الثلاثاء أبريل 16, 2024
الثلاثاء, أبريل 16, 2024

ملاحظات حول تطور البروليتاريا الصناعية

كُتُبملاحظات حول تطور البروليتاريا الصناعية

قدّمت في المؤتمر الثالث عشر للرابطة الأممية للعمال (الأممية الرابعة) 21- 28 تموز- 2018.

مقدمة

معظم التيارات اليسارية وضعت استراتيجية الثورة الاشتراكية وكذلك دور البروليتاريا الصناعية كموضوع اجتماعي لهذه الثورة في دائرة الشك.
هذا الموقف بات أقوى بعد الزلزال الذي هز اليسار نتيجة إسقاط الأجهزة الستالينية العالمية في أوروبا الشرقية.
في هذه الوثيقة، نعيد التأكيد على مركزية البروليتاريا الصناعية كموضوع اجتماعي للثورة.
هذا العمل مقسم إلى ثلاثة أقسام:
في القسم الأول، نسعى إلى تنظيم بعض الأسس النظرية لفهم البروليتاريا الصناعية كعامل اجتماعي للثورة.
في الثاني، نعمل على فهم التغيرات الموضوعية التي حدثت في البروليتاريا الصناعية وغير الصناعية، سواء في البلدان الإمبريالية أو في البلدان شبه الاستعمارية، على مدى العقود الماضية.
في القسم الثالث، نسعى لفهم هذه التغييرات في الصيرورات السياسية واستخلاص النتائج اللازمة.
هدفنا هو توضيح بعض الفرضيات حول الاتجاهات العامة. إننا لا نسعى لتقديم إجابات نهائية، ولكن لإبراز فرضية واحدة وفتح نقاش متأني بين جميع الذين يعملون من أجل استراتيجية ثورية.
على أية حال، يبدو أن وضع هذا الموضوع قيد النقاش ضروري للجهود البرنامجية التي نبذلها.

1 _ موقف الإصلاح والوسطية

1ً_ تقريبا كافة المنظمات الإصلاحية والوسطية تخلت كليا عن استراتيجية الثورة الاشتراكية والدفاع عن البروليتاريا كموضوع اجتماعي. هذه المنظمات مرتاحة للدفاع عن الإصلاحات داخل الرأسمالية، أو إدارة الرأسمالية حتى دون أية إصلاحات.
يتحدثون عن “التحولات” و”التغييرات” بشكل عام كوعود انتخابية أكثر من كونها أي التزام ببرنامج ثوري.
الجدل حول الموضوع الاجتماعي للثورة يدور بين المنظمات التي استمرت في العمل على الثورة. من وجهة نظرنا، هذه مسألة حاسمة.

2ً_ لا جديد في التشكيك بالبروليتاريا بوصفها الموضوع الاجتماعي للثورة الماوية بعد ثورة العام 1949 الصينية خلقت نظرية وضعت الفلاحين في مركز الثورات الاشتراكية في العالم الاستعماري وشبه الاستعماري بأكمله.

بعد أن استولى رجال حرب العصابات بقيادة كاسترو على السلطة في العام 1959، ظهرت أطروحة جديدة تضع مجموعات حرب العصابات كموضوع سياسي من شأنه القيام بالثورة من خلال تأديب الطبقات الشعبية، ومرة ​​أخرى احتقار البروليتاريا.

في أيار 1968، بعد انتفاضة الطلبة والشباب، ظهرت أطروحات جديدة تضع الشباب كالموضوع الاجتماعي للثورة.

الأناركيون دافعوا في أكثر الأحيان عن القطاعات الأشد فقرا، بصرف النظر عن طبقاتها الاجتماعية، باعتبارها تشكل الأنصار الرئيسيين. الأمانة العامة للأممية الرابعة التي مقرها باريس أيضا قدمت القطاعات المضطهدة (النساء، والسود، ومجتمعات المثليين والمثليات.. الخ) كموضوعات اجتماعية جديدة للثورة، بغض النظر عن خلفيتها الطبقية.

3ً_ أحد أكثر الاعتراضات تأثيرا أشار إلى تصور الاختفاء المادي للبروليتاريا. أندريه غورز (في “وداعا للبروليتاريا”، 1980) جادل بأن الانخفاض العددي للبروليتاريا، الذي حدث في البلدان الإمبريالية خلال العولمة، وضع المثقفين ومحترفي تكنولوجيا المعلومات وعمال “مراكز الاتصال” كقوى اجتماعية بديلة.

4_ قسم هام آخر من التنظيمات اليسارية تبنى الدفاع عن المواطنة كمرجعيتها الأيديولوجية. الموضوع الجماعي للعمال الصناعيين تم استبداله بالمواطنة، بصرف النظر عن طبقتهم الاجتماعية التي ستناضل من أجل الحقوق الاجتماعية (الرعاية الصحية والتعليم والنقل) داخل حدود الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.

كما يقول خوسيه ويلموفيسكي”… هناك إعادة تقييم حديثة لهذا المفهوم منذ الثمانينيات، تطرحه كـ “إعادة” اكتشاف، ما يعني إمكانية جديدة، الهدف المتمثل بمجتمع “أكثر” سعادة، بدون الاختلافات الاجتماعية الواضحة الحالية، الأمر الذي يمكن الوصول إليه دون تشنجات أو تحولات كبرى، مع الحفاظ على النظام الرأسمالي”. (ويلموفيسكي خوزيه، المواطنة أو الطبقة: حركة العمال في الثمانينيات، دار سوندرمان للتوزيع والنشر، ساو باولو، 1992).

قيادة حزب العمال البرازيلي جلبت انتكاسة في وعي البروليتاريا الطبقي استنادا إلى أيديولوجية المواطنة تلك في الثمانينيات.

5_ الاعتراض الرئيسي الحالي على الماركسية يأتي من ما بعد الحداثة. هذه الأيديولوجيا مؤثرة للغاية في الجامعات وفي أوساط الشباب، حيث تصل بشكل مباشر أو غير مباشر إلى جزء كبير من اليسار.
إنكار الكليات وتجزئة المواضيع الاجتماعية إلى أفراد يتحدى صراحة النهج الماركسي للبروليتاريا كموضوع اجتماعي.
ما بعد الحداثة (الحداثوية) تنكر الصراع الطبقي. مفهوم الصراع الطبقي تم استبداله بنضال القطاعات الاجتماعية التي لا تفصلها المصالح الطبقية بل الهويات المتعلقة بالقمع أو إساءة استخدام السلطة. من خلال إنكار الجماعية، فإنها تنكر أيضا الحاجة إلى التنظيم، وتقف من أجل المواقف الآنية والعفوية.
توني نيجري بمفهومه عن “الجمهور” هو أحد الممثلين الرئيسيين لهذا الفكر. وفقا له، بينما يمكن فهم استغلال “الطبقة العاملة” في العصر الحديث بالفوردية، فإن الواقع قد تغير تماما في عصر ما بعد الحداثة:
“من جهة أخرى، فإن استغلال العامة لا يمكن قياسه. بعبارة أخرى، إنها قوة تواجهها قوة الفردانيات خارج أي مقياس. الفردانيات التي تجد تعاونا تتجاوز ما يمكن أن يقاس”. (نيجري، توني، “نحو تعريف أنطولوجي للجمهور”).
“الجمهور” هو مجموعة من الفردانيات، وليس طبقة محددة ذات اهتمامات فورية وتاريخية. تأليه الفردية، وإنكار كل الصيرورات الجماعية.
6_ إنكار الطبقة العاملة الصناعية يجد تعبيرا آخرا في الأناركية الجديدة.
الأناركيون الكلاسيكيون أرادوا الوصول إلى الاشتراكية دون المرور بديكتاتورية البروليتاريا. اللا سلطويون الحاليون يختزلون أيديولوجيتهم إلى إنكار النقابات العمالية وأحزاب الطبقة العاملة.
الأفقية التي كانت حاضرة ومهيمنة في تعبئة الـ “إنديجنادوس” (حركة الغضب) في اسبانيا، و”احتلوا” (حملات احتلال الشوارع االشعبية) في الولايات المتحدة، وطليعة حزيران 2013 البرازيلية، هي تعبير آخر عن إنكار المنظمات الجماعية للعمال.
7_ الأيديولوجيا المهيمنة هي أيديولوجية الطبقة المهيمنة. تحتاج النيوليبرالية إلى كسر المقاومة الجماعية للعمال. لذا فهي تشير إلى منظور فردي. عندما يضعف الوعي الجماعي والتنظيم، تضعف النضالات.
أيديولوجيات المواطنة، وما بعد الحداثة، واللاسلطوية الجديدة، والأفقية تنكر كلا من الثورة الاشتراكية ودور البروليتاريا كموضوع اجتماعي للثورة.

ما بعد الحداثة (الحداثوية)، والأناركية الجديدة، والأفقية لديها اختلافات لا تحصى، لكنها تشير بذات المغزى إلى ذات الاتجاه للأيديولوجيا المهيمنة الفردية المتطرفة النيوليبرالية.
إنها تعزز المنظور الفردي القائم على خيانة النقابات العمالية، والقيادات الإصلاحية، لإنكار النقابات العمالية، والأحزاب العمالية، تماما كإنكار أية استراتيجية جماعية أخرى.
هذه الأيديولوجيات تنكر البروليتاريا وأي موضوع اجتماعي جماعي آخر كليا.

_ ما هو تعريفنا للبروليتاريا؟II

8_ هناك خلافات هامة، حتى بين الأقلية الثورية من اليسار التي لاتزال تدافع عن البروليتاريا كموضوع اجتماعي للثورة. هناك أولئك من يدافعون عن أن الموضوع الاجتماعي هو البروليتاريا (العمال بالأجر) بشكل عام.
وهناك من هم، مثلنا، من الذين يدافعون صراحة عن البروليتاريا الصناعية بوصفها الموضوع الاجتماعي للثورة. نحن لا نتحدث عن “البروليتاريا بشكل عام” أو عن “العمال” ككل، بل عن الطبقة العاملة الصناعية باعتبارها الموضوع الاجتماعي للثورة.
9_ نهويل مورينو كان مدافعا بلا شروط عن البروليتاريا الصناعية بوصفها الموضوع الاجتماعي للثورة. ليس صدفة أن تيارنا قد تم تعريفه بـ “التروتسكية العمالية”.
10_ ومع هذا، كان هناك تفسير خاطئ لمورينو، من وجهة نظرنا، حول التعريف النظري للطبقة العاملة:
“ماركس وتروتسكي قدما على ما يبدو تعريفات مختلفة للطبقة العاملة والبرجوازية الصغيرة. تروتسكي تحدث عن برجوازية صغيرة حديثة التي كانت من العمال ذوي الياقات البيضاء، كما يطلق عليهم في علم اجتماع أمريكا الشمالية. بالنسبة لماركس فإن كل عامل بأجر كان جزء من الطبقة العاملة. نحن ملتزمون بتعريف ماركس”. (مداخلة اللجنة التنفيذية الأممية، 1986).
هذا الخطاب تم إلقاؤه خلال نقاش نظري في اجتماع للجنة التنفيذية الأممية لـ “الرابطة الأممية للعمال _ الأممية الرابعة”، لكنه لم يتجسد قط في وثيقة موقعة من قبل مورينو أو بقرار للرابطة. علاوة على ذلك، فإنه يتعارض إلى حد كبير مع الأعمال السابقة واللاحقة لمورينو. رغم هذا، من الضرورة معالجة هذا الجدل.

11_ إننا لا نعتبر أن موقف ماركس مختلف جوهريا عن موقف تروتسكي حول هذا الموضوع.

ماركس ليس لديه في أعماله تعريفا مباشرا ودقيقا لتكوين الطبقة العاملة. في “رأس المال” قدم مواقف مختلفة حول ذات الموضوع. الدراسة المفصلة من شأنها أن تقودنا إلى أسباب ذلك.
مفتاح هام للحل يكمن في فهم ماهية العمل المنتج وتداعياته على تعريف البروليتاريا.
في المجلد الأول لـ “رأس المال” يدرس ماركس الإنتاج الذي يركز على العلاقة الرأسمالية الفردية مع العامل. هنا يعرّف ماركس العامل بالأجر بأنه منتج.
هذا يعني بأن العامل “منتج” لصاحب عمله عبر تمكينه من الاستفادة من فائض القيمة. هذا لا يعني أن العامل منتج للمجتمع ككل بموجب المعايير الماركسية ولكنه “منتج” لصاحب العمل بشكل فردي.
في المجلد الثالث يدرس ماركس الصيرورة العالمية للإنتاج الرأسمالي. ماركس يعلن أن العامل بالأجر الذي يولد مباشرة فائض القيمة، هو فقط المنتج. البروليتاريا الصناعية هي القطاع الوحيد الذي يولد فائض القيمة بشكل مباشر. وبالتالي، فإنها قطاع العمال الوحيد الذي يكون منتجا للمجتمع بأسره:
“الإنتاج الرأسمالي ليس مجرد إنتاج سلعي. إنه بشكل أساسي إنتاج فائض القيمة”. هذا يعني أن “العامل المنتج هو الذي يؤدي عملا منتجا، وأن العامل المنتج هو الذي يخلق فائض القيمة بشكل مباشر، أي: يثمّن رأس المال”.

في “نظرية فائض القيمة” يقول:

“العمل الإنتاجي، بمعناه بالنسبة للإنتاج الرأسمالي، هو العمل بالأجر الذي، مقابل الجزء المتغير من رأس المال (ذلك الجزء من رأس المال الذي ينفق على الأجور)، لا يعيد إنتاج هذا الجزء من رأس المال (أو قيمة قوة العمل الخاصة به) فحسب، بل إضافة إلى ذلك ينتج قيمة مضافة للرأسمالي”.

(www. Marxist.org)

في الفصل غير المحرر من كتاب رأس المال، كان ماركس حتى أكثر وضوحا في قوله إن:
“كل عامل منتج هو عامل بأجر، ولكن هذا لا يعني أن كل عامل بأجر هو عامل منتج. في كل الحالات التي يتم فيها شراء العمالة من أجل استهلاكها كقيمة استخدام، وكخدمة، وليس من أجل استبدال قيمة رأس المال المتغير كعامل حي ودمجها في عملية الإنتاج الرأسمالية، فإن هذا العمل ليس عملا منتجا، وهذا العامل بالأجر ليس عاملا منتجا”.

(https://www.marxists.org/archive/marx/works/1864/economic/ch02b.ht).

غوستافو ماشادو يتحدث عن نفس المسألة:

“كثيرا ما يحدث أنه حين تكون منتجا فيما يتعلق برأس المال الفردي فإن هذا لا يتوافق بالضرورة مع كونك منتجا فيما يتعلق بالمجتمع. في التجارة، مثلا، رغم أن الرأسمالي يراكم رأس المال عبر استغلال العمال الذين يوظفهم، إلا أنه لا ينتج ذرة واحدة من القيمة ورأس المال، إنه فقط يخصص جزءاً من فائض القيمة المنتج في مجال الإنتاج”. (ماشادو، غوستافو، العمالة المنتجة وغير المنتجة: هذا هو السؤال، دار سوندرمان، ساو باولو، 2020).
في الأساس، فإن إنتاج فائض القيمة يأتي من الإنتاج الصناعي. كافة القطاعات الاقتصادية الأخرى فائض القيمة هذا المنتج في الصناعة، بما فيها البنوك، والتجارة، والخدمات العامة. لذا، فإن البروليتاريا الصناعية هي القطاع الإنتاجي الوحيد (من منظور الاقتصاد الماركسي) لعمال المجتمع بأسره.

