الأثنين مايو 20, 2024
الإثنين, مايو 20, 2024

النبي المسلّح – مقدمة الترجمة العربية (1)

النظرية الماركسيةالنبي المسلّح - مقدمة الترجمة العربية (1)

 

 

حين تبلغ شخصية نادرة هذا القدر، يبدو مسار العالم والحياة كما لو كان يتناغم معها، ويتوقف لا للحظة بل لحقبة، وأكثر، على الوزن الذي تلقي به في هذا الاتجاه أو ذاك، عبر الآفاق التي تفتحها قدرتها الرؤيوية واستشرافها للمستقبل، وعن طريق فكرها الخلاق ونهجها وطاقتها على الحركة والفعل، وطاقتها، بالتالي، على تحريك الجموع الهائلة في اتجاه ذلك المستقبل العظيم، حينذاك تفقد كل “الحصانة”، التي يتمتع بها الغفل من الناس، وتصبح – ويا للمفارقة! – في متناول الجميع، سرا وعلانية، يحكمون عليها الحكم الجازم، سواء خطأ أو صوابا، وينزلونها من خرم إبرة النقد، الذي غالبا ما يستسلم لإغراء السهولة، وكثيرا ما يتأثر تأثرا حاسماً بالدعاوة المسبقة للقوى السائدة، ويميل للخضوع للرائج والشائع، ضمن نوع من الامتثالية التي تلامس الابتذال.
واذا كانت شخصية تاريخية بحجم ليون تروتسكي، أحد قائد اعظم ثورة في عصرنا، بلغت أرفع درجات التألق عبر المسيرة الظافرة حينا، والمحبطة حينا آخر، للملايين من عبيد هذا العصر على طريق تحررهم، وتحرر البشرية جمعاء، فقد تعرضت كذلك، في حياتها كما في مماتها، لا فقط لأشرس هجمات الثورة المضادة، المعنوية والمادية، بل كذلك لأبشع عملية تشويه لإحدى أنصع الصفحات في التاريخ الثوري الخاص بمن امتلكوا القدرة على الصناعة الحية للتاريخ.
واذا كان المسؤول الأساسي عن هذه الهجمات، وعمليات التشويه تلك، هو ستالين بوجه خاص، والستالينية عموما، مما هما تعبيران فظان عن الجانب المحبط في ثورة اكتوبر، فقد انتظرت الأجيال، التي تعايش التحولات العظيمة لعصرنا، حتى ما بعد وفاة ستالين بسنة، كي يظهر أهم عمل جدّي ونزيه يحاول التصدي بفعالية للأسطورة المشوهة بالحقيقة الناصعة والنظيفة المتمثلة بحياة تروتسكي وافكاره وافعاله. هذا العمل قام به اسحق دويتشر، الذي ظهر له عام 1954 الجزء الأول من مؤلف ضخم خصصه لسيرة ليون تروتسكي هو أقرب ما يكون إلى التكامل، رغم بعض الثغرات والاخطاء في الحكم على بعض الجوانب في شخصية تروتسكي وممارساته. والجزء هذا بعنوان، النبي المسلح، ويتناول حياة تروتسکی ما بين عام مولده، في ۱۸۷۹، وعام ۱۹۲۱. في هذا الجزء، كما في الجزأين الآخرين، اللذين صدرا فيما بعد (۱).، بذل دويتشر جهودا جبارة ليعيد تكوين تفاصيل السيرة الحقيقية لليون تروتسکی، بعد أن سطا «لصوص المقابر» على ضريحه. يقول في مقدمة كتابه:
“وبالنسبة للجيل السوفياتي الحالي، ولغيره أيضا، تشبه حياة تروتسكي واحدة من تلك القبور المصرية القديمة التي يعرف الناس أنها ضمت في الماضي جثمان رجل عظيم ورواية منجزاته المحفورة على ألواح من ذهب؛ إلا أن لصوص مقابر و مخربي آثار عاثوا في الضريح فسادا وتركوه فارغا وموحشا إلى درجة أنه لم يعد ثمة أثر واحد للألواح التي كان يتضمنها سابقا”.

إذا كان هذا هو الواقع، فنحن نفهم تماما عمق المأساة التي لم تكتف بتعريض ملهم سوفييت بطرسبورغ لعام 1905 ومحرکه، وقائد انتفاضة اوکتوبر ۱۹۱۷، ومؤسس الجيش الأحمر، للنفي والمطاردة والاغتيال، أخيرا، بمعول قاتل ستاليني، بل واصلت مهمتها بعد الممات، فعمدت إلى تشويه فظ وسافل للتاريخ الحقيقي لليون تروتسكي، وللمنجزات العظيمة التي حفلت بها حياته. والعديد من القراء العرب الذين لم يتسن لهم أن يطلعوا على الصورة الامينة لهذه الشخصية الفريدة، بل تعرضوا لبؤس الخرافات الستالينية الرخيصة، الحافلة بالدس والتشويه والافتراء، التي حاولت إفساد ملامح ثوري عظيم وطمس نقائها وبهائها بالكامل، هؤلاء القراء، وغيرهم، لهم ملء الحق في أن يتحدوا مع دويتشر “لصوص المقابر” و «مخربي الآثار»، عبر قراءة السيرة الدقيقة التي أنجزها منذ سنين طوال، مترجمة إلى العربية.
السيرة التي نحن بصددها، تطالعنا بوجه تروتسكي الناصع والحقيقي، مرسوما بريشة كاتب لم يكن حين كتبها تروتسکيا، إلا أنه لم يخضع أبدا للابتزاز الستاليني، ولم يحل ضباب الأضاليل والسموم، المنفوثة بصورة منهجية طوال عشرات السنين في أوساط الحركة العمالية العالمية وما حولها، دون أن يرى الواقع التاريخي على حقيقته، ويعيد تكوينه كما هو، بتجرد ونزاهة بالغين … نرى معه أخلاق الثوري الرائع الذي أمضى حياته بكاملها مقاتلا، وإن كان تفاوت السلاح الذي واجه به خصومه وأعداءه، حسب تفاوت المراحل، وتفاوت اولئك الخصوم والاعداء. هذه الأخلاق تشكل النقيض الفعلي لتلك التي تميز بها خصمه الرئيسي، ستالين، والتيار الذي تحلق حول هذا الخصم. فلقد بقي تروتسكي، في خصومته، سامياً وممتلئاً شهامة، وهو ما يؤكده دويتشر على لسان جورج برنارد شو القائل:

