الأثنين أبريل 22, 2024
الإثنين, أبريل 22, 2024

(13) المؤتمرات العالمية الأربعة الأولى للأمميـــــــــــة الشيوعيــــــــــــــة

النظرية الماركسية(13) المؤتمرات العالمية الأربعة الأولى للأمميـــــــــــة الشيوعيــــــــــــــة

موضوعات وإضافات

حول المسألة القومية ومسألة المستعمرات

أولاً – موضوعات

1- إن الطرح المجرد والشكلي لمسألة المساواة – ومن ضمنها المساواة بين القوميات – هو طرح خاص بالديموقراطية البرجوازية، تحت شكل المساواة بين الأفراد بشكل عام؛ في الديموقراطية البرجوازية تطالب بالمساواة الشكلية أو الحقوقية للبروليتاري، المساواة بين المستغِل والمستغَل، مضللة بذلك الطبقات المضطهدة أكبر تضليل. إن فكرة المساواة التي ليست سوى انعكاس للعلاقات الناتجة عن الإنتاج من أجل التبادل، تصبح سلاحا بيد البرجوازية ضد إزالة الطبقات، هذه الإزالة التي يجري قتالها باسم المساواة المطلقة بين الشخصيات الإنسانية. أمّا فيما خص المعنى الحقيقي لمطلب المساواة، فهو لا يكمن إلاّ في إرادة إزالة الطبقات.

2- ينبغي على الحزب الشيوعي، انسجاما مع هدفه الأساسي – النضال ضد الديموقراطية البرجوازية، التي يجب فضح ريائها – وكونه المعبّر الواعي عن البروليتاريا في نضالها ضد نير البرجوازية، أن يعتبر أن ما يشكل حجر الزاوية في المسألة القومية، ليس المبادئ المجردة والشكلية بل الأمور التالية:

أ- مفهوم واضح للظروف التاريخية والاقتصادية.

ب- الفصل الدقيق لمصالح الطبقات المضطَهَدة، والشغيلة، والمستغَلين عن المفهوم العام لما يسمى بالمصالح القومية، التي تعني بالواقع مصالح الطبقات المسيطرة.

ج- الفصل بالوضوح والدقة نفسيهما بين الأمم المضطَهدة والتابعة والمحمية، والأمم المضطهِدة والمستغِلة التي تتمتع بكل الحقوق. وذلك على عكس الخداع البرجوازي والديموقراطي، الذي يخفي بعناية استعباد الأغلبية العظمى من سكان الكرة الأرضية الخاص بحقبة رأس المال المالي من الإمبريالية على يد أقلية من أغنياء البلدان الرأسمالية، عن طريق القدرة المالية والاستعمارية.

3- لقد كشفت الحرب الإمبريالية (1914-1918) أمام أمم العالم كافة وطبقاته المضطَهدة تضليل العبارات الديموقراطية والبرجوازية الرنانة – فمعاهدة فرساي التي أملتها الديمقراطيات الغربية ذائعة الصيت، لم تقم سوى بإقرار أعمال تعسف أكثر حقارة ووقاحة من أعمال اليونكرز والقيصر* في بريست – ليتوفسك. ولا تقوم عصبة الأمم وسياسة الحلفاء، بمجملها، إلاّ بتأكيد هذا الواقع وتطوير العمل الثوري للبروليتاريا في البلدان المتقدمة وللجماهير العمالية في البلدان المستعمَرة أو الخاضعة، مسرّعتين بذلك إفلاس الأوهام القومية للبرجوازية الصغيرة بصدد إمكانية تجاوز هادئ ومساومة حقيقية بين الأمم في ظل النظام الرأسمالي.

4- ينتج عما سبق أن حجر الزاوية في سياسة الأممية الشيوعية بشأن المسألة القومية ومسألة المستعمرات يجب أن يقوم على التقارب بين بروليتاريي وشغيلة كل القوميات والبلدان من أجل النضال المشترك ضد المالكين والبرجوازية، لأن هذا التقارب هو الضمانة الوحيدة لانتصارنا على الرأسمالية، وبدونه لا يمكن إزالة كل اضطهاد قومي ولا عدم المساواة.

5- إن الوضع السياسي العالمي الحالي يضع ديكتاتورية البروليتاريا على جدول الأعمال. وتتركز كل أحداث السياسة العالمية، بشكل حتمي، حول مركز ثقل واحد: صراع البرجوازية العالمية ضد جمهورية السوفيتات، التي يجب أن تجمع حولها، من جهة، الحركات السوفياتية للشغيلة المتقدمين في شتى البلدان، وحركات التحرر القومية للمستعمرات والقوميات المضطهدة من جهة ثانية، والتي تيقنت بفعل تجربة مرة أن لا خلاص لها خارج التحالف مع البروليتاريا الثورية، والسلطة السوفياتية المنتصرة على الإمبريالية العالمية.

6- لم يعد بإمكاننا، إذن، أن نقف عند حدود الاعتراف بتقارب الشغيلة في البلدان كافة، أو الدعوة إلى ذلك. لقد أصبح من الضروري، من الآن وصاعدا، تحقيق الوحدة الأشد وثوقا بين مختلف الحركات التحررية الوطنية والحركات التحررية في المستعمرات وبين روسيا السوفياتية، بإعطاء هذه الوحدة أشكالها الملائمة لدرجة تطور الحركة البروليتارية وسط بروليتاريا كل بلد، وتطور حركة التحرر الديموقراطية البرجوازية بين العمال والفلاحين في البلدان المتخلفة أو ضمن القوميات المتخلفة.

7- يبدو لنا أن المبدأ الفيدرالي هو الشكل الانتقالي نحو الوحدة الكاملة لشغيلة كل البلدان. لقد كان هذا المبدأ قد أظهر بشكل عملي انسجامه مع الهدف المقتفى، سواء أثناء العلاقات بين الجمهورية الاشتراكية الاتحادية للسوفيتات الروسية والجمهوريات السوفياتية الأخرى (في هنغاريا – وفنلندا وليتونيا في السابق، وفي أذربيجاني وأوكرانيا حاليا) أو داخل الجمهورية الروسية نفسها، تجاه القوميات التي لم تكن تملك دولة ولا وجودا مستقلا في السابق (مثال: جمهورية البشكير والتتار المستقلتان، اللتان أنشئتا في روسيا السوفياتية عام 1919 و1920).

8- تقوم مهمة الأممية الشيوعية على دراسة تجربة هذه الفيدرالية المستندة إلى الشكل السوفياتي والحركة السوفياتية (وتطورها اللاحق)، وعلى التحقيق منها. وإذ نأخذ في الاعتبار أن الفيدرالية هي الشكل الانتقالي نحو الوحدة الكاملة، ومن الضروري بالنسبة لنا أن نتجه إلى اتحاد فيدرالي أكثر فأكثر وثوقا، آخذين بالحسبان المسائل التالية:

أ- استحالة الدفاع عن الجمهوريات السوفياتية المحاطة بأعداء إمبرياليين متفوقين عليها بقوتهم العسكرية أشد تفوق، دون الاتحاد الأشد وثوقا فيما بينها.

ب- ضرورة الاتحاد الاقتصادي الوثيق بين الجمهوريات السوفياتية، الذي لا يمكن بدونه أن يتحقق ضمان بناء القوى المنتجة التي دمرتها الإمبريالية، ولا أمن ورخاء الشغيلة.

ج- الاتجاه نحو تحقيق خطة اقتصادية عالمية يشرف على تطبيقها المنتظم بروليتاريو شتى البلدان، وقد ظهر هذا الاتجاه بوضوح في ظل النظام الرأسمالي، ويجب بالتأكيد أن يستمر بالتطور ويصل إلى الكمال عن طريق النظام الاشتراكي.

9- أمّا في مجال العلاقات الاجتماعية داخل الدول المتشكلة، فلا يمكن أن تكتفي الأممية الشيوعية بالاعتراف الشكلي، الرسمي المحض ودون نتائج عملية، بالمساواة بين الأمم التي يكتفي بها الديموقراطيون البرجوازيون الذين يحملون لقب اشتراكيين.
ولا يكفي الإصرار في دعاوة الأحزاب الشيوعية وتحريضها – من على المنبر البرلماني كما من خارجه – على رفض الخروقات المستمرة لمبدأ المساواة بين القوميات ولحقوق الأقليات القومية في البلدان الرأسمالية كافة (على الرغم من « دساتيرها الديموقراطية ») بل يجب أن تُظهر أيضا، دون توقف، أن حكومة السوفيتات وحدها تستطيع تحقيق المساواة بين القوميات بتوحيدها للبروليتاريين في البداية، ومجموع الشغيلة في ما بعد في النضال ضد البرجوازية، ويجب أن تبين أيضا أن نظام السوفيتات يؤمن مساندة مباشرة، عن طريق الحزب الشيوعي، لكل الحركات الثورية في البلدان التابعة أو المهضومة حقوقها (مثال ايرلندا، والسود الأمريكيين، الخ..) وفي المستعمرات.
ودون هذا الشرط ذي الأهمية الخاصة للنضال ضد اضطهاد البلدان المستعبَدَة أو المستعمرَة، فإن الاعتراف الرسمي بحقها في الاستقلال ليس بالنسبة لنا سوى إعلان كاذب، كما نرى من جانب الأممية الثانية.

10- تلك هي الممارسات المألوفة، ليس فقط لأحزاب الوسط في الأممية الثانية بل أيضا لأولئك الذين تركوا هذه الأممية ليعترفوا بالروح الأممية قولا، وليستبدلوها، فعلا، في الدعاوة والتحريض والممارسة، بالنزعتين القومية والسلمية للبرجوازيين الصغار. وهذا ما يظهر أيضا بين الأحزاب التي تسمى بالشيوعية الآن. إن النضال ضد هذا المرض وضد الأفكار المسبقة للبرجوازية الصغيرة الأعمق رسوخا (التي تظهر بأشكال مختلفة، مثل الحقد العنصري، والعداء القومي والعداء للسامية) يكتسب أهمية أكبر كلما أصبحت أكثر راهنية مشكلةُ التحول من ديكتاتورية البروليتاريا الوطنية (التي لا توجد إلاّ في بلد واحد والتي تكون عاجزة، بالتالي، عن ممارسة أي تأثير على السياسة العالمية) إلى ديكتاتورية البروليتاريا العالمية (التي تحققها، على الأقل، عدة بلدان متقدمة والتي تكون قادرة على ممارسة تأثير حاسم على السياسة العالمية). إن القومية البرجوازية – الصغيرة، تختزل النزعة الأممية إلى الإعتراف بمبدأ المساواة بين الأمم (دون الإلحاح زيادة على الطابع اللفظي المحض لهذا الاعتراف)، ولا تمس الأنانية القومية، بينما تفترض الأممية البروليتارية التالي:

أ- إخضاع مصالح النضال البروليتاري في أحد البلدان لمصلحة هذا النضال في العالم أجمع.

ب- ارتضاء الأمم التي انتصرت على البرجوازية أعظم التضحيات القومية من أجل إطاحة الرأسمال العالمي؛ فالنضال ضد التشويهات الانتهازية والسلمية للأممية، هو إذن من أهم الواجبات المباشرة، في البلدان التي بلغت فيها الرأسمالية تطورها الكامل وحيث توجد الأحزاب العمالية التي تشكل طليعة البروليتاريا.

11- أمّا فيما خصّ الدول والبلدان الأكثر تخلفا حيث تهيمن مؤسسات إقطاعية أو بطريركية – قروية، من المناسب أخذ الأمور التالية بالاعتبار:

أ- ضرورة أن تقدم كل الأحزاب الشيوعية العون للحركات الثورية التحررية في هذه البلدان، هذا العون يجب أن يكون دعما نشطا وأن يحدد شكله الحزب الشيوعي في البلد المعني، إذا ما وجد حزب شيوعي فيه. إن واجب الدعم النشط لهذه الحركة يقع بالدرجة الأولى بشكل طبيعي على عاتق الشغيلة في الحاضرة الاستعمارية، أو في البلد الذي يكون الشعب المعني تابعا له تبعية مالية.

ب- ضرورة محاربة التأثير الرجعي والقروسطوي لرجال الدين، والإرساليات المسيحية والعناصر الأخرى.

ج- ومن الضروري أيضا محاربة الجامعتين الإسلامية والآسيوية وشتى الحركات المشابهة، التي تعمل على استخدام النضال التحرري ضد الإمبريالية الأوربية والأمريكية من أجل تعزيز قوة الإمبرياليتين التركية واليابانية، وقوة النبلاء وكبار الملاكين العقاريين، ورجال الدين، الخ…

د- من الأهمية بمكان مساندة الحركة الفلاحية في البلدان المتخلفة ضد الملاكين العقاريين، وضد بقايا الروح الإقطاعية أو تجلياتها، وينبغي العمل على إعطاء الحركة الفلاحية طابعا ثوريا وتنظيم الفلاحين والمضطهدين كافة في سوفيتات حيثما يكون ذلك ممكنا، وكذلك خلق ارتباط وثيق جدا بين البروليتاريا الشيوعية الأوربية والحركة الثورية الفلاحية في الشرق والمستعمرات والبلدان المتخلفة بشكل عام.

هـ- من الضروري أن تُحارب بعنف محاولات الحركات التحررية، التي ليست شيوعية في الواقع، ولا ثورية، لرفع راية الشيوعية؛ وعلى الأممية الشيوعية ألاّ تدعم الحركات الثورية في المستعمرات والبلدان المتخلفة إلاّ بشرط أن تكون عناصر أنقى الأحزاب الشيوعية – والشيوعية بالفعل – مجمَّعة ومُعْلَمَةً بمهامها الرئيسية، المتمثلة بمحاربة الحركة البرجوازية والديموقراطية. على الأممية الشيوعية أن تدخل في علاقات ظرفية مع الحركات الثورية في المستعمرات والبلدان المتخلفة وأن تشكل اتحادات معها أيضا دون أن تندمج بالرغم من ذلك مع هذه الحركات، وأن تحافظ دائما على طابعها المستقل كحركة بروليتارية ولئن بشكلها الجنيني.

