الخميس أبريل 18, 2024
الخميس, أبريل 18, 2024

قراءة أولية في كتاب “قصة حزب العمل الشيوعي في سورية”.. السلسلة كاملة

سورياقراءة أولية في كتاب “قصة حزب العمل الشيوعي في سورية”.. السلسلة كاملة

قراءة أولية في كتاب “قصة حزب العمل الشيوعي في سورية”

✍️منيف ملحم

“الكتابة عن تجربة سياسية نضالية معارضة مهزومة بالقمع، وتوثيق هذه التجربة، هي مساهمة في حمايتها من الضياع أولاً، ثم من التشويه الذي تمارسه آلة ضخمة من الإنتاج الكتابي الذي لا يحفظ من التاريخ سوى النسخة التي تبدو للعين المسيطرة، عين السلطات الغالبة، فيما تذهب إلى العدم رواية المغلوبين، ونسختهم من التاريخ. من الإنصاف للتاريخ وللأجيال القادمة أن يتولى المغلوبون أيضاً سلطة الراوي. أن يُروى التاريخ من موقعهم وكما يظهر في عيونهم”.
بهذه المقدمة الجميلة والمؤثرة يبدأ الصديق راتب شعبو كتابة فصل من اليسار الجديد: “قصة حزب العمل الشيوعي في سوريا”.
وإذ يكتب التاريخ دائماً المنتصرون فإنه قلما أتيح للحركات المعارضة أن تكتب تاريخها. وإذ ينطبق هذا على كل الحركات والقوى المعارضة بشكل عام فإنه يرخي بثقله أكثر على الحركات والتنظيمات السرية. ومن ضمنها التيارات المعارضة داخل حزب العمل الشيوعي سواء ما عرف بالأقلية اليسارية أو ما عرف بالحلقات التروتسكية بعد عام 1985. يكفي أن يتذكر الرفاق في حزب العمل الشيوعي المعتقلين في سجن صيدنايا ما كتبه الرفيق فاتح جاموس ووافق عليه الرفيق أصلان عبد الكريم حول تاريخ التروتسكيين في الحزب في كراس صدر عام 1990 ووزع على الرفاق بمناسبة الندوة التي تمت الدعوة لها من قبلي في جناح ج يسار ط2 بمناسبة الذكرى الـ 50 لاغتيال تروتسكي.
يكتب الصديق راتب: حول حضور شعار إسقاط السلطة في بعض الأعداد وغيابه في أعداد أخرى من الراية الحمراء.
“في كل حال تبقى هذه المفارقة لغزاً محيراً، ويزيد في صعوبة الاطمئنان إلى تفسير، أنه في الاجتماع التالي لم تجمد الرابطة الشعار المذكور وهذا يقلل من الاطمئنان إلى التفسير الذي ذهبنا إليه وهو أن الرابطة تسرعت في رفع الشعار تحت ضغط الحماس وأنها أدركت تسرعها وعالجته بأن دفعت شعار إسقاط السلطة إلى الخلف. ولكن من جهة ثانية كانت السلطات الأمنية تحاول من خلال كوادر الرابطة المعتقلين في تلك الفترة، الضغط على التنظيم من أجل تجميد ذلك الشعار، كما كشف هؤلاء الكوادر، هذا يعني أنه كان لهذا الشعار حضور ملموس يدفع السلطات الأمنية إلى الضغط من أجل تجميده -لم نتوصل إلى تفسير لهذه المفارقة- وفي التواصل الخاص مع قياديي تلك الفترة للحصول على تفسير لهذه المفارقة، لم نتوصل إلى تبرير محدد، وقد فوجئ بعضهم بحقيقة أن أعداد الراية الحمراء الصادرة بعد اجتماع بيروت 1979 لا تحمل الشعار على صفحتها الأولى”.
أنا أدرك الصعوبات التي واجهت الصديق راتب والتي ستواجه كل باحث في تاريخ الخط السياسي والتكتيكي لرابطة العمل الشيوعي. كما كل التنظيمات والحركات السرية. لذا فان وجود ألغاز محيّرة يصعب فهمها من القرائن (الكتابات) وحدها ليس أمراً مستغرباً. إذ أن بعض الكتابات والنصوص العائدة للحركات والتنظيمات السرية هي أقرب إلى اللقى الأثرية والألواح الموجودة في بعض القبور والمواقع الأثرية وقد مضى عليها قرون مدفونة تحت ركام من غبار التاريخ. لذلك فإن فك رموزها وألغازها يحتاج إلى جهد كبير وعمل جماعي غير متحزب ومنحاز. وحتى في حال استحضار الشهود فإن الأكثرية المنتصرة قادرة على لي عنق الواقع. ناهيك عن العبث الذي قام به لصوص المقابر. 
سأنشر لاحقاً مقالة مخصصة للغز الذي يتحدث عنه كتاب “قصة حزب العمل الشيوعي” حول شعار إسقاط النظام وبيان الحرية للشعب أولاً. ومع العلم أنني قد بينت للكاتب في حديث معه بعض خفايا هذا اللغز والذي اختصره الكاتب بكلمتين “الغرض من الاستعراض السابق البحث عن الأهمية التي أولتها الرابطة لشعار إسقاط السلطة في الشهور التي فصلت اجتماع بيروت أيلول 1979، الذي تقرر فيه رفع الشعار، واجتماع آذار 1980 الذي واجه فيه الشعار محاولة تجميد فاشلة قادها أصلان عبد الكريم”.
أما الآن فسأكتفي ببعض الملاحظات على قراءة الصديق نصار يحيى لما ورد في الكتاب:
يقول الصديق نصار يحيى في ملاحظاته بصدد مشروع فاتح جاموس حول التسليح “وأيضاً هنا تم التناغم بين “التروتسكيين” والأغلبية الأخرى”. في الواقع فإن الأقلية اليسارية صوتت ضد مشروع فاتح جاموس وتلقت سخرية واستهجان من الكثير من الرفاق في المؤتمر لتصويتها ضد المشروع يا صديقي. كما يضيف الصديق نصار يحيى بعض الأسماء مثل (علي الشهابي، أكثم نعيسة) إلى الأقلية اليسارية ويشطب أسماء أخرى مثل (الشهيد إحسان عزو). الأقلية اليسارية أُطلقت تحديداً على الرفاق الذين قاطعوا الانتخابات وانسحبوا من الجلسة المقررة لانتخاب اللجنة المركزية وعددهم 15 رفيقاً ومن ضمنهم إحسان عزو أما الرفيقان علي الشهابي وأكثم نعيسة لم يكونا ضمن الـ 15 رفيقاً، فهما لم يقاطعا الانتخابات، وعلي الشهابي كان من المرشحين للجنة المركزية. لذلك فهما لم يكونا من ضمن ما عرف بـ “الأقلية اليسارية” ولكن مع ذلك كسبا عداء الأكثرية بسبب دعمهم الأقلية في بعض المشاريع. ليس كل من صوت على أحد المشاريع التي طرحتها الأقلية اليسارية كان محسوباً على الأقلية. ولو كان الأمر كذلك لكان عبد العزيز الخير ووجيه غانم من الأقلية اليسارية كونهما صوتا أكثر من مرة لبعض المشاريع التي طرحتها الأقلية اليسارية.
وأخيراً في ظل غياب محاضر جلسات لاجتماعات الهيئات وضياع كثير من الوثائق يبقى عمل المؤرخ يعتريه النقص مهما بذل من جهد. لذلك تبقى شهادات من عايشوا المرحلة تسد بعض النقص والثغرات. والكاتب في موضوع الشهادات لم يكن موفقاً دائماً ولاسيما في مواضيع كانت مفصلية في تاريخ الحزب. وباعتقادي أنه بعمله هذا سواء كان مقصوداً أو غير ذلك، فإنه فتح ذاكرتنا جميعاً، فالكثير من الشكر له.
هذه بعض من الملاحظات الأولية وآمل أن تستكمل مستقبلاً.   

__________

قراءة أولية في كتاب قصة حزب العمل الشيوعي في سوريا/2/
لغز شعار إسقاط النظام
“في كل حال تبقى هذه المفارقة لغزاً محيراً، ويزيد في صعوبة الاطمئنان إلى تفسير، أنه في الاجتماع التالي للمركزية في آذار 1980، لم تجمد الرابطة الشعار المذكور، وهذا يقلل من الاطمئنان إلى التفسير الذي ذهبنا إليه وهو أن الرابطة تسرعت في رفع الشعار تحت ضغط الحماس وأنها أدركت تسرعها وعالجته بأن دفعت شعار إسقاط السلطة إلى الخلف”(1)
سبّب شعار إسقاط النظام الديكتاتوري الذي طرحته رابطة العمل الشيوعي في اجتماع المركزية المنعقد في بيروت أيلول 1979، ومن ثم تجميده في جلسة الهيئة المركزية المنعقدة في آب 1980 الكثير من اللغط والاتهامات والتأويلات، وصلت إلى حد أن بعض القوى السياسية المعارضة اتهمت الرابطة بالتحالف مع النظام في الصراع الذي جرى بين هذا الأخير والإخوان المسلمين في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي. في نفس الوقت اتهم النظام وبعض القوى السياسية الأخرى الرابطة بالتحالف مع الإخوان المسلمين (بعد تأسيسي لمنتدى اليسار في أواخر عام 2000 استدعيت من قبل الأمن السياسي، وعند مثولي أمام رئيس الفرع كان أول ما واجهني به: أنتم (الرابطة) تحالفتم مع الإخوان المسلمين!!).
باعتقادي فإن كل تنظيم سياسي عندما يتأسس يكون هدفه الرئيسي هو السلطة، امتلاكاً أو مشاركة أو بالحد الأدنى أن يكون فاعلاً فيها، وإلا امتنع عن أن يكون كذلك، ورابطة العمل الشيوعي التي تأسست في آب 1976 لم تكن استثناءً في ذلك، فالعدد الأول لـ “الراية الحمراء” الذي صدر في كانون الأول 1979 كان لديه الهدف ذاته. فقد قالت الرابطة في النظام الديكتاتوري ومن خلال صحيفتها المركزية أو من خلال البيانات والمنشورات والملصقات أكثر مما قاله (مالك) في الخمر، بل إنها تجاوزت خطوطاً حمراء دأبت جميع القوى السياسية في سوريا على عدم تخطيها ألا وهي تناول شخصية رأس النظام ومسؤوليته عما يجري في السياسة الداخلية والخارجية لسوريا. كما أن وعي الرفاق جميعاً في تلك المرحلة كان يتمحور عند ذلك الهدف (إسقاط النظام الديكتاتوري). وإن لم يرد ذلك الهدف برنامجياً فالسبب يعود لوعي مضمر أو محكي فيه. وعي لينيني يقول: يجب كخطوة أولى بناء حزب ثوري يمثل الطبقة العاملة وتكون مهمته تحقيق برنامج الطبقة العاملة الثوري. لقد استفاض وأجاد الصديق راتب شعبو (مؤلف كتاب “قصة حزب العمل الشيوعي في سورية”) في البحث في هذه المسألة (وعي المؤسسين لتلك القضية)، سواء في بحثه حول جدل بناء الحزب الشيوعي في سوريا (كراس صدر عام 1977) أو في المهمات البرامجية الصادرة عن الاجتماع الثالث الموسع للحلقات الماركسية أب 1976.

