الخميس مايو 23, 2024
الخميس, مايو 23, 2024

تجارة حرب تتجاوز حدود الجسر البري

فلسطينتجارة حرب تتجاوز حدود الجسر البري

✍🏾 تامر خرمه

 

بعد نحو شهرين من بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزّة، وتحديدًا في 6 ديسمبر/كانون الأول الماضي، نقلت شبكة “بي بي سي” البريطانية عن صحيفة “معاريف” الصهيونية، أنباءً تفيد بإنشاء “جسرٍ بريٍ” بين الإمارات وإسرائيل، مرورًا بالسعودية والأردن..، مشيرةً إلى أنّ هذا الجسر من شأنه توفير نحو 80٪ من كلفة نقل البضائع عبر البحر الأحمر. ووفقًا للتفاصيل التي أوردتها الصحيفة، فقد وقعت شركة “تراك نت” الإسرائيلية اتّفاقيةً بهذا الصدد مع شركة “بيور ترانز” الإماراتية للخدمات اللوجستية، ليتقرر البدء في تسيير الشاحنات المحملة بالبضائع من ميناء دبي، عبر الأراضي السعودية والأردنية، وصولاً إلى ميناء مدينة حيفا المحتلة.
كما نشر موقع “تايمز أوف إسرائيل” في 27 من الشهر ذاته، تقريراً بعنوان: “شركة لوجستية إسرائيلية ناشئة تنشئ طريقاً تجارياً برياً لتجاوز أزمة الحوثيين في البحر الأحمر”، أكد فيه ما نقلته “بي بي سي”، وأورد تصريحاً لمؤسسة الشركة الإسرائيلية حنان فريدمان، التي قالت إنّ العمل على شق طريق الجسر البري قد اكتمل.
نشر موقع “إسرائيل 21” أيضاً، في الرابع من يناير/كانون الثاني الماضي، تقريراً بعنوان: “يهدف الجسر البري إلى تجاوز تهديد المتمردين الحوثيين لإسرائيل”، أضاف فيه مزيداً من التفاصيل حول توقيع شركة “تراك نت” اتّفاقياتٍ مع شركتي شحن إماراتيتين، إضافةً إلى شركة الخدمات اللوجستية المصرية، من أجل تجاوز البحر الأحمر تماماً، ونقل البضائع براً من الإمارات والبحرين عبر السعودية والأردن إلى إسرائيل، ومن ثم يمكن نقلها إلى مصر أيضاً، للاستمرار في طريقها إلى أوروبا”.
كما نشر موقع “تايمز أوف إسرائيل”، في منتصف شهر فبراير/شباط الماضي، تقريراً بعنوان: “الممر الالتفافي حول الحوثيين: البضائع تشق طريقها البري إلى إسرائيل بهدوءٍ، عبر السعودية والأردن”، مشيراً في التقرير ذاته إلى أنّ “فكرة إنشاء جسرٍ بريٍ تجاريٍ يربط الأردن والسعودية والإمارات بإسرائيل.. بدأت بالتبلور خلال السنوات الأخيرة، بهدف تسهيل حركة البضائع، لكنها اكتسبت زخمها مع بدء انفتاح العلاقات التجارية في الشرق الأوسط، إثر توقيع اتّفاقيات أبراهام عام 2020”.
أوضح التقرير في سياقه سبب اختيار هذا التوقيت بالذات لبدء تنفيذ مشروع الجسر البري، إذ أورد إنّ “تعطل التجارة البحرية في البحر الأحمر، إثر استمرار الهجمات التي يشنها الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن على سفن الشحن، دفع شركات الشحن والخدمات اللوجستية الإسرائيلية إلى تجاوز المياه الخطرة، والتحول إلى طرقٍ بريةٍ بديلةٍ لنقل البضائع من الشرق الأقصى إلى إسرائيل، عبر كلٍّ من السعودية والأردن”. ثم أضاف أن “السفن القادمة من الصين والهند تفرغ الحاويات في موانئ البحرين والإمارات، ليتم بعد ذلك تحميلها على شاحناتٍ أردنيةٍ، تنقلها براً إلى إسرائيل عبر معبر الملك الحسين، حيث تكون الشاحنات الإسرائيلية بالانتظار”.
موقع “فويس أوف يوروب” نشر تقريراً، بالتزامن مع نشر تقرير الموقع العبري السابق، بعنوان: “هجمات البحر الأحمر تعزز الروابط التجارية العربية الإسرائيلية عبر البر”. وقد ذكر التقرير أنّ الجسر البري “الذي يشهد بالفعل وصول عشرات الشاحنات يومياً إلى ميناء حيفا الإسرائيلي، يعتبر ثمرةً مبكرةً لاتّفاقيات أبراهام لعام 2020 لتطبيع العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل.. وهذا يبشر بالتعاون المستقبلي بين إسرائيل والسعودية”.