و- من الضروري أن تُفضح دون هوادة الخديعة التي تنظمها الدول الإمبريالية – بمساندة الطبقات صاحبة الامتياز – في البلدان المضطَهدة التي تتظاهر بالدعوة لوجود دول مستقلة سياسيا ليست في الواقع سوى دول تابعة من الناحية الاقتصادية والمالية والعسكرية، ينبغي أن تفضح أمام الجماهير الكادحة في شتى البلدان وخاصة في البلدان والأمم المتخلفة. وكمثال صارخ على الخدع التي تمارسها الدول الإمبريالية المتحالفة والبرجوازية في هذا البلد أو ذاك عبر جهودها المشتركة ضد طبقة الشغيلة في البلدان التابعة، يمكننا أن نذكر قضية الصهاينة في فلسطين، إذ قامت الصهيونية بإخضاع السكان الساخطين من الشغيلة العرب للاستغلال الانكليزي وذلك تحت حجة إنشاء دولة يهودية في هذا البلد حيث عدد اليهود لا يذكر. ففي الوضع العالمي الراهن، لا خلاص للشعوب الضعيفة والمستعبدة خارج اتحاد الجمهوريات السوفياتية.

12- إن اضطهاد الدول الإمبريالية للأمم الصغيرة وللمستعمرات منذ عدة قرون، قد خلق لدى الجماهير الكادحة في البلدان المضطهَدة، ليس فقط شعورا بالحقد تجاه الأمم المضطهِدة بشكل عام بل كذلك شعورا بالريبة تجاه البروليتاريا في البلدان المضطهِدة. إن الخيانة الشائنة للقادة الرسميين للأغلبية الاشتراكية بين عامي 1914-1919، فيما كانت الاشتراكية الشوفينية تطلق اسم «الدفاع الوطني» على الدفاع عن «حقوق برجوازيتها» في استعباد المستعمرات وفرض الخوة على الدول التابعة ماليا، لم تكن إلاّ لتزيد من هذا الإرتياب المشروع تماما. إن هذه الأفكار المسبقة لا يمكن أن تزول إلاّ بعد زوال الرأسمالية والإمبريالية في البلدان المتقدمة وبعد التحول الجذري للحياة الاقتصادية في البلدان المتخلفة. وسيكون استئصالها بطيئا، لذلك من واجب البروليتاريا الواعية في شتى البلدان أن تكون حذرة بشكل خاص تجاه رواسب الشعور القومي في البلدان المضطهَدة منذ فترة طويلة وأن تنظر أيضا في بعض التنازلات المفيدة بقصد تعجيل اختفاء تلك الأفكار المسبقة وتلك الريبة. فالانتصار على الرأسمالية مرهون بإرادة التفاهم لدى البروليتاريا أولاً، ومن ثم لدى الجماهير الكادحة في جميع بلدان العالم وجميع الأمم.

ثانيا: موضوعات إضافية

1- إن التعيين الصحيح لعلاقات الأممية الشيوعية بالحركة الثورية في البلدان التي تسيطر عليها الإمبريالية الرأسمالية، خاصة في الصين، هو إحدى أهم المسائل المطروحة على المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية، فالثورة العالمية تدخل مرحلة من الضروري فيها أن تكون هناك معرفة صحيحة بهذه العلاقات. لقد أظهرت الحرب الأوربية ونتائجها بوضوح أن الجماهير في البلدان الخاضعة خارج أوربا مرتبطة بشكل مطلق بالحركة البروليتارية الأوربية، وأن هذه هي إحدى النتائج التي لا مفر منها للرأسمالية العالمية الممركزة.

2- تشكل المستعمرات أحد أهم مصادر قوة الرأسمالية الأوروبية.

فلولا امتلاك الأسواق الكبيرة ومناطق الاستثمار الكبرى في المستعمرات، لما استطاعت الدول الرأسمالية الأوربية الصمود طويلا.
فإنجلترا، قلعة الإمبريالية، تعاني من فيض في الإنتاج منذ أكثر من قرن. ولم تنجح إنكلترا في الحفاظ على نظامها الرأسمالي، بالرغم من أعبائه، لولا سيطرتها على أراض مستعمرة وأسواق إضافية لبيع منتجات فيض الإنتاج المتزايدة.
فباستعباد مئات الملايين من السكان في آسيا وأفريقيا استطاعت الإمبريالية الإنجليزية إبقاء البروليتاريا البريطانية حتى الوقت الحاضر تحت السيطرة البرجوازية.

3- إن فائض القيمة الناتج عن استغلال المستعمرات هو إحدى ركائز الرأسمالية الحديثة. وطالما أنه لم يتم إلغاء مصدر الأرباح هذا، فسيكون من الصعب على الطبقة العاملة أن تهزم الرأسمالية.
وبفضل إمكانية استغلال اليد العاملة والمصادر الطبيعية للمواد الأولية في المستعمرات أشد الاستغلال، سعت الأمم الرأسمالية الأوربية، ليس دون نجاح، إلى تفادي إفلاسها الوشيك عن طريق تلك الوسائل.
وقد نجحت الإمبريالية الأوربية في بلدانها بأن تقوم بتنازلات متزايدة باستمرار للأرستوقراطية العمالية. وبينما تسعى، من جهة، للحفاظ على مستوى منخفض جدا للظروف المعيشية للعمال في البلدان المستعبدة، فإنها لا تتوانى عن القيام بأي تضحية، وترضى بالتضحية بفائض القيمة في بلدانها، فيبقى لها فائض القيمة في المستعمرات.

4- إن إزالة القوة الاستعمارية في أوروبا بواسطة الثورة البروليتارية ستطيح الرأسمالية الأوربية، ويجب أن تسهم الثورة البروليتارية والثورة في المستعمرات، إلى حد ما، في النهاية الظافرة للنضال. لذلك يجب أن توسع الأممية الشيوعية من دائرة نشاطها، وأن تعقد علاقات مع القوى الثورية العاملة من أجل تدمير الإمبريالية في البلدان التابعة اقتصاديا وسياسيا.

5- تركز الأممية الشيوعية إرادة البروليتاريا الثورية العالمية. وتقوم مهمتها على تنظيم الطبقة العاملة في العالم أجمع من أجل إطاحة النظام الرأسمالي وإقامة الشيوعية.
إن الأممية الشيوعية هي أداة النضال، التي تقع عليها مهمة تجميع كل القوى الثورية في العالم.
لم تعر الأممية الثانية، التي تقودها مجموعة من السياسيين والمشبعة بالمفاهيم البرجوازية، أدنى اهتمام لمسألة المستعمرات. فلم يكن العالم يوجد بالنسبة لها إلاّ في حدود أوروبا، ولم تر ضرورة الحركة الثورية في القارات الأخرى. وبدل أن يقوم أعضاء الأممية الثانية بتقديم الدعم المادي والمعنوي للحركة الثورية في المستعمرات، أصبحوا هم أنفسهم امبرياليين.

6- إن الإمبريالية الأجنبية، التي ترزح بثقلها على الشعوب الشرقية، منعت هذه الأخيرة من أن تتطور اجتماعيا واقتصاديا بالتزامن مع الطبقات في أوربا وأمريكا.
وبفعل السياسة الإمبريالية التي أعاقت التطور الصناعي في المستعمرات، لم تستطع أن تبرز في هذه الأخيرة طبقة بروليتارية بالمعنى الحقيقي للكلمة، في حين أنه تم مؤخرا تدمير الحرف المحلية عبر منافسة منتجات الصناعات الممركزة في البلدان الإمبريالية.
وكانت النتيجة أن الأغلبية العظمى من الشعب وجدت نفسها مبعدة إلى الريف ومجبرة على الانصراف هناك إلى العمل الزراعي وإنتاج المواد الأولية المعدة للتصدير.
وكانت النتيجة تركزا سريعا للملكية الزراعية سواء بأيدي كبار الملاكين العقاريين أو الرأسمال المالي أو الدولة. وهكذا نشأت كتلة ضخمة من الفلاحين الذين لا يملكون أرضا، فيما بقيت الكتلة الكبرى من السكان غارقة في الجهل.
كانت نتيجة هذه السياسة أن الروح الثورية التي ظهرت في بعض تلك البلدان لم تجد تعبيرا عنها إلاّ داخل الطبقة المتوسطة المثقفة.
إن السيطرة الأجنبية تعيق التطور الحر للقوى الاقتصادية. لذا فإن تدميرها هو الخطوة الأولى للثورة في المستعمرات، ولذا فإن الدعم المقدم لتدمير السيطرة الأجنبية في المستعمرات ليس في الواقع دعما مقدما للحركة القومية للبرجوازية المحلية، بل لفتح الطريق أمام البروليتاريا المضطهَدة نفسها.

7- هناك حركتان في البلدان المضطهَدة، تتباعدان يوما بعد يوم، بشكل متزايد: الأولى هي الحركة البرجوازية الديمقراطية القومية التي تحمل برنامج استقلال سياسي ونظام برجوازي؛ والأخرى هي حركة الفلاحين والعمال الأميين والفقراء من أجل تحررهم من شتى أنواع الاستغلال.
تحاول الأولى أن تقود الثانية وقد نجحت غالبا في ذلك إلى حدما. ولكن على الأممية الشيوعية والأحزاب المنتسبة لها أن تحارب هذا الاتجاه وتسعى لتطوير الشعور الطبقي المستقل بين الجماهير العمالية في المستعمرات.
إن إحدى كبرى المهام لتحقيق هذا الهدف هي تشكيل أحزاب شيوعية تنظم العمال والفلاحين وتقودهم إلى الثورة وإلى بناء الجمهورية السوفياتية.

8- لا تقتصر قوى حركة التحرر في المستعمرات على الحلقة الضيقة للقومية البرجوازية الديموقراطية. ففي أغلب المستعمرات، وُجدت حركة اشتراكية – ثورية أو أحزاب شيوعية على ارتباط وثيق بالجماهير العمالية. وينبغي أن تخدم علاقات الأممية الشيوعية بالحركة الثورية في المستعمرات هذه الأحزاب أو المجموعات، لأنها تشكل طليعة الطبقة العاملة. ولئن كانت ضعيفة اليوم، فإنها مع ذلك تمثل إرادة الجماهير، والجماهير ستتبعها في الطريق الثوري. ويجب أن تعمل الأحزاب الشيوعية في مختلف البلدان الإمبريالية بالارتباط مع الأحزاب البروليتارية في المستعمرات وأن تقدم لها الدعم المادي والمعنوي.

9- لا يمكن للثورة في المستعمرات أن تكون، في مرحلتها الأولى، ثورة شيوعية، ولكن إذا كانت القيادة، منذ بداية الثورة، بين أيدي طليعة شيوعية، فلن تُضلَّل الجماهير ولن تنفك تكبر تجربتها الثورية في مختلف المراحل.
وبالتأكيد سيكون خطأ فادحا أن يتم اللجوء إلى تطبيق المبادئ الشيوعية فورا على المسألة الزراعية في البلدان الشرقية. ينبغي أن يكون للثورة، في مرحلتها الأولى، برنامجا يتضمن إصلاحات ذات طابع برجوازي صغير، كتوزيع الأراضي. غير أنه لا يترتب على ذلك بالضرورة أن تترك قيادة الثورة للديمقراطية البرجوازية. بل على العكس ينبغي على الحزب البروليتاري أن يطوِّر دعاوة قوية ومنهجية لصالح السوفيتات، وأن ينظم سوفيتات الفلاحين والعمال. يجب على هذه السوفيتات أن تعمل بتعاون وثيق مع الجمهوريات السوفياتية في البلدان الرأسمالية المتقدمة من أجل الوصول إلى الانتصار النهائي على الرأسمالية في العالم أجمع.
وهكذا، فبقيادة البروليتاريا الواعية في البلدان الرأسمالية المتطورة، ستصل الجماهير في البلدان المتخلفة إلى الشيوعية دون المرور بمختلف مراحل التطور الرأسمالي.


(*) لقب إمبراطور ألمانيا، غليوم الثاني (المعرّبة).
_________________

موضوعات حول المسألة الزراعية

1- إن البروليتاريا الصناعية في المدن، بقيادة الحزب الشيوعي، هي وحدها القادرة على تحرير الجماهير الكادحة في الأرياف من نير الرأسماليين والملاكين العقاريين ومن الفوضى الاقتصادية والحروب الإمبريالية، التي ستتجدد حتما إذا ما استمر النظام الرأسمالي. ولا يمكن أن تتحرر الجماهير الكادحة في الأرياف، إلاّ شرط أن تناصر البروليتاريا الشيوعية وأن تدعمها دون تحفظ في نضالها الثوري من أجل إطاحة نظام الاضطهاد، نظام كبار الملاكين العقاريين والبرجوازية.
من جهة أخرى، لا تستطيع البروليتاريا الصناعية أن تنجز رسالتها التاريخية العالمية، وهي تحرر الإنسانية من نير الرأسمالية والحروب، إذا ما انغلقت ضمن حدود مصالحها الخاصة والنقابية، وإذا ما ركنت إلى المساعي والجهود الرامية إلى تحسين وضعها البرجوازي المرضي جدا في بعض الأحيان. هكذا تسير الأمور في عدد من البلدان المتقدمة حيث توجد «أرستقراطية عمالية»، سند أحزاب الأممية الثانية، المسماة اشتراكية، بيد أنها في الواقع العدو اللدود للاشتراكية، الخائنة لمبدئها، وهي برجوازية شوفينية وعميلة للرأسماليين في أوساط الشغيلة. ولا تستطيع البروليتاريا أبدا أن تكون قوة ثورية نشطة، وطبقة تعمل لمصلحة الاشتراكية، إذا لم تتصرف كطليعة للشعب الكادح الذي يتعرض للاستغلال، وإذا لم تسلك سلوك قائد الجيش الذي تقع على عاتقه مهمة قيادة الهجوم للإطباق على المستغِلين، ولكن هذا الهجوم لن ينجح إذا لم تشارك الأرياف في الصراع الطبقي، وإذا لم ينضم جمهور الفلاحين الكادحين إلى الحزب الشيوعي البروليتاري في المدن وإذا لم يقم هذا الأخير بتكوين هذا الجمهور.