قصة الشعار/ في جريدة التنظيم/ في البرنامج الانتقالي

بعد حملة أيلول 1978 لم يبق من قيادة التنظيم سوى ثلاثة رفاق، لذا قام ما تبقى منهم باستكمال أعضاء الهيئة المركزية وتم عقد اجتماع للهيئة في حمص في كانون أول 1978. حضر الاجتماع كل من الرفاق: أصلان عبد الكريم، فاتح جاموس، نهاد نحاس، زياد مشهور، مصطفى خليفة، أحمد رزق، وائل السواح، كامل عباس، وجيه غانم، حسام علوش، علي الكردي، جهاد عنابة، منيف ملحم. انتخب الاجتماع لجنة عمل مؤلفة من الرفاق: أصلان عبد الكريم، فاتح جاموس، نهاد نحاس، زياد مشهور، منيف ملحم.
تقرر حينها إصدار “الراية الحمراء” كل 15 يوماً بدلاً من إصدارها كل شهر، لكن في نيسان 1979 شن الأمن العسكري حملة اعتقالات شملت اللاذقية وطرطوس وحلب، اعتقل على إثرها كل من أعضاء الهيئة المركزية: جهاد عنابة، مصطفى خليفة، وجيه غانم، حسام علوش. 
شهدت الأشهر الفاصلة بين اجتماع الهيئة المركزية في كانون أول 1978 / حمص وحملة الاعتقالات في نيسان 1979 نشاطاً مكثفاً للتنظيم، إضافة لإصدار “الراية الحمراء” كل 15 يوماً، كان هناك ملصق أو بيان يوزع كل أسبوع تقريباً.
اجتمعت الهيئة المركزية في آذار 1979، لتحديد السياسة المناسبة في هذا الجو القمعي الكثيف. اعتبر غالبية المجتمعين أن التحدي والتوزيع القطاعي والتحريضي السابق كان خطأً ناجماً عن نزوع يساري ساد المنظمة في المرحلة السابقة. “كان الاجتماع عاصفاً ومتوتراً ومشحوناً بالخوف والغضب معاً وقد طرحت فيه آراء عديدة متباينة ومتناقضة تماماً منها مثلاً رأي يطالب بحل المنظمة والعودة إلى مرحلة الحلقات الماركسية، الوجه المقابل له، مزيداً من النشاط السياسي والتحريض مهما كانت النتائج (2)”. 
الاجتماع كان في نيسان وليس في آذار لأن الاجتماع جاء عقب حملة نيسان. نعم كان الجو متوتراً. وكان هناك قلق من إمكانية تصفية التنظيم. ولكن لم يطرح أيٌ كان حل التنظيم والعودة للحلقات الماركسية. قرر الاجتماع تقسيم ما تبقى من الهيئة المركزية إلى قسمين، قسم يذهب إلى لبنان كقيادة احتياطية (أصلان عبد الكريم، وائل السواح، كامل عباس، أحمد رزق، نهاد نحاس) إذا ما تم اعتقال لجنة العمل (فاتح جاموس، زياد مشهور، علي الكردي، منيف ملحم). كانت مهمة القيادة الاحتياطية فقط التنسيق مع لجنة العمل لإصدار “الراية الحمراء”.
مع أوائل حزيران 1979 كان قد تم ترميم منظمات التنظيم واستقر الوضع التنظيمي مع التغيير الجديد في هيكليته ونمت منظماته في حلب ودمشق واللاذقية. 
كان الجو السياسي في سوريا قبل مجزرة المدفعية وبعد التقارب ومن ثم التباعد ما بين البعثين الحاكمين في دمشق وبغداد ملبداً بغيوم عزاها النظام السوري إلى نشاط نظام البعث في العراق ومنها بشكل خاص العمليات العسكرية من الاغتيالات التي طالت بعض رموز النظام. بينما رأت رابطة العمل الشيوعي أن النظام يتعامى قصداً عن مبعث ومدبر الاغتيالات التي تحدث في سوريا، وهي اغتيالات تقوم بها القوى الدينية (الإخوان المسلمون) مستخدمة السمة الطائفية للنظام التي تتعزز يوماً بعد يوم كمادة لعملياتها.
شكلت مجزرة المدفعية التي ارتكبتها القوى الدينية في حزيران 1979 وما تلاها من تطورات على الساحة السورية (اعتراف النظام بوجود معارضة مسلحة من القوى الدينية، لقاء أعضاء من الجبهة التقدمية للنظام مع أعضاء من اتحاد الكتاب العرب) بداية تبلور خط سياسي ومهام جديدة لرابطة العمل الشيوعي يمكن تكثيفها في: إن استمرار النظام والصراع الذي تخوضه القوى الدينية معه ينذر بكارثة محدقة بالوطن. لذا كان على القوى الديمقراطية والشيوعية العمل من أجل إسقاط هذا النظام من خلال بناء جبهة شعبية متحدة تكون الأداة التنظيمية للطبقات الشعبية.(4)
منذ العدد 34 آب 1979 وحتى العدد 43 شباط 1980 بدأ يظهر شعار إسقاط النظام على صفحات “الراية الحمراء” بمواقع مختلفة من صفحاتها وبمضامين مختلفة منها: إسقاط النظام الديكتاتوري، إسقاط الديكتاتورية البعثية، إسقاط السلطة الديكتاتورية البعثية، إسقاط سلطة الطبقات السائدة، إسقاط الحكم الديكتاتوري البعثي، إسقاط الأنظمة البورجوازية العربية الديكتاتورية. بالإضافة لشعارات أخرى مثل إسقاط الإرهاب اليميني الطائفي المتطرف، تحيا الجبهة الشعبية المتحدة أداة السلطة الشعبية…إلخ.
أنا أتحمل مسؤولية رفع شعار إسقاط السلطة على صفحات “الراية الحمراء” من العدد 34 وحتى العدد 43 شباط 1980 الذي ظهر فيه شعار من “أجل إسقاط الأنظمة البورجوازية العربية الديكتاتورية” بالإضافة للشعارات الأخرى المذكورة سابقاً، والذي جعل نهاد نحاس (ولم يكن في حينها عضواً في لجنة العمل) يسأل في اجتماع للجنة العمل عن سبب رش هذه الشعارات بدون ضوابط.
لم يكن وعيي في حينها يرى أي تمييز بين إسقاط الحكم وإسقاط النظام وإسقاط سلطة الطبقة البورجوازية، فجميعها واحد باختلافات بسيطة (ومازال هذا لدي حتى اليوم في الحالة الراهنة للوضع في سوريا). وهي عندما ترد في الأدبيات فهي شعارات للتحريض والتعبئة حولها وليس للتنفيذ المباشر. وطرحها لم يكن يعني أننا أمام ثورة اشتراكية مطروحة على جدول الأعمال راهناً. واستخدامنا لتعبير الجبهة الشعبية بوصفها “الأداة التنظيمية للطبقات الشعبية القادرة على صنع الثورة الاجتماعية” جاء في سياق الحديث عن الجبهة الشعبية ومهامها وليس في إطار الحديث عن إسقاط النظام. ولو كان الحديث يجري هنا عن ثورة اجتماعية (ثورة اشتراكية) كما تم فهم ذلك لما كان هناك من معنى لطرحنا البرنامج الانتقالي(5) باعتباره برنامجاً ديمقراطياً ثورياً. 
كما لم يكن لدي أي تمييز بين أهمية كون الشعار في الصفحة الأولى أو في نهاية المقالات أو في الصفحة الأخيرة. كان الأمر بالنسبة للشعار (كما كنت أعتقد في حينها) أن يكون تكثيفاً لافتتاحية الراية الحمراء فإذا كانت الافتتاحية تدور حول الجبهة الشعبية فيتطلب الأمر أن يكون الشعار: نحو بناء الجبهة الشعبية. وهكذا تأتي الشعارات. وهكذا كان الأمر بالنسبة لي (بالطبع الآن أدرك أهمية موقع الشعار)(6).
في كل الأحوال، لم يعترض أحد من الرفاق على وجود الشعار بالصيغة التي ورد فيها، وبالمكان الذي ورد فيه في الراية الحمراء، سواء قبل اجتماع بيروت أيلول 1979 أو بعده لولا ملاحظة الرفيق نهاد نحاس.

محاولة التجميد الفاشلة لشعار إسقاط النظام -“قضايا الخلاف”

كان اجتماع الهيئة المركزية في بيروت أواخر أيلول 1979 أكثر الاجتماعات هدوءاً وحميميةً وثقةً بالتنظيم. فنحن إلى حد ما بعيدون عن قبضة النظام، والتقينا بعد طول غياب، ووضع البنية التنظيمية استقر ونما. واستطاعت أعداد “الراية الحمراء” التي صدرت بالأشهر الأخيرة أن توحد الآراء حول المهام القادمة وخطة العمل القادمة(7).
تمت الموافقة على برنامج انتقالي، النقطة المركزية فيه إسقاط النظام. كما تم التركيز على العمل من أجل بناء جبهة شعبية متحدة مع القوى السياسية الشيوعية والديمقراطية المعارضة، وتقرر عقد مؤتمر للتنظيم في آذار 1980.
عدنا إلى دمشق بعد اجتماع أيلول 1979 في بيروت (أعتقد كان الاجتماع في 24 و25 أيلول). وأمضينا التشرينين في شرح رؤيتنا ومهامنا السياسية للرفاق والأصدقاء والقوى السياسية التي نطمح أن تشاركنا هذه الرؤية للتصدي لما كنا نعتقده. إن الصراع بين النظام والقوى الدينية المتطرفة سيؤدي لكارثة إذا بقي هذا النظام. لذا توجب العمل على بناء قطب ثالث من القوى السياسية الوطنية في إطار جبهة شعبية متحدة تأخذ على عاتقها إسقاط هذا النظام وقطع الطريق على القوى الدينية المتطرفة (اختصاراً “الإخوان المسلمون”).
تم تكليف الرفيق أصلان عبد الكريم بالحوار مع انقسامات بكداش والرفيق فاتح جاموس بالحوار مع ما عرف لاحقاً بـ “التجمع الوطني الديمقراطي” من خلال الدكتور جمال الأتاسي.
في شهر كانون الأول 1979 بدأت تظهر خلافات مصحوبة بتوترات داخل لجنة العمل بسبب خلافي مع الرفاق حول قضايا لها علاقة بموقف “الرفاق السوفييت” من بعض الأنظمة (أثيوبيا، اليمن الجنوبي) ودعم بعض الرفاق لهذا الموقف. جاء التدخل السوفييتي في أفغانستان ليزيد من حدة الخلاف. ثم جاءت القشة التي قصمت ظهر التوافق ضمن لجنة العمل ورفعت حدة الخلاف بيني وبين الرفيق أصلان إلى أعلى مستوياته. فقد تواردت إلي أخبار على شكل تساؤلات من خلايا في منظمة دمشق أن هناك تغيراً وانعطافاً في الخط السياسي والبرنامج للتنظيم ينشره الرفيق أصلان عبد الكريم بين الرفاق وبين حتى القوى السياسية، مضمونه الرئيسي تجميد شعار إسقاط النظام واتباع تكتيك لينين في مواجهة عصيان كورنيلوف.
تم في اجتماع للجنة العمل سؤال الرفيق عن الموضوع فأقر بالموضوع ودافع عن وجهة نظره بضرورة اتباع التكتيك المذكور. رفضت لجنة العمل وجهة نظر الرفيق وطلبت منه الكف عن طرح وجهة نظره الشخصية خارج إطار جريدة الحزب الداخلية (البروليتاري). 
في الواقع أصبح الجو متوتراً(8) بيني وبين الرفيق وبصراحته المعهودة وبثقه بنفسه وبمواقفه السياسية أكثر من اللازم أعلن في أحد اجتماعات لجنة العمل في كانون الثاني 1980، أنه سيعمل كل ما في وسعه لإبعاد منيف ملحم عن لجنة العمل(9). فكان ردي عليه سأفعل نفس الشيء اتجاهك (كنا ننتظر عقد مؤتمر الحزب المقرر في آذار1980).
كانت آخر مواجهاتنا صياغة بيان الترحيب بالرفاق الذين أطلق سراحهم في 4 شباط 1980. في وقت أراد الرفيق أصلان عبد الكريم أن يكون عنوان البيان الحرية للقوى الوطنية. طلبت أن يكون العنوان الحرية للشعب أولاً. ولأن الفرحة كانت كبيرة والاستعدادات لاجتماع الهيئة المركزية بكامل أعضائها أصبح يقترب وبالتالي تحسم الخلافات بشكل ديمقراطي فقد تمت الموافقة على اقتراحي(10).