12_ على المرء أن يأخذ بعين الاعتبار في هذا النقاش أنه كان هناك واقع اجتماعي مختلف تماما في زمن ماركس. في ذلك العصر كانت البروليتاريا (العمال بالأجر) هي في الأساس العمال الصناعيين.
تكفي قراءة البيان الشيوعي عن كثب لإثبات ذلك. في كافة الأوقات كانت كلمة “البروليتاري” مرادفة لكلمة “عامل” الذي يعمل في المصانع. دعنا نرى بعض الاقتباسات المعروفة جيدا من البيان الشيوعي، والتي تتناول تطور البروليتاريا.
“البروليتاريا تمر بمراحل مختلفة من التطور. مع ولادتها يبدأ نضالها ضد البرجوازية”.

“في البداية يتم التنافس من قبل العمال الأفراد، ثم من قبل عمال المصنع، ثم من قبل العامل في تجارة واحدة، في منطقة واحدة، ضد البرجوازي الفرد الذي يستغلهم مباشرة”.
“لكن مع تطور الصناعة، فإن البروليتاريا لا تزداد عدديا فحسب، بل تصبح متمركزة في كتل أكبر، وتتنامى قوتها، وتشعر بهذه القوة أكثر”.
في التطور الرأسمالي اللاحق للعصر الذي عاشه ماركس، تطورت البروليتاريا غير الصناعية كثيرا، كما سنرى. ظهر تمايز بين البروليتاريا الصناعية وغير الصناعية لم يكن موجودا في زمن ماركس.

_ الجدل حول تعريف البرجوازية الصغيرة وتطورهاIII

13_ هناك جدل آخر حول تعريف الطبقات الاجتماعية المرتبطة بهذا الأمر. ماركس قام بإسقاط خاطئ في البيان الشيوعي، مشيرا إلى اختفاء البرجوازية الصغيرة.

تروتسكي، في مقالته “90 عاما على البيان الشيوعي”، قام بتصحيح هذا التقييم:

“مؤلفو المانفيستو تخيلو بطريقة أحادية صيرورة تصفية الطبقات المتوسطة بتحويل الحرفيين والفلاحين والعاملين في الصناعات الصغيرة إلى بروليتاريا على نطاق واسع. في الواقع، فإن القوى الأساسية للمنافسة بعيدة كل البعد عن إتمام هذه المهمة التقدمية والبربرية في ذات الوقت. الرأسمالية أفسدت البرجوازية الصغيرة بطريقة أسرع من تحويلها إلى بروليتاريا. إلى جانب ذلك، فإن الدولة البرجوازية قادت سياسة واعية من الدعم المصطنع للطبقات البرجوازية الصغيرة. وعلى النقيض تماما، فإن نمو التكنولوجيا وترشيد الصناعات الكبيرة يولدان بطالة مزمنة ويوقفان تحويل البرجوازية الصغيرة إلى بروليتاريا. في ذات الوقت، أدى تطور الرأسمالية إلى تسريع نمو جحافل من الفنيين والمدراء والموظفين التجاريين، باختصار، ما يسمى بـ “الطبقة الوسطى الجديدة”. وهكذا، فإن الطبقات المتوسطة، التي يشار إلى اختفائها بشكل قاطع في البيان، تشمل، حتى في بلد عالي التصنيع مثل ألمانيا، ما يقرب من نصف السكان”.

(https://www.marxists.org/archive/trotsky/1937/10/90manifesto.htm)

وهكذا، فإن الرأسمالية تدمر البرجوازية الصغيرة، ولكنها لا تسمح باستيعابها في المجتمع بنفس المستوى، ما يؤدي بها إلى إعادة خلقها باستمرار. تروتسكي أشار أيضا إلى أن القطاعات الوسطى قد تطورت، مثل “جحافل الفنيين والمدراء والموظفين التجاريين، باختصار، ما يسمى بالطبقة الوسطى الجديدة”.
نعتقد أن تحليل تروتسكي أيده الواقع.

14_ نهويل مورينو، في ذات المداخلة التي انتقدناها أعلاه (اللجنة التنفيذية الأممية 1986)، يوضح ما يلي حول هذا الجدل:

“البرجوازية الصغيرة تعبير واسع جدا. هناك نقاش نظري كبير.. لأن ماركس في القرن الماضي وتروتسكي في هذا القرن بدوا وكأنهما يقدمان تعريفات مختلفة لمسألة البرجوازية الصغيرة. تروتسكي يتحدث عن طبقة وسطى حديثة، برجوازية صغيرة حديثة كانت الموظفين ذوي الياقات البيضاء، كما يطلق عليهم في علم اجتماع أمريكا الشمالية – رايت ميلز، إلخ. وبالنسبة لماركس كان كل كاسب أجر ينتمي إلى الطبقة العاملة. بعبارة أخرى، بالنسبة لماركس فإن ما يميز العامل هو تلقي الأجر أو الراتب. وليس بالنسبة لتروتسكي. تحديدا في إشارته إلى نقاط الضعف، فإن البيان الشيوعي يشير إلى هذه الحقيقة: ظهرت طبقة وسطى حديثة. أنا أميل إلى ماركس. إذا، بالنسبة لي [الطبقة الوسطى الحديثة] هي بروليتاريا. موظفو البنك هم عمال صناعيون، وهم ينتمون إلى الطبقة العاملة الصناعية بالنسبة لي. في هذه المسألة أنا مع ماركس ولست مع تروتسكي”.

نعتقد أن نهويل مورينو يرتكب هنا خطأً آخرا. هذا التعريف لمورينو يقلل من الاختلاف بين العامل الصناعي وسائر العمال بالأجر. نعتقد أن تروتسكي كان على حق.

15_ تطور الواقع يدعم تحليل تروتسكي. البرجوازية الصغيرة الكلاسيكية، الطبقة ذات الملكية الصغيرة، لم تختف مع تطور الرأسمالية.

تقدم الشركات الكبرى يعمد إلى وضع الأزمة على عاتق صغار الملاك في المناطق الحضرية والريفية. لا يمكن إنكار أن الشركات الكبرى تحتل كل مرة مساحة أكبر في العالم. هذا التقدم لا يؤدي إلى إنهاء الشركات الصغيرة التي لا تزال قائمة بدور ثانوي، حيث يتم تدميرها وإعادة بنائها خلال الأزمات الرأسمالية.
هذه هي أولى القطاعات التي تتأثر بالأزمات مع ارتفاع معدلات الإفلاس. لكن البطالة وأيديولوجيا “امتلاك عملك الخاص” تسهل ظهور أجيال جديدة من الشركات الصغيرة في كل صعود اقتصادي.
هناك الملايين من صغار التجار والمهنيين الليبراليين (محامون وأطباء وفنيون في الأجهزة المنزلية وتكنولوجيا المعلومات).
من ناحية أخرى، في المدن الكبرى، يظهر الباعة المتجولون بسبب البطالة والعمل العرضي.
هناك شرائح من البرجوازية الصغيرة الدائنة التي تعيش على الأرباح المالية. وآخرون يعيشون على تأجير العقارات في المدن الكبرى.
هناك قطاعات متنوعة وغير متجانسة تشكل البرجوازية الصغيرة الحضرية والريفية التي لاتزال موجودة في كافة أنحاء العالم.

16_ من ناحية أخرى، فإن نمو “الطبقات الوسطى الجديدة”، التي وصفها تروتسكي، يتزايد طيلة الوقت.

العمال بالأجر الذين ليسوا جزء من البروليتاريا الصناعية، كموظفي البنوك، والموظفين التجاريين، والمدرسين.. إلخ قد تزايدوا كثيرا مع التحضر وتنامي الخدمات كالتعليم، والرعاية الصحية، والتجارة، والقطاع المالي.
تحديدا بعد الحرب العالمية الثانية، تنامت هذه الظاهرة على نطاق واسع، أكثر بكثير مما كان عليه الوضع في العقود الأخيرة التي عاشها تروتسكي.

17_ في حالة ما إذا كان تعريف مورينو للطبقة العاملة الصناعية صحيحا، والذي يتضمن قطاعات “الطبقة الوسطى الجديدة” تلك، عندها سيكون توقع ماركس بنمو هائل للطبقة العاملة الصناعية، دون وجود مهم للطبقات الوسطى، صحيحا كذلك.

ومع ذلك، فإن هذا ليس واقعا اليوم. التأثير الاجتماعي والسياسي لهذه القطاعات من الطبقات الوسطى مهم للغاية عند تحليل وضع الصراع الطبقي في كل بلد من بلداننا.
نعتقد أن تروتسكي كان محقا في نقده لهذا الإسقاط الخاطئ لماركس. وأن مورينو كان مخطئا في هذا التعريف.

IV _ أهمية تحديد الموضوع الاجتماعي للثورة

 

18_ جزء من التشكيك في البروليتاريا كموضوع (عامل) اجتماعي للثورة يبدأ بالتشكيك في وجود موضوع اجتماعي.
كما قلنا من قبل، فإن ضغط حركات ما بعد الحداثة، والأناركية الحديثة، والأفقية قاد إلى رفض وجود أي موضوع اجتماعي في العملية الثورية، تماما كما تنكر هذه الحركات الثورة الاشتراكية.

19_ هذه ليست مسألة صغيرة. البيان الشيوعي، الذي كان حتى اليوم البرنامج الرئيسي للحركة العمالية الثورية، يوضح أن الاستراتيجية الثورية تستند إلى الطبيعة الطبقية للبروليتاريا الصناعية. إنها استراتيجية إسقاط الرأسمالية وبناء مجتمع آخر لا يمكن أن يوجد دون الاستناد إلى الطبقة العاملة.
“من بين جميع الطبقات التي تواجه البرجوازية اليوم، البروليتاريا وحدها هي الطبقة الثورية حقا. الطبقات الأخرى يتم إفسادها وتقويضها تدريجيا على يد الصناعات الكبرى. البروليتاريا هي المنتج الأكثر تميزا في ذلك الأمر”.
“كافة الطبقات السابقة التي انتصرت على الهيمنة سعت إلى ضمان المكانة التي وصلت إليها بالفعل في الحياة، مخضعة المجتمع بأسره لشروط مصالحها. البروليتاريون يمكنهم الانتصار على قوى الإنتاج الاجتماعي فقط عبر إلغاء أسلوبهم في الاستيلاء حتى هذه اللحظة، وبذلك نمط الاستيلاء بأسره. البروليتاريا ليس لديها ما تحميه، عليها تدمير كافة الضمانات الخاصة”.
“كافة الحركات حتى هذه اللحظة كانت حركات أقلية أو لمصلحة الأقلية. الحركة البروليتارية هي الحركة المستقلة للأغلبية الساحقة، ولصالح الأغلبية الساحقة. لا تستطيع البروليتاريا، أو الطبقات الدنيا في المجتمع اليوم، أن تنهض، ولا تستطيع تقويم ذاتها، دون نسف كامل البنية الفوقية للطبقات التي يتألف منها المجتمع الرسمي..”.
“التقدم الصناعي، الذي تعد البرجوازية حاملة له، لا إراديا ودون مقاومة، يضع الوحدة الثورية باتحاداتها في موضع عزلة العمال من خلال المنافسة. بتطور الصناعات الكبرى، يكون الأساس نفسه الذي يقوم عليه إنتاج وتملك منتجاتهم يتم إزالته من تحت أقدام البرجوازية. إنها تنتج أولا وقبل كل شيء حفار قبرها. انحدارها وانتصار البروليتاريا أمران لا مفر منهما”.
تعبير “الموضوع الاجتماعي للثورة” تم استخدامه من قبل نهويل مورينو للتعبير عن الطبقة الاجتماعية التي يمكنها القيام بالدور القيادي للثورة الاشتراكية. مورينو لم يقم بتعديل أي شيء في هذا النقاش. لقد نظم ما كان بالفعل جزء من التقليد الماركسي منذ صدور المانفيستو، الذي يقول إن “البروليتاريا وحدها هي الطبقة الثورية حقا”.

20_ مفهوم “الدور القيادي” كان هو التعبير المستخدم في القرن التاسع عشر في الجدل داخل الاشتراكية الديموقراطية الروسية حول ديناميكيات الثورة: سواء كانت البروليتاريا أو البرجوازية هي الطبقة الرائدة.
وفقا لبيري أندرسون، فإن هذا الجدل استخدم أيضا مفهوم “الهيمنة”، الذي سيستخدمه غرامشي لاحقا في محتوى آخر. بعبارة أخرى، كانت هناك مناقشة حول ماهية الطبقة التي ستهيمن على صيرورة الثورة وماذا ستكون عواقب ذلك.
الأممية الثالثة في “قرارات التكتيك” تتحدث عن البروليتاريا على أنها “عامل محدد للثورة العالمية”.

21_ في النقاش حول ما حدث في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، قام نهويل مورينو بتحديث هذه المناقشة ليوضح أنه لا الموضوع الاجتماعي (الطبقة العاملة الصناعية)، ولا الموضوع السياسي (الحزب الثوري) الذي توقعه تروتسكي، كانا حاسمين في انتصارات هذه الثورات.
بتناول ما قاله مورينو، فإن الموضوع الاجتماعي هو الطبقة التي تعمل كـ “محرك” للثورة.
لكننا نريد إنقاذ محتوى هذه المناقشة وليس شكلها. يمكننا أيضا تسميتها، مثلما جاء في البيان الشيوعي، بـ “الطبقة الثورية الحقيقية الوحيدة”، أو مثل ما ذكر في الأممية الثالثة، “العامل المحدد للثورة العالمية”.

V_ البروليتاريا الصناعية يجب أن تكون الموضوع الاجتماعي للثورة

22- لماذا البروليتاريا الصناعية هي موضوع الثورة وليس “البروليتاريا بشكل عام”؟
في المقام الأول، وبسبب موقعها في الإنتاج، فإن البروليتاريا الصناعية هي العمالة المنتجة الوحيدة (بالمعنى الماركسي). بكلمات أخرى، إنها تخلق قيمة وفائض قيمة. وهكذا، فإن البروليتاريا الصناعية لها دور مركزي في المجتمع. إضراب عام للبروليتاريا من شأنه أن يؤثر بشدة على المجتمع بأسره، ما يتيح لها إمكانية أن تكون طليعة الصيرورة الثورية.

23- ثانيا، لأن البروليتاريا الصناعية تتركز في وحدات إنتاجية وتقوم بعمل جماعي. العامل الصناعي يعرف أن ناتج عمله هو بالضرورة جماعي، على النقيض من الفئات الأخرى التي لا حصر لها، والتي تمنح مهامها في المجتمع الرأسمالي الميزة للأداء الفردي.
ليس صدفة أن هذه الطبقة قد توفر أساسا اجتماعيا لتجميع الإنتاج. هذه هي الطبقة التي قد تنشئ دولة تستجيب للمصالح المشتركة للعاملين بالأجر. البروليتاريا هي أيضا ما قد يدعم اجتماعيا نظام الديمقراطية العمالية، كما ذكّرنا نهويل مورينو.

