الخميس مايو 23, 2024
الخميس, مايو 23, 2024

حكومة لولا بين الخصخصة واليمين المتطرف

أميركا اللاتينيةحكومة لولا بين الخصخصة واليمين المتطرف

افتتاحية الرأي الاشتراكي، رقم 665

حزب العمال الإشتراكي الموحد/ البرازيل

 انتخاب مرشح اليمين المتطرف خافيير مايلي في الأرجنتين أثار حالة من القلق في أوساط العمال البرازيليين. وهذا لم يأت عبثا، ففوزه في نهاية المطاف جزء من تصاعد ظاهرة اليمين المتطرف في العالم، والذي تجمعه، رغم الاختلافات الخاصة التي تميز كل بلد، العديد من الخصائص المشتركة.
هذا القطاع يدافع عن مفهوم الأرض المحروقة للحكم، إذ قام بتعميق الهجمات وتسريعها، بلا رحمة، ضد الطبقة العاملة، والمضطهدين، والبيئة، والسيادة، وكذلك الحريات الديمقراطية. وهو يقترف كل هذا باسم الأرباح الرأسمالية. وتحقيقا لهذه الغاية، فإنه يروج أيضا لكراهية السود، والنساء، والمغايرين في توجهاتهم الجنسانية، والمهاجرين.
المشروع الذي يدافع عنه مايلي يتضمن خصخصة مؤسسات الدولة الأرجنتينية، ودولرة الاقتصاد. كما أن لديه نائب ينكر الوفيات التي ارتكبتها الدكتاتورية العسكرية في البلاد.
“اليسار” الإصلاحي النيوليبرالي مهد الطريق لليمين المتطرف، فالوضع في الأرجنتين ينطوي على تحذيرين: أولهما أن اليمين المتطرف لم يمت، بل بالأحرى لايزال ينتظر عودته إلى السلطة. وثانيهما: أن تطبيق السياسات النيوليبرالية من قبل الحكومات الرأسمالية اليسارية لا يضعف اليمين المتطرف. في الواقع، إن “حكومات اليسار”، بدفاعها عن الإجراءات التي تخدم مصالح الاحتكارات الرأسمالية، هي من مهد طريق اليمين. ونتيجة لذلك، انتهى الأمر بتفاقم صعوبة ظروف الناس المعيشية، وجعل العمل أكثر خطورة. كما أن هذا “اليسار” تجاهل مواجهة نهب الشركات متعددة الجنسية، وتبعية البلاد للإمبريالية. وفي ذات الوقت، عجز عن تلبية احتياجات الناس الأساسية.
هذا الوضع خلق تربة خصبة لنمو اليمين المتطرف. وبالتالي فاز مايلي بالانتخابات بعد انهيار “الحكومة اليسارية” للبيروني ألبرتو فرنانديز.

لا يوجد “أهون الشرّين”