اجتماع 29 شباط 2 آذار 1980

اجتمعت الهيئة المركزية بكامل أعضائها بتاريخ 29 شباط وبعد تثبيت عضوية الأعضاء انتقل الاجتماع إلى مناقشة نقطتين أساسيتين:
الأولى كانت تجميد شعار “إسقاط النظام”، أما الثانية فكانت تخص التحالفات والقوى السياسية المطلوب العمل معها.
كان هناك اتجاهان وليس ثلاثة كما تم ذكره في كتاب قصة حزب العمل الشيوعي (شهادة لفاتح جاموس). الأول كان على رأسه الرفيق أصلان عبد الكريم ومعه الرفاق: أكرم البني، نهاد نحاس، وائل السواح، وعلي الكردي. طرح هذا الاتجاه ضرورة تجميد شعار إسقاط النظام والاتجاه صوب القوى المتفرعة عن بكداش لتحقيق التحالف. والاتجاه الثاني وكان على رأسه منيف ملحم وزياد مشهور وضم جميع الرفاق الخارجين من المعتقل تقريباً بالإضافة إلى الرفيق فاتح جاموس. هذا الاتجاه رفض مشروع التجميد وطالب بالتوجه صوب القوى المعارضة (عرفت فيما بعد بالتجمع الوطني الديمقراطي)(11).
خسر مشروع التجميد لشعار “إسقاط النظام” الذي قاده الرفيق أصلان عبد الكريم فأعلن الرفيق أصلان عبد الكريم أنه لن يرشح نفسه لعضوية لجنة العمل وقد أثنيت أنا على قراره، ولكن تدخل الرفيق فاتح جاموس لإقناع الرفاق بالضغط على الرفيق أصلان عبد الكريم لترشيح نفسه.
انتخبت الهيئة المركزية لجنة العمل من الرفاق: أصلان عبد الكريم، فاتح جاموس، محمد معمار، زياد مشهور، منيف ملحم.
ثم قدم الرفيق فاتح جاموس مشروعاً يتضمن تجميد شعار “إسقاط السلطة” على صفحات “الراية الحمراء” ريثما يتم ترتيب الوضع التنظيمي الجديد فنال الموافقة(12).

الهوامش:

1- ينبغي التنويه إلى أنني لست بصدد إجراء دراسة نقدية للكتاب (في هذا المقال وفي مقالات أخرى) وإنما الهدف من ذلك هو تسليط الضوء على أهم المنعطفات التي مر بها التنظيم كما جرت بالواقع مستخدماً وعيي كما كان حينها وليس كما هو الأن.

2- من كتاب قصة حزب العمل الشيوعي. للصديق راتب شعبو ص 84 

3- من كتاب قصة حزب العمل الشيوعي. شهادة لكامل عباس ص 80

4- سلط الصديق راتب شعبو في كتابه: “قصة حزب العمل الشيوعي في سورية” الضوء على الخط السياسي الذي انتهجته “رابطة العمل الشيوعي” وطبيعة الصراع الجاري منذ وقوع مجزرة المدفعية وحتى اجتماع آب 1980 بشكل وافٍ.

5- سأتحدث في مقال قادم عن البرنامج الانتقالي الذي تم طرحه في اجتماع بيروت أيلول 1979 والخلافات مع الأكثرية حوله.

6- لم تول قيادة التنظيم أهمية للشعار وموقعه على صفحات “الراية الحمراء” إلا بعد تقرير آب المشؤوم عام 1980

7- عقد الاجتماع بغياب زياد مشهور بسبب بعض الخلافات التنظيمية وعلي الكردي بسبب الاعتقال وتم انتخاب لجنة عمل من: أصلان عبد الكريم، فاتح جاموس، زياد مشهور، وائل السواح، منيف ملحم.

8- في الواقع كان يأخذ الاجتماع لتقرير إصدار عدد من الراية الحمراء أو بيان، جلستين: الأولى لتقرير المواضيع والثانية للموافقة عليها. ولكن بسبب هذا التوتر أصبح إصدار عدد من “الراية الحمراء” يأخذ جلسات، وسابقاً كنا نلجأ للتوافق وقليلاً ما نلجأ للتصويت، ثم أصبح التصويت هو القاعدة.

9- جرى التقليد في “رابطة العمل الشيوعي” أن يعاد انتخاب لجنة العمل في كل اجتماع للهيئة المركزية. وقد حاول الرفيق إقصائي عن لجنة العمل من خلال اجتماعات الهيئة المركزية ولكنه لم ينجح. لذا قدم مشروعاً في المؤتمر التأسيسي لـ “حزب العمل الشيوعي” في آب 1981 يمنع على المعارضة أن تُمثَّل في المكتب السياسي. وقد رأت الأقلية اليسارية في القرار فعلاً غير ديمقراطي وكان هذا القرار بالإضافة لأمور أخرى أحد الأسباب التي دعت الأقلية اليسارية لمقاطعة انتخابات اللجنة المركزية.

10- شكلت الخلافات التي تصاعدت ضمن لجنة العمل منذ أواخر عام 1979 بداية تشكيل تيار في رابطة العمل الشيوعي ومن بعدها حزب العمل الشيوعي. تيار يقترب شيئاً فشيئاً من الخط السوفييتي وهو ما استتبع مواقف ستشكل مفارقات وسقطات في خط الحزب تم الحديث عنها ونقدها في كتاب قصة حزب العمل الشيوعي من قبل الصديق راتب شعبو دون الإشارة إلى الأساس الذي بنيت عليه هذه المواقف. من الأمثلة عليها شعار الحرية للقوى الوطنية والتقدمية في مواجهة نظام ديكتاتوري استبدادي.

11- طلب الرفيق فاتح من الاجتماع السماح له بمغادرة الاجتماع للقاء الدكتور جمال الأتاسي لمعرفة آخر التطورات لديهم. وقد خرج الرفيق الساعة السادسة مساءً وعاد في الثامنة مساءً بوعد من الدكتور الأتاسي بأنهم في حال القيام بأي خطوة جديدة فلا بد أن نكون على علم بها. طبعاً بعد أيام من هذا اللقاء صدر بيان آذار للتجمع الوطني الديمقراطي!!!

12- إن الحديث الذي تناقلته بعض القوى السياسية حول تحالف الرابطة مع النظام لا يعود إلى ما صدر في تقرير آب 1980 وإنما يرجع إلى زمن أسبق أساسه وجهة النظر التي أشاعها الرفيق أصلان عبد الكريم (تكتيك لينين- كورنيلوف) بين القوى السياسية منذ كانون الأول 1979 باعتبارها وجهة نظر الحزب. نعم لم يكن ذلك الدخان بلا نار ولكنها لم تكن سوى النار التي أشعلها الرفيق ولا علاقة للحزب بها.

* سأكتب في مقال قادم ظروف تجميد الشعار باجتماع آب 1980.
____________


قراءة أولية في كتاب قصة حزب العمل الشيوعي في سوريا/3/

تقرير آب وتجميد شعار “إسقاط النظام”