24_ ثالثا، مع العولمة، تم التأكيد بوحشية على فرضية البيان الشيوعي حول ميل الرأسمالية لإفقار البروليتاريا وخفض الظروف المعيشية للعمال. كما سنرى، فإن البروليتاريا تعاني من انخفاض في قوتها الشرائية وخسارة إنجازات هامة في القرنين التاسع عشر والعشرين. غالبية البروليتاريا الصناعية العرضية هي التعبير الواضح في القرن الحادي والعشرين عن أولئك الذين “ليس لديهم ما يخسرونه”.
العمال بالأجر، أو العمال ذوو الياقات البيضاء ككل، تشملهم قطاعات مختلفة تماما من وجهة النظر الاجتماعية. لا ينبغي للمرء أن يقول كماركس إن البروليتاريا ككل هي “أكثر الطبقات تجانسا”.
المدراء بشكل عام هم ممن يتلقون أجورا، لكن ظروفهم المعيشية تجعلهم أقرب إلى البرجوازية. الأطباء والمحامون يتلقون أجورا ولديهم مداخيل متغيرة للغاية، ويشمل ذلك القطاعات ذات الامتيازات العالية وغيرها من القطاعات الأكثر فقرا. أساتذة الجامعات بشكل عام يتلقون أجورا أعلى بكثير من أجور معلمي المدارس الثانوية.
القطاعات الأكثر ثراء لا علاقة لها بتعريف ماركس للبروليتاريا على أنها “أولئك الذين ليس لديهم ما يخسرونه”.
سلوك هؤلاء العاملون بالأجر (البروليتاريا غير الصناعية) يشبه سلوك البرجوازية الصغيرة (صغار الملاك في الحضر والريف) والذين يمكن تقسيمهم أيضا، مع القطاعات الأكثر فقرا التي يتم جذبها نحو الثورة.
من الضرورة بالنسبة للبروليتاريا الصناعية أن تمتلك سياسة لجذب تلك القطاعات نحو الثورة، لكن ليس من المرجح أن القطاعات ذات الأجور الأعلى ستتبع البروليتاريا.

25_ هذه الخصائص الثلاث تتيح للبروليتاريا الصناعية إمكانية أن تكون طليعة الصيرورة الثورية ومخزن برنامج الثورة الاشتراكية. وكما قال البيان الشيوعي:
“لا يمكن للبروليتاريين أن يصبحوا سادة القوى المنتجة في المجتمع، إلا بإلغاء طريقتها السابقة في التملك، وبالتالي أيضا كل أنماط التملك السابقة الأخرى. ليس لديهم شيء خاص بهم لتأمينه وتحصينه؛ وتتمثل مهمتهم في تدمير كافة الأوراق المالية والتأمينات السابقة للملكية الخاصة”.

 

(https://www.marxists.org/archive/marx/works/1848/communist-manifesto/ch01.htm#007)

 

لينين توصل إلى نفس الاستنتاج في كتابه “ما العمل؟”.
“من حقيقة أن المصالح الاقتصادية تلعب دورا حاسما بأي حال من الأحوال، فإن هذا لا يعني أن النضال الاقتصادي له أهمية أساسية، حيث لا يمكن عموما إشباع المصالح الأساسية و”الحاسمة” للطبقات إلا من خلال التحولات السياسية الجذرية. على وجه الخصوص، لا يمكن للمصلحة الاقتصادية الأساسية للبروليتاريا أن تتحقق إلا من خلال ثورة سياسية تستبدل ديكتاتورية البرجوازية بديكتاتورية البروليتاريا”.
البروليتاريا هي أكثر القطاعات تجانسا اجتماعيا بين العمال. إن البروليتاريا غير الصناعية، العمال بالأجر من الطبقة الوسطى الجديدة، منقسمة في الصيرورة الثورية. سيكون من الأسهل كسب غالبية القطاعات الأكثر فقرا من المعلمين للثورة، وسيكون من الأصعب كسب غالبية القطاعات ذات الأجور الأعلى.

26_ هذا هو الواقع، سواء خلال الصراع على السلطة أو بعد الاستيلاء عليها. مورينو، في البرنامج الانتقالي لليوم، يؤكد في أطروحته الثالثة عشر أن هذه القطاعات التي تتقاضى رواتبا من الشرائح الوسطى للبروليتاريا هي قواعد اجتماعية للبيروقراطيات:
“شيء مشابه يحدث مع التيارات البرجوازية الصغيرة كالكاستروية، التي جاءت لتقود حركة ثورية جماهيرية وحتى عملية تجريد البرجوازية الوطنية والإمبريالية من ملكيتها. إنها قطاع اجتماعي مختلف عن الطبقة العاملة فهي، كالبيروقراطية، جزء من الطبقة الوسطى الحديثة. لا شيء يظهر هذا أفضل من حقيقة أنه بمجرد توليها للسلطة فإنها تتحول إلى تكنوقراط أو بيروقراطية – حكومية أو سياسية – دون اضطرابات كبيرة. إذا كانت قبل الاستيلاء على السلطة تيارا من الطبقة الوسطى الحديثة يقود الحركة الجماهيرية، فإنها بعد الاستيلاء على السلطة تتحول تلقائيا، بسبب تمايزها المحدد عن الطبقة العاملة، إلى بيروقراطية”.
“التحريفية تدعي أن هذه التيارات البرجوازية الصغيرة، وبشكل أساسي التيار الكاستروي، يمكنها أن تتحول إلى عمال ثوريين نتيجة مصادرة أملاك البرجوازية الوطنية والإمبريالية. نعتقد العكس تماما. لأسباب اجتماعية لا يمكن أبدا أن تتحول إلى تيار ثوري يعكس مصالح قاعدة الطبقة العاملة، وقطاعاتها الأكثر فقرا وتعرضا للاستغلال. هذه الاستحالة تخضع لأبسط القوانين الماركسية. لا يقبل أي قطاع ذي امتيازات اجتماعية أن يفقد امتيازاته أو أن يحول نفسه ككل، كقطاع اجتماعي، إلى قطاع اجتماعي أدنى آخر. على العكس من ذلك، فإن كل قطاع اجتماعي يتمتع بامتيازات يميل إلى زيادتها. يمكن لكل قطاع يتمتع بامتيازات أن يتجاوز، مدفوعا بظروف موضوعية، ما يريده على الساحة السياسية للدفاع عن امتيازاته وزيادتها، عندما يكون مهددا بفقدانها”. لكنه لن يحارب على الإطلاق امتيازاته الخاصة عبر الانضمام إلى القطاعات الأكثر تعرضا للاستغلال والتي تتعارض معه. لم نشهد أبدا في الصيرورة التاريخية، التي يحركها تحديدا صراع المصالح هذا، قطاعا يتمتع بامتيازات قام بالتخلي عن امتيازاته الخاصة بإرادته الحرة، أي بالانتحار كقطاع طبقي. إذا كان هذا هو ما عليه الحال، فإن الإصلاحية ستكون محقة”.

27_ الأممية الثالثة كانت لديها البروليتاريا الصناعية كموضوع اجتماعي للثورة، أو “العامل المحدد للثورة العالمية”. في قراراتها، فإن “البروليتاريا” أو “الطبقة العاملة الصناعية” هي البروليتاريا الصناعية.
هذا هو مضمون تعريف المؤتمر الثاني للأممية الثالثة عندما تعالج “المهام الرئيسية للأممية الشيوعية” وتصف كيف يجب على الحزب الثوري أن يقود البروليتاريا إلى مجادلة الجماهير، وبعبارة أخرى، كل العمال والمستغَلين:

“4. الانتصار على الرأسمالية يتطلب علاقات مناسبة بين الحزب (الشيوعي) القيادي، والطبقة الثورية (البروليتاريا)، والجماهير، أي كامل جسم الكادحين والمستغلين. وحده الحزب الشيوعي، إذا كان حقا هو طليعة الطبقة الثورية، وإذا كان يضم بالفعل كافة أفضل ممثلي تلك الطبقة، وإذا كان يتألف من شيوعيين واعين ومخلصين تماما، تم تثقيفهم وتصليبهم من خلال تجربة النضال الثوري المثابر، وإذا كان قد نجح في ربط نفسه بشكل لا ينفصل مع الحياة الكاملة لطبقته، ومن خلال ذلك، مع كافة الجماهير المستغَلة، وفي الفوز بشكل كامل بثقة هذه الطبقة وتلك الجماهير فقط مثل هذا الحزب قادر على قيادة البروليتاريا في نضال نهائي وعنيف وحاسم ضد كل قوى الرأسمالية. من ناحية أخرى، فإنه فقط تحت قيادة مثل هذا الحزب، تكون البروليتاريا قادرة على إظهار القدرة الكاملة لهجمتها الثورية، والتغلب على اللامبالاة الحتمية والمقاومة العرضية لتلك الأقلية الصغيرة، الأرستقراطية العمالية، التي أفسدتها الرأسمالية والنقابات العمالية القديمة وقادة التعاونيات، وما إلى ذلك – عندها فقط ستكون البروليتاريا قادرة على إظهار قدرتها الكاملة، والتي باتت، بسبب البنية الاقتصادية للمجتمع الرأسمالي، أعظم بشكل لا محدود من نسبتها من السكان”.

(www.marxist.org)

في “أطروحة حول التكتيكات” التي أقرها المؤتمر الثالث للأممية الثالثة، هناك فصل بعنوان “موقفنا من الطبقات شبه البروليتارية” (“القطاعات الوسطى من البروليتاريا” أو “الشرائح العاملة الوسطى”). لقد طور سياسة البروليتاريا الصناعية كموضوع اجتماعي للثورة لتقسيم القطاعات الوسطى من البروليتاريا والفوز بها للثورة (أو شبه البروليتارية وفقا لـ “حول التكتيكات” www.marxist.org) قائلا إنه “من المهم أيضا كسب تعاطف الفنيين والعاملين ذوي الياقات البيضاء وموظفي الخدمة المدنية من الرتب المتوسطة والدنيا والمثقفين..”.

(www.marxist.org).

في القسم السابق من هذه الوثيقة، جادلنا نهويل مورينو حول تعريف البروليتاريا والبرجوازية الصغيرة. ومع ذلك، فإن هذا الجدل لا يمتد تلقائيا إلى تعريف ما هو الموضوع الاجتماعي للثورة. رغم عدم وجود تعريف دقيق، هناك إشارات عديدة في أعمال مورينو حيث يؤكد فيها بوضوح مركزية البروليتاريا الصناعية في الثورة. الاقتباس أدناه مهم:

“الدكتاتورية الثورية للبروليتاريا بقيادة لينين وتروتسكي، والتي تم تدشينها عبر ثورة أوكتوبر 1917، هي نقيض الدكتاتورية البروليتارية البيروقراطية، من جهة السلطة السياسية والطبقة الاجتماعية. قبل أي شيء، إنها تستند إلى الديمقراطية الثورية، وليس إلى البونوبارتية. مؤسساتها هي السوفييتات الديمقراطية الثورية.. إنها تعبير عن القواعد العمالية والشعبية في ظل هيمنة البروليتاريا الصناعية”. (البرنامج الانتقالي لليوم).

Enviado do Yahoo Mail no Android

 

—– Mensagem encaminhada —–

De: “Tamer Khorma” <t.khorma@gmail.com>

Para: “Fabio Bosco” <fabinhobosco@yahoo.com.br>

Cc:

Enviada: ter, 22 22e jun 22e 2021 às 20:27

Assunto: part 6

سادسا – الحاجة إلى كسب قطاعات اجتماعية أخرى للثورة

 

29- سيكون من الخطأ إلغاء مركزية البروليتاريا الصناعية كموضوع اجتماعي للثورة من بين كل العمال. الخطأ الموازي الآخر سيكون افتراض أن البروليتاريا الصناعية وحدها كافية للثورة.
بما أن البروليتاريا الصناعية هي أقلية بين مجموع السكان ككل، فإنه لا يمكنها أن تكون عمليا موضوع الثورة إلا إذا نجحت في جر غالبية الجماهير العظمى من العمال والفقراء وراءها. مثال على هذا كانت الثورة الروسية، التي قادت فيها البروليتاريا الصناعية جماهير الفلاحين الهائلة والراديكالية.
تطور الامبريالية، بعد قرن من الزمن، وسع موضوعيا القوى الثورية وكذلك الحلفاء المحتملين للبروليتاريا الصناعية، سواء في البروليتاريا غير الصناعية الهائلة، أو بين الجماهير الشعبية في المدن الكبرى، كما سنناقش لاحقا.

30_ تعريف البروليتاريا الصناعية كموضوع اجتماعي للثورة لا يقودنا، بالتالي، إلى التقليل من أهمية كسب الغالبية العظمى من العمال للتصور الثوري.
هذا سيكون خاطئا كالتفكير في الثورة الروسية فقط عبر البروليتاريا دون قاعدتها من الغالبية المتمثلة بالفلاحين.

31_ الحاجة إلى تعبئة وتنظيم القطاعات الأخرى من العمال غير الصناعيين، تتجسد في الحياة اليومية بالصراع الطبقي وفي عملية إعادة التنظيم.
إنها حقيقة أن المعلمين، وموظفي القطاع العام ككل، وموظفي البنوك، والشباب يلعبون دورا محوريا في التعبئة ضد الخطط النيوليبرالية في كافة أنحاء العالم.
وإنها حقيقة أن التعبئة الديمقراطية، سواء من قبل القوميات المضطهدة، أو ضد الاضطهاد الجنسي، والعنصري، والرهاب من المثليين والمثليات ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية، مسألة جوهرية.
إنها لحقيقة أن تعبئة الأحياء الشعبية في أطراف المدن الكبرى تلعب دورا محوريا في الصيرورات الثورية.
وبنفس الطريقة، فإن هذه القطاعات تلعب دورا قياديا في كافة عمليات إعادة التنظيم ضد القيادات الإصلاحية. ما عليك سوى أخذ الأمثلة الراهنة لاتحاد النقابات العمالية والشعبية (البرازيل)، وحركة لا للتقشف (الإيطالية)، وغيرهما من المنظمات.

32_ الاستنتاج نفسه يقودنا إلى التأكيد على الدور المتعلق بمراكمة الكوادر في هذه القطاعات من أجل بناء أحزاب ثورية.
لكن لا شيء من هذا ينبغي أن يغير من التعريف الاستراتيجي للبروليتاريا الصناعية باعتبارها الموضوع الاجتماعي للثورة، وبالتالي، محور تركيزنا الأساسي لتعبئة وتنظيم الحراكات، وكذلك لبناء الأحزاب الثورية.

سابعا – مسألة الاضطهاد في صفوف البروليتاريا

33_ البرجوازية تستخدم اضطهاد النساء والسود والمثليين والمهاجرين لتقسيم العمال، وبالتالي تقوم بتوسيع استغلال الطبقة العاملة ككل. كل العوامل التي تساعد على تقسيم نضال العمال تصب في مصلحة الحكم البرجوازي بشكل عام.
استغلال الاضطهاد يتيح إمكانية تخفيض أجور العاملين بتلك القطاعات، أو منحهم الوظائف الأكثر تدهورا والأكثر خطورة.
المضطهدون هم من القطاعات التي تأثرت بداية بالأزمات، والتي يتم فصلها بسهولة أكبر.

34_ وحدها الثورة الاشتراكية يمكنها إنهاء كافة أشكال الاستغلال وكذلك كافة أشكال الاضطهاد.
التيارات الإصلاحية تؤمن بالنضال ضد الاضطهاد بشكل منفصل عن النضال ضد الاستغلال الرأسمالي كما لو أنه من الممكن إنهاء الاضطهاد داخل الرأسمالية.
وحدة النساء البرجوازيات والبروليتاريات من أجل تحقيق تحرير المرأة محض وهم. الأمر ذاته ينطبق على مسألة توحيد العمال السود مع البرجوازية السوداء لإنهاء العنصرية.
من الممكن، بل ومن الضروري تحقيق وحدة عمل نهائية مع البرجوازية الصغيرة، بل وحتى مع القطاعات البرجوازية فيما يتعلق بالأهداف التكتيكية والديمقراطية، ولكن ليس أي نوع من الوحدة الإستراتيجية.
من الخطأ معارضة النضال الديمقراطي ضد اضطهاد النضال من أجل الاشتراكية.
فقط مع البروليتاريا في طليعة النضال ضد الاضطهاد سيكون من الممكن كسب هذه القطاعات للثورة. ولكن للتقدم في هذا الاتجاه، من الضروري خوض معركة داخل البروليتاريا ضد التمييز على أساس الجنس، والعنصرية، ورهاب المثليين، وكراهية الأجانب.
لهذا السبب لا يمكننا التخلي عن النضال ضد الاضطهاد داخل طبقتنا. ليس النضال ضد الاضطهاد بل الاضطهاد نفسه هو الذي يقسم الطبقة.