2- إن جمهور الفلاحين الكادحين المستغَل والذي يجب على بروليتاريا المدن أن تقوده إلى المعركة أو على الأقل أن تكسبه إلى قضيتها، ممثل في جميع البلدان الرأسمالية بـ:

أ- البروليتاريا الريفية المؤلفة من المياومين أو خدم المزرعة المستأجرين لمدة سنة، أو لأجل، أو يوميا، والذين يكسبون معيشتهم عن طريق العمل المأجور في مختلف المشاريع الرأسمالية للاقتصاد الزراعي والصناعي. وتقوم المهمة الأساسية للأحزاب الشيوعية في جميع البلدان على تنظيم هذه البروليتاريا في فئة متميِّزة ومستقلة عن بقية مجموعات سكان الأرياف (من وجهة النظر السياسية، والعسكرية، والمهنية، والتعاونية، الخ..)، والقيام بدعوة واسعة في هذا الوسط، الذي تسعى إلى جلبه في اتجاه السلطة السوفياتية وديكتاتورية البروليتاريا.

ب- أنصاف البروليتاريين أو الفلاحين الذين يعملون بصفتهم عمالا مستأجرين في مختلف المشاريع الزراعية أو الصناعية أو الرأسمالية أو الزارعين لقطعة الأرض التي يملكونها أو المستأجرة، والتي لا تعود عليهم إلاّ بالحد الأدنى الضروري لتأمين معيشة عائلاتهم. إن هذه الفئة من الشغيلة الزراعيين كبيرة العدد في البلدان الرأسمالية. ويسعى ممثلو البرجوازية و«الاشتراكيون» الصفر في الأممية الثانية إلى تمويه الشروط المعيشية الحقيقية لهؤلاء الشغيلة وخاصة وضعهم الاقتصادي، تارة بخداع مقصود للعمال وتارة بفعل عماهم الخاص (أي الشغيلة)، المتأتي من الأفكار الروتينية البرجوازية؛ فيخلطون، بطيبة خاطر، هذه المجموعة مع جمهور «الفلاحين» الواسع. وتمارس هذه المناورة، البرجوازية للغاية، بشكل خاص في ألمانيا وفرنسا وأمريكا، وفي بعض البلدان الأخرى، بهدف خداع العمال. وبالتنظيم الجيد لعمل الحزب الشيوعي، يمكن هذه المجموعة أن تصبح سندا أمينا للشيوعية، لأن وضع أنصاف – البروليتاريين هؤلاء غير ثابت، ولأن الانضمام إلى الحزب الشيوعي يعود عليهم بمكاسب ضخمة ومباشرة.
وفي بعض البلدان، لا يوجد تمييز واضح بين هاتين الفئتين، فمن الجائز، إذن، تبعا للظروف، منحهما تنظيما مشتركا.

ج- صغار الملاكين، وصغار المزارعين الذين يملكون أو يستأجرون قطعا صغيرة من الأراضي، ويستطيعون تلبية حاجات منازلهم وعائلاتهم دون استئجار شغيلة مأجورين، ولدى هذه الفئة من الريفيين الكثير لتكسبه من انتصار البروليتاريا، ويمنح انتصار الطبقة العامل، في الحال، كل ممثل لهذه الفئة المنافع والمكاسب التالية:

– عدم دفع بدل الإيجار وإلغاء المزارَعَة (وهذا ما سيحصل في فرنسا، وإيطاليا، الخ…) اللذين ما زال يستوفيهما حتى الوقت الحاضر كبار الملاكين العقاريين.

– إزالة الديون الرهنية.

– انعتاق من الاضطهاد الاقتصادي الذي يمارسه كبار الملاكين العقاريين، والذي يظهر بأشكال متنوعة (حق استخدام الغابات والأحراج والأراضي البور الخ…).

– مساعدة زراعية خاصة ومالية فورية من السلطة البروليتارية، ولا سيما المساعدة بالأدوات الزراعية؛ ومنح المباني الموجودة على أرض الملكيات الرأسمالية الواسعة التي صادرتها البروليتاريا والتحويل الفوري من قبل الحكومة البروليتارية لكل التعاونيات الريفية والشركات الزراعية، التي لم تكن مُجْزية في ظل النظام الرأسمالي، إلاّ لصالح الفلاحين الأغنياء والميسورين، إلى منظمات اقتصادية هدفها أن تساعد، بالدرجة الأولى، السكان الفقراء، أي البروليتاريين وأنصاف – البروليتاريين والفلاحين الفقراء.
ينبغي أن يفهم الحزب الشيوعي أيضا أنه خلال مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية، أي خلال ديكتاتورية البروليتاريا، ستُظهر هذه الفئة من السكان الريفيين، ترددا ظاهرا إلى هذا الحد أو ذاك، ونوعا من الميل إلى حرية التجارة والملكية الخاصة، لأن العديد ممن يشكلون هذه الفئة المشتغلين، ولئن بقدر ضئيل، في تجارة السلع ذات الضرورة الأولية، قد أُفسدوا بفعل المضاربة وعادات الملكية لديهم. ولكن مع ذلك، إذا حققت الحكومة البروليتارية بصدد هذه المسألة سياسة صارمة وصلبة، وإذا سحقت البروليتاريا المنتصرة دون رحمة كبار الملاكين العقاريين والفلاحين الميسورين، فإن هذا التردد لن يدوم طويلا ولن يستطيع تغيير هذا الواقع الثابت المتمثل في أن الفئة المعنية تتعاطف بالنهاية مع الثورة البروليتارية.

3- تشكل هذه الفئات الثلاث، مأخوذة بمجملها، أغلبية السكان في البلدان الرأسمالية كافة. لذلك يمكن أن يعتبر أي انقلاب بروليتاري، في المدن كما في الأرياف، أمرا محسوما ولا جدال فيه، لكن الرأي المواجه يتمتع مع ذلك بتأييد كبير في المجتمع الحالي. وهذه هي الأسباب: إنه لا يستطيع الاستمرار إلاّ بفعل الكثير من الأعمال الخادعة المستندة إلى العلم:

أ- الإحصاء البرجوازي الذي يسعى بمختلف الوسائل التي يملكها إلى حجب الهوة العميقة التي تفصل هذه الطبقات الريفية عن مستغليها، الملاكين العقاريين والرأسماليين، والتي تفصل أنصاف البروليتاريين والفلاحين الفقراء عن الفلاحين الميسورين.

ب- يحافظ هذا الرأي على استمرارية بفعل رعونة أبطال الأممية الثانية الصفراء و«الأرستقراطية العمالية» المفسدة بالامتيازات الإمبريالية، والتقاعس عن القيام بدعاوة بروليتارية وثورية قوية وبعمل تنظيمي جيد بين الفلاحين الفقراء. كان الانتهازيون ولا يزالون يستخدمون جهودهم كافة، من أجل تخيل مختلف أنواع الاتفاق العملي والنظري مع البرجوازية، ومن ضمنها الفلاحون الأغنياء والميسورون، وهم لا يفكرون إطلاقا بإطاحة الحكومة البرجوازية والبرجوازية نفسها ثوريا.

ج- أخيرا، يحافظ الرأي المعني على استمراريته حتى الآن بفعل فكرة مسبقة راسخة، لا تتزعزع إذا جاز القول، لأنها تتحد بشكل وثيق مع كل الأفكار المسبقة الأخرى حول البرلمانية والبرجوازية الديموقراطية. وتقوم هذه الفكرة المسبقة على عدم فهم حقيقة أثبتتها الماركسية النظرية كليا، وأثبتتها تجربة الثورة البروليتارية الروسية بشكل كاف، هي أن الفئات الثلاث من السكان الريفيين التي تحدثنا عنها، المبلدة والمشتتة والمضطهدة والمحكوم عليها، حتى في البلدان الأكثر تحضرا، بأن تعيش حياة شبه همجية، لها، بالتالي، مصلحة اقتصادية، واجتماعية وفكرية بانتصار الاشتراكية. لكنها لا تستطيع، مع ذلك، أن تدعم البروليتاريا الثورية دعما حازما إلاّ بعد استلام السلطة السياسية، وبعد أن تحاكم البروليتاريا كبار الملاكين العقاريين والرأسماليين، ملزمة بذلك الجماهير الريفية بأن ترى فيها قائدا ومدافعا منظما، قادرا بما فيه الكفاية على قيادتها وإظهار الطريق الصحيح لها.

4- «الفلاحون المتوسطون»، وهم من وجهة النظر الاقتصادية ملاكون ريفيون صغار يملكون أو يستأجرون لأجل محدد، هم أيضا، قطع أرض قليلة الأهمية بالطبع لكنها تتيح لهم مع ذلك في ظل النظام الرأسمالي، ليس فقط إعالة عائلاتهم وتعهد ملكياتهم الزراعية الصغيرة بحالة جيدة، بل تحقيق فائض من الأرباح أيضا، يمكن أن يتحول، على الأقل في غضون سنوات من المحصول الجيد، إلى ادخار هام نسبيا. وغالبا ما يستخدم هؤلاء الفلاحون عمالا (عاملين أو ثلاثة لكل مشروع، مثلا) هم بحاجة إليهم في شتى أنواع الأعمال. يمكننا أن نذكر هنا المثال الملموس لـ «الفلاحين المتوسطين» في بلد رأسمالي متقدم هو ألمانيا. فقد كان يوجد في ألمانيا، تبعا لتعداد 1907، فئة من الملاكين الريفيين، يملك كل واحد منهم خمسة إلى عشرة هكتارات في الملكيات التي يصل عدد العمال المستخدمين فيها إلى حوالي ثلث الرقم الكلي للشغيلة في الحقول تقريبا(1). وفي فرنسا، حيث المزروعات الخاصة أكثر تطورا كالكرمة، وحيث تتطلب الأرض جهدا أكبر وعناية أكبر، فمن المحتمل أن تستخدم الملكيات الريفية من هذه الفئة عددا أكبر من الشغيلة المأجورين.
لا يمكن للبروليتاريا الثورية، في مستقبلها الأقرب، وعلى امتداد المرحلة الأولى من دكتاتوريتها، أن تضع لنفسها مهمة كسب تلك الفئة الريفية، وعليها أن تكتفي بتحييدها في الصراع الذي يدور بين البروليتاريا والبرجوازية. إن ميل هذه الشريحة من السكان تارة نحو حزب سياسي، وتارة نحو حزب سياسي آخر، أمر لا مفر منه، وربما كانت في بداية الحقبة الجديدة، وفي البلدان الرأسمالية للغاية ميالة إلى البرجوازية، وهو ميل طبيعي جدا، بما أن روح الملكية الخاصة تلعب دورا مهيمنا لديها. وستحسُّن البروليتاريا المنتصرة الوضع الاقتصادي لهذه الشريحة من السكان فورا، بإلغائها نظام التأجير والديون الرهنية، وبإدخالها استخدام الآلات واستعمال الكهرباء في الزراعة. إلاّ أنه لا يجب أن تلغي السلطة البروليتارية في مختلف البلدان الرأسمالية، على الفور وكليا، الحق بالملكية الخاصة، بل يجب أن تحرر هذه الطبقة من شتى الالتزامات والضرائب التي يخضعها لها الملاكون العقاريون. إن السلطة السوفياتية ستؤمن للفلاحين الفقراء ومتوسطي الحال امتلاك الأراضي، حتى أنها ستسعى لزيادة مساحتها، بتمليك الفلاحين الأراضي التي كانوا يستأجرونها في السابق (إلغاء المزارعة).
ستؤمن جميع هذه الإجراءات، يليها نضال دون رحمة ضد البرجوازية، النجاح الكامل لسياسة التحييد. ولا يجب أن تنتقل السلطة البروليتارية إلى الزراعة الجماعية إلاّ بأكبر حذر، تدريجيا، وبواسطة العديد من الأمثلة ودون أدنى إجراء إكراهي إزاء الفلاحين «المتوسطين».