انفض اجتماع الهيئة المركزية في صباح 2 آذار 1980 مؤكداً على النقطة المركزية في البرنامج الانتقالي الذي أقرّه اجتماع الهيئة المركزية في اجتماع بيروت/ أيلول 1979 والمتمثلة بإسقاط النظام الديكتاتوري من خلال بناء جبهة شعبية متحدة (قطب ثالث) تضم كل القوى الديمقراطية الثورية والشيوعية وإقامة حكومة ديمقراطية ثورية لقطع الطريق على القوى الرجعية.
لم تمض أيام على انفضاض اجتماع الهيئة المركزية حتى تغير مشهد الصراع على كل الصعد والمستويات فمن تغير في حدة الصراع بين النظام والإخوان المسلمين إلى تغير في اصطفاف القوى السياسية وظهور بوادر لحراك بعض النقابات المهنية. 
فبعد سنوات من الاغتيالات الفردية التي يقوم بها الإخوان المسلمون لرموز النظام بين الفترة والأخرى تصاعدت وتيرة الاغتيالات وأصبحت أصوات المواجهة العسكرية تسمع بشكل يومي بين النظام وبعض المجموعات المسلحة (الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين) في المدن السورية. ثم انفجر الوضع في آذار 1980 بشكل دراماتيكي، إغلاق بعض المدن من قبل الجماعات المسلحة، تبادل السيطرة ليل/ نهار بين النظام والجماعات المسلحة، تحرك النقابات المهنية بمطالب ديمقراطية، إضرابات ومظاهرات مضادة للنظام في بعض المدن. بالمختصر طفى على السطح إلى جانب المواجهة العسكرية للإخوان المسلمين مع النظام، ما كان مكبوتا لعقد من السنوات عند قطاع واسع من الشعب بسبب القمع وكبت الحريات بعد أن بدا النظام مهتزاً ومضطربا. فعلى مدى أسابيع من آذار ظل رأس النظام يظهر بشكل دائم في مؤتمرات لمنظماته “الشعبية”، الطلبة، العمال، المرأة، الشبيبة، الفلاحون. …إلخ. يهدد أحياناً ويستجدي أحياناً أخرى ويعرض التسويات حيناً آخر على القوى الإسلامية.
رد النظام على كل هذه التحركات بعنف لم يسبق أن شهدته سوريا في تاريخها. تم حلّ النقابات، تمشيط مدن، محاصرة وتمشيط أحياء، حواجز وتفتيش للمارّة والمسافرين، إنزالات عسكرية جوية في بعض المناطق. كل هذا مصحوباً باعتقالات وتصفيات دون محاكمة. 
في آذار 1980 صدر بيان التجمع الوطني الديمقراطي أي بعد أيام من انفضاض اجتماع الهيئة المركزية لرابطة العمل الشيوعي (29 شباط – 2 آذار) ولقاء الدكتور جمال الأتاسي لبحث إمكانية عمل مشترك للقوى المعارضة والتي وعد بها الأتاسي بأن الرابطة ستكون على علم بأي تحرك مشترك بين قوى المعارضة إذا ما تقرر ذلك.
شكل صدور بيان التجمع الوطني الديمقراطي إحباطا وصدمة للجميع في قيادة التنظيم. صدمة أتت فعلها في مستويين: الأول سطحي والثاني عميق.
تجلى المستوى السطحي من الصدمة بأن القيام بأي عمل مشترك منظم مهما كان بسيطاً بين رابطة العمل الشيوعي والأطراف الموقعة على بيان التجمع الوطني الديمقراطي أصبح في طي النسيان لزمن من الصعب تحديده. وحتى إن كان سبب هذه القطيعة والاستبعاد تم بموجب فيتو من رياض الترك الأمين العام للحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) فإن حق استخدام الفيتو في هكذا إطار للعمل السياسي يؤشر إلى هذه القطيعة على المدى الطويل. 
أما على المستوى العميق من الصدمة فإن الرؤية السياسية للصراع الجاري والتي جاء بها بيان التجمع الوطني الديمقراطي جعلت الفجوة عميقة جداً بين رؤية الرابطة للصراع الجاري على أرض الواقع وطبيعة القوى المتصارعة ورؤية التجمع الوطني الديمقراطي. كان يمكن ألا نكون معاً في تحالف تنظيمي نتيجة حساسيات قديمة بين الرابطة(1) وبعض أطراف التجمع وفي مقدمتهم “الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي” والتي استعرضها الصديق راتب شعبو بعمق وبالكثير من الاستفاضة والتحليل في كتابه “قصة حزب العمل الشيوعي في سورية”. ولكن كان يمكن أن نعمل سوياً في إطار تحالف(2) موضوعي يقوم على مبدأ (كان ومازال لدي هذا المبدأ كدليل للتحالفات): “الضرب معا والسير منفردون مع نقد الحليف”. ولكن ما تضمنه بيان التجمع جعل حتى هذا الاحتمال غير ممكن التحقيق.
في الأول من أيار 1980 اعتقل الرفيق زياد مشهور عضو لجنة العمل فحل محله الرفيق أكرم البني وهو ما عزز في لجنة العمل الاتجاه الداعي إلى تجميد الشعار. كما أن التطورات المتصاعدة للصراع جعلت الجميع في لجنة العمل أميل إلى تجميد الشعار باستثنائي. لكن لغياب رياضنا وبكداشنا (بمعنى ليس لدى حزب العمل الشيوعي في قيادته قادة متفرّدين بآرائهم وقراراتهم كرياض الترك وخالد بكداش) في القيادة ظلت القيادة ملتزمة بقرارات الهيئة المركزية في 29 شباط – 2 آذار. ووقعت تحت ضغط يساري دائم من القواعد (كان بالعادة يسمع للأصوات القادمة من القاعدة ويؤثر في قرارات القيادة). 
بعد صدور بيان التجمع الوطني الديمقراطي ونفض اليد من أي عمل مشترك مع التجمع لا بشكل مباشر أو غير مباشر، ذهب بعض الرفاق في القيادة باتجاه البحث عن حلفاء لتشكيل القطب الثالث في تمزقات حزب بكداش (منظمات القاعدة – مراد يوسف)، حركة اتحاد الشيوعيين (حنين نمر) وصلت إلى حد تقديم عرض لهم بالتوقيع على بياض في بيان مشترك حول تطورات الأحداث لكنهم رفضوا العرض. 
في حزيران 1980 جرت محاولة اغتيال الأسد وتبعها جنون من العنف والوحشية والمجازر يرتكبها النظام بحجة مواجهة الإخوان المسلمين وبالتالي أصبح الحديث عن تجميد الشعار أو تشكيل قطب ثالث لغواً فارغاً لا أكثر ولا أقل، لذلك اتجهت إلى عدم المواجهة داخل لجنة العمل فيما يتعلق بالتكتيك المتبع للرابطة وركزت اهتمامي على جعل الرفاق في خلاياهم المشاركة في الخط السياسي للرابطة من خلال تفاعلهم برسائلهم للمجلة الداخلية (البروليتاري) أو من خلال الكتابة مباشرة للجنة العمل. كما شاركت بالكتابة للمجلة الداخلية تحت اسم “سمير” وهو اسم غير معروف في الرابطة. كانت كل التطورات في الصراع وفي المشهد السياسي تخدم التوجه نحو تجميد شعار إسقاط السلطة. ولتعزيز توجههم السياسي قدم الرفيق أصلان اقتراحا بإخراج الرفاق المتخفين إلى العلن والعودة إلى ممارسة حياتهم الطبيعية في مدنهم وقراهم وبين أهلهم وأصدقائهم. معتبراً القرار اختباراً لنوايا النظام تجاه التنظيم.
صوّت جميع أعضاء لجنة العمل بالموافقة على الاقتراح باستثنائي فقد صوت ضد الاقتراح. ومن سخرية القدر فقد كلفت بتنفيذ القرار من خلال الحوار مع الرفاق المتخفين. وقد وافق البعض بفرح ولكن آخرين رفضوا القرار وحملوني مسؤولية القرار وكان الرفيق جمال سعيد (أبو صالح) عنيفاً في رده وقام بخرق تنظيمي وشكا الأمر إلى الرفيق فاتح جاموس الذي طلب منه عدم تنفيذ قرار “منيف ملحم” (طبعاً في النهاية وجهت لجنة العمل تنبيها للرفيق فاتح وتم تنفيذ القرار من قبل جمال سعيد)(3).
بدأ الإعداد لاجتماع الهيئة المركزية في آب 1980 من خلال تقديم مسودة تقرير إلى لجنة العمل. أطال التقرير في شرح الظروف والتطورات التي شهدتها الساحة السورية والصراع بين النظام والإخوان المسلمين والنظام وتطورات القوى السياسية السورية(4) ليخرج بنتيجة تقول إن مهامنا اليوم تتلخص بتجميد شعار “إسقاط النظام” وبمواجهة الحلف الرجعي والحفاظ على الوضع الراهن (الحفاظ على النظام الديكتاتوري).
وافقت لجنة العمل على مسودة التقرير المقدم إلى الهيئة المركزية باستثنائي فقد رفضت التقرير مضموناً ونتائج. كنت أعلم أن التقرير سينال موافقة الهيئة المركزية لذلك سعيت لمحاولة تعديل نتائج التقرير ولاسيما منها شعار الحفاظ على الوضع الراهن في اجتماع الهيئة المركزية. وافقت الهيئة المركزية على التقرير بشكل عام باستثنائي والرفيق وجيه غانم فقد رفضنا التقرير.
مع علمي بأن الرفاق في الهيئة المركزية لا يمانعون بتجميد شعار إسقاط النظام ولكن كان من الصعب عليهم بعد هذه السنوات في مواجهة الديكتاتورية وما تركته من آثار مدمرة على الوطن أن يتقبلوا شعار الحفاظ على الوضع الراهن. لذلك تم تقديم اقتراح أن تكون مهام المرحلة المقبلة هو دحر الديكتاتورية والظفر بالحريات السياسية ودحر الحلف الرجعي الأسود. وقد تمت الموافقة على الاقتراح وخرج التقرير بموافقة أغلبية الهيئة المركزية. 
لقد أثار التقرير بعد توزيعه على منظمات التنظيم لغطا كبيرا ومواقف متشنجة أحياناً ورافضة أحياناً أخرى من بعض منظمات التنظيم وبعض الخلايا(5).
هل انسجم الخط السياسي لـ “الراية الحمراء” باعتبارها ناطقة باسم “رابطة العمل الشيوعي” مع تقرير آب 1980 ما بين صدور التقرير وانعقاد المؤتمر التأسيسي لحزب العمل الشيوعي في آب 1981؟ في الواقع كما يقول الرفيق كامل عباس “ظلت دعوتها ضد الإخوان المسلمين وتحريضها ضد النظام”. وهو فعل جاء تحت ضغط الميل اليساري للقاعدة الحزبية من جهة وتحت الممارسات المتوحشة للنظام تجاه أي صوت معارض.

يتبع ……..تاريخ المعارضة اليسارية في رابطة العمل الشيوعي

*****************************************************

1- كان يبدو خط رابطة العمل الشيوعي ولاسيما في فترة اشتداد الصراع بين النظام والإخوان المسلمين شديد الراديكالية في كل شيء ما عدا موضوع التحالفات فقد كانت الرابطة تتمتع بمرونة عالية على هذا الصعيد نظراً لتقديرها أن نتائج الصراع بين الطرفين المتصارعين إن لم تحسم لصالح القطب الثالث ستكون كارثية على مستقبل الصراع في سوريا.

2- على ذكر أشكال التحالف بين القوى السياسية لتحقيق هدف مشترك يحضرني هذا الحوار الذي جرى في أوائل عام 2001 بيني وبين رياض الترك في منزل الرفيق نهاد النحاس (أبو عبدو) والذي رتبه كما اعتقد بالتوافق مع رياض الترك ولكن دون علم مني. حينها كان منتدى اليسار للحوار الذي أسسته في نهاية عام 2000 قد عقد جلسته الثالثة كما اعتقد. كنت وصلت إلى بيت نهاد قبل رياض الترك وماهي إلا دقائق حتى وصل وبادرني بالسؤال التالي:

   رياض الترك: ابن العم سمعت أنك عامل منتدى اسمه منتدى اليسار؟؟؟؟

   أنا: نعم أحاول أن أجد صوتاً لليسار من ضمن الأصوات التي تخرج الآن في مناخ الحراك القائم اليوم

رياض الترك: ليس لدينا في سوريا يمين ويسار. نحن واحد في مواجهة ديكتاتورية الأسد. لذلك أنصحك باغلاق المنتدى.

أنا: أخالفك الرأي في سوريا هناك حضور لكل التيارات والألوان السياسية واليسار ليس ألا واحداً منها. وهذا لا ينفي أن تتحد هذه الألوان كما شعار شركة بينتون الإيطالية (United Colors). لتحقيق هدف واحد وهو الخلاص من الديكتاتورية وتحقيق التحول الديمقراطي.

رياض الترك: نحن نريد بناء تحالف لا لون له وان وجود اسم اليسار يخيف البورجوازية السورية وبالتالي يجعلها خارج هذا التحالف.

أنا: إذا كان مجرد حضور اليسار في هذا التحالف يجعل الأخرين خارجه فليكن ذلك.

انتهى الحديث بدخول أصلان عبد الكريم وفاتح جاموس فانتقل رياض الترك للحديث معهما فانسحبت أنا من اللقاء وخرجت.

بعد عدة أيام من هذا اللقاء مع رياض الترك أخبرني أصلان عبد الكريم أن رياض الترك لم يترك أية قوة سياسية أو جلسة يحضرها ألا وأعلن أن منتدى اليسار هو صنيعة المخابرات العسكرية وان منيف ملحم ليس إلا عميل لشعبة المخابرات العسكرية. (طبعاً القصة لم تنتهي في عام 2001 وإنما امتدت حتى عام 2011 إبان الثورة. يعرف بعضها المحامي خليل معتوق وبعضها الآخر المحامي إبراهيم الحكيم).