35_ هذا يقودنا إلى نتيجتين أساسيتين:
_ من الضرورة توحيد النضال ضد الاضطهاد والاستغلال.
_ النضال ضد الاضطهاد أساسي لتوحيد العمال ضد البرجوازية.
لا يمكن دمج النساء العاملات في النضالات إذا هيمن الرجال على النقابات.
لا يمكن استقطاب العمال السود إذا سادت العنصرية (العلنية أو الخفية) في قيادة منظمات الطبقة العاملة.
من المستحيل توحيد العمال المثليين جنسياً مع المغايرين جنسيا في حال هيمن رهاب المثلية على مؤسسات العمال.
لا توجد إمكانية لتوحيد العمال من أصول مختلفة إذا سادت كراهية الأجانب ضد المهاجرين.

ثامنا_ حتى تكون الطبقة العاملة هي الموضوع الاجتماعي في الصيرورات الثورية، لا بد أن يكون هناك موضوع سياسي ثوري

 

 

36_ مشاركة البروليتاريا الصناعية كانت مهمة في الصيرورات الثورية في جزء كبير من القرن العشرين.
كانت هذه هي الحالة في مرحلة ما بعد الثورة الروسية، وفي الثورات بألمانيا عام 1919 و1923، وفي الانتفاضة الكانتونية بالصين عام 1924. في الثلاثينيات كانت لدينا الصيرورات الثورية في فرنسا (1935- 1936، والتي بدأت بموجة من احتلال المصانع)، وفي اسبانيا (مع تسليط الضوء على التمرد في كاتالونيا عام 1934). بعد الحرب العالمية الثانية، شهدنا الثورة البوليفية ما بين 1951- 1952، وكذلك الصيرورات الثورية لشهر أيار عام 1968 في فرنسا (بإضراب عام)، والكوردوبازو في الأرجنتين، والثورة الإيرانية عام 1979، وانتفاضة العام 1980 في بولندا، والعديد غيرها.
ومع ذلك، لم تشهد أي منها انتصارا للبروليتاريا كما في الثورة الروسية، بسبب غياب الموضوع السياسي: الحزب الثوري.

37_ لا توجد آلية تلقائية تضمن للبروليتاريا اعتبارها موضوعا اجتماعيا للثورة. هناك قتال ضار بين القطاعات الاجتماعية وممثليها السياسيين. الأمر معقد، مع تقلبات ومنعطفات، وانتصارات وهزائم، تقود إلى نتيجة أو أخرى في المواقف والأزمات الثورية المضطربة.
خلال الصيرورات الثورية الأخيرة، لم تقم الطبقة العاملة بقيادة الجماهير المفقرة. في معظم الأحيان تشربت الضغط السياسي والأيديولوجيات المتغلغلة في هذه القطاعات الطبقية الأخرى.
بشكل عام، هذه القطاعات الوسطية (الفلاحون، ملاك الأراضي الحضريون الصغار، العاملون بأجر غير الصناعيين، الأرستقراطية العمالية) أقرب إلى تقبل الأيديولوجيات الإصلاحية للتعاون الطبقي الذي تقوم عليه حكومات الجبهات الشعبية (حكومة وحدة بين المنظمات البرجوازية والعمالية). وهي أيضا تنجذب بسهولة أكثر إلى الديمقراطية البرجوازية بوهم “غالبية السكان”، ما يحرف مسار الصيرورات الثورية.
ليس صدفة أن أحزاب اليوم الإصلاحية الجديدة (كحزب “في وسعنا= بوديموس” في أسبانيا، وحزب الاشتراكية والحرية في البرازيل، وسيريزا في اليونان) لديها قواعد اجتماعية في الشرائح الأكثر تمتعا بالامتيازات بهذه القطاعات المتوسطة، كأساتذة الجامعات، والأطباء، والمحامين.. الخ.
من الأسهل على القطاعات الأكثر تعرضا للاستغلال أن تتجاوب مع سياسة ثورية كنتيجة طبيعية لذلك الواقع لأنه “ليس لديها ما تخسره”. تحقيق ذلك يعتمد على وجود قيادة ثورية بتأثير جماهيري، والتي لم تكن متواجدة.

تاسعا_ مثال الثورة الروسية

38_ لفهم هذا الأمر على نحو أفضل، من الضرورة دراسة مثال الثورة العمالية الاشتراكية الوحيدة المنتصرة، بقيادة حزب عمالي ثوري وأممي: الثورة الروسية.
كان لدى روسيا بروليتاريا كثيفة، نتيجة تنمية مشتركة وغير متكافئة، تعمد إلى تعويض التخلف في التصنيع ببناء مصانع كبيرة وحديثة. كان مصنع بوتيلوف، بـ 30000 عاملا، والذي يشكل قاعدة مهمة للبلاشفة، رمزا لتلك البروليتاريا. بحسب كيفين مورفي:
“كان في بتروغراد (وضواحيها) 400 ألف عامل عام 1917، من بينهم 240 ألف من عمال الحديد والصلب. أي 60% من القوى العاملة. التطور الصناعي المتخلف لروسيا كان يعني أن مصانع حديثة وضخمة للغاية قد تم بناؤها خلال فترة قصيرة جدا. 70% من عمال بتروغراد كانوا يعملون في مصانع بأكثر من ألف عامل، أي أكثر من ضعف ما هو عليه الحال بالولايات المتحدة. كانت بعض شركات المعادن ضخمة للغاية: مصنع الأنابيب كان يشغل 19 ألف عامل، ومصنع أبوخوف لتصنيع الآليات 13000، والبلطيق لأحواض بناء السفن 8000. بتروغراد كانت أهم مركز صناعي نضالي خلال ثورة العام 1905، وخلال موجات الإضرابات ما بين 1912- 1916، وخلال عام الثورة. ليس من المبالغة القول إن عمال الحديد والصلب كانوا في قلب هذه الحركة”. (حديث عن دور عمال الحديد والصلب في الثورة الروسية_ مؤتمر اتحاد النقابات العمالية والشعبية، 2017).
لكن هذه البروليتاريا لم تتمكن من أن تكون الموضوع الاجتماعي للثورة إلا بوضع نفسها في مقدمة مجموعة من القوى الاجتماعية بفعلها الثوري المباشر، في حالة أزمة وحشية في البلاد نتيجة آثار الحرب. وقد تمكنت من فعل هذا لأنه كان لديها الحزب البلشفي لقيادتها.
الفلاحون الروس، وهم الأغلبية المطلقة من السكان في ذلك الوقت، الذين كانوا منقسمين –ومعظمهم تم إفقارهم عبر الاستغلال ودفعهم للتطرف بسبب الحرب- التزموا بالمشروع البلشفي.
البلاشفة قاموا بدمج برنامج الفلاحين –الإصلاح الزراعي- لكسب الغالبية من قواعد الفلاحين، وبالتالي تشكيل الكتلة التي دعمت التمرد.
39_ ضغط القطاعات المتوسطة في البداية ترك البلاشفة أقلية مطلقة في السوفييتات، حيث كان الإصلاحيون يعبرون عن هذه الأغلبية من البرجوازية الصغيرة.
وكلما كان البلاشفة يقتربون من تشكيل الأغلبية في السوفييتات، في سياق عملية إضفاء الراديكالية على الصيرورة الثورية، كلما كان ضغط هذه القطاعات البرجوازية الصغيرة يتجلى أكثر داخل الحزب البلشفي، بقطاع من قيادته يدافع عن مسار نحو الديمقراطية البرجوازية وليس باتجاه الثورة.
في أيلول، قبل أقل من شهر على ثورة أكتوبر، كانت اللجنة المركزية البلشفية تتجه في اتجاه البرلمان التمهيدي، ما كان من شأنه أن يقود العملية الثورية باتجاه الديمقراطية البرجوازية.
فقط عبر المعركة العنيفة التي قادها لينين تم التمكن من عكس مسار هذا الضغط على القيادة البلشفية وإجبار البلاشفة على مغادرة البرلمان التمهيدي. وبعد شهر استولوا على السلطة.

40_ بعد انتصار الثورة، كان هناك اختبار جديد: دعا البلاشفة إلى انتخابات الجمعية التأسيسية فور توليهم السلطة.
حتى دون تأكيد نتائج سلطة السوفييت عمليا، ساد الجمود، حيث حصل البلاشفة –الذين كانوا بالفعل أغلبية في السوفييتات- على 25% من الأصوات. الأحزاب البرجوازية حصلت على 13%، والإصلاحيون (الاشتراكيون الثوريون والمناشفة) على 62%.
بعد ذلك قام البلاشفة بتقديم “إعلان حقوق العمال والمستغلين” في الجلسة الافتتاحية للجمعية التأسيسية، وطالبوا بالتصويت والمصادقة عليه، حيث كانت قد صوتت عليه السوفييتات. في هذا الإعلان ورد أن الجمعية التأسيسية ستلتزم دون تحفظ بالثورة الاشتراكية، وتوافق على تأميم الأرض، والسيطرة العمالية على الإنتاج، وتأميم البنوك، وتشكيل الجيش الأحمر، وإصدار مرسوم السلام الديمقراطي دون ملاحق، وأن المستغِلين لا يمكن أن يمتلكون أية سلطة.
ونظرا لرفض الجمعية التأسيسية التصويت على هذا القرار، فقد تم حلها من قبل السوفييتات.
لينين تناول لاحقا هذه المسألة:
“قوى البروليتاريا في كافة البلدان الرأسمالية متفوقة بشكل لا محدود على قوتها العددية بالنسبة لعدد السكان ككل. البروليتاريا تمارس هيمنتها الاقتصادية على مراكز وأعصاب النظام الرأسمالي برمته.. السلطة السياسية يمكن ويجب أن تكون في أيدي البروليتاريا، كوسيلة للسيطرة على الجماهير العاملة غير البروليتارية، وكوسيلة لقهر تلك الكتل المصطفة اليوم مع البرجوازية وأحزاب البرجوازية الصغيرة”.
حل الجمعية التأسيسية أثار جدلا هائلا في صفوف اليسار في كافة أنحاء العالم. من الواضح أن الإصلاحيين أطلقوا جوقة عالمية ضد البلاشفة. حتى ثورية مثل روزا لوكسمبورغ كانت ضد هذا. ومع ذلك، أثبتت الثورة الاشتراكية مرة أخرى أنه لا يمكنها أن تنجح إلا من خلال الجمع بين البروليتاريا كموضوع اجتماعي والحزب الثوري كموضوع سياسي، وتحدي الديمقراطية البرجوازية، والإصلاحيين، وحتى التذبذبات الحتمية للثوريين.

عاشرا_ لا البروليتاريا ولا الحزب الثوري كانا في مقدمة الثورات الأخيرة_ لكن هذا لا يغير من استراتيجيتنا

42_ حتى الآن، في القرن الحادي والعشرين، لم يكن لدى الثورات بروليتاريا صناعية كطبقة منظمة ولا أحزاب ثورية في قيادتها. بعض هذه الصيرورات الثورية حققت انتصارات هامة، كإسقاط الحكومات، وإلغاء الخطط والمشاريع الامبريالية، وحتى الإطاحة بأنظمة دكتاتورية. ولكن، على عكس ما حدث في جزء من القرن الماضي (منذ فترة ما بعد الحرب وحتى النصر في فيتنام عام 1975)، لم تصل أي من هذه الثورات إلى مصادرة أملاك البرجوازية.
هل يمكن أن توجد ثورات اشتراكية منتصرة مرة أخرى دون بروليتاريا صناعية وحزب ثوري في طليعتها كما حدث في العهد الثالث (1943- 1989)؟ قد يحدث ذلك، ولكن الأمر الآن أصبح “مستبعدا للغاية” كما تنبأ تروتسكي.
في الواقع، من الناحية التاريخية، لم يكن هناك سوى فترة قصيرة (من فترة ما بعد الحرب حتى عام 1975) عندما لم تتبع الأمور هذا القانون العام للثورات. الآن عدنا إلى الوضع الطبيعي.
هذه العلاقة بين البروليتاريا كموضوع اجتماعي للثورة ووجود حزب ثوري له تأثير جماهيري ليست عشوائية. البرنامج الاشتراكي الثوري مناسب للبروليتاريا وليس لطبقة أخرى.

43_ في القرن الحادي والعشرين، حتى الآن، لم تكن البروليتاريا الصناعية هي الموضوع الاجتماعي للصيرورات الثورية اللامحدودة التي حدثت. في ثورات شمال افريقيا والشرق الأوسط كانت الجماهير الشعببية هي الموضوع الاجتماعي. وفي الاكوادور كان الموضوع الاجتماعي هو السكان الأصليين، وهم جزء من الفلاحين. وفي بوليفيا كان مزارعو الكوكا، هم أيضا جزء من الفلاحين. وفي الأرجنتين كان الموضوع الاجتماعي هو الجماهير الشعبية في المناطق الحضرية. في بداية وضع ما قبل الثورة في البرازيل، عام 2013، كان الموضوع الاجتماعي هو تعبئة الجماهير الشعبية الحضرية.

44_ القضية الرئيسية هي معالجة أسباب حدوث هذا الأمر حتى الآن. التفسير الأكثر انتشارا، كما رأينا بالفعل، هو الإنكار البسيط لدور البروليتاريا كموضوع اجتماعي لأية ثورة.
إننا ندافع عن أطروحة معاكسة. كما أوضحنا من قبل ، هناك تعزيز موضوعي للقدرة الثورية للبروليتاريا.
التفسير الأكثر أهمية للعقبة التي تعترض البروليتاريا هو أزمة القيادة الثورية.

45_ هذه الحقيقة لا تقودنا إلى التخلي عن البروليتاريا باعتبارها الموضوع الاجتماعي ولا عن الحزب الثوري باعتباره الموضوع السياسي. سنستمر في العمل من أجل استراتيجية الثورة الاشتراكية بحيث تكون البروليتاريا هي الموضوع الاجتماعي والحزب الثوري كموضوع سياسي لها.
في ما يعتبر كتابه الأخير (محادثات مع نهويل مورينو)، يقول مورينو:
“نسعى إلى قيادة البروليتاريا، إننا لا ننأى بأنفسنا عنها أبدا. هذا ليس مجرد تصريح، إنها سياسة أممية للطبقة العاملة تنبثق عن تحليل نظري عميق.. إذا لم تتبعنا الطبقة العاملة فإننا لن نصل إلى أي مكان. لا يمكن تصور القيام بالثورة البروليتارية بدون البروليتاريا. توصلت إلى استنتاج مفاده أنه من الضروري الاستمرار في سياسة الطبقة العاملة الثورية، حتى لو تم تأجيل الوصول إلى السلطة لمدة عشرين أو ثلاثين عاما أو أيا كان. نريد أن تصل الطبقة العاملة إلى السلطة حقا ، لذلك نريد أن نقودها”.