“مثل ليسينغ حين يقطع رأس خصمه، يرفعه ليبين أن لا شيء داخله. إلا أنه لا يمس شخصية ضحيته الخاصة بها … يُعرّيها من أية قيمة سياسية، لكنه لا ينال من شرفها” (۲).
وتبدو علاقة تروتسكي بالثورة هي العلاقة الأكثر بروزا وعمقا على امتداد حياته؛ وهو ما نلمسه في كل لحظة من لحظات سيرته. وقد لخصت هذا الواقع زوجه الأولى، بعد عشرات السنين من انفصاله عنها. قالت الكسندرا سوكولوفسکایا، وكانت مناضلة ثورية هي الأخرى، متحدثة عن الشاب الذي لعبت دورا مهما في كسبه إلى الماركسية:

“لم يُقيّض لي أن التقي يوما، طيلة عملي النضالي، شخصا يكنّ مثله كل ذلك الاخلاص للثورة والتفاني في سبيلها” (۳).

ذلك الاخلاص تلازم مع تفاؤل ثوري لم يفارقه حتى في أسوأ لحظات الشدة التي عاشتها الثورة وعاشها هو. وشخصية الرائي التي تميز بها، وجعلته يشرف من علٍ على المستقبل وآفاقه، وقدرته على تبين حركة التاريخ بوضوح، لا بما هي تعبير عما مضى وحسب، بل كذلك بما هي حدس بالآتي، لا بل رؤية لهذا الآتي، ساعدتاه على الارتفاع بذلك التفاؤل الى درجاته القصوى، وهو ما أثر تأثيرا عميقة في اعطائه تلك الحرارة الهائلة التي انتقلت في الساعات الحرجة والحاسمة إلى الجماهير التي قادها، وتحرك من ضمنها، وفي المعجزات التي لعب الدور المركزي في تحقيقها، خلال ثورة اوکتوبر بالذات، وطوال الحرب الأهلية بين عامي ۱۹۱۸ و۱۹۲۱. هذا التفاؤل عبّر عنه، للمرة الأولى، في دعائه للقرن العشرين، الذي كتبه عام 1901، وفيه يقول:

– والموت للطوبي! الموت للايمان! الموت للحب! الموت للأمل! هكذا يرعد القرن العشرون وسط فرقعة الحرائق ودوي المدافع.

– استسلم، أيها الحالم المثير للرثاء. ها أنذا قرنك العشرون الذي طال انتظارك إياه، و “مستقبلك”.

– کلا، يجيب المتفائل غير المنهزم، أنت لست سوى الحاضر (4). أما عبقريته الفنية التي سمحت له بأن يحتل الموقع الذي احتله في صناعة تاريخ هذا العصر، فقد برزت معالمها مع خطواته الأولى في العمل السياسي. وفي معرض الاشارة إلى الموقف السلبي الذي وقفه منه بليخانوف منذ مطلع معرفته به، روی لوناتشارسكي نكتة كانت متداولة بين المهاجرين؛ “وهي غير صحيحة بالطبع، لكنها توضح جزئياً موقف بليخانوف. فعندما وصل تروتسكي إلى لندن، امتدحت زاسولیتش امامه مواهب القادم الجديد بالكثير من الحيوية. هتفت قائلة: «لا شك أن هذا الفتى عبقري». فغضب بليخانوف وأشاح بوجهه قائلا: لن أغفر له ذلك ما حييت” (5).

وإذا كانت هذه مجرد نكتة في حالة بليخانوف، فيمكن ألا تكون كذلك حين ننتقل إلى حالة ستالين، الذي لم يكتف بكل الاضطهاد الذي لاحق به تروتسكي، وبـ «اغتصاب» أبوة الكثير من المنجزات التي حققها تروتسكي بالذات، بل جعل الأسطورة التي حيكت حول شخصه تنسب له كل المواهب والطاقات التي اجتمعت في الشخصية بالغة الغنى التي تميز بها تروتسكي.

_____________

  • – أحدهما بعنوان “النبي الأعزل”، ويتناول حياة تروتسكي بين عامي ۱۹۲۱ و۱۹۲۹، والآخر بعنوان ” النبي المنبوذ”، ويتناول فترة ۱۹۲۹-۱۹40. أي الفترة الباقية من حياة تروتسکی بعد نفيه إلى الخارج، وسوف يصدران بالعربية في فترة لاحقة. (المُعرّب).
    الكتابين صدرا بالفعل، وسوف نعمل على نشرهما على حلقات بعد الإنتهاء من نشر الكتاب الحالي “النبي المسلّح” (هيئة تحرير “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”).
    (۲) – المقدمة.
    (3) – الفصل الثالث.
    (4) – الفصل ذاته.
    (5) – الفصل ۳.

Check out our other content

Check out other tags:

Most Popular Articles