هذا درس بالغ الأهمية في الوقت الراهن، فقطاع واسع من اليسار لايزال يؤكد أن هزيمة اليمين المتطرف تستوجب دعم حكومة لولا والدفاع عنها. ولكن عندما نرى ما يفعله اليمين المتطرف والحكومة الفيدرالية على حد سواء، نرى كيف أدى هذا الموقف، في الحقيقة، إلى تعزيز أجندات اليمين المتطرف ومطالبه.
هناك، على سبيل المثال، نضال مستمر ضد الخصخصة التي تروج لها حكومتي ولايتي ساو باولو وميناس جيرايس المحليتين، الواقعتين في أيدي الجمهوريين و”الحزب الجديد”. إن التعبئة ضد الخصخصة، المقرر تنظيمها في 28 تشرين الثاني في ساو باولو، وفي 21 و22 تشرين الثاني في ميناس جيرايس، مهمة، فعبر النضال من الممكن هزيمة مخططات الخصخصة للحكومات المحلية، وكذلك مطالبة لولا بإلغاء عمليات الخصخصة التي تم تنفيذها بالفعل، مثل عملية شركة إلتروبراس (شركة كهرباء البرازيل)، ومنع إجراء عمليات خصخصة جديدة.
لكن تبين أن حكومة لولا لا تمثل مرتكزا مناوئا لعمليات الخصخصة التي تقوم بها حكومات الولايات اليمينية المتطرفة. بل على العكس، فقد كانت متعاونة في الدفع قدما بعمليات الخصخصة التي تم الترويج لها في هاتين الولايتين، كما يتضح من التمويل الذي سيوفره البنك الوطني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لخصخصة المدارس في ساوباولو.
يريدون إحداث تنمية مفترضة في البلاد عبر ضخ المال العام في القطاع الخاص. لذا، أعلنت الحكومة عن برنامج تسريع النمو، المتخم بالموارد العامة، والمستند إلى الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتي هي ليست أكثر من أحد أنواع الخصخصة، بفرق أن التكاليف والمخاطر مؤمنة من قبل الدولة، في حين تكون الأرباح من نصيب القطاع الخاص. ويتم منح الشركات متعددة الجنسية كل الحوافز والمزايا لشراء المؤسسات، وإنشاء متاجر في البلاد، وإرسال أرباحها إلى الخارج.
هناك قطاعات يمينية تدعو علنا إلى خصخصة كل شيء، وخفض الإنفاق العام، وإنشاء “دولة الحد الأدنى”. وهناك من يسمون أنفسهم يساريين، ولكنهم في الواقع يمضون أيضا بالخصخصة، ولكن بطريقة مختلفة. فعوضا عن البيع، يقومون بإبرام الشراكة بين القطاعين العام والخاص. كما أنهم يدعون إلى انتهاج سياسة مالية نيوليبرالية، ولكن بدلا من خفض الإنفاق العام بشكل مباشر، كما فعل الرئيس الأسبق ميشيل تامر، فإنهم يقومون بذلك من خلال الإطار المالي الجديد. حتى أنهم يدعون إلى إقرار زيادة طفيفة في الإنفاق، ولكن لمحاولة توليد بعض النمو الاقتصادي يدفعون للرأسماليين من الميزانية العامة.
إنهما وجهان لعملة واحدة، فعلى الرغم من اختلافهما بعض الشيء، واختلاف إيقاع عمل كل منهما، إلا أنهما يصلان إلى نفس المكان: بلد أكثر تبعية، وتجردا من الهوية، وخصخصة، بعمل غير مستقر، وأجور بالكاد تتجاوز الحد الأدنى.
إنهم يعرضون أهون الشرين: الليبرالية بجرعات من المعالجة، مع تنازلات صغيرة فيما يتعلق بالبيع بالتجزئة. لكنهم يلعبون نفس لعبة الرأسمالية، ويدافعون عن المصالح والأرباح الخاصة للمليارديرات البرازيليين والعالميين. أولئك الذين يسمون أنفسهم يساريين ما زالوا يلعبون لعبة البرجوازية والرأسمالية، وبهذه الطريقة يغذون اليمين المتطرف!


البديل الثوري الطبقي الاشتراكي

لوضع حد لحالة اللامساواة الاجتماعية في البرازيل، لا بد من مواجهة المجموعات الرأسمالية الكبرى. وهذه مشكلة تاريخية تعود أصولها إلى نشأة البلاد.
حتى حقيقة أن بنك البرازيل كان لاعبا رئيسيا في مسألة العبودية، وهو ما سمح له بمراكمة الأرباح ورأس المال، ليست سوى تعبير عن المسؤولية التي يتحملها الرأسماليون البرازيليون والدولة نفسها. أضف إلى هذا خضوعهم للإمبريالية. في الواقع، لا يمكن أن يكون هناك تعويض للبرازيليين السود دون مواجهة مصالح الأغنياء ومصادرة الثروة التي سرقت منّا.
إن هيمنة الدول الإمبريالية في البرازيل هي أساس حالة الفقر والتخلف التكنولوجي وعدم المساواة الاجتماعية. تلك الهيمنة هي سبب حالة التخلف التي نعيشها، والتبعية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
لهذا السبب فإن النضال من أجل الدفاع عن الشعب الفلسطيني في غاية الأهمية. ويتعين على لولا قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية مع إسرائيل، التي تروج للإبادة الجماعية والفصل العنصري. وما يمنعه من القيام بذلك ليس اضطراره إلى اتخاذ إجراء تكتيكي لإعادة البرازيليين إلى وطنهم. في الواقع، يوضح هذا الحدث خضوع البرازيل لمصالح الإمبرياليين. كما أن هذا النضال هو أيضا جزء من تحرير البرازيل نفسها من الهيمنة الإمبريالية.
التحدي السياسي في زمننا هذا هو دفن خطر أمثال ميلي وبولسونارو وترامب إلى الأبد. ولتحقيق ذلك، لا بد من تجاوز برنامج واستراتيجية وتكتيكات اليسار الرأسمالي، ذلك المدافع الليبرالي عن النظام البرجوازي المسيطر على المشهد السياسي حتى الآن.
لا بد من بناء بديل يمثل العمال حقا، ويجتث جذر المشكلة، وهي الرأسمالية. وهذا لا يتطلب تغييرا في الحكومة فحسب، بل يستوجب أيضا تغييرا في النظام. وطالما بقي اليسار رهينة المعسكر البرجوازي، ومدافعا عن النظام، فإن إمكانية الاستفادة من هذه المشاعر ستقع في أيدي اليمين المتطرف، رغم أنه الجزء الأكثر انحرافا في هذا النظام.


ترجمة تامر خرمه
مراجعة فيكتوريوس بيان شمس

Check out our other content

Check out other tags:

Most Popular Articles