46_ هل من الممكن أن تكون البروليتاريا هي الموضوع الاجتماعي للثورات مجددا؟ المستقبل لم يتم تقريره. كنا نتناول دروس الماضي، ولم نكن نتنبأ بالمستقبل.
حراكات هامة بدأت بالظهور بين البروليتاريا الصينية. تماما كما هو الحال في أوروبا (إضرابات عامة في بلدان متعددة عام 2014، والتعبئة الحالية في فرنسا)، وفي أمريكا اللاتينية (إضرابان عامان في الأرجنتين، واثنان في الباراغواي، وإضراب في البيرو، وإضراب عمالي في البرازيل وفي أجزاء أخرى من القارة)، وإضراب عام في الهند، وفي أجزاء أخرى من العالم.
إمكانية انتصار الثورة الاشتراكية أو عدم انتصارها تحددها سيطرة البروليتاريا على المسرح وقيادة الصيرورة الثورية.
يضاف إلى هذا شرط آخر، وهو بناء قيادة ثورية ذات تأثير جماهيري في البروليتاريا. يرتبط هذا الاحتمال بشكل وثيق بعملية إعادة التنظيم التي، كما سنرى، تعاني من تعديلات عميقة.

11- التداعيات السياسية لهذا التعريف النظري

 

47_ هذا التعريف للبروليتاريا الصناعية باعتبارها الموضوع الاجتماعي للثورة ليس فقط محتوى نظري له أهمية كبرى، بل له أيضا تداعيات سياسية هائلة، من خلال توجيه استراتيجيتنا إلى العمل على “المحرك”، الموضوع الاجتماعي للصيرورات الثورية. وكذلك له تداعيات هائلة على بناء أحزابنا.
هنا أيضا الفكرة اللينينية حول الأخطاء الملليمترية في النظرية لا بد وأن يتم التعبير عنها بأخطاء أكبر بكثير في السياسة اليومية.

48_ لدينا سياسة لتعبئة الحركة الجماهيرية بأكملها، ولا سيما البروليتاريا الصناعية بسبب وزنها في المجتمع ككل وبسبب تلك الاستراتيجية الواعية بأنها الموضوع الاجتماعي للثورة.
بهذا الاعتبار، واجه لينين مهمة البروليتاريا الروسية، بقيادة الاشتراكية الديموقراطية، لأخذ زمام المبادرة في النضال الديمقراطي ضد القيصرية، وجذب كافة القطاعات الأخرى. كان هذا الدور الذي تم الاضطلاع به خلال الصيرورة الثورية هو الذي جعل الثورة الروسية ممكنة كما رأينا.
يمكننا أن نرى مثالا على هذا في سياسة حزب العمال الاشتراكي الموحد في البرازيل خلال تظاهرات حزيران 2013، عندما سعينا على الفور إلى تنظيم البروليتاريا الصناعية في التحركات الشعبية التي كانت تجري. رغم بعض النجاحات الجزئية، إلا أن ذلك لم يكن ممكنا بسبب دور القادة الإصلاحيين لحزب قوى العمل، وحزب العمال، وحزب الاشتراكية والحرية، أي الإصلاحية برمتها التي كانت لديها –بوعي- سياسة لمنع حدوث ذلك.

49_ هذا الفهم ذاته يجب أن يوجه سياساتنا لتنظيم الحركة الاشتراكية.
ليس صدفة أن البلاشفة قادوا المنظمة السوفيتية بثقل أكبر من سوفييتات العمال الصناعيين. كانت البروليتاريا الصناعية أقلية في السكان ككل، لكن الوزن النسبي للسوفييتات العمالية كان أكبر من وزنها بين السكان.
ثورة العام 1952 البوليفية كانت من أقرب الثورات إلى الثورة الروسية من حيث ثقل البروليتاريا الصناعية. اتحاد العمال البوليفيين يشمل الحركة الجماهيرية بأكملها. ليس صدفة أنه يضمن، في قوانينه، أين يكون الموقع الأكثر أهمية –الأمانة العامة- لعمال الحديد والصلب، وهو القطاع الأبرز في البروليتاريا الصناعية البوليفية.
مثال أحدث تمكن رؤيته في تجربة اتحاد النقابات العمالية والشعبية البرازيلي. هذه المنظمة ولدت استنادا إلى الحركة الجماهيرية ككل، مع وزن خاص بين المعلمين والموظفين العموميين، وهو ما كان صحيحا تماما، لأنه جاء استجابة لمستوى التعبئة والتجربة ضد حكومات حزب العمال.
ومع ذلك، كانت هناك سياسة واعية لحزب العمال الاشتراكي الموحد في البرازيل لتجذير اتحاد النقابات العمالية والشعبية في البروليتاريا الصناعية. إنه فخر لـ “الرابطة الأممية للعمال_ الأممية الرابعة” أن المؤتمرات الأخيرة لاتحاد النقابات العمالية والشعبية كانت أكثر بروليتارية وكان أكثر حضورها من ذوي البشرة الداكنة (البروليتاريا البرازيلية معظمها من السود).
مرة أخرى، من المهم تعبئة وتنظيم الحركة الجماهيرية بأكملها. موظفو القطاع العام (خاصة المدرسون) وموظفو البنوك والقطاعات الأخرى يلعبون دورا كبيرا في عملية إعادة تنظيم الحركة الجماهيرية بأكملها.
لكن من الضروري السعي إلى أن تكون البروليتاريا الصناعية هي الموضوع الاجتماعي للصيرورة الثورية. إذا كان الموضوع الاجتماعي هو البروليتاريا ككل، فإن هذا لن يكون منطقيا.

50_ بناء الأحزاب الثورية يجب أن تكون له استراتيجية لتحقيق أغلبية بروليتارية بين القيادات والمراتب. هذه الإستراتيجية تعمد إلى تلبية برنامج العمال بتكوين اجتماعي من الطبقة العاملة.
على طريق بناء الحزب الثوري يمكننا ويجب علينا مراكمة الكوادر من قطاعات أخرى من الحركة الجماهيرية (المعلمون والطلبة على سبيل المثال) التي لديها مستويات أعلى من التعبئة أو الديمقراطية العمالية لمحاربة الإصلاحيين والبيروقراطية.
ومع ذلك، علينا أن نسعى بوعي إلى بناء حزب ثوري بين صفوف البروليتاريا الصناعية، للدفع بمشروعنا الاستراتيجي قدما.
هذا هو مضمون الدور البروليتاري لأحزابنا. إنه يتناول أولوية بناء أحزابنا بين صفوف البروليتاريا الصناعية، وليس بين العاملين بالأجر بشكل عام.
نهويل مورينو، الذي نختلف معه حول تعريف البروليتاريا، لم يكن لديه أي تصور آخر. مورينو بدأ بالتنظيم بين عمال تعبئة اللحوم في فيلا بوبلادورا، حتى نهاية حياته، كانت تلك هي سياسته الإستراتيجية البروليتارية لبناء أحزاب ثورية.

51_ عندما ذكرنا أن الأخطاء النظرية قد تؤدي إلى أخطاء سياسية كبيرة فيما يتعلق بهذه القضية، كان لدينا العديد من الأمثلة على طول تاريخنا. بينما كان نهويل مورينو على قيد الحياة، لم يكن هذا الخطأ النظري في تعريف البروليتاريا يعني وجود أخطاء، لأن مورينو نفسه لم يطبقه. بعد وفاة مورينو، ارتكبنا أخطاء سياسية مهمة.
على سبيل المثال، إنها حقيقة أن التحول البروليتاري قد تم تجميده في البرازيل وبلدان أخرى. في الأرجنتين، القيادة الجديدة وجهت الحزب نحو “القطاعات الأكثر ديناميكية في الحراك”.
في المؤتمر الثاني عشر لـ “الرابطة الأممية للعمال_ الأممية الرابعة”، عارض فصيل انتهازي هذا التعريف النظري للموقف البروليتاري من أجل بناء أحزابنا بين العاملين بالأجر، قبل أن ينفصل. هذا هو سيد الأخطاء السياسية التي تريد الحيلولة دونها.

12_ فرضية حول تنظيم الطبقات الاجتماعية

52_ وهكذا، ننطلق من تعريفات ماركس ولينين وتروتسكي والأممية الثالثة. عندما نتحدث عن الموضوع الاجتماعي للثورة، فإننا نعني البروليتاريا الصناعية.
نود كذلك أن نقترح تنظيما (نسقا) لتحديد ما نعنيه.

53_ بداية، نقترح تعريف “الطبقة العاملة الصناعية” بوضوح على أنها البروليتاريا الصناعية. بين البروليتاريا الصناعية، نضم العاملون بالأجر.

_ من القسم الأول من الاقتصاد الماركسي (إنتاج سلع الإنتاج) الذي يشمل المصانع (التي تنتج الآلات على سبيل المثال)، والمناجم، والمصافي، والطاقة الكهرومائية، وأعمال البناء الثقيلة (السدود، والطرق السريعة، والجسور، وما إلى ذلك)، وإنتاج السلع في الأعمال التجارية الزراعية.

_ من القسم الثاني الذي يتضمن إنتاج السلع الاستهلاكية (مثل السيارات، والأجهزة، والأغذية، وألعاب الأطفال، وما إلى ذلك من مصانع) وبناء الشقق والمنازل.
بعبارة أخرى، نطلق على الطبقة العاملة الصناعية أو البروليتاريا الصناعية، العمال بالأجر في المصانع، والمناجم، والنفط، وصناعة البناء، والعمال الريفيين في الأعمال التجارية الزراعية.

54_ نقترح تسمية “القطاعات الوسطى من البروليتاريا” بالعاملين بالأجر غير الصناعيين. نعتمد المصطلح المستخدم من قبل الأممية الثالثة. هذا التعريف يشمل المعلمين، وموظفي البنوك، وعمال التجارة، والموظفين العموميين.. الخ.
وبينهم نضم البيروقراطية العمالية، بصرف النظر عن أصولها، التي يتمثل عملها المأجور في قيادة النقابات العمالية.

55_ عندما نتحدث عن “البروليتاريا” فإننا نعني البروليتاريا ككل، العاملون بالأجر الصناعيون وغير الصناعيون.

56_ نقترح إطلاق تسمية “البرجوازية الصغيرة” على صغار الملاكين الحضريين والريفيين.

57_ هناك تعريفات لاتزال مفتوحة بالنسبة لنا. اثنان على وجه التحديد: عمال النقل، والمدراء.
حول عمال النقل، يمتد الجدل إلى زمن ماركس. ماركس عرّف النقل على أنه عمل إنتاجي فقط عندما يكون مرتبطا بشكل مباشر بإنتاج المواد الخام والسلع النهائية. النقل بشكل عام لم يحدده ماركس على أنه عمل إنتاجي. اليوم نسأل أنفسنا: ألا يوجد تغيير بسبب التحضر واستخدام المواصلات العامة لجلب العمال الصناعيين إلى أماكن عملهم؟
فيما يتعلق بالمدراء وأعضاء مجالس الإدارات، فلا شك أن بعض هؤلاء العاملون بالأجر هم جزء من البرجوازية. هل يجب أن نحدد كافة المدراء كجزء من البرجوازية أم فقط المدراء الذين هم مساهمون؟

القسم الثاني

13_ تطور البروليتاريا الصناعية في الدول الإمبريالية

58_ “عولمة” الاقتصاد في الثلاثين سنة الأخيرة جلبت تحولات عميقة. على عكس الدعاية الإصلاحية، فإن هذه التغيرات لا تشكك في دور البروليتاريا كموضوع اجتماعي للثورة. على العكس، القوة الثورية للبروليتاريا قد تتزايد موضوعيا إلى مستوى لم يسبق له مثيل.

59_ صحيح أنه مع “العولمة”، شهدت البروليتاريا الصناعية في الدول الإمبريالية انخفاضا عدديا كبيرا مع إزاحة الإنتاج الصناعي للبلدان شبه المستعمرة والبلدان التابعة.
الأرقام في الجدول أدناه تبين ذلك. في أمريكا، انخفض العدد من 18.2 مليون عامل صناعي عام 1970 إلى 12.7 مليون عام 2010؛ في ألمانيا من 8.2 إلى 6.2 مليون؛ في فرنسا من 5.2 إلى 2.9 مليون؛ في اليابان من 10.9 إلى 7.3 مليون.

 

2010 1990 1970
12.7 17.5 18.2 الولايات المتحدة
6.2 7.1 8.2 ألمانيا
2.9 3.2 5.2 فرنسا
7.3 11.2 10.9 اليابان

 

المصدر: منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، تقرير التنمية الصناعية 2013، استدامة نمو العمالة: دور التصنيع والتغيير الهيكلي.
بعض الدول الإمبريالية شهدت تراجعا أكبر في التصنيع، كما هو الحال في الدولة الإسبانية والبرتغال. في حالات أخرى، كان الأمر أقل حدة مثل ألمانيا. ومع ذلك، فقد حدث التراجع في كل تلك الدول.

60_ رغم هذا الانخفاض، لاتزال البروليتاريا الصناعية في تلك الدول الإمبريالية بنفوذ اجتماعي أعلى من تأثير البروليتاريا الروسية عام 1917. في ذلك الوقت كان عدد العمال الصناعيين الروس ثلاثة ملايين مقابل 150 مليون نسمة (2٪). نفس الحسبة بالنسبة للبلدان الإمبريالية في عام 2010 تعطينا 4٪ لأمريكا و 7٪ لألمانيا و 4.4٪ لفرنسا و 5.7٪ لليابان.

61_ من ناحية أخرى، الهجمة الوحشية على الظروف المعيشية لبروليتاريا البلدان الإمبريالية في سنوات “العولمة” تلك أدت إلى فقدان الإنجازات الاجتماعية لفترة ما بعد الحرب. هناك انتكاسة في الإنجازات حتى القرن التاسع عشر، وتخفيض للأجور وإضفاء الطابع العرضي على ظروف العمل (بما في ذلك العمل غير الرسمي، والاستعانة بمصادر خارجية، وما إلى ذلك).
الواقع الراهن هو أن رأس المال الضخم يطور حربا اجتماعية لجعل بروليتاريا الدول الإمبريالية تتحمل عبء الركود الاقتصادي لعام 2008. دعونا نقولها بوضوح، إنهم يتدبرون فرض انتكاسات كبرى.

من الواضح أن التحسينات الاجتماعية أصبحت موضع تساؤل بالنسبة لبروليتاريا البلدان الإمبريالية برمتها. هذه إحدى نتائج الطابع الإمبريالي لهذه البلدان على قطاعات البروليتاريا العليا التي كانت لها أهمية كبرى في ضمان استقرار الديمقراطية البرجوازية. أبناء العمال الصناعيين لا يستطيعون اليوم تأمين وظيفة تسمح لهم بالأمل بمستوى معيشة آبائهم.
يواجه الشباب بطالة هائلة، وعندما يجدون وظيفة تكون في الغالب عرضية وبأجر منخفض. انعدام الأمان فيما يتعلق بالحاضر والمستقبل هو سمة موجودة اليوم بالنسبة لبروليتاريا البلدان الإمبريالية.

62_ الأرستقراطية العمالية الصناعية شريحة محظية بامتيازات لها دور هام للغاية كقاعدة اجتماعية للبيروقراطيات النقابية والإصلاحية. لقد تم تعريفها من قبل لينين على أنها عنصر من عناصر الاستقرار الاجتماعي والسياسي للرأسمالية. هذه السلسلة من الهجمات على حقوق البروليتاريا تضعف الارستقراطية العمالية. هذه العملية متفاوتة من بلد إلى آخر، كما هو الحال دائما.

63_ المهاجرون بشكل عام يشغلون الوظائف الأكثر خطورة وذات الأجور المنخفضة في البلدان الإمبريالية. الهجرة تطورت بشدة خلال العولمة، حيث انتقلت أعداد ضخمة من العمال.
وفقا لبيانات المنظمة الدولية للهجرة، كان هناك 214 مليون مهاجر في كافة أنحاء العالم عام 2010، أي ثلاثة في المائة من سكان العالم.
تأثير المهاجرين الأتراك في ألمانيا، والأفارقة والعرب في بقية أوروبا. واللاتينيون في أمريكا، بدأ بالفعل في تغيير واقع البروليتاريا في هذه البلدان. حتى أنهم أصبحوا في بعض القطاعات يشكلون الأغلبية.