3- طبعاً تم اعتقال الرفاق الذين عادوا للعلن قبل نهاية عام 1980 ومنهم الرفيق جمال سعيد

4- يمكن الاطلاع على المحتوى الأساسي للتقرير من خلال كتاب الصديق راتب شعبو “قصة حزب العمل الشيوعي في سورية”

5- لقد ذكر الصديق راتب شعبو في كتابه قصة حزب العمل الشيوعي بعض الردود على التقرير سواء داخل رابطة العمل الشيوعي أو بعض القوى السياسية أو أصدقاء الرابطة.
_________


قراءة أولية في كتاب قصة حزب العمل الشيوعي في سوريا/4/
تاريخ المعارضة في رابطة/ حزب العمل الشيوعي

تشكل قضية الديمقراطية والحريات اليوم الشغل الشاغل في الحديث والكتابة والتعليقات لقطاع كبير من الكتاب والمثقفين والناشطين السوريين بكل تلويناتهم الفكرية والسياسية. لذلك تعقد الندوات وتكتب المقالات في: لماذا لم نحظ بحياة سياسية ديمقراطية ونظام سياسي ديمقراطي؟ وكيف، وماهي المقومات الأساسية لبناء دولة ديمقراطية مدنية/ علمانية؟ ومن هي الحوامل – طبقات/ فئات طبقية أو اجتماعية لبناء هذه الدولة بعد أكثر من نصف قرن من غياب الحريات والمؤسسات الديمقراطية. وبعد نصف قرن من نظام استبدادي استثنائي من الصعب إيجاد مثيل له في التاريخ الحديث. 
المفارقة في الحديث اليوم عن الديمقراطية والمتحدثين عنها وباسمها ومن أجلها أن أكثرهم لم يشهد أي حياة سياسية ديمقراطية كون معظمهم عاش طوال حياته السياسية في ظل النظم الديكتاتورية والاستبدادية. كما أن معظمهم قضى حياته السياسية ضمن أحزاب وقوى سياسية ومنظمات لا ديمقراطية، بل إن بعض هذه الأحزاب والمنظمات كانت في حياتها الداخلية صورة مشوهة عن الأنظمة الديكتاتورية والاستبدادية. ولم تسلم الانشقاقات عن هذه الأحزاب أحياناً من حمل كل أمراض المركز الذي انشقت عنه فيما يتعلق بقضية الديمقراطية والحريات في الحياة الداخلية لهذه الأحزاب والمنظمات. وقد وصل الأمر في بعض القوى السياسية، والعديد من الناشطين، أن طلقت تاريخها الطويل، ومرتكزه الأيديولوجي (اليساري الشيوعي أو اليساري القومي)، والانتقال إلى مرتكز أيديولوجي جديد نقيض (الليبرالي الرأسمالي) ولكنها ظلت في الممارسة حبيسة تاريخها الطويل في التعامل مع الديمقراطية في منظماتها “الجديدة” وفي علاقتها مع القوى السياسية الأخرى.
من جهة أخرى فإن الكتابة والتنظير عن الديمقراطية شيء وممارسة الديمقراطية شيء آخر. كما أن الممارسة الديمقراطية داخل “البيت” السياسي (الحزب أو المنظمة) شيء والتعامل مع الآخر المختلف خارج “البيت” شيء آخر.
كل هذه العوامل ترمي بثقلها على قضية الديمقراطية والحريات مستقبلاً. ومع هذا أرى فيما يجري اليوم من قبل العديدين من الأفراد أو الأحزاب والمنظمات من نقاش حول الموضوع (الديمقراطية) مقدمات مهمة لعبور الصحراء على طريق بناء قوى سياسية ديمقراطية ونظام ديمقراطي تعددي في سوريا يرمي عن كاهل السوريين عبء أكثر من نصف قرن من الدكتاتورية البغيضة والاستبداد الذي تلوّن بكل الألوان خلال تاريخه الطويل أضيف إليه في الآونة الأخيرة استبداداً إسلامياً (جبهة النصرة وأخواتها) يسيطر على بعض مناطق سوريا.
في هذه المقالة سأتناول تجربتي في رابطة/ حزب العمل الشيوعي في قضية محددة وهي قضية الديمقراطية داخل التنظيم دون الدخول في العوامل والأسباب التي جعلت هذه التجربة (تجربة الرابطة/ الحزب الديمقراطية) مميزة نسبياً بالقياس لما عرفته الساحة السياسية السورية على هذا الصعيد.

في الطريق إلى التروتسكية


على مدى ما يقرب من نصف قرن (منذ أن تأسس الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان حتى بداية السبعينيات من القرن الماضي) لم تعرف الساحة السورية تياراً يسارياً شيوعياً سوى الحزب الشيوعي الرسمي (الستاليني) الذي ارتبط اسمه بالنهاية باسم خالد بكداش، وهو شيء لم يحدث في أي ساحة من الساحات لا على الصعيد العالمي ولا على الصعيد العربي. فقد شهدت الساحات العالمية والعربية منذ سيطرت الستالينية على الحركة الشيوعية العالمية عام 1927 انشقاقات أو تشكيل تيارات شيوعية مناهضة للستالينية، كان أشهرها عالمياً التيار الماوي والتيار التروتسكي. ولكن الساحة السورية ظلت عصية على الخروج من قيد الستالينية. فجميع الخارجين من حضن البكداشية أحزاباً وأفراداً ظلوا يدورون في فلك الستالينية ولاسيما في الموضوع/ القضية التي نتحدث (الديمقراطية). والأسواء من ذلك فقد شكلت البكداشية/ الستالينية نموذجاً لكل التيارات الأخرى غير الشيوعية (القومية بكل تياراتها)، على هذا الصعيد كانت ولادة رابطة/ حزب العمل الشيوعي عام 1976 هي الاستثناء الوحيد الذي لم يلد من رحم الستالينية.
في منتصف عام 1971 هدأ الحديث عن شرعية أو لا شرعية الانقلاب الذي قام به وزير الدفاع حافظ الأسد عام 1970. لم يمض على تخرجي من الكلية العسكرية سوى سنة وقد تلقيت تهديد بطردي من الجيش إن عدت للحديث في هذا الموضوع. 
كانت المصادفة أن زرت معرض دمشق الدولي، فشاهدت في أحد الأجنحة كتباً ماركسية من إصدارات دار التقدم السوفييتية. ابتعت بعض الكتب وكان من “أضخمها” كتاب (ماركس أنجلس لينين فكرهم وأعمالهم). فتحولت أوقاتي من لعب الورق أثناء مناوباتي عندما لا يكون هناك طارئ للعمل على السلاح إلى القراءة. ترافق ذلك بمحض المصادفة (أو أن الأمر كان مقصوداً) أن أهداني قائد اللواء لتفوقي بالمسابقات الثقافية التي كانت تقام في حينها كتابين: الأول للمفكر الفرنسي روحيه غارودي، والثاني لصحفي فرنسي على ما أعتقد يتحدث عن التجربة الماوية في الصين.
أكثر ما لفت انتباهي بكتب دار التقدم أنه أثناء ورود اسم تروتسكي يكون دائماً هناك هامش يصفه بأقذع الصفات (متأمر، معادي للينين، عميل للإمبريالية،…إلخ). لم أستطع أن أتفهم كيف كان أحد قادة ثورة أكتوبر عام1917 وكيف أصبح ذلك؟!. بعد فترة ليس ببعيدة حصلت على كتاب إسحاق دويتشر (ستالين سيرة سياسية). توضحت الصورة أفضل. أصبحت كارهاً لستالين ومتعاطفاً مع تروتسكي.
في عام 1973 طردت من الجيش بتهمة إنني ماركسي، فعملت في مصنع الجرارات في حلب لمدة عام ثم انتقلت للعمل في مصنع المحركات الكهربائية في اللاذقية في منتصف عام 1974. وبعد حوالي عام أي في أواخر عام 1975 شكلت مع بعض العمال حلقة كانت تعمل في لقاءاتها على مناقشة أوضاع المعمل ومناقشة الوضع السياسي العام في سوريا(1)، مع قراءة بعض الكتب والنشرات التي تصدر عن القوى السياسية في سورية وبعض الصحف اللبنانية إن وجدت. في تلك الفترة قرأت الكثير من كتابات لينين بما فيها خلافاته مع تروتسكي حول التنظيم وبعض من كتابات تروتسكي (تاريخ الثورة الروسية، والثورة المغدورة، الثورة الدائمة، والاشتراكية في بلد واحد).
كنت متردداً في الانضمام إلى أي من التنظيمات الموجودة في سوريا أو دعوة أعضاء الحلقة لذلك. إلى أن فاتحني أبرز أعضاء الحلقة وأكثرهم ديناميكية ونشاط وجرأة (جهاد عنابة) أنه عضو في حلقة ماركسية أخرى ويرغب أن يطلعني على أعمالها ومنشوراتها. وهكذا أصبحنا جميعاً تقريباً جزء من الحلقات الماركسية وساهمنا في تأسيس ما أصبح يعرف منذ عام 1976 برابطة العمل الشيوعي.
جرت انتخابات المندوبين من الخلايا لمؤتمر” المنطقية “بشكل حر وديمقراطي. كما تم انتخاب المندوبين إلى الاجتماع الثالث الموسع عام 1976 بشكل حرّ وديمقراطي. وقد فشلت في الحصول على عضوية الاجتماع الثالث الموسع. وبالتالي لم أحضر الاجتماع الذي أُعلن فيه عن تأسيس رابطة العمل الشيوعي.
بعد حملة آذار 1977 أصبحت مطلوباً لمخابرات أمن الدولة، فانتقلت إلى دمشق لمتابعة نشاطي. تميز عام 1977 بانشغال التنظيم (الرابطة) بترميم الوضع التنظيمي (الذي بالكاد خرج من رحم الاجتماع الثالث الموسع) نتيجة عدد المعتقلين والعمل على إصدار وتوزيع الخط الاستراتيجي لرابطة العمل الشيوعي (الكراسات).
في دمشق التقيت برفاق لم يحدث أن التقيت بهم من قبل، والتقيت بناشطين من قوى سياسية أخرى. كان من نتيجة ذلك أن وُسمت من قبل الرفاق بالتروتسكي وسببت حواراتي مع من هم ناشطين من قوى سياسية أخرى بوسم التنظيم بالتروتسكية. 
جرت الأمور بدون أي معوقات أو حساسيات من آرائي المخالفة لرأي التنظيم سواء مع الرفاق الذي التقيهم أو في قيادة التنظيم ولذلك عندما تم استكمال أعضاء الهيئة المركزية في كانون الثاني 1978 بعد حملتي اعتقال (نيسان 1978 وأيلول 1978) كنت واحداً من الأعضاء في الهيئة المركزية وتم انتخابي لعضوية لجنة العمل.
أعتقد أن سنوات 79 – 80 هي السنوات التي تبلور فيها الخط السياسي لرابطة العمل الشيوعي وأعطت المسار العام لتشكيل حزب العمل الشيوعي في عام 1981. ولم تكن عملية إصدار الكراسات والجهد الذي بذل فيها وبنقلها من بيروت إلى سورية ذات فائدة تذكر في رسم الخط السياسي للرابطة بداية وللحزب في النهاية. كما لم يكن أي من موضوعات ومقالات الراية الحمراء (الصحيفة المركزية لرابطة/ حزب العمل الشيوعي) مهتما بما جاء في الكراسات. فالخط السياسي للحزب يرسم من خلال الممارسة اليومية وفقاً لحركة الواقع المتحرك وليس بالجلوس في غرف مغلقة لرسمه. وهكذا ارتسم خط الرابطة/ الحزب.
كانت سنوات 79 – 80 غنية بالأحداث والتغيرات على صعيد تسارع الأحداث وخطورتها على كل الفاعلين في الشأن السوري (نظام وقوى سياسية معارضة). ولذلك كانت غنية على صعيد الرابطة سواء بنشاطها السياسي العام أو بالنشاط داخل التنظيم وتياراته المتصارعة(2).
كان الأهم بالنسبة لموضوعنا هو تنشيط جريدة التنظيم الداخلية (البروليتاري). رأيت في الكتابة بالبروليتاري المجال الديمقراطي الذي يتيح لي كتابة وجهة نظري فيها ونشرها على أوسع نطاق داخل التنظيم بعد أن بقيت محصورة داخل الهيئات القيادية (الهيئة المركزية ولجنة العمل).
لجعل (البروليتاري) مستقلة أوكِلت رئاسة تحريرها للرفيق النقي جميل حتمل (لروحه السلام ولذكراه أعطر الكلمات).
جاءت التفاعلات على كتاباتي(3) من قبل الرفاق متباينة. فالبعض قدّم نقداً جوهره الدفاع عن خط التنظيم، وآخرون ثمنوا وجهة النظر، واحد فقط من الرفاق طالب فيها بطردي من التنظيم (لروحه السلام).
لم يشكل نشر وجهة نظري على التنظيم أي معارضة أو حتى حساسية ضمن الهيئات القيادية. كما إن الخلافات ضمن الهيئات القيادية لم ينظر إليها باعتبارها خلافات مع التروتسكية. فأنا لم أنطلق يوماً من أساس الخط التروتسكي(4) لمعارضة وجهات نظر الرابطة/ الحزب وإنما من اعتقادي بأن ما أطرحه صحيح بغض النظر اتفق مع الخط التروتسكي أم لم يتفق. ولذلك حدث أكثر من مرة أن واجه الرفاق وجهة نظري بمواقف تروتسكيين (سواء كتنظيمات تروتسكية، أو تيارات ضمن الأممية الرابعة) هي أقرب إلى وجهة نظرهم من موقفي (غزو أفغانستان، الموقف من الحكم العسكري في اثيوبيا…إلخ).