5- إن الفلاحين الأغنياء والميسورين هم المقاولون الرأسماليون في الزراعة، وهم يزرعون أراضيهم، عادة، بمعونة الشغيلة المأجورين، ولا يرتبطون بطبقة الفلاحين إلاّ بتطورهم الفكري الضيق جداً. وحياتهم الريفية والعمل الشخصي الذين يقومون به بشكل مشترك يستخدمونهم. هذه الشريحة من السكان الريفيين كبيرة العدد وتشكل في الوقت نفسه الخصم الأعند للبروليتاريا الثورية. ولهذا يجب أن يتركز كل العمل السياسي للأحزاب الشيوعية في الأرياف على النضال ضد هذا العنصر من أجل تحرير أغلبية السكان الريفيين الكادحين والمستغَلين من التأثير الفكري والسياسي، المؤذي جدا، هؤلاء المستغِلين الريفيين.
ومن المحتمل جدا أن تلجأ هذه العناصر، ما أن تنتصر البروليتاريا في المدن، إلى أعمال تخريب وأعمال مسلحة معادية للثورة بشكل ظاهر. لهذا سيتوجب على البروليتاريا الثورية أن تشرع فورا بالإعداد الفكري والتنظيمي لكل القوى التي ستحتاج إليها من أجل نزع سلاح هذه العناصر وإطلاق رصاصة الرحمة عليها، في حين تطيح النظام الرأسمالي والصناعي. ومن أجل ذلك سيكون على البروليتاريا الثورية في المدن أن تسلح حلفاءها الريفيين وتنظم سوفيتات في كل القرى، لا يُقبل داخلها أيُّ مستغِل، ويكون البروليتاريون وأنصاف البروليتاريين مدعوين إلى لعب الدور المهيمن فيها. وحتى في هذه الحالة، لا يجب أن تتضمن المهمة المباشرة للبروليتاريا المنتصرة مصادرة الملكيات الفلاحية الكبرى، لأن الشروط المادية وإلى حد ما، التقنية والاجتماعية، الضرورية من أجل تشريك الملكيات الكبرى لا تكون، حتى في هذه اللحظة، قد تحققت بعد. كل شيء يحمل على الاعتقاد، بأنه في عدد من الحالات الفردية ستتم مصادرة أراض مستأجرة أو شديدة الضرورة للفلاحين الفقراء في الجوار. وسيُمنح هؤلاء أيضا حق الاستخدام المجاني، مع بعض الشروط رغم ذلك، لجزء من المعدات الزراعية للملاكين الريفيين الأغنياء أو الميسورين. ولكن على السلطة البروليتارية، كقاعدة عامة، أن تترك للفلاحين الأغنياء أو الميسورين أراضيهم وألاّ تستولي عليها إلاّ في حالة معارضة واضحة لسياسة سلطة الشغيلة وتعليماتها. هذا السلوك ضروري، إذ بينت تجربة الثورة البروليتارية الروسية حيث يطول النضال ضد الفلاحين الأغنياء والميسورين في شروط معقدة جداً، أن هذه العناصر من السكان الريفيين التي وًجهت إليها ضربات أليمة بسبب كل محاولات المقاومة من جانبها، حتى الأضعف منها، هي مع ذلك قادرة على القيام بإخلاص بالأعمال التي تكلفها بها الدولة البروليتارية، وتبدأ حتى، ولو ببطء شديد، تتشبّع باحترام السلطة التي تدافع عن كل شغيل وتسحق دون شفقة كل غني عاطل عن العمل.
إن الشروط الخاصة التي أدّت إلى تعقيد نضال البروليتاريا الروسية المنتصرة على البرجوازية ضد الفلاحين الأغنياء وإلى تأخيره، نجمت فقط عن واقع أنه بعد حدث 25 تشرين الأول / أكتوبر 1917، مرت الثورة الروسية بمرحلة «ديموقراطية» – أي بالواقع، مرحلة برجوازية ديمقراطية – من نضال الفلاحين ضد الملاكين العقاريين. وتعود هذه الشروط الخاصة أيضا إلى الضعف العددي لبروليتاريا المدن ووضعها المتخلف وأخيرا إلى مساحة البلد الشاسعة وخراب طرق مواصلاته. لكن البلدان المتقدمة في أوربا وأمريكا تجهل كل أسباب التأخير هذه، لذلك يتوجب على البروليتاريا الثورية فيها أن تحطم مقاومة الفلاحين الأغنياء والميسورين، بحزم أكبر وبسرعة أكبر، وبتصميم أقوى ونجاح أكبر بكثير، وأن تحرمهم من كل إمكانية معارضة في المستقبل. إن هذا الانتصار لجماهير البروليتاريين وأنصاف البروليتاريين والفلاحين، لا غنى عنه إطلاقا، وطالما لم يتم إحرازه، فإن السلطة السوفياتية لا يمكن أن تعتبر نفسها سلطة مستقرة وصلبة.

6- يجب على البروليتاريا الثورية أن تصادر في الحال ودون تحفظ كل الأراضي العائدة إلى كبار الملاكين العقاريين، أي كل الأشخاص الذين يستغلون منهجيا، في البلدان الرأسمالية، الشغيلة المأجورين والفلاحين الفقراء وحتى، في أغلب الأحيان، الفلاحين المتوسطين في المنطقة، سواء بطريقة مباشرة أو بواسطة مستأجري المزارع، وكل الملاكين الذين لا يشاركون أبدا بالعمل الجسدي – وهم في أغلب الحالات يتحدرون من الأعيان الإقطاعيين (نبلاء روسيا وألمانيا والمجر، ونبلاء فرنسا الذين عادوا إلى الحكم واللوردات الإنجليز وقدامى مالكي العبيد في أمريكا) وكبار أقطاب المال أو، أخيرا، أولئك المتحدرين من هاتين الفئتين من المستغلين والخاملين.
وينبغي على الأحزاب الشيوعية أن تعارض بقوة فكرة التعويض على كبار الملاكين العقاريين الذين صودرت ملكياتهم، وأن تناضل ضد كل دعاوة بهذا المعنى، ولا يجب أن تنسى الأحزاب الشيوعية أن دفع مثل هذا التعويض سيكون خيانة للاشتراكية وضريبة جديدة تُفرض على الجماهير المستغلة، الرازحة تحت عبء الحرب، التي ضاعفت من عدد أصحاب الملايين وزادت ثرواتهم.
ترى الأممية الشيوعية أنه سيكون من المستحسن والعملي ألاّ تُمس الملكيات الزراعية الكبيرة في البلدان الرأسمالية المتقدمة وأن يتم استثمارها بالطريقة نفسها التي يتم فيها استثمار «الملكيات السوفياتية» في روسيا. (2)

وفيما يتعلق بزراعة الأراضي التي انتزعتها البروليتاريا المنتصرة من كبار الملاكين العقاريين في روسيا، فقد كانت حتى الآن موزعة بين الفلاحين، لأن البلاد المتخلفة جدا من الناحية الاقتصادية. وفي حالات نادرة جدا أبقت الحكومة البروليتارية الروسية تحت سيطرتها الملكيات الريفية المسماة «سوفياتية» والتي تستغلها الدولة البروليتارية نفسها، محوّلة العمال المأجورين السابقين إلى «مندوبي عمل» أو أعضاء سوفيتات.
إن الحفاظ على الأملاك الكبيرة يخدم بشكل أفضل مصالح العناصر الثورية من السكان وبشكل خاص المزارعين الذين لا يمتلكون أي قطعة أرض وأنصاف البروليتاريين وصغار الملاكين الذين يعيشون من عملهم في المشاريع الكبرى. فضلا عن ذلك فإن تأميم الملكيات الكبرى يجعل من السكان المدينيين أقل تبعية إزاء الأرياف من ناحية التموين.
أمّا حيث ما زالت توجد مخلّفات للنظام الإقطاعي أو حيث تولّد امتيازات الملاكين العقاريين أشكالا خاصة من الاستغلال، وحيث ما زلنا نشهد «الرق» و«المزارعة»، فمن الضروري تسليم الفلاحين جزءا من أراضي الملكيات الكبرى.
وفي البلدان حيث عدد الملكيات الكبرى غير ذي أهمية، وحيث يطالب المزارعون الصغار بالحصول على أراض، فإن توزيع الملكيات الكبرى حصصا ربما كان الوسيلة الأكثر ضمانا من أجل كسب الفلاحين إلى الثورة، فيما لن تعود المحافظة على هذه الأملاك الكبيرة بالفائدة على المدن من ناحية التموين.
إن المهمة الأولى للبروليتاريا والأكثر أهمية هي أن تضمن لنفسها انتصارا دائما. ولا ينبغي أن تخشى من أي انخفاض في الإنتاج، إذا كان هذا ضروريا من أجل نجاح الثورة. ولن يكون من الممكن ضمان الوجود الدائم للسلطة البروليتارية إلاّ بالحفاظ على حياد طبقة الفلاحين المتوسطة وضمان مساندة أغلبية بروليتاريي الأرياف إن لم يكن كاملهم.
وكلما تم توزيع أراضي كبار الملاكين العقاريين، يجب أن تقدم مصالح البروليتاريا الزراعية على سواها.
ويجب أن تصادر جميع المعدات الزراعية والتقنية لكبار الملاكين العقاريين والريفيين وأن تُسلّم للدولة، بشرط أن يستطيع الفلاحون الصغار، بعد أن يتم توزيع هذه المعدات بعدد كاف على ملكيات الدولة الريفية الكبرى، الاستفادة منها مجانا، وطبقا للأنظمة التي تضعها السلطة البروليتارية بهذا الشأن.
وإذا كان من الضروري بشكل مطلق، في بداية الثورة البروليتارية، أن تتم مصادرة الملكيات العقارية الكبيرة مباشرة وكذلك طرد مالكيها زعماء الثورة المضادة ومضطهدي كل السكان الريفيين دون رحمة، أو اعتقالهم – ينبغي أن تتجه السلطة البروليتارية، بشكل منهجي، كلما تعزز موقعها في المدن والأرياف، إلى استخدام قوى من هذه الطبقة، تملك تجربة قيّمة من المعارف والإمكانات التنظيمية، من أجل خلق زراعة سوفياتية واسعة بمساندتها وتحت إشراف شيوعيين سبق اختبارهم.

7- لن تنتصر الاشتراكية على الرأسمالية بشكل ناجز، ولن تتوطد أبدا، إلاّ عندما تكون السلطة الحكومية البروليتارية قد قمعت كل مقاومة من جانب المستغلين وأمنت سلطتها ونظمت الصناعة بمجملها على قاعدة إنتاج جماعي جديد وعلى أساس تقني جديد (استخدام شامل للطاقة الكهربائية في جميع فروع الزراعة والاقتصاد الريفي). إن إعادة التنظيم هذه تستطيع وحدها إعطاء المدن إمكانية منح الأرياف المتخلفة مساعدة تقنية واجتماعية قادرة على إحداث نمو هائل لإنتاجية العمل الزراعي والريفي وإلزام الفلاحين الصغار عن طريق القدوة بأن ينتقلوا بشكل تدريجي وبما يخدم مصلحتهم الخاصة إلى زراعة جماعية ممكْننة.
إن إمكانية النضال الظافر من أجل القضية الاشتراكية، تتطلب، من جانب الأحزاب الشيوعية، تحديدا في الأرياف، جهدا لتثير لدى البروليتاريا الصناعية الشعور بضرورة تقديم التضحيات، التي يجب أن ترتضيها من أجل إطاحة البرجوازية وتوطيد السلطة البروليتارية. وهو أمر ضروري على الإطلاق لأن دكتاتورية البروليتاريا، تعني أن البروليتاريا تعرف كيفية تنظيم الشغيلة المستَغلين وقيادتهم، وأن تكون طليعتها مستعدة دائما من أجل الوصول إلى هذا الهدف لبذل أقصى الجهود البطولية والتضحيات. فضلا عن ذلك، تفترض الاشتراكية من أجل إحراز الانتصار الناجز أن ترى الجماهير الكادحة الأكثر تعرضا للاستغلال في الأرياف، ما أن ينتصر العمال، أن وضعها قد تحسن على الفور تقريبا على حساب المستغِلين. وإذا لم يكن الأمر كذلك فإن البروليتاريا الصناعية لن تتمكن من الاعتماد على دعم الأرياف ولن تتمكن، انطلاقا من هذا الواقع، من تأمين التموين للمدن.

8- إن الصعوبات الجمة التي يطرحها تنظيم الشغيلة الريفيين وإعداده للنضال الثوري، هذا الجمهور الذي أرهقه النظام الرأسمالي وشتته واستعبده كما في القرون الوسطى تقريبا، تتطلب من جانب الأحزاب الشيوعية، إيلاء اهتمام كبير لحركة الإضراب الريفية، وتقديم الدعم الأقوى لإضرابات جماهير البروليتاريين وأنصاف – البروليتاريين لتطويرها بقوة. إن تجربة الثورات الروسية عام 1905 و1917، التي أثبتتها تجربة الثورة الألمانية والثورات في البلدان الأخرى المتقدمة واستكملتها، برهنت على أن حركة الإضراب وحدها، المتصاعدة دون توقف (مع مشاركة «الفلاحين الصغار» في بعض الظروف) يمكنها أن تخرج القرى من سباتها، وتوقظ الوعي الطبقي لدى الفلاحين والشعور بضرورة منظمة طبقية للجماهير الريفية المستغَلة، وتظهر لسكان الريف بوضوح الأهمية العملية لاتحادهم مع شغيلة المدن. من وجهة النظر هذه، يتخذ إنشاء نقابات عمالية زراعية وتعاون الشيوعيين في منظمات العمال الزراعيين وعمال الأحراج أهمية عظمى؛ وينبغي على الشيوعيين أن يدعموا بشكل خاص المنظمات المشكلة من السكان الزراعيين المرتبطين بقوة بالحركة العمالية الثورية، ويجب أن تتم دعاوة قوية بين الفلاحين البروليتاريين.
إن مؤتمر الأممية الشيوعية يفضح ويدين بشدة الاشتراكيين الغادرين والخونة الذين نجدهم، للأسف، ليس داخل الأممية الثانية الصفراء وحسب، بل أيضا وسط الأحزاب الثلاثة الأوربية الأكثر أهمية، التي خرجت من هذه الأممية. إن المؤتمر يصم بالعار الاشتراكيين الذين لا يستطيعون فقط أن ينظروا بعين اللامبالاة لحركة الإضراب الريفية بل يقاومونها أيضا (مثل كارل كاوتسكي)، خوفا من أن تؤدي إلى انخفاض التموين. إن كل البرامج وكل التصريحات الأكثر احتفالية لا قيمة لها إطلاقا إذا لم يكن من الممكن أن يثبت الشيوعيون والقادة العمال عمليا أنهم يعرفون كيف يضعون تطور الثورة البروليتارية وانتصارها فوق كل شيء، وكيف يرتضون لأنفسهم أكبر التضحيات، لأنه لا حلول أخرى ولا وسائل أخرى لقهر المجاعة والفوضى الاقتصادية، ولتجنب حروب إمبريالية جديدة.

