الأثنين أبريل 22, 2024
الإثنين, أبريل 22, 2024

ثلاث ملاحظات على هامش مظاهرة حيفا إكراماً لروح الشهيد محمد العصيبي

فلسطينثلاث ملاحظات على هامش مظاهرة حيفا إكراماً لروح الشهيد محمد العصيبي

يوآب حيفاوي

شهيد الوطن وقضية الحياة

نحن أساس البلاء… فقد هزت هبة الكرامة والوقفة المشرفة الموحدة للجماهير العربية الفلسطينية في كل أنحاء الوطن المحتل (في رمضان 2021) أركان الكيان. التحدي البطولي ومعارك الدفاع التي قادها الشباب في كل بلدة وزقاق زرعت بذور الرعب في قلب “الإمبراطورية” وجيشها “الذي لا يقهر”، لكي تختار، بعد قرابة السنتين، الاحتماء في أحضان رجال العصابات الفاشية لكي يعيدون لها هيبتها.
عندما أفاقت “إسرائيل الليبرالية الجميلة” في صباحية “عرسها الديمقراطي”، وشعرت بأن حرّاسها الفاشيون يريدون اغتصابها هي الأخرى، رفعت صوتها وصرخت وقامت القيامة. وظهر، للحظةً ما، كأن هذا الصراع، بين الوجه الجميل، والآخر البشع، لذات العملة الصهيونية، هو “اللعبة الحقيقية الوحيدة في البلاد”، وأنّ على الفلسطينيين، إن كان يريدون أن يؤثرون على مصيرهم، أن يتجندوا لكي يفضلوا طرفا على حساب آخر. لا يخفى علينا أن قمة تطلعات المدافعين عن “الديمقراطية اليهودية” هو الحفاظ على امتيازاتهم، لا ضمان الديمقراطية للجميع، وأنهم يسعون للحفاظ على مكانة “المحكمة العليا” لكي تستمر بدورها كذريعة لمنع المحاكم الدولية من النظر في جرائم الحرب الإسرائيلية، وحفظ كذبة “الديمقراطية” كغطاء للدعم الإمبريالي الغربي لنظام الأبارتهايد الخاص بهم. وكان الرفض الشعبي الفلسطيني للانخراط في صفوف أي من المعسكرين المتصارعين واضحًا وصريحًا، بالرغم من نداءات بعض القيادات والمؤسسات.
جاء استشهاد الشاب ابن بلدة حورة، الطبيب محمد العصيبي، على أبواب الأقصى ليلة الجمعة الرمضانية 31 آذار، حيث تمزّق جسده بنيران الحقد العنصري، بوصفه صفعةً من الواقع المؤلم، صفعة مزّقت الصورة المزورة، وأكدت من جديد لكل فلسطيني، ولكل صاحب ضمير حيّ في العالم، أن لدينا قضية حقيقية لندافع عنها، قضية شعب يعيش تحت الاحتلال ويعشق الحياة بكرامة وأمان. وعاد قرار الإضراب العام يوم 2 نيسان ليثبت وحدة الشعب الفلسطيني ونضاله من أجل العودة والحرية بوصفه المحور الوحيد لمواجهة المشروع الاستعماري الدموي.

إعادة الوحدة النضالية في حيفا

يوم السبت، بعد انتشار خبر استشهاد العصيبي، أصدرت ثلاث حركات، هي حراك حيفا، وحركة شباب حيفا، والتجمع الطلابي، نداءً للالتزام بالإضراب العام والتظاهر مساء الأحد في ساحة الأسير في الحي الألماني في حيفا. لقد بادر هذا التحالف الثلاثي إلى العديد من النشاطات المشتركة في البلد خلال السنوات الأخيرة. ولكن ما تجدد في هذه التظاهرة هو انضمام الجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي في المدينة، اللتان أصدرتا من طرفهما نداءً مشابه للتظاهر في نفس المكان والساعة. والتحم المتظاهرين حول القضية المقدسة كجسم واحد لإحدى أكبر التظاهرات، وبروح نضالية عالية، في مواجهة هجمات الشرطة المتكررة. ورغم اعتقال أربع متظاهرات ومتظاهرين، وضرب آخرين، استمرت المظاهرة لمدة أكثر من ساعتين. وانتقل العديد من المتظاهرين، بعد ذلك، إلى وقفة ميدانية أمام مركز الشرطة لانتظار إطلاق سراح المعتقلين…
يذكر أن الوحدة النضالية هي التي مكّنت الجماهير الفلسطينية في حيفا، بمشاركة مؤيدي الحق الفلسطيني من المجتمع اليهودي، من القيام بمظاهرات يومية لمدة أسابيع متتالية خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في صيف 2006 وخلال حملة المجازر التي شنها جيش المستعمر على قطاع غزة في شتاء 2008-2009. ولكن، في المراحل التي تلتها، ولأسباب عديدة، غابت هذه الوحدة وصار كل طرف ينشط بأساليبه، وفي حالات عديدة شهدت شوارع حيفا نشاطين منفصلين على خلفية قضايا وطنية مهمة.
نأمل أن تشكل تجربة مظاهرة الشهيد العصيبي فاتحة لمرحلة جديدة من الوحدة الوطنية النضالية في حيفا، مع وعي الجميع أن هذه الوحدة أصبحت ضرورية أكثر في ظل التهديدات الجديدة مع الظهور الواضح للوجه الفاشي لأجهزة القمع.