التحضير للمؤتمر التأسيسي لحزب العمل الشيوعي 1981


شُكلت لجنة للتحضير للمؤتمر مكونة من أعضاء لجنة العمل (فاتح جاموس، أصلان عبد الكريم، أكرم البني، محمد معمار، منيف ملحم) بالإضافة لثلاث رفاق من الهيئة المركزية (وجيه غانم، عباس عباس (أبو حسين)، وثالث لا أتذكر من يكون). أعدّت اللجنة التحضيرية التقرير السياسي واللائحة التنظيمية للمؤتمر والنظام الداخلي. عقدت المنظمات مؤتمراتها (بعد أن انتخبت الخلايا مندوبيها) وانتخبت ممثليها للمؤتمر العام. حضر مندوب عن الهيئة المركزية في كل المؤتمرات(5). جرت الانتخابات بشكل حر وديمقراطي ولم تسجل شكاوى إلا من منظمة دمشق حيث ورد أن الرفيق مندوب الهيئة المركزية (أصلان عبد الكريم) مارس ضغطاً على المؤتمر لتمرير وجهة نظره ودعم الرفاق الذين يشاركونه الرأي. أقر الرفيق بذلك وادعى انه بجهل في القواعد التنظيمية للمؤتمر حاول الدفاع عن وجهة نظر الحزب ليس أكثر. وهو يعتذر عن ذلك.
بالإضافة للرفاق المنتخبين ترك للجنة التحضيرية حق تعيين رفاق ليس لهم هيئات تنظيمية بسبب كونهم على علاقة مباشرة مع الرفاق في لجنة العمل (العاملين في الطباعة، الخلية الفنية، المراسلين، وبعض الرفاق الذين لأسباب أمنية على علاقة مباشرة مع لجنة العمل) كان عددهم 7 رفاق (لم يحضر منهم المؤتمر سوى 5 رفاق بسبب عدم تمكّن البعض من تجاوز الحدود إلى لبنان) من مجموع أعضاء المؤتمر الـ 60.
قبل المؤتمر كانت خلافاتنا النظرية والسياسية يمكن حلها في إطالة النقاش فيها سواء في لجنة العمل أو الهيئة المركزية قدر المستطاع باعتبار ليس لطرف مرجعية محددة بدقة يمكن الركون إليها لحسم الموقف. ولجعل الأمور تجري بسلاسة يتم في النهاية التصويت وينتهي النقاش. لذلك كثيراً ما تحدث تنازلات بانتظار المؤتمر لوضع الأسس الراسخة لتكون بمثابة مرجعية تحسم أي خلاف.
في الوثائق المقدمة للمؤتمر التأسيسي تركز اختلافي في نقطتين رئيستين: الأولى حول الموقف الأممي (يختصر في حينها بالموقف من الاتحاد السوفييتي) والتي تقول كما ورد في التقرير: “إن حركة التحرر الوطني بعد أن وصلت في انحدارها في العقد الأخير إلى القاع ها هي تنهض من جديد بفعل التجذر الثوري للاتحاد السوفييتي”، ويستشهد التقرير بالموقف السوفييتي في أفغانستان وأفريقيا…الخ. في الوقت الذي كنت أرى فيه مزيداً من الانحطاط في السياسة السوفيتية ولاسيما في قضية الحريات. والثانية: الموقف من الحكومة الثورية المؤقتة التي وردت بالبرنامج الانتقالي. هل هي حكومة ديمقراطية ثورية تهيمن عليها البرجوازية الصغيرة كما يذكر البرنامج؟ أم هي حكومة ديمقراطية ثورية تكون الغلبة فيها للطبقة العاملة (كل العاملين بأجر) كما أرى أنا؟(6).

غبار الستالينية يملأ قاعة المؤتمر

ما إن تم الانتهاء من مناقشة التقرير السياسي (صوّت 15 عضوا ضد التقرير وتم وصفهم بالتروتسكيين مع العلم أن اسم تروتسكي لم يرد على لسان أي من المتحدثين) حتى اجتاحت المؤتمر موجة من الشتائم والتخوين للأعضاء الذين صوتوا ضد التقرير. استكملت هذه الموجة المسعورة بتقديم اتهام لي بالتآمر مع التجمع الشيوعي الثوري في لبنان (تروتسكيين) قادها فاتح جاموس بالتنسيق مع رفيقين كانا يقيمان في بيروت طالب فيها بمعاقبتي للقيام باتصالات سرية من خلف ظهر التنظيم.
فشل اقتراح فاتح عندما تم التصويت عليه بالحصول على أكثرية (نال 15 صوت فقط). ولكن أجواء المؤتمر لم تعد مريحة وأصبحت متوترة بالنسبة للأقلية اليسارية.
صوّتنا ضد الحكومة الثورية المؤقتة كما وردت في الوثائق، وضد مشروع إرسال رفاق للتدرّب على السلاح عند فصائل المقاومة الفلسطينية الذي اقترحه فاتح جاموس.
في الواقع كنا كتلة متراصة في المؤتمر في جميع النقاط التي تم مناقشتها. وفي النهاية أعلنّا تمسكنا بالحزب وانسحابنا من انتخابات اللجنة المركزية، ولاسيما بعد إن طرح أصلان عبد الكريم مشروع قرار تمت الموافقة عليه. يمنع تمثيل الأقلية في المكتب السياسي للحزب.
في الحلقة القادمة مطاردة السحر وتشويه الأقلية.

**********
المقالة أعلاه تحتوي على (6) هوامش، لكنها ليست موجودة هنا

  1. – يمكن الاطلاع على تجربة حلقتنا في معمل المحركات من خلال المقالة المنشورة في موقع الجمهورية بعنوان (الديكتاتورية وأشيائي الصغيرة). كما يمكن الاطلاع عليها على صفحتي الشخصية.
    (2) – يمكن الاطلاع على الخلافات التي تصاعدت في عام 1980 في الهيئة المركزية من خلال الحلقة /2/ بعنوان لغز شعار إسقاط النظام المنشورة على صفحتي والحلقة /3/ بعنوان تقرير أب وتجميد شعار إسقاط النظام.

(3) كتبت مقالاتي للجريدة الداخلية (البروليتاري) باسم سمير باعتبار اسم أبو وليم كان معروف من هو صاحبه.

(4) – لم اتبع الطريقة في التحليل الذي يتبعها البعض، (بل كنت اعتبرها أقرب إلى الإيمانية اللاهوتية) والمتمثلة بالاستشهاد بماركس ولينين وتروتسكي. بل إن إعجابي بتروتسكي كان من أحد أسبابه أن تروتسكي قليلا ما يستشهد بماركس أو أنجلس. واذكر انه في أحد حواراتنا ضمن لجنة العمل وكان يدور حول الموقف من الاتحاد السوفييتي وهل هو دولة اشتراكية؟ قلت: بالنسبة لي لا دولة اشتراكية إذ لم تكن الديمقراطية والحريات فيها أوسع من الدول الرأسمالية أو بالحد الأدنى مساوية لها. فكان أن رد على الرفيق أصلان عبد الكريم: هذا لم يرد لا عند ماركس ولا عند لينين. فقلت ضاحكاً: سجلها في الماركسية باسم منيف ملحم.

(5) – أذكر إن الرفاق الذين تم تكليفهم بحضور مؤتمرات المناطق هم: أصلان عبد الكريم، أحمد رزق، وائل السواح، ومنيف ملحم.

(6) – ربما يرى البعض في هذه الخلافات أن لا قيمة كبيرة لها في العمل السياسي ولاسيما في المهام المطروحة علينا في سورية. ولكنني أرى اليوم إن تقدير صحيح أو خاطئ لمواقف القوى الكبرى العالمية (السوفييت سابقاً وروسيا حالياً والولايات المتحدة) كان له الأثر البليغ في هزيمة ثورتنا عام 2011.



___________


قراءة أولية في كتاب قصة حزب العمل الشيوعي في سوريا/5/
محاربة السحرة وتشويه الأقلية اليسارية

ما كتبته في المقالات الأربعة السابقة كملاحظات على كتاب الصديق راتب شعبو تحت عنوان “قراءة أولية في كتاب قصة حزب العمل الشيوعي في سورية” لم يكن أكثر من تأريخ لبعض المحطات التي لعبت فيها المعارضة دوراً باعتبارها تيارات سياسية ضمن الرابطة/ الحزب مستندة إلى الحياة الديمقراطية التي كانت من أهم وأبرز ما ميز الرابطة/ الحزب عن كل التيارات والأحزاب التي كانت قبلها، ولاسيما الشيوعية منها. وقد لعبت المعارضة دورا إيجابيا في الحفاظ على الخط الثوري منذ التأسيس الأول عام 1976 وحتى انعقاد المؤتمر التأسيسي لحزب العمل الشيوعي في آب 1981.
في هذا المقال سيتم التركيز على تاريخ حضور المعارضة في الرابطة/ الحزب بعد أن أتاح لها انعقاد المؤتمر التأسيسي عام 1981 أن تتوحد ضمن تيار متماسك طوال جلسات المؤتمر مطلقة على نفسها اسم “التيار اليساري في الحزب”(1). وسوف أمعن النظر في تطور وضع المعارضة وكيف تعامل رفاق قيادة/ قواعد الحزب معها بالتركيز على مرحلة ما بعد اعتقالي في 9 آب 1981، بعد ثلاثة أيام من انتهاء أعمال المؤتمر.
قبل الحديث عن المعارضة وتاريخها، أرغب أن أقول إن وعيي السياسي بدأ وأنا طالب ضابط في الكلية العسكرية لم أبلغ بعد العشرين من العمر. وكان عليّ أن أنتظر بضعة أشهر لأصبح ضابطاً في الجيش العربي السوري. وجدت نفسي في صفوف المعارضة إبان الصراع على السلطة ضمن حزب البعث الحاكم عام 1970 بين وزير الدفاع في حينها، الفريق حافظ الأسد، وما عُرف لاحقا بالقيادة القطرية للحزب أو “جماعة صلاح جديد”. وقد انتهى الصراع في تشرين عام 1970 بانقلاب الأسد (عرف بالحركة التصحيحية فيما بعد) على القيادة القطرية وإرسال أعضائها إلى المعتقل.
إن ما شغلني إبان هذا الصراع لم يكن لأي طرف أنحاز (كنت معارضاً لانقلاب الأسد وأعلنتُ ذلك في حينها متعاطفا مع الذين أرسلهم إلى المعتقل). لكن ما شغلني كان أن غياب الديمقراطية في الأحزاب وفي بنية الدولة وغياب الحرية في المجتمع، هذا الغياب لن يقود إلا إلى نتائج كارثية على الأحزاب والدولة والمجتمع. فالانقلاب الذي تم لم يظهر تجاهه أي رد فعل جدي وملموس لا في حزب البعث ولا في المجتمع. وهو ما جاء نتيجة لغياب الحرية ضمن حزب البعث وغيابها في المجتمع كنتاج لغياب الديمقراطية في بنية الدولة. بالطبع هذا الوعي لقضية الحريات والديمقراطية لم يأت إلي من نتاج ما حصل في الواقع فقط، وإنما شاءت الصدف أن زرت معرض دمشق الدولي، فشاهدت في أحد الأجنحة كتباً ماركسية من إصدارات دار التقدم السوفييتية. ابتعت بعض الكتب وكان من “أضخمها” كتاب ماركس أنجلز لينين فكرهم وأعمالهم. فتحولت أوقاتي من لعب الورق أثناء مناوباتي عندما لا يكون هناك طارئ للعمل على السلاح إلى القراءة. ترافق ذلك بمحض المصادفة (أو أن الأمر كان مقصوداً) مع كون قائد اللواء أهداني لتفوقي بالمسابقات الثقافية التي كانت تقام في حينها كتابين: الأول للمفكر الفرنسي روجيه غارودي، والثاني لصحفي فرنسي على ما أعتقد يتحدث عن التجربة الماوية في الصين.
أكثر ما لفت انتباهي بكتب دار التقدم انه كلما ورد اسم تروتسكي يكون دائماً هناك هامش يصفه بأقذع الصفات (متآمر، معادي للينين، عميل للإمبريالية، الخ). لم أستطع أن أتفهم كيف كان أحد قادة ثورة أكتوبر 1917 وكيف أصبح ذلك؟! بعد فترة ليس ببعيدة حصلت على كتاب إسحاق دويتشر، ستالين سيرة سياسية. توضحت الصورة لدي وأصبحت كارهاً لستالين ومتعاطفاً مع تروتسكي.
 من خلال هذه الكتب وتحديدا من خلال الهوامش التي تتحدث عن تروتسكي وكتاب دويتشر اقتنعت بأن ما يكتبه المنتصرون عن تاريخ المهزومين لا يعول عليه إذ إنه في معظمه كذب وافتراء على هذا التاريخ. ولم يخطر في عقلي أنني سأمر بنفس التجربة بعد أكثر من عقد أثناء وجودي في حزب العمل الشيوعي وتحديدا بعد اعتقالي.