تظاهراتٌ شعبيةٌ وتشكيكٌ برلمانيٌ بالرواية الحكومية

بالتزامن مع تداول هذه الأنباء على نطاقٍ واسعٍ عبر منصات التواصل الاجتماعي، شهد الأردن تظاهراتٍ شعبيةً غاضبةً عدّة، ما دفع الحكومة الأردنية إلى نفي هذه الأنباء جملةً وتفصيلاً، إذ نقلت وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا)، يوم 16 ديسمبر/كانون الأول، عن مصادر حكوميةٍ لم تذكر اسمها، أن ما ينقل من أخبارٍ منسوبةٍ لوسائل إعلامٍ عبريةٍ، ووسائل تواصلٍ اجتماعيٍ، عن وجود جسرٍ بريٍ بديلٍ للبحر الأحمر، عبر موانئ دبي مروراً بالسعودية والأردن، لنقل بضائع إلى إسرائيل، لا صحة لها أبداً، على حد تعبير الوكالة.
كما نفى رئيس الوزراء الأردني بشر الخصاونة، في كلمته خلال افتتاح جلسات “الأداء الاقتصادي وتحديات المرحلة”، في أواخر شهر فبراير/شباط الماضي، وجود أيّ جسرٍ بريٍ من الأردن إلى إسرائيل، قالاً: “لن نقف صامتين إزاء ما يتم اختلاقه من قصصٍ ضدّ الأردن، ولا يوجد أيّ جسرٍ بريٍ من الأردن على أرض الواقع، ونظام النقل في الأردن لم يتغير منذ أكثر من 25 عاما”.
رغم النفي الرسمي، استمرت التظاهرات الشعبية، كما تعالت الأصوات تحت قبة البرلمان الأردني مطالبةً بتراجع الحكومة عن المضي في تنفيذ الاتّفاقيات المتعلقة بالجسر البري، إذ وصفها النائب والمحامي، صالح العرموطي، بأنّها “طعنةٌ في ظهر الأطفال الذين يموتون جوعاً في قطاع غزّة، فهو يغذي الكيان الصهيوني الذي يحاصر أهلنا ويجوعهم ويقتلهم”. وأضاف: “إن هذا الجسر جريمةٌ بحقّ الوطن والمواطن، كونه بات شريان حياةٍ للكيان”، مطالباً مجلس النواب بتحمل مسؤولياته، وعقد جلسةٍ لمناقشة هذا الملف.
كما وجه عددٌ من النواب سيلاً من الأسئلة للحكومة الأردنية، مطالبين بإيضاحاتٍ حول تورط الأردن بإسناد كيان الاحتلال عبر هذا الجسر، وكذلك حول الأنباء التي تؤكد تضاعف حجم صادرات الخضار والفاكهة من الأردن، وفقاً للأرقام الإسرائيلية، منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، إذ شهد الشارع الأردني تصاعداً للتظاهرات الاحتجاجية بعد تداول نشطاء، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، صورًا ومقاطع فيديو لمرور الشاحنات من الأردن إلى “إسرائيل”.