جولات “ملاكمة” مع الشرطة

منذ شهر كانون الأول ديسمبر 2022، وقبل إنشاء الحكومة الفاشية الجديدة واستلام بين غفير قيادة الشرطة، قرر قائد شرطة حيفا، “المقدّم حاييم أزرد”، تشديد التضييق على المظاهرات الفلسطينية في المدينة، وبالتحديد منع رفع العلم الفلسطيني. وكانت خطوته الأولى الاعتداء على مظاهرة التنديد بالأحكام الجائرة التي صُدرت بحق المدافعين عن الحارات العربية أيام هبّة الكرامة، وذلك في 17 كانون الأول، في دوار البهائيين، حيث اعتُقل ثلاثة من المتظاهرين. وعندما نظمت الحركات الوطنية في حيفا وقفة غضب ردًا على مجازر الاحتلال ضد أهلنا في جنين، بتاريخ 27 كانون الثاني، حصل اعتداء آخر على رافعي الأعلام من المتظاهرين في ساحة الأسير، وتم اعتقال ستة منهم، ومن ضمنهم المحامي عدي منصور من عدالة، وكانت “جريمته الكبرى” هي مناشدة رجال الشرطة ألا يخالفوا القانون. وفي مظاهرة وطنية ثالثة، في 23 شباط، رفضا لمجازر نابلس، شاهدنا نوعا من التراجع أو “التعب” من الجهتين في جولات هذه “الملاكمة”: من جهة المتظاهرين ارتفع علم فلسطيني واحد فقط، أما الشرطة، من طرفها، فقد “اكتفت” بالاعتداء على حامله وخطف العلم من يديه بقوة دون اعتقاله.
يشكل الصراع حول رفع العلم الفلسطيني مرحلة جديدة من النزاع طويل الأمد بين شرطة الاحتلال وبين الحركة الوطنية في حيفا حول تحديد الهامش المتاح والممكن من التعبير السياسي في شوارعنا وحاراتنا. ودار هذا النزاع في مساره الذي أصبح تقليديًا، حيث كانت الحركة الوطنية تدعو لوقفة أو لمظاهرة على أطراف الشارع، فإن زاد عدد المشاركين فقد تتسع مساحة المظاهرة لتشمل الشارع نفسه، وإن كان الموضوع يستحق الأمر، وسمحت الظروف، ينطلق المتظاهرون بمسيرة نحو الشوارع المجاورة. أمّا الشرطة، من طرفها، فقد كانت تمتنع عن المواجهة في أغلب الحالات، إلى أن ترى بأن الناس قد أخذت حريتها “أكثر من لازم”، حيث تجند وحدات القمع الخاصة وتقمع بعض المظاهرات بشكل وحشي، وتضرب المتظاهرين وتعتقل العشرات منهم.
بعد امتداد المسيرات الوطنية، واتساع نطاق تجوالها في شوارع المدينة من الأحياء العربية إلى المراكز التجارية، وإغلاق شارع “عتسماؤوت” (المسار الرئيسي في مركز المدينة) مرتين، خلال مسيرة تضامن مع مسيرات العودة في غزة، في أيار 2018، وفي مظاهرة الاحتجاج على مقتل الشهيد أياد الحلاق في القدس في أيار 2020، تبنت شرطة حيفا سياسة قمعية جديدة، وأخذت بتجنيد قواتها مقابل كل مظاهرة يدعو لها حراك حيفا، وتمنع أية مظاهرة من التحرك من مكانها والسير في الشوارع. وكانت هذه السياسة القمعية والهجوم العنيف غير المبرر من قبل الشرطة على المتظاهرين في 9 أيار 2021 من ضمن أسباب انفجار الأوضاع في هبّة الكرامة التاريخية.
خلال العامين الماضيين اشتد حصار الشرطة على مظاهراتنا، بالإضافة إلى ملاحقة النشطاء، وصار احتمال الوضع صعبا. فأمّا بشأن قرار الضابط “أزرد” منع رفع العلم الفلسطيني، فقد طفح الكيل، حيث أشعل هذا الاجراء القمعي الجديد الغضب في أوساط واسعة من الجمهور، وزاد الاهتمام بالمظاهرات وإصرار المتظاهرات والمتظاهرين. فقد شهدنا في مظاهرة يوم الأحد، كيف تم رفع علم فلسطيني تلو الأخر، وكيف التف المتظاهرين حول رافعي الأعلام، وكيف ارتفعت وتيرة المظاهرة وزادت وحدة وتلاحم كردة فعل على ازدياد عنف الشرطة وهجماتها المتكررة.



ننوّه إلى أن الآراء الواردة في المواد المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن آراء ومواقف “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”

Check out our other content

Check out other tags:

Most Popular Articles