عودة على بدء: تاريخ المعارضة اليسارية داخل حزب العمل الشيوعي

كانت قضية الديمقراطية والحريات أحد هواجسي منذ تشكل حلقتنا الماركسية في عام 1975 (اللاذقية) حيث كنت اعمل في معمل المحركات بصفة عامل فني بعد تسريحي من الجيش عام 1973 لكوني ماركسيا. وقد عملنا كحلقة ضمن المعمل على ممارسة الديمقراطية في كل الانتخابات التي شاركنا فيها داخل النقابة العمالية. كما مارسناها بعد توحد الحلقات الماركسية في اللاذقية في انتخابات مندوبينا إلى الاجتماع الثالث الموسع للحلقات الماركسية الذي أفضى إلى تشكيل “رابطة العمل الشيوعي” في عام 1976.
بعد حملة أذار 1977 انكشف وضعي التنظيمي بسبب الحملة التي طالت منظمة اللاذقية. فانتقلت إلى العمل السري في دمشق حيث صرت على احتكاك بقيادة المنظمة بشكل مباشر مما أدى إلى توتر بيني وبين بعض أعضاء القيادة بسبب بعض الملاحظات الأمنية. في دمشق التقيت بعدد قليل من الرفاق لم يحدث أن التقيت بهم من قبل، والتقيت بناشطين من قوى سياسية أخرى. كان من نتيجة ذلك أن وُسمت من قبل الرفاق بالتروتسكية. وربما كانت حواراتي مع من ناشطين من قوى سياسية أخرى من الأسباب التي وسمت الرابطة كلها بالتروتسكية. هذا مع أنني لم استشهد بتروتسكي أبدا أثناء حواراتي (كنت وما زلت ابتعد عن الاستشهاد بنصوص كبار المفكرين الماركسيين لدعم وجهة نظري في حوار أو لتبيان صحة موقفي. ولم أزل أنظر إلى مثل هذه الاستشهادات باعتبارها شكل من أشكال الإيمان الديني). لكن كان يكفي أن تقول لمحاورك إن حالة الديمقراطية والحريات في الاتحاد السوفييتي بائسة وأن النظام هناك ليس اشتراكيا حتى تتهم بالتروتسكية، هذا إذا لم تتبع التهمة بوصفك عميلا للإمبريالية.
في أواخر عام 1977، أبلغت بأن “الجبهة الشعبية لتحرير عمان” تطلب متطوعين للعمل في صفوفها (خدمة ثورية). فوافقت على الذهاب. ولذلك غبت عن العمل في الساحة السورية ولم أعد إليها حتى تموز 1978. في أيلول من نفس العام، تم تنظيم ما عُرف بدورة الكادر وكنت واحدا من الرفاق المشاركين فيها ومن خلالها تعرفت على عدد من الرفاق الجدد. و من فوائد الدورة رغم مدتها القصيرة أنني تعرفت على الآراء السياسية والطبيعة الشخصية لرفاق عملت معهم بعدها طوال نصف عقد من العمل السري وعقد ونصف في المعتقلات التي مررنا بها. كما كانت فرصة للرفاق المشاركين في الدورة للتعرف على أول ناشط سياسي ينسب نفسه إلى التروتسكية بفخر. وقد كان هناك قبول عام لوجودي بينهم، بل تم اعتبار أن ذلك يغني المنظمة من خلال تعدد الأفكار ووجود تيارات مختلفة. وقد برز هذا القبول عندما تم توسيع الهيئة المركزية وتم انتخابي عضوا في لجنة العمل في كانون الأول 1978.
كانت دورة الكادر البداية الأولى لنشوب خلافات مع الرفاق في بعض القضايا الدولية وتقييم بعض التجارب “الاشتراكية”، تركزت حينها حول تقييم التجارب في كل من أثيوبيا (المجلس العسكري) واليمن الجنوبي (انقلاب عبد الفتاح إسماعيل)، وأنغولا وغيرها، وموقف الاتحاد السوفييتي الداعم لأنظمة ديكتاتورية برجوازية صغيرة ومتخلفة على حساب القوى الشيوعية الراديكالية في بلدانها(2). في الواقع كان خلافي حول تقييم هذه التجارب يدور ليس مع رفاقنا في الرابطة فقط وإنما كذلك مع الرفاق في “التجمع الشيوعي الثوري” في لبنان (منظمة تروتسكية).
أمضينا عام 1979 حتى مجيء شهر أيلول بدون أي خلافات سياسية تُذكر. فقد كان همنا الأساسي الحفاظ على ما تبقى من التنظيم وإعادة ترتيب أوضاع الرفاق التي انقطعت معهم سبل الاتصال بسبب اتساع حملة القمع في نيسان 1979، وإعادة ترتيب وضع الخلايا المتبقية والاستعاضة عن لجان المناطق بمنسق عام في كل منظمة من منظماتنا. بل كنت الرفيق الذي كلف بهذه المهمة بعد القرار الذي افضى إلى سفر خمسة من أعضاء الهيئة المركزية إلى بيروت كقيادة احتياط. وقد استطعنا نحن المتواجدون في دمشق كقيادة ميدانية (فاتح جاموس، منيف ملحم، زياد مشهور، علي الكردي) بالتعاون مع الرفاق المتبقين بعد حملة نيسان 1979 أن نعيد ترتيب الوضع التنظيمي بشكل أفضل مما كان عليه قبل الحملة، سواء من حيث الكوادر أو اتساع وانتشار المنظمات والخلايا.

بداية الخلافات النظرية – السياسية بيني وبين أكثرية القيادة (الهيئة المركزية)


“كان اجتماع الهيئة المركزية في أواخر أيلول 1979 ببيروت أكثر الاجتماعات هدوءاً وحميميةً وثقةً بالتنظيم. فنحن إلى حد ما بعيدون عن قبضة النظام، والتقينا بعد طول غياب، ووضع البنية التنظيمية استقر ونما. واستطاعت أعداد “الراية الحمراء” التي صدرت بالأشهر الأخيرة أن توحد الآراء حول المهام القادمة وخطة العمل القادمة. وتمت الموافقة على برنامج انتقالي، النقطة المركزية فيه إسقاط النظام وإقامة حكومة ثورية”(3).
الخلاف الوحيد في هذا الاجتماع بيني وبين أكثرية الهيئة المركزية تركز حول طبيعة الحكومة الثورية (هل هي حكومة بورجوازية صغيرة كما رأى الرفاق أم حكومة عمال وفلاحين ديمقراطية ثورية كما كنت أرى) في البرنامج الانتقالي الذي أُقر حينها. وهو نسخة محلية عن البرنامج الانتقالي الذي وضعه تروتسكي للبلدان ضعيفة التطور الرأسمالي. وقد اعتبره تروتسكي بمثابة تدريبات أولية من أجل الثورة الاشتراكية، وليس برنامجا للتنفيذ بكليته باعتباره مرحلة تسبق الثورة الاشتراكية بالضرورة. فقد يتحقق بعض هذه المطالب بما يسهل عمل الثوريين باتجاه برنامج الثورة الاشتراكية، وقد لا يتحقق منها شيئا. هذا ولم يؤدي الخلاف إلى أي مشاحنات أو تمترس. فبالرغم من أننا كنا متفائلين برحيل النظام، أدركنا أن لا داعي للخلاف حول جلد الدب قبل اصطياده.
في نهاية عام 1979 وبداية عام 1980، شهد الوضع الدولي والساحة السورية أحداثا وتحولات كبرى (التدخل السوفييتي في أفغانستان، معاهدة الصداقة بين النظام والاتحاد السوفييتي، الصراع بين النظام والقوى الإسلامية المسلحة إلى درجة كسر العظم كما وصفته الرابطة/ الحزب، إطلاق سراح عدد من المعتقلين (104 رفيق ورفيقة من تنظيمنا). كل ذلك استدعى رفع شعارات تخدم المهام التي حددناها في البرنامج الانتقالي ورسم تكتيك يتفق أو يتماشى مع هذه الشعارات. اختلفت مع الرفاق بكل الموضوعات التي ناقشناها في حينها تقريبا. مما أدى إلى خلق جو من التوتر ساد حتى خروج الرفاق من المعتقل واجتماع الهيئة المركزية بكامل أعضائها.
ففي الوقت الذي حيّا فيه الرفاق التدخل في أفغانستان، أدنت الموقف السوفييتي باعتباره غزوا على غرار ما حدث في المجر وتشيكوسلوفاكيا. وقد رحب الرفاق بمعاهدة الصداقة مع بعض التحفظ بينما نظرت اليها باعتبارها تعزز مركز النظام دون أن تقدم أي دعم للشعب السوري، مثلها مثل المعاهدات التي اعتاد الاتحاد السوفييتي على توقيعها مع أنظمة ديكتاتورية تسمى “اشتراكية” وهي ليست سوى مسوخ عن النظام الذي أرساه ستالين. فطالبت برفع شعار “الحرية للشعب اولاً” بدلا عن شعار “الحرية للقوى الوطنية” الذي عاد الحزب إلى رفعه بعد عدة سنوات. كما رفضت تجميد شعار إسقاط النظام، وهو تجميد حاول بعض الرفاق تمريره في اجتماع الهيئة المركزية المنعقد في أواخر شباط 1980. وكانت هي المرة الأولى والأخيرة التي كسبت فيها أكثرية الهيئة المركزية لصالح وجهة نظري(4).