9- على الأحزاب الشيوعية أن تفعل كل ما في وسعها من أجل الشروع بأسرع وقت ممكن في تنظيم السوفيتات في الأرياف. وبالدرجة الأولى السوفيتات التي تمثل الشغيلة المأجورين وأنصاف البروليتاريين. ولن تتمكن السوفيتات من الاضطلاع بمهمتها ولن تصبح من القوة بحيث تخضع لتأثيرها «صغار الفلاحين» (وتجندهم بعد ذلك) إلاّ بالتعاون الوثيق مع حركة الإضراب الجماهيرية، ومع الطبقة الأكثر اضطهادا. أمّا إذا لم تكن حركة الإضراب متطورة بشكل كاف، وإذا كانت قدرة التنظيم لدى البروليتاريا الريفية ضعيفة جدا، سواء بسبب اضطهاد الملاكين العقاريين والفلاحين الأغنياء، أو لعدم كفاية الدعم الذي يقدمه العمال الصناعيون ونقاباتهم، فسيتطلب إنشاء السوفيتات في الأرياف إعدادا طويلا، وينبغي أن يتم ذلك عبر خلق بؤر شيوعية، ودعاوة نشطة، بعبارات واضحة وصريحة، بصدد التطلعات الشيوعية التي سيجري شرحها بالكثير من الأمثال التي توضح مختلف طرق الاستغلال والاضطهاد، وأخيرا بواسطة جولات دعاوية منهجية يقوم بها الشغيلة الصناعيون في الأرياف.

الحزب الشيوعي والبرلمانية

1- العصر الجديد والبرلمانية الجديدة

في عصر الأممية الأولى، كان موقف الأحزاب الاشتراكية حيال المسألة البرلمانية يقوم، في الأصل، على استخدام البرلمانات البرجوازية من اجل التحريض. فكانت المشاركة في العمل البرلماني تطرح من وجهة نظر تطور الوعي الطبقي، أي استيقاظ عداء الطبقات البروليتارية تجاه الطبقات الحاكمة. هذا الموقف قد تبدل، ليس بتأثير إحدى النظريات، بل بتأثير التقدم السياسي. لقد اكتسبت الرأسمالية ومعها الدول البرلمانية استقراراً مستديماً بفعل تنامي القوى المنتجة غير المنقطع، وتوسع مجال الاستغلال الرأسمالي.
من هنا، برز تكييف التكتيك البرلماني للأحزاب الاشتراكية مع العمل التشريعي “العضوي” للبرلمانات البرجوازية، الأهمية المتزايدة باستمرار للنضال من أجل إدخال الإصلاحات ضمن أطر الرأسمالية، وهيمنة برنامج الحد الأدنى للأحزاب الاشتراكية وتحول برنامج الحد الأقصى إلى برنامج معد للنقاشات حول “هدف نهائي” بعيد. على هذه القاعدة تطورت الوصولية البرلمانية، وتطور الفساد والخيانة، الواضحة أو المموهة، لمصالح الطبقة العاملة الأساسية.
لا يتحدد موقف الأممية الثالثة من المسألة البرلمانية انطلاقاً من نظرية جديدة، بل انطلاقاً من تحول دور البرلمانية نفسها. ففي العصر السابق كان البرلمان، أداة الرأسمالية النامية، قد عمل، بمعنى من المعاني، لصالح التقدم التاريخي. أما في الظروف الحالية، التي تتميز بجموح الإمبريالية، فقد أصبح البرلمان أداة الكذب والغش وأعمال العنف والدمار وأعمال اللصوصية. لقد فقدت الإصلاحات البرلمانية، المجردة من الثبات والاستقرار، والمتصورة من دون خطة شاملة، كل أهمية عملية بالنسبة للجماهير الكادحة.
لقد فقدت البرلمانية استقرارها مثلها مثل المجتمع البرجوازي بأكمله، فيما يخلق الانتقال من المرحلة العضوية إلى المرحلة الحرجة قاعدة جديدة لتكتيك البروليتاريا في الحقل البرلماني. هكذا كان الحزب العمال الروسي (الحزب البلشفي) قد حدد أسس البرلمانية الثورية في المرحلة السابقة، بعد أن فقدت روسيا توازنها السياسي والاجتماعي منذ عام 1905 ودخلت منذ ذلك الحين في مرحلة من الاضطرابات والتقلبات.
وعندما يشير بعض الاشتراكيين، التواقين إلى الشيوعية، إلى إن ساعة الثورة لم تحن بعد في بلدانهم، ويرفضون الانفصال عن الانتهازيين البرلمانيين، فانهم يعملون، بالحقيقة، وفق تصور واع أو غير واع، للمرحلة التي ندخلها، المعتبرة مرحلة استقرار نسبي للمجتمع الإمبريالي، ويظنون، لهذا السبب، بأن التعاون مع أمثال توراتي ولونجي يمكن أن يقدم على هذه القاعدة نتائج عملية في النضال من أجل الإصلاحات.
ينبغي أن تتخذ الشيوعية الدراسة النظرية لعصرنا كنقطة انطلاق (أوج الرأسمالية، اتجاهات الإمبريالية نحو نفي نفسها بنفسها وتدميرها الذاتي وتفاقم الحرب الأهلية المستمر، الخ…). ويمكن أن تأخذ العلاقات السياسية والتجمعات أشكالا مختلفة من بلد لآخر، ولكن جوهر الأشياء يبقى هو نفسه في كل مكان: يتعلق الأمر، بالنسبة لنا بالإعداد الفوري السياسي والتقني للانتفاضة البروليتارية، التي يجب أن تحطم السلطة البرجوازية وتقيم السلطة البروليتارية الجديدة.
بالنسبة للشيوعيين، لا يمكن للبرلمان أن يكون بأي حال من الأحوال، في المرحلة الراهنة، مسرحاً للنضال من أجل الإصلاحات وتحسين وضع الطبقة العاملة، كما حصل في بعض الأحيان في المرحلة السابقة. لقد خرج مركز ثقل الحياة السياسية من البرلمان كلياً ونهائياً. من جهة ثانية فإن البرجوازية مجبرة، بحكم علاقاتها مع الجماهير الكادحة، وأيضا تبعاً للعلاقات المعقدة القائمة داخل الطبقات البرجوازية، على جعل البرلمان بمختلف الأشكال، يصادق على بعض أعمالها، هذا البرلمان الذي تتصارع الكتل فيه على السلطة، وتستعرض قواها وتظهر نقاط ضعفها وتعرض نفسها للشبهات، إلخ…
لذا فإن الواجب التاريخي المباشر للطبقة العاملة هو أن تنزع هذه الأجهزة من الطبقات الحاكمة وتحطمها وتدمرها وتستبدلها بالأجهزة الجديدة للسلطة البروليتارية. يضاف إلى ذلك، إن هيئة الأركان الثورية للطبقة العاملة مهتمة جداً بأن يكون لها في المؤسسات البرلمانية للبرجوازية كشافة يسهلون عملها التدميري. إننا نرى بوضوح من الآن وصاعداً الفرق الأساسي بين تكتيك الشيوعيين الآتين إلى البرلمان لأهداف ثورية وبين تكتيك البرلمانية – الاشتراكية الذي يبدأ من الاعتراف بالاستقرار النسبي للنظام واستمراريته غير المحدودة. إن البرلمانية – الاشتراكية تضع لنفسها مهمة الحصول على الإصلاحات بأي ثمن كان. وهي مهتمة بأن تدرج الجماهير كل مكسب في حساب البرلمانية – الاشتراكية (توراتي، لونجي، وشركاؤها).
لقد استبدلت البرلمانية الهرمة القائمة على التكيف ببرلمانية جديدة، تشكل إحدى الوسائل للقضاء على البرلمانية بشكل عام. لكن تراث التكتيك البرلماني القديم المحبط يقرب بعض العناصر الثورية من المعادين للبرلمانية من حيث المبدأ (عمال العالم الصناعيين، النقابويين الثوريين، وحزب العمال الشيوعي الألماني).
ونظراً لهذا الوضع، فإن المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية توصل إلى النتائج التالية:

2- الشيوعية. النضال من أجل ديكتاتورية البروليتاريا و”من أجل استخدام” البرلمان البرجوازي

-أ-

1- لقد أصبحت النزعة البرلمانية الحكومية الشكل “الديمقراطي” لسيطرة البرجوازية، التي تتطلب في مرحلة معينة من تطورها خرافة تمثيل شعبي يعبر ظاهرياً عن “إرادة الشعب” وليس إرادة الطبقات، ولكنه يشكل في الواقع أداة إكراه واضطهاد بين يدي الرأسمال السائد.

2- إن البرلمانية هي شكل محدد للدولة. لهذا فإنها لا تناسب المجتمع الشيوعي بأي شكل من الأشكال، الذي لا يعرف لا الطبقات، ولا الصراع الطبقي ولا السلطة الحكومية بأي نوع من أنواعها.

3- إن البرلمانية لا يمكن مان تكون أيضاً شكل الحكومة “البروليتارية” في المرحلة الانتقالية من دكتاتورية البرجوازية إلى ديكتاتورية البروليتاريا. وفي اللحظة الأخطر من الصراع الطبقي عندما يتحول هذا الأخير إلى حرب أهلية، يجب على البروليتاريا حتماً أن تبني تنظيمها  الحكومي الخاص، باعتباره تنظيماً نضالياً لا يقبل فيه ممثلو الطبقات المسيطرة القديمة، وستكون كل خرافة حول الإرادة الشعبية، خلال هذه المرحلة، مضرة بالنسبة للبروليتاريا. فهذه الأخيرة لا حاجة لها أبدأ إلى الفصل البرلماني بين السلطات، الذي لا يمكن أن يكون إلا وبالاً عليها. إن جمهورية السوفيتات هي شكل ديكتاتورية البروليتاريا. 

4- إن البرلمانات البرجوازية التي تشكل أحد الأجهزة الأساسية للآلة الحكومية للبرجوازية لا يمكن أن تستولي عليها البروليتاريا مثلما لا يمكنها أن تستولي على الدولة البرجوازية بشكل عام. وتقوم مهمة البروليتاريا على نسف الآلة الحكومية للبرجوازية وتدميرها، ومن ضمنها المؤسسات البرلمانية، سواء كانت مؤسسات الجمهوريات أو مؤسسات الملكيات الدستورية.

5- وينطبق الشيء نفسه على المؤسسات البرجوازية البلدية أو القروية التي من الخطأ نظرياً اعتبارها متعارضة مع الأجهزة الحكومية، فهي بالحقيقة تشكل جزءاً من الآلة الحكومية للبرجوازية، ويجب أن تدمرها البروليتاريا الثورية وتستبدلها بسوفيتات النواب العمال.

6- ترفض الشيوعية أن ترى في البرلمانية أحد أشكال مجتمع المستقبل، وترفض أن ترى فيها شكل ديكتاتورية طبقة البروليتاريا، وتنفي إمكانية الاستيلاء المتمادي على البرلمانات. إنها تضع إزالة البرلمانية كهدف لها. ومن الآن وصاعداً لا يمكن أن يكون وارداً إلا استخدام المؤسسات الحكومية البرجوازية بهدف تدميرها. بهذا المعنى وبهذه المعنى فقط يمكن أن تطرح المسألة.

-ب-

7- إن كل صراع طبقي هو صراع سياسي، إلا أنه في نهاية الامر، صراع من اجل السلطة. وكل إضراب يشمل البلد بأكمله، يصبح تهديداً للدولة ويكتسب من هنا بالذات طابعاً سياسياً. فالعمل من أجل إطاحة البرجوازية وتحطيم الدولة البرجوازية هو دعم لنضال سياسي. وأن ننشئ لأنفسنا جهازاً حكومياً وجهاز إكراه بروليتارياً، طبقياً، ضد البرجوازية العاصية، هو أن نستولي على السلطة السياسية، مهما كان هذا الجهاز.

8- لا يقتصر الصراع السياسي إذن أبداً على مسألة موقف من البرلمانية، بل يطول كل النضال الطبقي للبروليتاريا، إذ أن هذا النضال يكف عن أن يكون نضالاً محلياً او جزئياً ويتجه لإطاحة النظام الرأسمالي بشكل عام.

9- إن الطريقة الأساسية لنضال البروليتاريا ضد البرجوازية، أي ضد سلطتها الحكومية، هي قبل كل شيء طريقة النشاطات الجماهيرية. وتقوم المنظمات الجماهيرية البروليتارية (النقابات والأحزاب والسوفيتات) بتنظيم هذه النشاطات وقيادتها، تحت الإشراف العام للحزب الشيوعي، الموحد وبشكل متين، والمنضبط والممركز. إن الحرب الأهلية هي حرب. وعلى البروليتاريا في هذه الحرب أن تمتلك كوادر سياسية جيدة وهيئة أركان سياسية جيدة تقود شتى العمليات في جميع ميادين النشاط.

10- يشكل نضال الجماهير نظاما كاملاً من النشاطات المتنامية باستمرار التي تتأجج بفعل شكلها بالذات، وتقود منطقياً إلى الانتفاضة ضد الدولة الرأسمالية. في هذا النضال الجماهيري، المدعو لأن يصبح حرباً أهلية، ينبغي على الحزب القائد للبروليتاريا، كقاعدة عامة، أن يعزز جميع مواقعه الشرعية، ويجعل منها نقاط ارتكاز ثانوية لنشاطه الثوري، ويخضعها لخطة الحملة الرئيسية. أي النضال الجماهيري.

11- إن منبر البرلمان البرجوازي هو أحد نقاط الارتكاز الثانوية، ولا يمكن التذرع بالصفة البرجوازية للمؤسسة نفسها للوقوف ضد النشاط البرلماني. فالحزب الشيوعي يدخل هذه المؤسسة ليس للقيام بنشاط عضوي، بل من أجل تقويض الآلة الحكومية والبرلمان من الداخل (مثلاً: نشاط ليبكنخت في ألمانيا، والبلاشفة في دوما القيصر وفي “الكونفرنس الديمقراطي” وفي “البرلمان الأولي” لكرنسكي وفي الجبهة التأسيسية والبلديات، وأخيراً في عمل الشيوعيين البلغار).