64_ هذا التطور الموضوعي يكمله التحول المحافظ للقيادات العمالية واليسارية التي تتجنّب تحدي أساسيات التنظيم البروليتاري لعشرات السنين.
البروليتاريا – مع قطاع هام من الأرستقراطية العمالية – المنظمة في نقابات قوية بقيادة الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية والستالينية تتغير بسرعة كبيرة. في عديد من البلدان قد يكون هذا جزء من الماضي.
العمال الجدد، والشباب، والعاملون في المجالات المحفوفة بالمخاطر تتزايد أعدادهم، وغالبا ما يكونون خارج هذا النمط، مواجهين كافة المؤسسات.

65_ بعض المثقفين يسمون هذا القطاع بأنه شيء مختلف عن البروليتاريا. جاي ساتندنغ، على سبيل المثال، يدعوهم بالـ “بريكاريا، الطبقة الخطرة الجديدة”.
“البريكاريا ليست جزء من الطبقة “العاملة” أو” البروليتاريا”.. النتيجة كانت خلق “بريكاريا عالمية” تتألف من عدة ملايين حول العالم دون مرساة استقرار. إنها تصبح طبقة خطرة جديدة. من المحتمل أن يستمعوا إلى الأصوات السيئة ويستخدمون أصواتهم وأموالهم لتزويد هذه الأصوات بمنصة سياسية وزيادة تأثيرهم. إن النجاح ذاته الذي حققته الأجندة “النيوليبرالية”، بدرجة أكبر أو أقل من قبل جميع أنواع الحكومات، هو الذي خلق هذا الوحش السياسي الأولي. من الضروري اتخاذ إجراء قبل أن يأتي هذا الوحش إلى الحياة”. (ستاندنغ جاي، البريكاريا_ الطبقة الجديدة الخطرة، 2011).
اسم “بريكاريا” – في حد ذاته خطأ، لاعتبارها طبقة اجتماعية مختلفة. “البريكاريا” ليست طبقة جديدة، لكنها قطاع مهم ومتزايد من البروليتاريا الصناعية. في الواقع، إنها نتيجة مزيج متفجر من اللا استقرار العنيف وعدم تنظيم البروليتاريا.

66_ أزمة الاشتراكية الديموقراطية والأحزاب البرجوازية التقليدية – التي تخيف جزء كبيرا من المفكرين – هي جزء من أزمة الديمقراطية البرجوازية والإصلاحية. لقد ولت أوقات “دولة الرفاه الاجتماعي”. الهجمات الوحشية على الأجور وفرض عدم الاستقرار على علاقات العمل أدت إلى استقطاب وتطرف البروليتاريا الأوروبية.
إلى جانب الأزمة العميقة للقيادة الثورية، فإن هذا يفتح المجال لصعود اليمين المتطرف وحتى المنظمات الفاشية المستندة إلى الطبقة العاملة.
ومع ذلك، هذه الأزمة تفتح المجال أيضا لاحتمال مختلف. في حال تغذيتها بالنهوض المركزي للطبقة العاملة الصناعية – وهو ما لم يحدث على نطاق واسع حتى الآن – ما قد يفتح المجال لتعزيز التيارات الثورية.

14_ تطور البروليتاريا الصناعية في البلدان التابعة وشبه المستعمرة

67_ التقسيم العالمي للعمل الذي حددته الإمبريالية بـ “عولمة” الاقتصاد، حدد فرقا هاما بين البلدان شبه المستعمرة وتلك التابعة.
إعادة تنظيم الاقتصاد تم فرضها على بعض البلدان مع التركيز على إنتاج وتصدير السلع الزراعية وغير الزراعية (التعدين).
من ناحية أخرى، كان هناك إزاحة للصناعات من البلدان الإمبريالية إلى البلدان شبه المستعمرة. ويتضمن هذا سلسلة الإنتاج العالمي للشركات متعددة الجنسية مع مصانع إنتاج في عدة بلدان، لتكوين أجزاء من المنتجات للسوق العالمي.

68_ نتيجة لهذا التقسيم العالمي الجديد للعمل، حدث في جزء من هذه البلدان أيضا انخفاض في البروليتاريا الصناعية، كما هو الحال في بوليفيا، حيث تم فصل 84 ٪ من عمال المناجم، وتم إضعاف البروليتاريا كموضوع اجتماعي للثورة.
ومع ذلك، في جزء مهم من البلدان شبه المستعمرة والبلدان التابعة، كان هناك تعزيز عددي واقتصادي واجتماعي للبروليتاريا الصناعية بسبب إزاحة الصناعات لهذه البلدان. حدث هذا في الصين وإندونيسيا وماليزيا وتايلاند (ما يسمى بالبلدان الصناعية الحديثة في جنوب شرق آسيا)، وفي الهند وفيتنام وبنغلاديش والبرازيل والعديد من دول أمريكا الجنوبية.
هذه حقيقة هامة للغاية لم يتم تحليلها حتى الآن. في الجدول أدناه، يمكننا أن نرى توليفة للتطور العددي للبروليتاريا الصناعية في البلدان الرئيسية.

2010 1990 1970
68.8 42.4 14.2 الصين
11.8 7.2 4.7 الهند
5.1 1.0 0.2 بنغلادش
4.2 2.6 0.5 اندونيسيا
4.4 0.2 0.04 فيتنام

 

المصدر: منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، تقرير التنمية الصناعية 2013، استدامة نمو العمالة: دور التصنيع والتغيير الهيكلي.

69_ المثال الأكثر إثارة للاهتمام هو الصين التي لديها اليوم أكبر بروليتاريا في العالم بأسره (68.8 مليون)، أكبر بمرتين ونصف من البروليتاريا الصناعية في الاتحاد السوفياتي السابق عام 1970. (27.1 مليون).
والآن، هذه البروليتاريا التي تزايدت نحو خمس مرات منذ 1970، بدأت بالتحرك ضد هجمة الرأسمالية على ظروفها المعيشية.

70_ البروليتاريا الفيتنامية عانت ذات التطور ولكن متأخرا. البروليتاريا الصناعية خلال الثورة التي هزمت الامبريالية كانت صغيرة للغاية، بتعداد 40 ألف عامل. اليوم لديها 4.4 مليون عامل صناعي بأجور منخفضة جدا وظروف عمل تماثل البربرية.

71_ البروليتاريا البرازيلية تم تعزيزها خلال السبعينيات والثمانينيات عندما قامت بانتفاضة في غاية الأهمية (إحدى أقوى الانتفاضات في العالم في الثمانينيات) والتي ولد منها حزب العمال واتحاد العمل. في التسعينيات، شهدت البروليتاريا انخفاضا كبيرا، لتتزايد مجددا هذا القرن. عدد العمال الصناعيين في البلاد بلغ 6.6 مليون عام 1989، وانخفض إلى 4.8 مليون عام 1998، ليرتفع إلى 8.5 مليون عام 2010. إذا أخذنا بعين الاعتبار العمال الصناعيين بالكامل (العمال المنتظمون والعرضيون)، فسنشهد قفزة إلى الأمام بين 2002 (11.2 مليون) و 2010 (17.2 مليون). يمثل العمال الصناعيون حوالي 13٪ من السكان النشطين اقتصادياً (+ –9.5٪ عام 1992). (البيانات من لاجي، دانيال، الطبقة العاملة تعود إلى الجنة – الوضع الحالي للطبقة العاملة، 2012).
دراسة أجراها مركز دراسات العمل البرازيلي (إلاييسي) “البروليتاريا البرازيلية اليوم” تشير إلى نفس الاتجاه، من خلال مقارنة تطور البروليتاريا الصناعية عام 1995 (6 ملايين) وعام 2014 (10.2 مليون).
“أول جانب مهم تجب ملاحظته هو أن العمال الصناعيين يميلون إلى النمو فيما يتعلق بإجمالي عدد سكان البرازيل. في عام 1995، كانوا 3.83 ٪ من السكان. وفي عام 2014، 5.64٪. هذا الرقم مشابه للرقم الذي وجدناه في الثمانينيات، ذروة التصنيع البرازيلي. من الواضح أن البروليتاريا الصناعية البرازيلية تنامت بأرقام مطلقة، واليوم تحافظ على مستوى النسبة المئوية الذي كانت عليه في الثمانينيات”.
رغم الأزمة الاقتصادية الحادة (4٪ ركود لمدة عامين متتاليين)، انخفض عدد العمال، لكنه ما يزال مرتفعا.

72_ البروليتاريا الأرجنتينية شهدت صيرورة مماثلة. عام 1973، كان هناك 1.907 مليون عامل صناعي. هذا الرقم عانى انخفاضا في التسعينيات، ونما مرة أخرى في هذا القرن. عام 2011 ، كانوا 2.4 مليون.
الآن، هذه الأرقام آخذة في الانخفاض بسبب الأزمة الاقتصادية.

73_ البروليتاريا الصناعية المكسيكية شهدت تحولا عميقا باتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، والشراكة عبر المحيط الهادئ، ما حول البلاد عمليا إلى مستعمرة أمريكية.
في جزء كبير من البلاد بالتسعينيات، كانت هناك انتكاسة نتيجة إغلاق المصانع باتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية. ومع ذلك، في الشمال، على طول الحدود الأمريكية، كان هناك تطور مذهل في قطع غيار السيارات، وظهور لبروليتاريا صناعية شابة جديدة وغير مستقرة. اليوم يوجد 12.5 مليون عامل صناعي في البلاد، بمتوسط أجور منخفض للغاية (43٪ من الأجور المدفوعة في الصين)، ينتجون على الحدود الأمريكية، مع الإعفاء من الرسوم الجمركية بسبب الاتفاقيات التجارية.

74_ المثال البوليفي حاسم نظرا لوجود البروليتاريا ذات التراث الثوري الأقوى في أمريكا اللاتينية. هزيمة الصيرورة الثورية الثانية عام 1985 (الأولى عام 1951) مهدت الطريق أمام تنفيذ خطة نيوليبرالية متطرفة خصخصت المناجم وقضت على عمالها. من بين 25000 عامل منجم، لم يتبق سوى 1000 عامل في هوانيوني، والذي كان آخر منجم تمت خصخصته عام 1999.
ومع ذلك، منذ العام 2001، كانت البروليتاريا تعيد بناء نفسها. بعد تعبئة نشطة أعيد تأميم منجم هوانوني تحت السيطرة الاجتماعية. في عام 2006، عندما كان إيفو موراليس في السلطة، أدى صراع مسلح بين عمال المناجم الذين يعملون لصالح الشركة المملوكة للدولة والمقاولين (الذين استغلوا المنجم مع الشركات الصغيرة) إلى إعادة تأميم كافة المناجم، ودمج المقاولين.
انضم عمال النفط والغاز إلى بروليتاريا التعدين، وأصبح استغلالهم العنصر الرئيسي لاقتصاد البلاد.
هذه الصيرورة أعادت تكوين الوزن السياسي للبروليتاريا في بوليفيا. ظل عمال المناجم يمثلون القطاع الرئيسي للبروليتاريا، وحافظوا على ثقلهم في قيادة اتحاد العمل البوليفي.

75_ المثال الهاييتي رمزي. في ذلك البلد، في الثمانينيات، تم إنشاء مناطق معفاة من الرسوم الجمركية لإنتاج المنسوجات للأسواق الأمريكية، والتي كانت تضم 120 ألف عامل صناعي. مع الأزمة الاقتصادية والسياسية، انخفض هذا الرقم بشكل كبير إلى 15 ألفا.
الآن، أعيد تبني هذه الخطة، مع تطبيق المناطق الحرة حسب خطة كلينتون. يتم إنتاج المنسوجات لبيعها في أسواق أمريكا الشمالية، بأجور أقل بنسبة 40٪ مقارنة بالصين، على مسافة قصيرة من أرصفة الميناء بالولايات المتحدة.
لدى الشركات تحت تصرفها جيش احتياطي من العمالة يتكون من 80٪ من العاطلين عن العمل. إذا كان العامل مريضا، فلن يكسب شيئاً. إذا مات، يمكن لعامل هاييتي آخر أن يحل محله على الفور.
ومع ذلك، فإن لهذه الخطة الاقتصادية الشريرة للإمبريالية نظير اجتماعي يتمثل بإعادة تشكيل وتقوية بروليتاريا النسيج باعتبارها أهم قطاع عمالي في البلاد. يوجد الآن 50 ألف عامل صناعي قد يصل عددهم إلى 400 ألف (بيانات من منظمة معركة العمال).
في الآونة الأخيرة، في تموز 2018، لعب عمال النسيج دورا رئيسيا في شبه التمرد الذي هزم خطة حكومة مويسيس لزيادة أسعار المحروقات.

76_ الهجمات على أجور وظروف عمل البروليتاريا في البلدان شبه المستعمرة والبلدان التابعة هي هجمات وحشية، في دوامة هبوط مستمر للأجور.
أزمة تلو الأخرى، أجور البروليتاريا في البلدان الإمبريالية تم تخفيضها، وفي البلدان شبه الاستعمارية خفضت أكثر.
بينما يبلغ الحد الأدنى للأجور الأمريكية حوالي 1200 دولار وألمانيا 1600 دولار (2015)، فهو أقل بكثير في دول مثل إسبانيا (800) والبرتغال (600). ينخفض المقياس إلى مستويات مثل الحد الأدنى للأجور في البرازيل (290 دولارا) والصين (240 دولارا) حتى يصل إلى أدنى المستويات مع الحد الأدنى للأجور في هايتي (100 دولار) وإندونيسيا (91) وفيتنام (87) وكمبوديا ( 80) أو بنغلادش (40).
من الضرورة تحديث تعبير “الاشتراكية أو البربرية”. الانتكاسات في الثورة العالمية بسبب الستالينية مكنت الإمبريالية من فرض عناصر من البربرية بأقصى حدود تطرف النظام.

15_ تطور البروليتاريا غير الصناعية

77_ كان هناك توسع حاد في البروليتاريا غير الصناعية منذ النصف الثاني للقرن العشرين، والذي تعمق مع “العولمة”. هذا النمو ناتج عن اجتماع التمدن (الهجرة إلى المناطق الحضرية) المتنامي في العالم وتقدم الشركات الكبرى.

78_ في زمن الثورة الروسية، كان معدل التمدن العالمي حوالي 20٪. بين عامي 1950 و2000، ارتفعت نسبة قطاع سكان العالم المقيمين في المدن من 30٪ إلى 47٪. في عام 2005، أصبح العالم حضريا في الغالب، بمعنى آخر، لأول مرة كان عدد الأشخاص الذين يعيشون في المدن أكبر من عدد سكان الريف. عام 2015، كانت نسبة سكان الحضر 54%.
أمريكا اللاتينية، على سبيل المثال، هي إحدى أكثر مناطق الكوكب تمدنا، حيث يعيش أكثر من 80٪ من السكان في المدن.
ظاهرة المدن العملاقة تتسع. في زمن الثورة الروسية، لم يكن هناك سوى ستة عشر مدينة في العالم يزيد عدد سكانها عن مليون نسمة. عام 2000، باتت هناك 26 مدينة يزيد عدد سكانها عن 10 ملايين نسمة.

79_ من ناحية أخرى، هناك تمركز متزايد في العواصم كنتيجة ثانوية للتطور الإمبريالي. وهذا يترجم إلى تقدم الشركات الكبرى (الصناعات والتجارة والبنوك والخدمات بشكل عام) على حساب الشركات الصغيرة.