الاعتقال ومطاردة السحرة وتشويه المعارضة: موت التجربة الديمقراطية


على الرغم من الأجواء المتوترة التي سادت جلسات المؤتمر من قبل بعض الرفاق، خرجت من المؤتمر متفائلا باستمرار الحياة الديمقراطية في بنية ونهج الحزب، معزياً التوتر الذي حدث إلى التحريض والافتراء الذي مارسه ضدي فاتح جاموس بين الرفاق منذ الجلسة الأولى للمؤتمر. والشيء الوحيد الذي أسفت له هو مشروع قرار قدمه أصلان عبد الكريم (وقد نال موافقة المؤتمر) تضمن منع تمثيل الأقلية في المكتب السياسي، وهو قرار ينقض أهم ركائز الديمقراطية، وهي حرية الانتخاب والترشح للمكتب السياسي للحزب ضمن اللجنة المركزية.
قضيت في بيروت ليلتان ضيفاً على الرفاق في “التجمع الشيوعي الثوري” ناقشنا خلالها إمكانية مساعدتي للسفر إلى فرنسا للعلاج بعد أن أغلقت إمكانية العلاج في بيروت ودمشق. وقد وعدوا خيراً وهكذا عدت إلى دمشق ما بعد ظهر يوم الثامن من آب 1981. لكن في صباح اليوم التالي، تم اعتقالي من بيتي (باعتراف من وائل السواح الذي كان قد اعتقل على الحدود أثناء عودتنا من بيروت. بيتي هو بيت مخصص لاجتماعات لجنة العمل) وبرفقتي الرفيقة حنان الشريف، التي كانت منتمية إلى التيار اليساري في المؤتمر. وبعد حوالي أكثر من شهر تم إطلاق سراحها لتحمل رسالة إلى “حزب العمل الشيوعي” تدعوه للحوار. ثم عادت لزيارتي (بطلب من الحزب) باعتبارها زوجتي بعد حوالي شهر جالبة بعض مستلزمات السجين التي خبرتها أثناء اعتقالها. وقد طلبت منها في وداعها أن تحذر مجموعة الرفاق في الأقلية اليسارية ضد القيام بأي عمل تكتلي ضمن الحزب لأن ذلك سيكون ذريعة لطردهم من الحزب لأسباب مختلفة، وأن تدعوهم إلى أن يستمروا بالعمل من خلال الصحيفة الداخلية (البروليتاري)، فوعدت أن يتم ذلك.
استمر التحقيق معي منذ اعتقالي في 9 آب 1981 حتى انتهاء حملة آذار 1982، ولم أتسبب للحزب بأي ضرر، مهما كان صغيراً (التقيت مع الرفاق نزيه نحاس وعباس عباس – أبو حسين – بعد حوالي شهر من اعتقالي ويعرفون كيف كان وضعي الصحي جراء التعذيب).
ومع ذلك عندما تم جمعي مع بعض معتقلي حملة أذار بادرني أحد الرفاق وهو عضو في اللجنة المركزية لحزب العمل الشيوعي وقبل أن يسلم علي بالقول: “لماذا جبت كل هؤلاء الرفاق؟!”. لم أرد عليه.
تم في تموز 1982 على ما أذكر ترحيل كل معتقلي حزب العمل الشيوعي (حوالي 32 معتقل) إلى معتقل تدمر باستثنائي بسبب وضعي الصحي حيث التحقت بهم في كانون أول عام 1983.
لم يكن الانقسام حصل ضمن الهيئة العامة لمعتقلي الحزب في تدمر عام 1983 ولكن وصلتنا أخبار عن مشاركة حزبنا بالقتال مع القوات المنشقة عن فتح (جماعة أبو موسى) ضد عرفات. أعلنت إدانتي لموقف الحزب من الصراع الجاري. منذ ذلك التاريخ أصبح فاتح جاموس وبأي خلاف مع موقف من مواقف الحزب يحرض الرفاق بالقول: “الحزب يخوض صراع مع التروتسكيين في الخارج ونحن في المعتقل نخوض نفس الصراع”. هكذا وبتصريح منه أصبحنا خارج الحزب. مما انعكس على موقف بعض الرفاق مني. ومع ذلك اعتبرت أن موقف فاتح جاموس هو موقف شخصي ولا يمثل رأي قيادة الحزب حتى انتقلنا إلى سجن صيدنايا في أواخر عام 1987حيث جاءنا معتقلين جدد من رفاقنا فلاحظت مزيداً من الحذر بينهم تجاهي حتى أن بعضهم لم يحاول التواصل معي لعدة أشهر حتى جاءت لحظة اقترب مني أحد الرفاق قائلاً: أنا اسف من موقفي منك فقد كنا في سهرة في إحدى قواعد الحزب في لبنان بوجود بعض قيادة الحزب وكان الحديث يدور حول التروتسكيين. يومها تحمست وأعلنت “أنا جاهز لتصفية منيف ملحم إذا أمر الحزب بذلك”.
سألت الرفيق ماذا كانت ردة فعل الرفاق على كلامك. قال: ضحكوا فقط.
كانت القشة التي قصمت ظهر البعير وجعلتني أعتبر نفسي خارج الحزب دون أن أُعلن ذلك، الاحتفالية التي دعيت إليها عام 1990 في معتقل صيدنا ط2 ج يسار لإقامة ندوة(5) في مهجعي بمناسبة الذكرى الخمسين لاغتيال تروتسكي على يد عميل ستالين في المكسيك عام 1940. فقبل الندوة بأسبوع لاحظت أن الرفاق يتداولون أوراقا على شكل كُرّاس بينهم. فطلبت من أحدهم أن يريني ما يتداولون واكتشفت أنه مقال طويل بعنوان “تاريخ التروتسكيين في الحزب” كتبه فاتح جاموس.
وقد وصفني الكاتب بأنني خائن للأمانة منذ أن كنت في قيادة الحزب (لجنة العمل)، وأنني استغليت موقعي في قيادة الحزب باعتباري مسؤول التنظيم والأمن لبناء خلايا مرتبطة بي شخصياً، وقمت بالتلاعب في انتخابات المؤتمرات المنطقية تحضيرا للمؤتمر العام التأسيسي(6) بحيث أوصلت “جماعتي” إلى المؤتمر، وهكذا تشكل ما عُرف بالمعارضة اليسارية المؤلفة من خمسة عشر من الرفاق سماهم فاتح جاموس “التروتسكيين”. لكن عندما سألت فاتح جاموس “هل لديك أي دليل ملموس على أنني فعلت ذلك؟”، رد بالقول “كلا، ولكن هكذا اعتقد”!!! فقلت له “لا تبنى كتابة التاريخ على الاعتقاد”.
كان ملجأي الأخير والحكَم بيننا أصلان عبد الكريم. لكن عندما سألته “هل قرأت ما كتبه فاتح جاموس حول تاريخ التروتسكيين في الحزب؟” أجابني “نعم”. فقلت له “هل أنت موافق عليه؟” قال “نعم”! أعدت عليه نفس السؤال الذي طرحته على فاتح جاموس: “هل لديك أي دليل على ذلك؟”، فردّ “كلا، ليس لدي دليل، ولكن كيف تشكلت المعارضة في المؤتمر من خمسة عشر عضواً؟”. فقلت له “ترون نفسكم كبارا ويجب أن لا يوجد من يخالفكم الرأي، أي أنا ما شايفك ولا شايف فاتح جاموس”. كان ذلك آخر حديث لي معهم بالسياسة منذ ذلك التاريخ.
لم أتحدث عن كيف تعاملت قيادة “حزب العمل الشيوعي” مع المعارضة في الحزب أثناء وجودي في المعتقل، سواء منها المعارضة اليسارية أو التي تشكلت لاحقا باسم المعارضة التروتسكية، مع أنني سمعت كثيرا من الروايات حول الأمر. فلا أرغب أن أنقلها وأترك لأصحاب التجربة أن يقوموا بذلك سواء بالتعليق أو بكتابات خاصة بهم. أما الوثيقة الوحيدة عن الموضوع التي اطلعت عليها فهي كراس الرفيق نور الدين بدران الذي أورد بعض مقتطفات منه مؤلف كتاب “قصة حزب العمل الشيوعي في سورية” في الصفحات 119 حتى 122. وهو ما أكد لي أن ما كان يقوله فاتح جاموس عن صراع الحزب مع التروتسكيين داخله وفي المعتقل لم يكن رأيا شخصيا، إنما كان سياسة قيادة الحزب.

ملاحظات أولية:

بالرغم من الملاحظات التي أوردتها، ما زلت أنظر إلى تجربة “حزب العمل الشيوعي في سوريا” على أنها من اغنى التجارب التي مرت على الساحة السورية بنجاحاتها وإخفاقاتها. وبنفس الوقت ورغم أنني قضيت فترة ليست بالقليلة في العمل السري بسبب الديكتاتورية التي بسطت وحشيتها على المجتمع، علمتني التجربة أن الخوف الأمني على بقاء الحزب باستمرار الديمقراطية الداخلية ما هو إلا ذريعة لبقرطة الحزب. والحزب المبقرط هو ميت لا محالة في النهاية.

*************************

هوامش

1-  منذ الجلسة الأولى للمؤتمر وبتحريض من فاتح جاموس، جرت تسمية التيار بالتيار التروتسكي مع اتهامه بالتنسيق مع “التجمع الشيوعي الثوري” في لبنان.

“في الواقع نحن منذ الانقسام الأول وحتى نهاية المؤتمر لم نتعامل مع بعضنا باعتبارنا تروتسكيين وإنما باعتبار أننا تيار يساري في مواجهة تيار يميني يحاول أن يجر الحزب بعيدا عن الخط الثوري الذي انطلق مع تشكيل الرابطة، من خلال التقرب من السوفييت” من شهادة منيف ملحم للصديق راتب شعبو في كتابه قصة حزب العمل الشيوعي في سورية.

2-  في الوقت الذي كان السوفييت يرمون بكل ثقلهم خلف قائد المجلس العسكري الأثيوبي منغستو هيلا مريام كان الأخير يعلق الرفاق الشيوعيين على حبال المشانق.

3-  من شهادة منيف ملحم، المصدر سابق الذكر.

4-  يمكن الاطلاع على الملابسات التي حدثت حول هذا الموضوع (والذي اتهمت بسببها الرابطة/ الحزب بالتحالف مع النظام من قبل قوى معارضة) من خلال قراءة مقالي: “قراءة أولية في كتاب قصة حزب العمل الشيوعي في سورية-2-…. لغز شعار إسقاط النظام”. كما يمكن الاطلاع على كل الخلافات التي تمت بما فيها خلافاتنا في المؤتمر التأسيسي لحزب العمل الشيوعي من خلال قراءة المقالات 3 و4 المنشورة على صفحتي في الفيس بوك، أو عبر الرابط التالي:

5-  بالإضافة إلى أكثر من مئة رفيق من حزب العمل الشيوعي، كان معنا في الجناح عدد من الرفاق من الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) بالإضافة لوجود معتقلين من حركة فتح في الجناح ط2 ج يمين. وقد وجهت الدعوة للجميع لحضور الندوة، ولكن لم يحضر من الرفاق في “حزب العمل الشيوعي” سوى خمسة، وقد قاطع البقية الندوة. وفي هذه المناسبة، أقدم كل الشكر للصديق الفنان طلال أبو دان للملصق الذي صممه لهذه الندوة والذي كان في غاية الروعة والجمال، واعتذر منه لفقداني للملصق بسبب إهمال أهلي عندما أرسلته إلى الخارج وأنا في المعتقل.

6-  يمكن الاطلاع على الكيفية التي تم فيها التحضير للمؤتمر والانتخابات في مؤتمرات المنطقيات من خلال مقالي رقم -4- على صفحتي فيس بوك أو من خلال الرابط التالي:

قراءة أولية في كتاب “قصة حزب العمل الشيوعي في سورية” (1)

قراءة أولية في كتاب “قصة حزب العمل الشيوعي في سورية” (2)

قراءة أولية في كتاب “قصة حزب العمل الشيوعي في سورية” (3)

قراءة أولية في كتاب “قصة حزب العمل الشيوعي في سورية” (4)

قراءة أولية في كتاب “قصة حزب العمل الشيوعي في سورية” (5)

Check out our other content

Check out other tags:

Most Popular Articles