12- هذا العمل البرلماني الذي يقوم بشكل خاص على العمل البرلماني لأهداف تحريضية ثورية، ولإحباط مناورات الخصم، وتجميع الجماهير حول بعض الأفكار، هذه الجماهير التي تنظر إلى المنبر البرلماني خاصة في البلدان المتخلفة، بكثير من الأوهام الديمقراطية، يجب أن يخضع كلياً لأهداف نضال الجماهير خارج البرلمان، ومهمات هذا النضال.
إن للمشاركة في الحملات الانتخابية والدعاوة الثورية من أعلى المنبر البرلماني دلالة خاصة من أجل الكسب السياسي لأوساط الطبقة العاملة، التي بقيت حتى الآن، كما الجماهير الكادحة الريفية، بعيدة عن الحركة الثورية وعن السياسة.

13- على الشيوعيين، إذا حازوا الأغلبية في البلديات:

أ‌) أن يشكلوا معارضة ثورية للسلطة المركزية للبرجوازية.

ب) أن يعملوا بمختلف الوسائل لتقديم خدمة للجزء الأكثر فقراً من السكان (إجراءات اقتصادية، إنشاء أو محاولة إنشاء ميليشيا شعبية مسلحة، الخ…)

ج) أن يكشفوا، في كل مناسبة، العوائق التي تضعها الدولة البرجوازية بوجه أي إصلاح جذري.

   د) أن يطوروا دعاوة ثورية حازمة، على هذا الأساس، دون الخوف من النزاع مع السلطة البرجوازية.

   هـ) أن يستبدلوا البلديات في بعض الظروف، بسوفيتات للنواب العمال، وينبغي أن يندرج كل نشاط يقوم به الشيوعيون في البلديات بالنشاط العام لتقويض النظام الرأسمالي.

14- ينبغي أن تجري الحملة الإنتخابية ليس باتجاه الحصول على الحد الأقصى من المقاعد البرلمانية، بل باتجاه تعبئة الجماهير تحت شعارات الثورة البروليتارية. ولا يجب أن ينحصر النضال الانتخابي بقيادات الحزب فقط، بل ينبغي أن يشارك فيها مجموع الأعضاء، ويجب أن تستخدم كل حركة جماهيرية (إضرابات، تظاهرات اضطرابات في الجيش وفي الأسطول، الخ…) فيقام اتصال وثيق بهذه الحركة، ويصار إلى استثارة نشاط المنظمات البروليتارية باستمرار.

 15- باستيفاء هذه الشروط وتلك المشار إليها في توجيه خاص، يدخل العمل البرلماني في تعارض كامل مع “الحرتقة” السياسية المثيرة للاشمئزاز للأحزاب الاشتراكية في البلدان كافة، التي يذهب نوابها إلى البرلمان بهدف دعم هذه المؤسسة “الديمقراطية”، وفي أحسن الأحوال، من أجل “الاستيلاء عليها” لكن الحزب الشيوعي لا يمكن أن يقبل إلا بالاستخدام الثوري فقط للبرلمانية، على طريق ليبكنخت وهوغلند والبلاشفة.

                                            في البرلمان

-ج-

16- ليست “معاداة البرلمانية” مبدئياً، المتصورة كرفض مطلق وقاطع للمشاركة في الانتخابات وللعمل البرلماني الثوري، إلا عقيدة طفولية وسطحية لا تصمد أمام النقد، وهي في بعض الأحيان نتاج قرف صحي من بعض السياسيين البرلمانيين، ولكنها لا تلحظ فضلاً عن ذلك، إمكانية البرلمانية الثورية. ويحصل أن يرتكز هذا الرأي كذلك على مفهوم خاطئ كليا لدور الحزب باعتباره ليس الطليعة العمالية الممركزة والمنظمة من أجل المعركة، بل نظاماً غير ممركز لمجموعات لا تملك ارتباطاً قوياً فيما بينها.

17- من جهة أخرى، لا تنبع ضرورة المشاركة الفعلية في انتخابات وجمعيات برلمانية معينة من الاعتراف المبدئي بالعمل الثوري في البرلمان. فكل شيء يتعلق هنا بسلسلة من الشروط الخاصة. إن خروج الشيوعيين من البرلمان يمكن أن يصبح ضرورياً في لحظة معينة، كما كانت الحال عندما انسحب البلاشفة من البرلمان الأولي لكيرنسكي، بقصد نسفه، وجعله عاجزاً دفعة واحدة، ومواجهته بسوفييتات بتروغراد بشكل واضح، عشية الوقوف على رأس الانتفاضة. وكانت هذه الحال عندما نقل البلاشفة مركز ثقل الأحداث السياسية إلى المؤتمر الثالث للسوفيتات. وفي بعض الظروف قد تفرض مقاطعة الانتخابات نفسها أو التدمير المباشر للدولة البرجوازية والزمرة البرجوازية عن طريق القوة، أو يمكن أن تتطابق أيضاً المشاركة مع مقاطعة البرلمان نفسه، إلخ…

18- إن الحزب الشيوعي، معترفاً على هذا الشكل، كقاعدة عامة بضرورة المشاركة في الانتخابات البرلمانية والبلدية وبالعمل في البرلمان والبلديات، يجب أن يحسم المسألة تبعاً للحالة الملموسة، مستوحياً الخصائص المميزة للوضع. إن مقاطعة الانتخابات أو البرلمان، وكذلك الخروج من البرلمان أمران مقبولان بهما خاصة حين توجد شروط تسمح بالانتقال المباشر إلى النضال المسلح من أجل استلام السلطة.

19- من الضروري أن يراعى باستمرار الطابع الثانوي نسبياً لهذه المسألة. فيما أن مركز الثقل هو النضال خارج البرلمان من أجل السلطة السياسية، من المسلم به إن المسألة العامة لديكتاتورية البروليتاريا والنضال الجماهيري من أجل هذه الديكتاتورية لا يمكن أن تقارن بالمسألة الخاصة لاستخدام البرلمانية.

20- لهذا السبب، تؤكد الأممية الشيوعية، بشكل قاطع، أنها تعتبر كل انشقاق أو محاولة انشقاق مفتعلة داخل الحزب الشيوعي بسبب هذه المسألة وبسببها فقط خطأ خطيراً بحق الحركة العمالية. ويدعو المؤتمر كل أنصار النضال الجماهيري من أجل دكتاتورية البروليتاريا اللي تحقيق الوحدة الكاملة بين العناصر الشيوعية، تحت قيادة حزب ممركز على جميع منظمات الطبقة العاملة، على الرغم من التباين الآراء المحتمل فيما يتعلق باستخدام البرلمانات البرجوازية.

3- التكتيك الثوري

تفرض الإجراءات التالية نفسها من اجل ضمانة التطبيق الفعلي للتكتيك الثوري في البرلمان:

1- يتأكد الحزب الشيوعي بأكمله ولجنته المركزية، منذ المرحلة التحضيرية التي تسبق الانتخابات، من إخلاص أعضاء المجموعة البرلمانية الشيوعية وقيمتهم الشيوعية، وله الحق الذي لا يناقش فيه بأن يطعن في أي مرشح تعينه احدى منظمات الحزب، إذا لم يكن لديه الاقتناع بأن هذا المرشح سينفذ سياسة شيوعية فعلاً.
وينبغي على الأحزاب الشيوعية أن تمتنع عن العادة الاشتراكية – الديمقراطية الهرمة، عادة الانتخاب الحصري لبرلمانيين “مجربين” ومحامين، بشكل خاص. فالمتبع أن يتم اختيار المرشحين من بين العمال: ولا يجب أن يخشى تعيين أعضاء بسيطين دون كبير تجربة برلمانية.
وعلى الأحزاب الشيوعية أن ترفض باحتقار لا رحمة فيه الوصوليين الذين يأتون إليها بهدف وحيد وهو الدخول إلى البرلمان، وعلى اللجان المركزية ألا تصادق إلا على ترشيحات الأشخاص الذين قدموا، طوال سنوات عديدة، البراهين الثابتة على إخلاصهم للطبقة العاملة.

2- ما أن تنتهي الانتخابات، تقوم اللجنة المركزية حصراً بتنظيم المجموعة البرلمانية، سواء كان الحزب شرعياً أو غير شرعي. وينبغي أن تصادق اللجنة المركزية على اختيار رئيس مكتب المجموعة البرلمانية وأعضاءه. وسيكون للجنة المركزية ممثل دائم يتمتع بحق الفيتو. وفي كل المسائل الهامة، يجب أن تلتزم المجموعة البرلمانية بطلب التوجيهات المسبقة من اللجنة المركزية.
ويحق للجنة المركزية -ومن واجبها- أن تعيّن خطباء المجموعة المدعوين للمداخلة حول مسائل هامة أو تطعن فيهم، وان تفرض إخضاع الموضوعات والنصوص الكاملة لخطبهم، إلخ… لموافقتها. وأن يوقع كل مرشح مسجل على اللائحة الشيوعية تعهداً رسمياً بأن يتخلى عن نيابته عند أول يعاز من اللجنة المركزية، كي يكون الحزب قادراً دائماً على استبداله.

3- وفي البلدان التي نجح فيها إصلاحيون أو أنصاف – إصلاحيين، بل مجرد وصوليين في دخول المجموعة البرلمانية الشيوعية (وهذه هي الحال في عدد من البلدان)، على الأحزاب الشيوعية أن تقوم بتطهير جذري لهذه المجموعات، مستوحية المبدأ القائل أن مجموعة برلمانية قليلة العدد ولكن شيوعية حقاً تخدم بشكل أفضل بكثير مصالح الطبقة العاملة، من مجموعة كبيرة العدد دون سياسة شيوعية حازمة.

4- ينبغي أن يلتزم كل نائب شيوعي، بناء على قرار اللجنة المركزية، بأن يجمع بين العمل الشرعي والعمل غير الشرعي. وفي البلدان التي لا زال النواب الشيوعيون يتمتعون فيها، بموجب القوانين البرجوازية، بنوع من الحصانة البرلمانية، يجب أن تخدم هذه الحصانة تنظيم الحزب ودعاوته غير الشرعية.

5- إن النواب الشيوعيين ملزمون بإخضاع مجمل نشاطهم البرلماني لعمل الحزب خارج البرلمان. أما التقدم بمشاريع قوانين ذات هدف برهاني محض، ليس بهدف أن تتبناه الأغلبية البرجوازية. ولكن من أجل الدعاوة والتحريض والتنظيم، فيجب أن يحصل تبعاً لتوجيهات الحزب ولجنته المركزية.

6- يتوجب على النائب الشيوعي، في المظاهرات والنشاطات الثورية، أن يقف على رأس الجماهير البروليتارية في مكان ظاهر كلياً، بالصف الأول.

7- يتوجب على النواب الشيوعيين أن يلتزموا، بكل الوسائل، بإقامة (تحت إشراف الحزب) علاقات مراسلة وعلاقات أخرى مع العمال والفلاحين والشغيلة الثوريين من جميع الفئات، دون أن يقلدوا، بأي حال من الأحوال النواب الاشتراكيين الذين يعملون على إقامة علاقات عمل مع ناخبيهم، وأن يكونوا دائماً بتصرف المنظمات الشيوعية من أجل العمل الدعاوي في البلاد.

8- يلتزم كل نائب شيوعي في البرلمان بأن يتذكر بأنه ليس “مشترعاً” يبحث عن لغة مشتركة مع المشترعين الآخرين، بل محرض حزبي مرسل إلى العدو من أجل تنفيذ قرارات الحزب. والنائب الشيوعي مسؤول ليس أمام جمهور الناخبين المجهول، بل أمام الحزب الشيوعي سواء كان شرعياً أو غير شرعي.

9- على النواب الشيوعيين أن يتحدثوا في البرلمان لغة يفهمها العامل والفلاح والغسالة والراعي، وبشكل يمكن الحزب من نشر خطبهم ببيانات يوزعها في أقصى أرجاء البلاد.

10- على العمال الشيوعيين في عداد النواب، حتى لو كانوا في بداية تجربتهم البرلمانية، أن يعتلوا دون خوف منصة البرلمانات البورجوازية ولا يتركوا مكانهم لخطباء أكثر “تجربة”. وعند الضرورة، يكتفي النواب العمال ببساطة بقراءة خطبهم، المعدة للنشر في الصحافة أو بواسطة البيانات.

11- على النواب الشيوعيين أن يستخدموا المنبر البرلماني ليس من أجل فضح البرجوازية وخدمها الرسميين وحسب، بل الاشتراكيين – الوطنيين أيضاً والإصلاحيين، والسياسيين الوسطيين المراوغين، وبوجه عام، أخصام الشيوعية، وكذلك بهدف نشر أفكار الأممية الثالثة على نطاق واسع.

12- يتوجب على النواب، حتى لو كانوا نائباً واحداً أو اثنين، أن يتحدّوا الرأسمالية بكل مواقفهم ولا ينسوا أبداً إن من يستحق أن يحمل اسم الشيوعية، هو من يظهر كعدو للمجتمع البرجوازي، وخدامه الاشتراكيين الوطنيين بالأفعال وليس بالأقوال.

