتين لمنح قواعد عسكرية جديدة لروسيا في سوريا تتعارض مع مصالح الشعب السوري.
وقد وفّرت الصين غطاء دبلوماسيا لديكتاتورية الأسد، وامتنعت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 عن التصويت في مجلس الأمن على إنهاء عقوبات الأمم المتحدة ضد أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب. ويعود سبب الامتناع إلى وجود مقاتلين من الإيغور في سوريا شاركوا في إسقاط الأسد. والإيغور مسلمون يعيشون في إقليم شينجيانغ (تركستان الشرقية) تحت الاحتلال الصيني، وتسعى بكين إلى تسليم هؤلاء المقاتلين. فإلى أي جانب سينحاز الحكم السوري الجديد؟ هل سيخضع لمطالب الإمبريالية الصينية القوية ويرحّل هؤلاء المقاتلين؟ قبل عام، خضع أحمد الشرع لاحتجاجات الديكتاتور المصري السيسي بشأن منشور على وسائل التواصل الاجتماعي دعا إلى إسقاطه، كتبه مقاتل من هيئة تحرير الشام من أصل مصري هو أحمد المنصور، فقام الشرع بعزله واعتقاله.
يجب أن تتجه السياسة الخارجية السورية نحو إخراج جميع القوات العسكرية الأجنبية من البلاد، والتضامن مع الشعوب المناضلة. ومن الملحّ تنظيم جبهة ضد الاعتداءات الإبادية الإسرائيلية على الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين واليمنيين، وتعزيز الدفاع الذاتي السوري في جنوب البلاد. ومن المهم أيضًا توجيه رسالة تضامن إلى الشعب الإيراني في نضاله ضد الغلاء والدكتاتورية.
من أجل التنظيم المستقل للطبقات الشعبية المكافحة من أجل حقوقها
من أجل مواصلة أهداف الثورة، نذكّر هنا ببعض الإجراءات الأساسية:
– العدالة الانتقالية عبر محاكم شعبية ومعاقبة مجرمي النظام الأسدي، وكل من أجرم بحق الشعب السوري، سواء من النظام القديم أم من الفصائل المنضوية تحت سلطة النظام الجديد، ومحاسبة مرتكبي الجرائم بعد سقوط النظام.
– إعادة إعمار البلاد مع إعطاء الأولوية لتخفيض أسعار الغذاء وخطة أشغال عامة؛
– مكافحة السياسات الطائفية وتشكيل قوى شعبية وطنية لا طائفية مسلّحة بفكر تقدمي للعمل على تعزيز حقوق الإنسان والدفاع عنها.
– الدعوة إلى جمعية تأسيسية حرة تسبقها شرعنة الأحزاب السياسية؛
– سياسة خارجية سيادية تطالب بانسحاب جميع القوات الأجنبية، وتقوم على التضامن مع الشعوب المناضلة، وخصوصا الشعب الفلسطيني.
لا شيء يشير إلى أن هذه الإجراءات ستُنفَّذ من قبل الحكم الجديد. ولن تصبح واقعا إلا من خلال التنظيم الذاتي المستقل للشعب السوري العامل، والنضال من أجل سلطة العمال، وهي وحدها القادرة على إخراج السكان من الفقر، وضمان حقوق ديمقراطية حقيقية، وتوحيد الشعب في الدفاع عن التحرر العربي.