تجارة حربٍ تتجاوز مسألة الجسر البري

نددت التظاهرات الغاضبة بإمداد العدو الصهيوني وجيش الاحتلال بالمنتجات الزراعية الأردنية، في الوقت الذي تستمر فيه حرب الإبادة الجماعية ضدّ أهالي قطاع غزّة، فرغم نفي تورط المملكة في مشروع الجسر البري رسيماً، إلّا أن الجهات المسؤولة لم تنفِ استمرار تصدير المنتجات الأردنية إلى “إسرائيل”. إذ ألقى وزير الزراعة الأردنية خالد الحنيفات اللوم على القطاع الخاص، قائلاً “إن تصدير الخضروات والفاكهة الأردنية إلى إسرائيل يتم عبر الشركات الخاصة، وليس للحكومة أي علاقةٍ بهذا الأمر، ثم أردف بالقول “إنه لا يمكن للحكومة منع القطاع الخاص من التصدير، لعدم وجود مادةٌ قانونيةٌ تمكّنها من ذلك”.
أثارت تصريحات الحنيفات تساؤلاتٍ عديدةً في الأوساط الحزبية والسياسية المعارضة، أبرزها كيف تبرر الحكومة عدم تدخلها في منع التصدير لدولة الاحتلال، رغم أن وجودها في الضفّة الغربية، على الأقلّ، احتلالٌ وفقاً للمجتمع الدولي، الذي تجرم كثيرٌ من دوله تزويد المستوطنات بالبضائع أو استيراد منتوجاتها!؟
كما أوضح الخبير الاقتصادي الأردني حسام عايش أنّ تصدير الخضروات والفواكه إلى إسرائيل في ظلّ الظروف الحالية يعد شكلاً من أشكال “تجارة الحرب”، مشيرًا إلى أن “هناك من يحاول الاستفادة من الحرب على قطاع غزة لتعظيم أرباحه، ولافتاً إلى ارتفاع أسعار بعض أصناف الخضروات والفواكه في الأردن نتيجة تصدير جزءٍ منها إلى إسرائيل”.
تصر الحكومة الأردنية على النأي بنفسها عن التدخل لمنع زيادة حجم تصدير المنتجات الزراعية إلى دولة الاحتلال، في الوقت الذي تقترف فيه الأخيرة أبشع الجرائم ضدّ الإنسانية في قطاع غزّة، رغم أن موقفها هذا قد يعتبر جريمةً أمام المحافل الدولية، انطلاقاً من عدم قانونية التعامل التجاري مع المستوطنات غير الشرعية، ورغم تأثير “تجارة الحرب” على السوق المحلية الأردنية. لذا أصبح هذا الإصرار الحكومي الأردني السبب الأساسي لاستمرار التظاهرات الشعبية الغاضبة، فالأمر لم يعد يقتصر على مسألة الجسر البري، بصرف النظر عن النفي، أو الإقرار الرسمي بالتورط في هذا المشروع.