 بيان المؤتمر

العالم الرأسمالي والأممية الشيوعية

1- العلاقات الدولية بعد معاهدة فرساي

تتذكر برجوازية العالم أجمع الأيام الغابرة بمرارة وحسرة، فكل أسس السياسة العالمية أو الداخلية قد تزعزعت أو اهتزت. والغد عاصف بالنسبة لعالم المستغِلين. لقد استكملت الحرب الإمبريالية تدمير نظام الأحلاف والضمانات المتبادلة القديم، الذي كان يرتكز عليه التوازن العالمي والسلم المسلّح. ولم ينتج عن سلم فرساي أي توازن جديد.
لقد رُميت روسيا أولاً، ومن ثم النمسا – المجر وألمانيا خارج الحلبة. وأصبحت هذه الدول، صاحبة المقام الأول بالذات، ضحية النهب وعرضة للتجزئة بعد أن احتلت الصدارة بين قراصنة الإمبريالية العالمية. وانفتح أمام امبريالية الدول الحليفة المنتصرة حقل غير محدود للاستغلال الاستعماري، بدءا من الراين، شاملا كل أوروبا الوسطى والشرقية وصولا إلى المحيط الهادي. هل يمكن أن تقارن الكونغو، وسوريا ومصر والمكسيك مع سهوب روسيا وغاباتها وجبالها، ومع القوى العمالية والعمال المتخصصين في ألمانيا ؟ لقد كان البرنامج الكولونيالي الجديد للمنتصرين بسيطا جدا: إطاحة الجمهورية البروليتارية في روسيا، ونهب موادنا الأولية، والاستئثار باليد العاملة الألمانية والفحم الألماني، وفرض دور الخفير على المقاول الألماني، وحيازة السلع التي تم الحصول عليها على هذا الشكل وكذلك عائدات المشاريع. وقد استعادت الدول الحليفة المنتصرة مشروع «تنظيم أوربا» الذي وضعته الإمبريالية الألمانية أثناء حقبة انتصاراتها العسكرية. إن حكومات الدول الحليفة عندما تضع أوغاد الإمبراطورية الألمانية في قفص الإتهام فإنما تعتبرهم أندادا لها. لكن ثمة مغلوبين حتى في معسكر الغالبين.
فالبرجوازية الفرنسية وقد أسكرتها الشوفينية وأسكرتها انتصاراتها ترى نفسها سيدة أوروبا. والواقع أن فرنسا لم تكن يوما، من مختلف النواحي، في تبعية أشد عبودية تجاه أخصامها الأكثر قوة، إنجلترا وأمريكا، مما هي عليه الآن. فهي تفرض على بلجيكا برنامجا اقتصاديا وعسكريا، وتحوّل حليفتها الضعيفة إلى مقاطعة ملحقة. لكنها تلعب إزاء إنجلترا، وعلى نطاق واسع، دور بلجيكا. وحاليا يترك الإمبرياليون الإنجليز للمرابين الفرنسيين مهمة الاقتصاص في الحدود القارية المرسومة لهم، ملقين بذلك على فرنسا سخط الشغيلة في أوروبا وفي إنجلترا نفسها. إن جبروت فرنسا المدمّاة والمهدمة ليس إلاّ ظاهريا ومزيفا، فعاجلا أو آجلا سيضطر الاشتراكيون الوطنيون الفرنسيون إلى ملاحظة ذلك. أمّا إيطاليا فقد خسرت أكثر أيضا من وزنها في العلاقات الدولية، والبرجوازية الإيطالية إذ تفتقر إلى الفحم، وتفتقر إلى الخبز، وتفتقر إلى المواد الأولية، وقد اختل توازنها اختلالا كليا بفعل الحرب، ليست قادرة، بالرغم من كل سوء نيتها، على ممارسة النهب وأعمال العنف التي تعتبرها من حقها، حتى في زوايا المستعمرات التي تخلّت لها عنها إنجلترا بطيبة خاطر.

واليابان التي تفترسها التناقضات الملازمة للنظام الرأسمالي في مجتمع لا يزال إقطاعيا، هي على أعتاب إحدى الأزمات الثورية الأشد عمقا. وقد شلّت هذه الأزمة اندفاع اليابان الإمبريالي، على الرغم من ظروف ملائمة لها في السياسة الدولية.

ولا يبقى على الصعيد العالمي سوى قوتين عظميين فقط، بريطانيا العظمى والولايات المتحدة.

لقد تخلصت الإمبريالية الإنجليزية من خصمها الأسيوي، القيصرية، ومن المنافسة الألمانية الخطيرة، وبلغ سلطان بريطانيا العظمى على البحار أوجه، فهي تحيط القارات بسلسلة من الشعوب الخاضعة لها. وقد وضعت يدها على فنلندا واستونيا وليتونيا، وانتزعت من السويد والنرويج بقايا استقلالهما، وحوّلت بحر البلطيق إلى خليج في نطاق المياه البريطانية، ولا يقاومها أحد في بحر الشمال. وبامتلاكها للكاب ومصر والهند وإيران وأفغانستان جعلت من المحيط الهندي بحرا داخليا يخضع كليا لسيطرتها، وكونها سيدة المحيطات، فإنها تسيطر على القارات. وكسيدة للعالم لا تجد حدودا لسلطانها إلاّ جمهورية الدولار الأمريكية وجمهورية السوفيتات الروسية.
أجبرت الحرب الولايات المتحدة على التخلي كليا عن نزعتها المحافظة الإقليمية. واستبدلت، بعد اتساع ازدهارها، برنامج رأسماليتها الوطنية – «أمريكا للأمريكيين» (نظرية مونرو) – ببرنامج الإمبريالية «العالم أجمع للأمريكيين». وإذا لم تعد تكتفي باستغلال الحرب عن طريق التجارة والصناعة، وعمليات البورصة فإنها تسعى إلى مصادر جديدة للثروة غير تلك التي امتصتها من الدم الأوروبي عندما كانت محايدة. لقد دخلت أمريكا في الحرب ولعبت دورا حاسما في هزيمة ألمانيا وتدخلت في حل جميع قضايا السياسة الأوروبية والعالمية.
لقد حاولت الولايات المتحدة، تحت راية عصبة الأمم، أن تنقل التجربة التي كانت قامت بها في بلادها إلى الجانب الآخر من المحيط، تجربة التجمع الفيدرالي لشعوب كبيرة تنتمي إلى أعراق مختلفة، وأرادت أن تربط إلى عربتها المنتصرة شعوب أوربا وشعوب الأجزاء الأخرى من العالم عبر إخضاعها لحكومة واشنطن. إن عصبة الأمم ليست بالنهاية سوى شركة تتمتع باحتكار عالمي تحت اسم: «يانكي وشركاه».
لقد نزل رئيس الولايات المتحدة، أحد أكبر أنبياء الأفكار المبتذلة، من سينائه لأجل الاستيلاء على أوربا، حاملا معه بنوده الأربعة عشر. لكن رجال البورصة والوزراء ورجال الأعمال البرجوازيين لم ينخدعوا للحظة حول المعنى الحقيقي للوحي الجديد. بالمقابل، أصيب «الاشتراكيون» الأوربيون، الذين فعلت فيهم خميرة كاوتسكي فعلها، بنشوة دينية وراحوا يرقصون كالملك داود وهم يواكبون سفينة ويلسون المقدسة.
وعندما لزم حل مسائل عملية، رأى الرسول الأمريكي بوضوح أنه على الرغم من الارتفاع الهائل لسعر الدولار، فإن بريطانيا العظمى ما زالت تهيمن على جميع الطرق البحرية التي تصل بين الأمم وتفصل فيما بينها، لأن إنكلترا تمتلك الأسطول الأقوى والكابل الأطول، ولها تجربة عريقة في القرصنة الدولية. بالإضافة إلى ذلك اصطدم ويلسون بالجمهورية السوفياتية وبالشيوعية. وأحس المسيح الأمريكي بجرح عميق، فتنصل من عصبة الأمم التي جعلتها إنكلترا إحدى مستشارياتها الديبلوماسية، وأدار ظهره لأوروبا.
مع ذلك، فمن السذاجة الاعتقاد أن الإمبريالية الأمريكية ستنطوي على نفسها بمجرد ما تلقت أول ضربة من إنجلترا. هل هذا يعني القول إنها ستتقيد من جديد بنظرية مونرو؟ كلا. ستستمر في إخضاع القارة الأمريكية بشكل أكثر عنفا، محوّلة بلدان أمريكا الوسطى والجنوبية إلى مستعمرات. فالولايات المتحدة تستعد، ممثلة بحزبيها القياديين، الديموقراطي والجمهوري، لتضليل عصبة الأمم التي أنشأتها إنجلترا، وتشكيل عصبة خاصة بها حيث تلعب أمريكا الشمالية دور مركز عالمي. ومن أجل أن تحرز النجاح، فإنها تنوي أن تجعل من أسطولها، خلال السنوات الثلاث أو الخمس القادمة، أداة صراع أقوى من الأسطول البريطاني، وهذا ما يجبر إنجلترا الإمبريالية على طرح السؤال التالي: نكون أو لا نكون؟.
ويضاف إلى هذه المنافسة المستعرة بين هذين الجبارين في مجال الإنشاءات البحرية صراع ليس أقل ضراوة على امتلاك النفط.
أمّا فرنسا التي كانت تنوي أن تلعب دور الحكم بين إنجلترا والولايات المتحدة، فقد وجدت نفسها تدور في فلك بريطانيا العظمى، مثل كوكب تابع من الدرجة الثانية. وتشكل عصبة الأمم بالنسبة لها عبئا لا يحتمل، وهي تسعى للتخلص منه بتسعير العداء بين إنكلترا والولايات المتحدة.
وهكذا تعمل أقوى الدول العظمى على تحضير مبارزة عالمية جديدة.
لقد جلب برنامج تحرير الأمم الصغيرة، الذي وضع في الصدارة أثناء الحرب، الهزيمة الكاملة والاستعباد المطلق لشعوب البلقان، المهزومة أو المنتصرة، وأدى إلى بلقنة جزء هام من أوربا. إن المصالح الإمبريالية للدول المنتصرة قد دفعتها لسلخ بعض الدول الصغيرة التي تمثل قوميات متمايزة عن الدول الكبرى التي هزمتها. ولا يتعلق الأمر هنا بما يسمى بمبدأ القوميات: فالإمبريالية تقوم على تحطيم الأطر القومية حتى بالنسبة للدول العظمى. وليست الدول البرجوازية الصغرى المنشأة حديثا سوى فُضالة الإمبريالية. وإذ تنشئ الإمبريالية سلسلة كاملة من الأمم الصغيرة المضطهدة علنا أو المحمية رسميا ولكنها في الواقع ملحقة بها كي تجد فيها سندا مؤقتا (النمسا، والمجر، وبولونيا، ويوغوسلافيا، وبوهيميا، وفنلندا وليتونيا وليتونيا وليستونيا، وأرمينيا وجورجيا، الخ…) وإذ تسيطر عليها عن طريق البنوك وسكك الحديد واحتكار الفحم، إنما تحكم عليها بمعاناة صعوبات اقتصادية وقومية لا تحتمل، وصراعات دائمة وشجارات دامية.
وأي سخرية بشعة في التاريخ! فبعد أن كانت إعادة بناء بولندا جزءا من برنامج الديموقراطية الثورية ومن أولى تجليات البروليتاريا العالمية، تولت الإمبريالية تحقيق ذلك بقصد إعاقة الثورة! وبولندا «الديموقراطية»، التي مات المبشرون بها على متاريس أوربا بكاملها، هي في هذه اللحظة أداة قذرة ودامية بين أيدي قطاع الطرق الأنجلو – فرنسيين الذين يهاجمون أول جمهورية بروليتارية عرفها التاريخ.
وإلى جانب بولندا، تقدم تشيكوسلوفاكيا «الديموقراطية»، المباعة للرأسمال الفرنسي، حرسا أبيضا ضد روسيا السوفياتية وضد المجر السوفياتية.
إن المحاولة البطولية التي قامت بها البروليتاريا المجرية للتخلص من الفوضى السياسية والاقتصادية في أوربا الوسطى وولوج طريق الفدرالية السوفياتية، – التي هي فعلا طريق الخلاص الوحيدة –، قد خنقتها الرجعية الرأسمالية المتحدة، في وقت كانت فيه بروليتاريا الدول الأوربية العظمى، وقد خدعتها الأحزاب التي تقودها، عاجزة عن تأدية واجبها نحو المجر الاشتراكية ونحو نفسها بالذات.
لقد تمت إطاحة حكومة بودابست السوفياتية بمساعدة اشتراكيين خونة، الذين بعد أن استمروا في الحكم ثلاث سنوات ونصفاً، ألقي بهم أرضا الأوغاد المسعورون المعادون للثورة، الذين فاقت جريمتهم الدامية جرائم كولتشاك ودينيكين ورانغل وبقية عملاء الدول الحليفة…
لكن المجر السوفياتية على الرغم من هزيمتها إلى حين، لا تزال تنير شغيلة أوروبا الوسطى، كمنارة ساطعة.
لم يكن الشعب التركي يريد الخضوع للسلام المخجل الذي فرضه عليه طغاة لندن. وكي تُجبر إنكلترا تركيا على تنفيذ المعاهدة قامت بتسليح اليونان وأطلقتها ضدها. وهكذا قضي على شبه الجزيرة البلقانية وآسيا الصغرى وعلى الأتراك واليونانيين بخراب كامل ومجازر متبادلة.
وقد سُجلت أرمينيا في برنامج صراع الحلفاء ضد تركيا، وبلجيكا في برنامج الصراع ضد ألمانيا، والصرب في الصراع ضد النمسا – المجر. وبعد إنشاء أرمينيا دون حدود معينة – ودون إمكانية استمرار – رفض ويلسون الانتداب على أرمينيا الذي اقترحته عليه «عصبة الأمم»: لأن أرض أرمينيا لا تحتوي لا على نفط ولا على بلاتين. إن أرمينيا «المحررة» عزلاء أكثر من أي وقت مضى.
ويكاد يكون لكل من الدول «القومية» المنشأة حديثا انضماميتها(3)، أي دملتها الوطنية الكامنة.
في الوقت نفسه، بلغ النضال الوطني في المناطق التي يسيطر عليها المنتصرون ذروة احتدامه. فالبرجوازية الإنجليزية التي أرادت وضع شعوب العالم بأكمله تحت وصايتها، عاجزة عن حل المسألة الإيرلندية حلاً مرضيا، وهي التي تقع في جوارها مباشرة.
أمّا المسألة الوطنية في المستعمرات فتحبل بمخاطر أكبر أيضا، فالانتفاضات تهز مصر والهند وإيران، فيما ينقل البروليتاريون المتقدمون في أوروبا وأمريكا إلى شغيلة المستعمرات شعار الاتحاد السوفياتي.
إن أوروبا الرسمية والحكومية، والوطنية، والمتحضرة، والبرجوازية، – كما خرجت من الحرب ومن سلم فرساي، – توحي ببيت للمجانين. فالدول الصغرى المصطنعة، والمجزأة، والمختنقة من الناحية الاقتصادية ضمن الحدود التي رُسمت لها يأخذ بعضها بخناق بعض وتتخاصم لانتزاع مرافئ ومقاطعات ومدن صغيرة، ودونما سبب. وتطلب حماية الدول الأقوى التي يزداد تناحرها يوما بعد يوم. فإيطاليا تقف موقفا عدائيا من فرنسا، وهي على استعداد لمساندة ألمانيا ضدها إذا ما وجدت هذه الأخيرة نفسها قادرة على النهوض. ويسمم فرنسا الحسد الذي تحمله إزاء إنجلترا، وهي مستعدة لأن تشعل النار في زوايا أوروبا الأربع كي تحصِّل إيراداتها. وبمساندة فرنسا، تبقي إنجلترا أوروبا في حالة فوضى وعجز، مما يطلق يديها كي تقوم بعملياتها الدولية الموجهة ضد أمريكا. أمّأ الولايات المتحدة فتترك اليابان تتورط في سيبيريا الشرقية كي تضمن لأسطولها، في هذه الأثناء، التفوق على أسطول بريطانيا العظمى قبل عام 1925، إلاّ إذا قررت إنجلترا أن تتبارى معها قبل هذا التاريخ.
وكي تكتمل هذه اللوحة كما يجب، فإن وسيط الوحي العسكري للبرجوازية الفرنسية، المارشال فوش، يخطرنا بأن الحرب القادمة ستنطلق من حيث وقفت الحرب السابقة: سنشهد أولا ظهور الطائرات والدبابات، البندقية الأوتوماتيكية والرشاشات بدل البندقية النقالة، والقنبلة بدل الحربة.
يا عمال وفلاحي أوربا وأمريكا وآسيا وأفريقيا وأستراليا ! لقد ضحيتم بعشرة ملايين نسمة وعشرين مليون جريح ومشوه. الآن تعرفون على الأقل ماذا نلتم لقاء هذا الثمن!