80_ اليوم، تأثير البروليتاريا الحضرية غير الصناعية (موظفو البنوك، العمال التجاريون، المعلمون، الموظفون العموميون.. إلخ) أكبر نوعيا مما كان عليه في زمن الثورة الروسية.
تروتسكي قام بتقييم هذه الديناميكية عند حديثه عن تأثير “الطبقات الوسطى الجديدة”. ولكن تطور هذا القطاع كان حتى أكبر في النصف الثاني من القرن العشرين، وكان له دافع جديد مع “العولمة”. في كل من البلدان الإمبريالية، حيث كان هناك انخفاض عددي للبروليتاريا الصناعية، وفي البلدان شبه الاستعمارية، حيث تنامت البروليتاريا الصناعية، نما تأثير العمال بالأجر غير الصناعيين بشكل كبير في القرن العشرين.

81_ التغيير الذي شهدته التجارة في المدن، في المحلات الصغيرة، ومحلات الجزارة .. إلخ ، أفسح المجال أمام شبكات كبرى من محلات السوبر ماركت، مع وجود أعداد كبيرة من العاملين بالأجر في التجارة لم تكن موجودة من قبل.
فروع البنوك، في كثير من المدن، تغطي الأحياء الأكثر أهمية، بعشرات الملايين من موظفي هذه البنوك. الأتمتة المستمرة والخطط النيوليبرالية خفضت هذه الأرقام، لكنها لم تتراجع عن اللحظة التي سبقت الحرب العالمية الثانية.
خدمات التعليم والرعاية الصحية العامة رافقت التوسع الحضري، ما أدى إلى وجود الملايين من المعلمين والعاملين في مجال الرعاية الصحية. المواصلات العامة كانت مهمة بالفعل في زمن ماركس، تماما كما في عهد لينين وتروتسكي. ومع ذلك، فقد اكتسبت بلا شك تأثيرا أكبر بكثير مع تطوير المدن الكبرى في النصف الثاني من القرن العشرين. في المدن الكبرى، يتم النقل بواسطة شركات كبيرة (خاصة ومملوكة للدولة)، ولعمال السكك الحديدية وعمال المترو وسائقي الحافلات نقابات قوية وتأثير سياسي.
هذه قاعدة اجتماعية مهمة للغاية في الصيرورة الثورية، وهي أيضا منقسمة بقطاعاتها الأكثر عرضة للاستغلال، لتكون قادرة على اتباع البروليتاريا الصناعية. إنها قطاعات غالبا ما تربطها علاقات عائلية وإسكان وثيقة بالبروليتاريا الصناعية.

82_ بيانات منظمة العمل الدولية تبين أن عدد العاملين في قطاع الخدمات تضاعف عمليا بين عامي 1991 و 2016.

1991 – 763.214

2012 – 1.396.938

2016 – 1.506.533 (تقديري)

هذا يعني زيادة كبيرة في نسبة العاملين بالأجر غير الصناعيين في العالم بأسره على إجمالي السكان الذي نما بنسبة 35٪ في تلك الفترة.

16_ البروليتاريا لديها تعزيز موضوعي لإمكانيتها الثورية

83_ على عكس أولئك الذين تخلوا عن أي منظور ثوري، فإن لدى البروليتاريا – في أوقات “العولمة” هذه- تعزيز موضوعي إمكانياتها الثورية.

84_ خلافا لمن يشككون في البروليتاريا، ازداد عدد العمال الصناعيين في العالم منذ التسعينيات. وفقاً لمنظمة العمل الدولية، هذه هي الأرقام:

العمال الصناعيون في العالم

1991_ 490 مليون

2012_ 714 مليون

2016_ 771 مليون

منظمة العمل الدولية – التوقعات الاجتماعية للعمالة في العالم، 2015.
وفقا للأمم المتحدة، تختلف البيانات قليلا ولكنها تشير إلى نفس الاتجاه. عدد العمال الصناعيين تزايد من 140 مليون عام 1970 إلى 470 مليون عام 2009 (16٪ من عمال العالم بأكمله، نمو سنوي بنسبة 1.6٪) ليصل إلى أكثر من 500 مليون عام 2013 (تقرير التنمية الصناعية 2013، منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، الأمم المتحدة).

85_ التطور في الريف أدى أيضا إلى تطور البروليتاريا الزراعية على حساب الفلاحين. هذه هي نتيجة التقدم الوحشي للأعمال التجارية الزراعية على حساب ممتلكات صغار الفلاحين.
إنتاج السوق العالمي، تحديدا من فول الصويا والقطن والسكر والبن والحبوب والذرة والأرز والقمح واللحوم يتم في الشركات الكبرى، التي تعود كثير منها للشركات العابرة للقومية. والنتيجة هي تطور البروليتاريا الريفية، الشقيقة الطبقية للبروليتاريا الصناعية. من الواضح أننا نتحدث عن عملية غير متساوية، يتم التعبير عنها بشكل مختلف تماما من بلد إلى آخر. ومع ذلك، فإن هذا اتجاه دولي حاد.
وفقا لمنظمة العمل الدولية، هناك 1.1 مليار عامل نشط في الزراعة، نصفهم من العاملين بالأجر. بعبارة أخرى، لدينا 550 مليون عامل زراعي.
وفقا لتروتسكي، إنها نفس طبقة البروليتاريا الصناعية:
“العامل الزراعي في القرية هو شقيق ورفيق العامل الصناعي. هما جزءان لنفس الطبقة. مصالحهم لا تنفصم. إن برنامج المطالب الانتقالية للعمال الصناعيين هو أيضا، مع بعض التغييرات، برنامج البروليتاريا الزراعية”. (تروتسكي، ليون، البرنامج الانتقالي، 1938).

86_ وفوق هذا النمو في كافة أنحاء العالم، فإن ظروف حياة البروليتاريا تدهورت بشدة.
أحد العناصر الرئيسية للهجمة على الظروف المعيشية للعمال هو عدم استقرار علاقات العمل. وفقا لمنظمة العمل الدولية، في عام 2015، كان “ربع العمال فقط في العالم لديهم علاقة عمل مستقرة”. بعبارة أخرى، يعمل ثلاثة أرباع العمال بموجب عقود مؤقتة أو قصيرة الأجل، في وظائف غير رسمية وغالبا دون عقد، أو يعملون لحسابهم الخاص أو في شركة عائلية بدون أجر.
إن ظاهرة الاستعانة بمصادر خارجية وهشاشة علاقات العمل، تحددان تفكيك البروليتاريا (العمال العاديون مقابل الاستعانة بمصادر خارجية). هذا يضعف روابط البروليتاريا مع الهياكل النقابية. كما أنه يضعف سيطرة الإصلاحيين على القيادات النقابية والسياسية التقليدية.

87_ كلما طال أمد تعليم وتأهيل البروليتاريا – نتيجة لاحتياجات الإنتاج الآلي – كلما أدى هذا إلى وجود بروليتاريا أكثر تعليما وشبابا.
الوصول إلى وسائل الاتصال الجديدة – لا سيما الشبكات الاجتماعية والإنترنت – يمكّن هذه البروليتاريا الأكثر تعليما واستنارة من متابعة الصيرورات السياسية في بلدانها والعالم بسهولة أكبر. تماما كما يفتح إمكانيات جديدة أو تعبير وتنظيم خارج الهياكل الفوقية النقابية والحزبية التقليدية.

88_ كانت هناك طفرة في تدويل الإنتاج الرأسمالي مع “العولمة”.
الشركات العابرة للقومية وسعت نطاقها ليشمل كافة أنحاء الكوكب، ووحدت السوق العالمي بدرجة أكبر. إلى جانب ذلك، استمرت في إنتاج أجزاء من منتجاتها في بلدان مختلفة، ما جعل الإنتاج حرفيا إنتاجاً دوليا.
تدويل الإنتاج يعزز بشكل موضوعي ترابط البروليتاريا في كل بلد مع تلك في البلدان الأخرى للدفاع عن ظروف وجودها. الأممية باتت حاجة ليس فقط للاستراتيجية الثورية، بل أيضا للنضالات النقابية اليومية.

89_ النتيجة العامة لهذه العملية الموضوعية هي بروليتاريا صناعية أكثر شبابا وتعليما وتعرضا للاستغلال والتجزئة. إن هذا أساس موضوعي أكثر تفجرا يزعزع استقرار منظور الصعود الاجتماعي، الذي غالبا ما كان يوفر الأساس للموقف المحافظ للشرائح العليا من البروليتاريا.
هذا لا يحدد مسبقا أي تطور إيجابي أو سلبي كما يمكن للقطاعات اليمينية المتطرفة أو الإصلاحية أو الأناركية الجديدة أو المنظمات البرجوازية أو الإصلاحية القديمة أن توجهه.
ما نقوله هو أن أرضية مختلفة تتمهد أمام المنظمات الثورية. قد نكون أكثر أو أقل نجاحا في شغل هذه المساحة.

90_ قد نؤكد أن هناك “تخليق للبروليتاريا” في العالم بطريقة ما.
نحن لا نعيد تأكيد رؤية ماركس، بمعنى اختزال وتبسيط البنية الاجتماعية إلى حدّين: البرجوازية مقابل البروليتاريا الصناعية. لقد حددنا في الجزء السابق من النص أنه لا تزال هناك قطاعات من البرجوازية الصغيرة الحضرية والريفية.
ما أسماه تروتسكي بـ “الطبقة الوسطى الجديدة” توسع كثيرا. بعبارة أخرى، العمال بالأجر غير الصناعيين. إننا نتحدث عن تعميم علاقات الأجور في الكوكب بأسره.
وفقا لبيانات منظمة العمل الدولية، لدينا عدد تقريبي يبلغ 2.82 مليار بروليتاري (صناعي وغير صناعي) في العالم. 770 مليون عامل صناعي حضري و 550 مليون عامل زراعي و 1.5 مليار بروليتاري غير صناعي. هذه هي البروليتاريا ككل (الصناعية وغير الصناعية) في العالم.

91_ المدن الكبرى هي براميل بارود عملاقة، تجمع ملايين العمال الصناعيين والبروليتاريا غير الصناعية والباعة المتجولين والعاطلين عن العمل. بعبارة أخرى، يعيش عدد هائل من الفقراء في ظروف معيشية محفوفة بالمخاطر. الأجور المنخفضة (أو البطالة) تمضي جنبا إلى جنب مع الظروف المعيشية الرهيبة والنقل والرعاية الصحية والتعليم التي تولد أزمة حضرية خطيرة.
إن خلق العالم مع الأزمة الحضرية في المدن الكبرى يخلقان “الجماهير الشعبية” التي كان لها دور هام في الثورات الأخيرة.

92_ علينا استخلاص استنتاجات حول ديناميكية الثورات. من الضرورة الاعتقاد بأنه يجب على البروليتاريا أن يكون لديها برنامج لقيادة القطاعات الأكثر تعرضا للاستغلال من هذه الكتلة الهائلة من أجل مشروع الثورة الاشتراكية.
الصيرورات، كما نعرفها، انتهت بكونها باتت تقاد من قبل القيادات البرجوازية والإصلاحية التي عملت على منع البروليتاريا من أن تصبح موضوعا اجتماعيا لهذه الثورات ومن أن يكون لها برنامج ثوري.
هناك حاجة لبرنامج ثوري للمدن يلبي احتياجات الإسكان والرعاية الصحية والتعليم والنقل والنضال ضد العنف الحضري.
يجب أن ترسّخ أحزابنا وجودها في الأحياء البروليتارية الشعبية. الاندماج في المصانع – الذي يجب أن يكون استراتيجيتنا – لا يتحقق فقط عبر النقابات. من الضرورة أن نتذكر أن البلاشفة كان لديهم فيبورغ (حي بروليتاري في بتروغراد)، وهو أحد القواعد الرئيسية التي أدت إلى البروليتاريا الروسية.

الجزء الثالث

 

17_ بناء الموضوع الاجتماعي والسياسي في عالم اليوم

93_ في الجزء الأول من هذا النص نطور الفهم النظري للكيفية التي يجب أن تكون بها البروليتاريا الصناعية الموضوع الاجتماعي للصيرورة الثورية حتى تكون الثورة الاشتراكية ممكنة. كما رأينا كيف سيصبح هذا الدور الاجتماعي قابلا للتطبيق فقط وفقا لمدى بناء الموضوع السياسي إلى جانبه: الحزب الثوري.
في الجزء الثاني من النص نبين أنه على عكس ما تدعيه معظم التيارات الإصلاحية والوسطية، فإنه توجد اليوم ظروف أفضل لبناء كل من الموضوع الاجتماعي والسياسي للثورة.
هذا هو الاستنتاج الأكثر أهمية. إننا لا نواجه حاجة فحسب، بل أيضا إمكانية أكبر للتغلب على أزمة القيادة الثورية، التي تبقى هي العقبة الرئيسية أمام الثورات.

18_ عقبة القيادة الإصلاحية والبرجوازية التي تحبذ اللا تنظيم للحركة العمالية

 94_ أدت “العولمة” واستعادة الرأسمالية في أوروبا الشرقية إلى تحول محافظ حاد للغاية في النقابات العمالية والقيادات الإصلاحية السياسية.
بعض القيادات تغيرت نوعيا بترميم الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية والستالينية. في الأحزاب الإصلاحية التي تمكنت من الوصول إلى السلطة، كانت ظاهرة التحسين قوية جدا. كان هذا هو الحال مع الساندينية، وجبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني في السلفادور، والتشيفازية، والحركة الشعبية لتحرير أنغولا، وجبهة تحرير موزمبيق، وهو ما يحدث الآن مع حزب العمال البرازيلي.

95_ الاندماج المباشر أو غير المباشر للبيروقراطيات النقابية في إدارة خطط التقشف، والذي كان موجودا من قبل، تقدم كثيرا. مشاركة المراكز النقابية الأوروبية في تنفيذ الخطط النيوليبرالية تعد مثالا على ذلك.
من ناحية أخرى، تم دمج القيادات البيروقراطية في الأنظمة الديمقراطية البرجوازية، مستخدمة قواعدها النقابية لتحقيق أهداف انتخابية إصلاحية.

96_ حتى الديمقراطيات البرجوازية تحافظ على موقف بونابرتي بالنسبة للحركة العمالية. بيروقراطيات النقابات العمالية تكيف نفسها مع الدولة البرجوازية وديمقراطيتها، وتهاجم بشكل ممنهج الديمقراطية العمالية. هذه سمة من سمات النقابات العمالية في العصر الإمبريالي، سواء في القرن العشرين أو اليوم. الديمقراطية البرجوازية تقتضي بشكل متزايد ديكتاتورية داخل المصانع.
عادة، هذه الديكتاتورية في الشركات تقترن برد فعل ديمقراطي مع اندماج قادة النقابات العمالية في البرلمان والحكومات من خلال الانتخابات. لكن بالنسبة للقاعدة السياسية، لا يزال هذا يعني القمع، بدرجة أكبر أو أقل.
في كثير من الأماكن، هناك قمع وحشي لأي نشاط نقابي. هناك مناطق لا توجد فيها نقابات عمالية بشكل مباشر، ونشاط النقابات العمالية، عمليا، محظور. في كوستاريكا، نقابات القطاع الخاص اختفت تماما. في شمال المكسيك، حيث تتركز البروليتاريا الجديدة في صناعة السيارات، يتم قمع النشاط النقابي بشكل مباشر. الشيء ذاته يحدث مع “الماكويلاس” (المنشآت الصناعية في المكسيك التي تم دمجها في سلسلة إنتاج الشركات الأمريكية/ أي مصانع في المكسيك تديرها الشركات الأجنبية وتصدر منتجاتها إلى بلد تلك الشركات) في أمريكا الوسطى وهايتي.
في أماكن أخرى، المنظمات غير الحكومية، التي كانت موجودة من قبل – والتي تمولها الكنيسة أو الاشتراكية الديموقراطية أو الكيانات المرتبطة مباشرة بالإمبريالية – باتت معممة، وبدأت في جمع جزء هام من النشطاء.