ارتباطٌ اقتصاديٌ عضويٌ.. كواليس اتّفاقيات الطاقة والمياه

على أي حال، ليس الجسر البري، أو التبادل التجاري بين الأردن و”إسرائيل” عامةً، هما وحدهما ما يربطان المملكة، إلى جانب مصر ودول “أبراهام” النفطية”، بعلاقاتٍ اقتصاديةٍ متينةٍ مع دولة الاحتلال، فرغم الرفض الشعبي القاطع لهذه العلاقات، وضع الأردن الرسمي كلّ إمكانياته الاقتصادية الجوهرية في سلة تل أبيب، عبر اتّفاقيتي استيراد الغاز “الإسرائيلي”، وتبادل الطاقة مقابل المياه، إذ تمكّن هاتان الاتفاقيتان “إسرائيل” من التحكم بالاقتصاد الأردني تحكماً شبه مطلقٍ.
بعد بدء حرب العدوان الهمجي على قطاع غزّة، أعلن الأردن الرسمي أنّه لن يوقع اتّفاقية “الطاقة مقابل المياه” مع تل أبيب في ظلّ هذه الحرب، إذ قال وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، في تصريحاتٍ إعلاميةٍ: “لن نستطيع مواصلة اتّفاقية الطاقة مقابل المياه، لأنّه لا يمكن لوزيرٍ أردنيٍ أن يجلس إلى جانب وزيرٍ إسرائيليٍ لتوقيع اتّفاقٍ بينما هم يقتلون إخواننا في غزّة”. كما أكد الصفدي في تلك التصريحات، التي تناقلتها وسائل الإعلام في منتصف شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أنّ “هذه الاتّفاقية ستكون الآن وثيقةً يغطيها الغبار فوق أحد الرفوف”، مشدداً على أنّ “إسرائيل قتلت بيئة السلام، وأنّها تدفع المنطقة بأسرها باتجاه حربٍ واسعةٍ، وتجرها نحو الجحيم”.
كما نقلت وكالة “رويترز”، في 16 يناير/كانون الثاني، عن رئيس الوزراء الأردني بشر الخصاونة قوله إنّ “المشروعات الإقليمية مع إسرائيل، التي تبلغ قيمتها ملايين الدولارات، عبر تبادل الطاقة والمياه بين البلدين، والتي كانت قيد التنفيذ قبل 7 أكتوبر/ تشرين الأول، باتت معلقةً فعلياً في الوقت الحالي”. كما أضاف: “اليوم، في ظلّ الظروف الحالية، من غير المتصور إطلاقاً أن يجلس أيّ وزيرٍ أردنيٍ على المنصة، ويجري مثل هذه المعاملات مع نظيره الإسرائيلي، وهذا أمرٌ مؤسفٌ، ولكن بقدر ما هو مؤسف، فإنّه حقيقة”.
رغم هذا، كان أبرز ما ورد في حديث رئيس الوزراء الأردني هو ما اختارته الوكالة على لسانه، ليكون عنواناً لتلك المقابلة: “السلام مع إسرائيل سيبقى خياراً استراتيجياً رغم الحرب في غزّة”.
بعد تلك التصريحات الأردنية الرسمية كلّها، أكدت كل من “هيئة البث الإسرائيلية” وقناة “كان” العبرية، في بداية شهر مارس/آذار الجاري، أنّ الأردن توجه لإسرائيل، عبر قنواتٍ عدّة، أبرزها الولايات المتّحدة، بطلب لتمديد تلك الاتّفاقية لعامٍ إضافيٍ، كما أن “إسرائيل” لم ترد على الطلب الأردني حتّى الآن، بل اكتفت بالمطالبة “بتخفيف حدّة التصريحات الرسمية، والعمل على تقليل التحريض ضدّها”.

في النهاية؛ لا يزال الأردن الرسمي مصراً على نفي صحة كلّ الأنباء المتعلقة بالجسر البري، وكذلك محاولاته المستمرة للمضي في مشاريع حيويةٍ مع دولة الاحتلال، لا سيّما عبر وساطة واشنطن. إلّا أنّ معطيات الواقع لا تزال تبين عند كلّ محطةٍ متانة الارتباط الاقتصادي العضوي الذي بات مفروضاً على المنطقة، رغم الرفض الشعبي القاطع، والذي حول الضفّة الشرقية لنهر الأردن، من دولةٍ عازلةٍ، إلى جسرٍ يصل بين تل أبيب، وحلفائها القدماء الجدد في مدن الملح.

 

ننوّه إلى أن الآراء الواردة في المواد المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن آراء ومواقف “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”

Check out our other content

Check out other tags:

Most Popular Articles