97_ الجمع بين هشاشة علاقات العمل والتحول المحافظ للقيادة، قاد إلى تراجع في التنظيم واتساع نطاق تفكك البروليتاريا.
عدم الاستقرار أدى إلى التمايز بين العاملين والاستعانة بمصادر خارجية، مع فصل جزء (غالبا ما يكون الغالبية) من هؤلاء العمال عن النقابات.
من ناحية أخرى، فإن هذا التشرذم الأكبر بين العمال يقابله تطور أحياء الطبقة العاملة التي تتمركز فيها البروليتاريا.

98_ الحقيقة هي أن البروليتاريا النموذجية في النصف الثاني من القرن العشرين، والتي اتبعت القيادة البيروقراطية لنقاباتها وآمنت بالأحزاب الإصلاحية، بدأت تشهد تغيرا عميقا.
هذه العملية متفاوتة للغاية من بلد إلى آخر. في كثير من البلدان، البنية النقابية بقيت سليمة رغم الأزمات. في تلك الحالات، يأتي الميل للتغيير من التشكيك العنيف المناهض للبيروقراطية على مستوى القاعدة، والذي إن لم يتم تداركه يمكن أن يؤدي إلى أزمات لا حصر لها.
في تلك الأماكن التي تغيرت فيها البنية النقابية تماما، مع فقدان المراكز النقابية والنقابات لأهميتها، الأزمات العنيفة في النقابات بقيت إلى جانب الانفصال عن الأحزاب الإصلاحية.

99_ بسبب دور القيادة، هناك حالة هامة للغاية من عدم التنظيم للبروليتاريا في النضالات اليومية، ما يؤثر على قدرتها على النضال.
بما أن رفض القيادات الإصلاحية أكبر بكثير من بناء البدائل، لا يزال هناك الكثير من اللا تنظيم بين العمال. لكن عدم التنظيم هذا يعني أيضا قطيعة كاملة أو غير كاملة مع البيروقراطيات والقيادات الإصلاحية.
البروليتاريا الأكثر شبابا وهشاشة وتعرضا للاستغلال، والأكثر ترابطا عبر الشبكات الاجتماعية، جسدت مشاعر عميقة مناهضة للبيروقراطية مع سقوط أجهزة أوروبا الشرقية.
هذا هو الأساس الأكثر أهمية لصيرورات النقابات العمالية وإعادة التنظيم السياسي.

19_ تصاعد النضال ضد القهر

100_ واقع العمال بعد تحولات “العولمة” جعل من هذا الاضطهاد أكثر وحشية.
بداية، بسبب اندماج النساء في سوق العمل على نطاق واسع. هذه الظاهرة، التي كانت تحدث بالفعل في القرن العشرين (تحديدا في النصف الثاني منه)، تسارعت مع العولمة. باتت هناك قطاعات تشكل فيها النساء غالبية الطبقة العاملة. وهذا يجلب المزيد من الاستقلال الاقتصادي للعاملات، وأزمات عائلية أكبر، وردود فعل شوفينية ذكورية عنيفة أكبر بين الرجال.
ثانيا، لما للمهاجرين من أهمية كبرى بين العمال في الدول الأكثر أهمية اقتصاديا. وقد تسارعت وتيرة هذا الأمر أيضا بقوة بفعل العولمة. هناك قطاعات كاملة من الاقتصاد الأمريكي يشكل فيها اللاتينيون أغلبية بين العمال. الشيء نفسه يحدث في القطاعات الصناعية في ألمانيا، حيث يجب التحدث باللغتين الألمانية والتركية. إن وجود الهايتيين والبوليفيين في البرازيل هائل. في كوستاريكا، يشكل سكان نيكاراغوا غالبية عمال البناء المدنيين.
هذا يسهل انتشار كره الأجانب من قبل القطاعات اليمينية المتطرفة بخطابات مفادها “إنهم يسرقون وظائفنا”. البرجوازية تستخدم هذه المسألة بشكل ساخر لتقسيم العمال وتهبيط وعيهم الطبقي.

101_ من ناحية أخرى، أدى سقوط الأجهزة الستالينية في أوروبا الشرقية إلى انتشار الوعي الديمقراطي، الذي سرعان ما تحول ضد الظلم الاجتماعي.
التوسع النوعي لوسائل الإعلام، مع التلفاز والشبكات الاجتماعية، يسهل بشكل كبير انتشار الوعي، المنتشر ولكن التقدمي، ضد الامتيازات والظلم.

102_ بهذا المعنى، يمكننا تأكيد أن الصيرورة الموضوعية لإدماج النساء والسود والمثليين والمهاجرين في الإنتاج قد تم توسيعها. ومن ناحية أخرى، فإن النضال ضد الاضطهاد الذي يقسم الطبقة بات أكثر ضرورة، وكذلك مع إمكانيات أكبر للتعبئة.

103_ اليوم يوجد تصاعد مثير للإعجاب في النضال ضد الاضطهاد.
كانت هناك عملية تعبئة ضخمة للنساء، مثل تلك التي حدثت في حفل تنصيب ترامب بالولايات المتحدة؛ وفي حركات 8 آذار التي تضمنت إضرابات هامة في عدة دول. وفي التعبئة الكبرى للدفاع عن تقنين الإجهاض في 70 دولة يوم التصويت على هذه القضية في مجلس الشيوخ الأرجنتيني.
هناك نضالات كبرى ضد وحشية الشرطة ضد السود في الولايات المتحدة والبرازيل ودول أخرى.
النضالات ضد القتل والعنف ضد المثليين تتنامى في كافة أنحاء العالم.
هناك تعبئة للمهاجرين في البلدان الإمبريالية وشبه المستعمرة (النيكاراغويين في كوستاريكا، والفنزويليون والهاييتيون في البرازيل.. الخ).

20_ إعادة تنظيم وبناء الأحزاب الثورية في الطبقة العاملة

104_ رفض الأحزاب السياسية وعدم الانتماء للنقابات العمالية مسألة باتت منتشرة على نطاق واسع. أنبياء العجز يأخذون هذه الحقائق كخطوة وحشية إلى الوراء. فهل الأمر كذلك؟
الإجابة تعتمد، كما هو الحال دائما، على تحديد ماهية السؤال: تنظيم من أجل ماذا؟ من أجل ماذا كانت المنظمة من قبل؟ البروليتاريا المنظمة في النقابات وعلى المستوى السياسي واجهت في الحقبة الثالثة (1943-1989) صعوبات أكبر بكثير في الدفع قدما بالثورة عبر الإصلاح.
الآن هناك حاجة ملحة لإعادة تنظيم البروليتاريا حتى تتمكن من النضال.
هذا يفتح الباب أيضا لإمكانية، فقط إمكانية، لأن يكون التنظيم مختلفا.
كما قلنا، لا يوجد تحديد مسبق بأن هذه الصيرورة ستنتقل إلى اليسار، ولا حتى باتجاه المواقف الثورية. هذا الفضاء محل نزاع بين اليمين (واليمين المتطرف) والقطاعات الإصلاحية الجديدة. لكن الجديد هو أن عملية إعادة التنظيم، التي لم تكن موجودة في هذا البعد من قبل، قد فتحت أبوابها.

105_ صيرورات سياسية وعمالية جديدة آخذة بالتطور، مبينة أن هناك مساحة متاحة للنزاع على قيادة النضالات، حيث أن القيادة الإصلاحية التقليدية باتت محط تساؤل، كما يتضح من خلال التطور الإيجابي لاتحاد النقابات الشعبية والعمالية (البرازيل)، ولا للتقشف (إيطاليا)، واللجان الشعبية (اتحاد عمالي في أسبانيا)، وصيرورات مبادرة كتنسيقية العمل في كارتاهينا (كولومبيا)، وتأسيس اتحاد عمال كوستاريكا، واللجنة التنسيقية للنضالات في السلفادور، والقيادة الجديدة لاتحاد عمال الكهرباء في باراغواي.
هذا هو التعبير الحي عن هذا الواقع الذي يفتح مجاله. لكن الهدف يجب أن يكون تشكيل أحزاب ثورية في قواعد المصانع. إذا كان هذا بالفعل أمرا ضروريا في الماضي، فقد تعزز الآن من خلال الاغتراب وعدم ثقة العمال الشباب غير المستقرين بالنقابات. النقابات العمالية لا تخدم إلا إذا كان من الممكن استخدامها لجلب السياسة الثورية إلى القاعدة، وليس كغاية بحد ذاتها.

106_ بناء الأحزاب العمالية الثورية يفترض الاستخدام الدائم واليومي لبرنامج ثوري، يتضمن نظام شعارات ينطلق من سياسة عمل الجماهير، والتحريض السياسي الدائم ضد الحكومة والاستغلال الرأسمالي، ودعاية للتأثير على الطليعة. السياسة اليومية لا يمكن فصلها عن البرنامج الاشتراكي. لا يمكنك فصل السياسة اليومية عن المواجهة مع البرجوازية وحلفائها الإصلاحيين. هذا هو السبب في أن الجمع بين النضال السياسي والبرنامجي والأيديولوجي بات مفروضا كتحدي يومي.
هذه الاستراتيجية تتجسد في بناء الحزب الثوري بين البروليتاريا الصناعية، بحيث يكون الحزب أيضا بروليتارياً في تكوينه الاجتماعي. الأمر بات أقل صعوبة في أيامنا هذه، حيث تميل الفضاءات للانفتاح في صفوف الطبقة العاملة.
من الممكن الاحتفاظ بالكوادر في القطاعات الاجتماعية الأخرى التي تكون ظرفية في الطليعة. ولكن حتى في هذه الأوضاع، لا بد من أن يكون هناك تحريض ودعاية دائمة لقطاعات من البروليتاريا الصناعية. يجب ترجمة استراتيجية بناء حزب عمالي ثوري إلى سياسة بروليتارية دائمة. الحزب الثوري، من خلال تركيز البرنامج التاريخي، يتطلب انفصالا عن بقية الطبقة العاملة. إنه يجمع أفضل النشطاء على أساس برنامج ثوري يرتبط ارتباطا وثيقا بسياسته اليومية تجاه البروليتاريا ككل. بهذه الطريقة فقط، مع تطور الصراع الطبقي، يمكن تشكيل حركة حية لبناء البروليتاريا الصناعية كموضوع اجتماعي، والحزب كموضوع سياسي.

إعلان التصويت

1_ إننا نصوت لصالح الوثيقة، معتبرين إياها صالحة كنص مرجعي وأساس لمزيد من المناقشة. تحديدا، نعيد التأكيد على ما تقوله الوثيقة حول مركزية البروليتاريا الصناعية وسمتها كطليعة البروليتاريا، ما يعني أنها يجب أن تكون محور بناء الحزب الثوري، بتكوين من الطبقة العاملة وبأغلبية قيادية من الطبقة العاملة. أيضا، بسبب موقعها في الإنتاج، هدفنا هو أن تشكل البروليتاريا الصناعية “النواة الصلبة” لديكتاتورية البروليتاريا. هذا ما يميزنا عن كل التيارات التحريفية والإصلاحية (بما في ذلك التيار الأممي/ الرفاق الذين انفصلوا عن “الرابطة الأممية للعمال _ الأممية الرابعة”).

2_ ومع ذلك، فإن التصريح الوارد في الوثيقة بأن “الموضوع الاجتماعي للثورة البروليتارية هو الطبقة العاملة الصناعية” يمكن أن يشكك في وجهة النظر الماركسية القائلة بأن البروليتاريا، بصفتها طبقة مجردة من وسائل الإنتاج، ومجبرَة قسرا على العيش من خلال بيع قوة عملها هي “الطبقة الثورية الوحيدة في المجتمع”.
الرؤية التي يشير إليها النص يمكن أن تعني أن الطبقة الثورية الوحيدة في مجتمع اليوم الرأسمالي ستكون البروليتاريا الصناعية. وبهذه الطريقة تضيع الكلية التي يحددها الانقسام المركزي للمجتمع الرأسمالي بين البرجوازية والبروليتاريا. لكونها الجزء المركزي والحاسم من البروليتاريا، فإن الطبقة العاملة الصناعية تبقى جزءاً من كل، هو الطبقة البروليتارية ككل: “… البروليتاريا بشكل عام، فيما يتعلق بكون عمال المصانع ليسوا سوى رتبها المتقدمة. طليعتها”.

_ التصريح بأن “الموضوع الاجتماعي للثورة البروليتارية هو الطبقة العاملة الصناعية” هو صيغة نظرية – برنامجية جديدة ومربكة. الموضوع هو الذي “يصنع” الثورة، وقد أظهر التاريخ أنه في بعض الأحيان (كما في الثورتين الصينية أو الكوبية) كانت طبقات أو قطاعات طبقية أخرى تتصدر القيادة. شيء آخر هو “معيارنا البرنامجي” ونضالنا المستمر هو لجعل البروليتاريا، وفي مقدمتها العمال الصناعيين، القوة الدافعة للثورة وقيادتها.
التاريخ يؤكد أن هذه هي الضمانة الوحيدة لتطور الصيرورة الثورية والثورة الأممية. نعتقد أنه لا ماركس ولا لينين ولا تروتسكي ولا مورينو استخدم الصيغة الواردة في هذه الوثيقة. معلمونا استخدموا مصطلحات الدور القيادي أو القوة الدافعة أو الطبقة القيادية أو العامل المحدد. نعتقد أن هذا هو الحال الذي يجب أن يستمر.

_ الجانب الثاني الذي يمكن أن يؤدي إلى أخطاء نظرية – برامجية هو التفسير الذي تم إنشاؤه لمفهوم “الطبقات الوسطى الحديثة الجديدة”، أو “الشرائح الوسطى للبروليتاريا”.
الارتباك بشأن الظهور الافتراضي لطبقة جديدة، بناء على دخلها بدلا من دورها في الإنتاج، لن يختلط فقط في أقسام باهتة كاملة غير متجانسة بشكل كبير من البروليتاريا (من عامل تنظيف خارجي إلى محام يتم تعيينه من قبل شركة عابرة للقومية)، بل سيخلط أيضا بين مجالين مختلفين من مجالات التحليل: الاجتماعي_ الاقتصادي والسياسي. الخطأ في التحديد الواضح – على أساس الدور الذي تلعبه في الإنتاج – لـ “الطبقة الوسطى الحديثة”، وتحديد البرجوازية الصغيرة يمكن أن يكون أيضا مصدرا للخطأ، وكذلك الخلط بين البرجوازية الصغيرة وجيش شبه البروليتاريا (الذين يتلقون شبه رواتب وفقراء المدينة والريف).
لكل هذه الأسباب، صوتنا لصالح الوثيقة مع هذه التحفظات، والتي سنقوم بتوثيقها في أعمال تطوير برنامج “الرابطة الأممية للعمال_ الأممية الرابعة”.

 

ترجمة تامر خرمه

ملاحظات حول تطور البروليتاريا الصناعية (1)

ملاحظات حول تطور البروليتاريا الصناعية (2)

ملاحظات حول تطور البروليتاريا الصناعية (3)

ملاحظات حول تطور البروليتاريا الصناعية (4)

ملاحظات حول تطور البروليتاريا الصناعية (5)

Check out our other content

Check out other tags:

Most Popular Articles