2- الوضع الاقتصادي

في الوقت نفسه يستمر دمار الإنسانية.
لقد دمرت الحرب، بشكل آلي، الروابط الاقتصادية التي كان تطورها يشكل أحد أهم إنجازات الرأسمالية العالمية. فانفصلت إنجلترا وفرنسا وإيطاليا انفصالا كليا عن أوروبا الوسطى والشرق الأوسط منذ عام 1914، وعن روسيا منذ عام 1917.
وعلى امتداد عدة سنوات من حرب دمّرت ما أنجزته عدة أجيال، سُخّر العمل البشري بشكل أساسي، وبعد تقليصه إلى حده الأدنى، لتحويل احتياطي المواد الأولية إلى سلع، هذه المواد التي كانت في المتناول منذ وقت طويل، والتي تحوّلت إلى أسلحة وأدوات دمار بشكل خاص.
أمّا في المجالات الاقتصادية، حيث يدخل الإنسان في صراع مباشر مع الطبيعة الشحيحة والجامدة، مستخرجا من أحشائها الوقود والمواد الأولية، فقد استحال العمل تدريجيا إلى عدم.إن انتصار الحلفاء وسلام فيرساي لم يوقفا التدمير الاقتصادي والانحطاط العام، بل غيّرا طرقه وأشكاله وحسب. فحصار روسيا السوفياتية والحرب الأهلية التي افتعلت على طول حدودها الخصبة سببت وما زالت تسبب أضرارا هائلة برخاء البشرية جمعاء. فلو جرى دعم روسيا من الناحية التقنية، وإنْ بقدر متواضع جدا، – والأممية تؤكد ذلك أمام العالم كله، – لاستطاعت، بفضل الأشكال السوفياتية للاقتصاد، أن تقدم لأوروبا ضعفي أو ثلاثة أضعاف ما كانت تقدمه روسيا القيصرية في السابق من منتجات غذائية. بدلا من ذلك تكره الإمبريالية الأنجلو – فرنسية جمهورية الشغيلة على استخدام كل طاقتها وجميع مواردها من أجل الدفاع عن نفسها. ومن أجل حرمان العمال الروس من الوقود، تحتفظ إنجلترا بين مخالبها بمنطقة باكو التي بقي نفطها بسبب ذلك دون استخدام تقريبا، لأنها لم تنجح في استيراد أكثر من قسم ضئيل منه. أمّا حوض الدون العظيم، الغني بالفحم الحجري، فقد دمّرته العصابات البيضاء المأجورة للحلفاء، في كل مرة نجحت فيها في القيام بهجوم على ذلك القطاع. وانصرف المهندسون والنقابون الفرنسيون أكثر من مرة إلى تدمير جسورنا وسككنا الحديدية، بينما لم تكف اليابان حتى الآن عن نهب سيبيريا الشرقية وتدميرها.
إن العلم الصناعي الألماني والإنتاجية المرتفعة جدا لليد العاملة الألمانية، هذان العاملان اللذان يتخذان أهمية قصوى في عملية إحياء الحياة الاقتصادية الأوربية، تشلهما بنود سلام فرساي أكثر مما شلتهما الحرب. ويجد الحلفاء أنفسهم أمام مأزق: فمن أجل فرض دفع التعويضات يجب توفير مجالات العمل، ومن أجل توفير هذه الأخيرة يجب تأمين المعيشة. وأن يتاح لألمانيا المهدمة والمجزأة والمستنزفة أن تجدد حياتها، إنما يعني تمكينها من الانتفاض محتجة. إن فوش خائف من ثأر ألمانيا، وهذا الخوف ينضح من كل ما يقوم به، مثلا في الشكل الذي تُشد به، أكثر فأكثر كل يوم، الملزمة العسكرية التي ينبغي أن تمنع ألمانيا من النهوض.
الجميع يفتقر إلى شيء ما، الجميع في عوز. وليست موازنة ألمانيا فقط هي الوحيدة التي تؤشر إلى ديون، بل أيضا موازنة فرنسا وإنجلترا. فالدين الفرنسي يبلغ 300 مليار فرنك، حيث أن ثلثيه على الأقل، حسب تأكيد السناتور الرجعي غودان دو فيلان، هما نتاج جميع أنواع الاختلاس والإسراف والفوضى.
فرنسا بحاجة إلى الذهب، فرنسا بحاجة إلى الفحم. ويرجع البرجوازي الفرنسي إلى القبور التي لا تحصى للجنود الذين قتلوا أثناء الحرب، للمطالبة بفوائد رساميله. على ألمانيا أن تدفع: أليس عند الجنرال فوش عدد كافٍ من السنغاليين من أجل احتلال المدن الألمانية ؟ على روسيا أن تدفع! ومن أجل أن تقنعنا الحكومة الفرنسية بذلك فإنها تنفق من أجل تخريب روسيا المليارات المنتزعة من دافعي الضرائب لأجل إعادة بناء المحافظات الفرنسية.
إن الوفاق المالي الدولي الذي كان من المفترض أن يخفف عبء الضرائب الفرنسية، لم يحصل: فقد ظهرت الولايات المتحدة غير مستعدة كثيرا لتقديم هدية مقدارها عشرة مليارات من الجنيهات الإسترلينية إلى أوروبا.
ويستمر إصدار العملة الورقية، بالغاً كل يوم رقما أضخم. وفي روسيا، حيث يوجد تنظيم اقتصادي موحد وتوزيع منظم للمواد الغذائية، وحيث يتجه الأجر النقدي أكثر فأكثر لأن يُستبدل بالدفع العيني، ليس الإصدار المستمر للعملة الورقية والهبوط السريع في قيمتها، سوى تأكيد لانحطاط النظام المالي والتجاري القديم. لكن الكمية المتزايدة من سندات الخزينة في السوق هي في البلدان الرأسمالية علامة اضطراب اقتصادي عميق وإفلاس وشيك.
وتسافر الكونفرنسات التي يدعو إليها الحلفاء من مكان إلى آخر، باحثة عن الوحي على هذا الشاطئ أو ذاك تبعا للموضة. كل واحد يطالب بفوائد الدم الذي جرى إهراقه أثناء الحرب، تعويضا متناسبا مع عدد قتلاه. ويكرر هذا الشكل من البورصة النقالة، كل أسبوعين، السؤال نفسه، وهو إذا ما كان يجب أن تنال فرنسا 50 أو 55 % من تعويض ليست ألمانيا قادرة على دفعه أصلا. لقد أُعدت هذه الاجتماعات بشكل جيد لتتويج «تنظيم» أوروبا الشهير والذي طاب لهم امتداحه كثيرا.
لقد أدت الحرب إلى تطور في الرأسمالية. فالعصر المنهجي لفائض القيمة الذي كان في السابق المورد الوحيد لدخل أصحاب المشاريع، يبدو حاليا عملا تافها بالنسبة للسادة البرجوازيين، الذين اعتادوا زيادة حصصهم إلى الضعفين أو العشرة أضعاف في مدى عدة أيام عن طريق المضاربات البارعة القائمة على اللصوصية الدولية.
وقد طرحت البرجوازية بضعة أوهام كانت تزعجها، وكسبت سطوة كانت تفتقر إليها حتى الآن. عوّدتها الحرب، كما لو أن ذلك من أكثر الأفعال عادية، تجويع بلدان بأسرها عن طريق الحصار، وقصف المدن والقرى المسالمة وحرقها، وتلويث الينابيع والأنهر بزرع جراثيم الكوليرا فيها، ونقل الديناميت في الحقائب الديبلوماسية، ولإصدار الأوراق المصرفية المزيّفة التي تقلِّد أوراق العدو، واللجوء إلى الإفساد والتجسس والتهريب بنسب لم تكن معروفة قبل الآن. واستمرت أساليب العمل نفسها المطبّقة في الحرب معمولا بها في العالم التجاري بعد اتفاق السلام. وتجري العمليات التجارية التي تتسم ببعض الأهمية تحت إشراف الدولة. وقد أصبحت هذه الأخيرة أشبه بجمعية من الأشقياء المسلحين حتى العظم. فيما يضيق مجال الإنتاج العالمي كل يوم ويصبح الاستيلاء على الإنتاج بالتالي أكثر سعارا وكُلْفته أغلى فأغلى.

المنع: هذه هي آخر كلمة للسياسة الرأسمالية، الشعار الذي يحل محل الحماية والتبادل الحر! إن العدوان الذي كانت المجر ضحيته من قبل الأوغاد الرومانيين الذين نهبوا منها كل شيء، وقع تحت أيديهم دون تمييز بين عربات القطارات والحلي، هذا العدوان هو ما يميز الفلسفة الاقتصادية للويد – جورج وميللران.

ولا تعرف البرجوازية، في سياستها الاقتصادية الداخلية، بأي شيء تتشبث؛ هل بنظام تأمين وتنظيم وإشراف من قبل الدولة قد يكون من أشد سياساتها فعالية، أم بالاحتجاجات التي تدوّي ضد استيلاء الدولة على الشؤون الاقتصادية من جهة أخرى؟ فالبرلمان الفرنسي يبحث عن مساومة تسمح له بحصر إدارة جميع السكك الحديدية داخل الجمهورية في يد واحدة دون أن يضر مع ذلك بمصالح الرأسماليين المساهمين في شركات السكك الحديدية الخاصة. وفي الوقت نفسه تقوم الصحافة الرأسمالية بحملة مسعورة ضد «الدولنة» (l’étatisme) التي تشكل الخطوة الأولى في تدخل الدولة، وكابحا للمبادرة الحرّة. وقد وقعت سكك الحديد الأمريكية التي كانت الدولة تشرف عليها أثناء الحرب والتي دُمرت، في وضع أكثر صعوبة عندما أزيل عنها إشراف الدولة. بيد أن الحزب الجمهوري يعِدُ في برنامجه بتحرير الحياة الاقتصادية من التدخل الحكومي. ويناضل زعيم النقابات الأمريكية صموئيل غومبيرز، هذا الحارس الشرس للرأسمال، ضد تأميم سكك الحديد الذي يقترحه السذج والانتهازيون الإصلاحيون على فرنسا كترياق عالمي. والواقع أن التدخل الفوضوي للدولة لا يمكن أن يحصل إلا لدعم نشاط المضاربين التخريبي، ولإتمام إدخال الفوضى الأعم في الاقتصاد الرأسمالي، في اللحظة التي يعيش فيها هذا الأخير حقبة انحطاطه. فأن تنتزع من التروستات وسائل الإنتاج والنقل لتُسلم إلى «الأمة» أي الدولة البرجوازية، أي أقوى تروستات الرأسماليين وأكثرها شرهاً، إن هذا ليس محوا للبلبلة، بل جعلها قانونا عاما.
وليس انخفاض الأسعار وارتفاع قيمة العملة سوى مؤشرين خادعين، لا يمكنهما أن يخفيا الخراب الوشيك. وعبثا تنخفض الأسعار، فذلك لا يعني حصول زيادة في المواد الأولية، ولا أن العمل أصبح أكثر إنتاجية.
وبعد محنة الحرب الدامية، لم يعد الجمهور العمالي قادرا على العمل بالنشاط نفسه والشروط نفسها. إن تدمير القيم، التي تطلّب خلقها عدة سنوات، خلال بضع ساعات، والمضاربة الوقحة برهانات تبلغ عدة مليارات من قبل زمرة مالية، وإلى جانب ذلك أكوام عظام الموتى والخراب – تلك الدروس التي قدمها التاريخ لم يكن من شأنها أن تعزز لدى الطبقة العاملة نظام الطاعة الآلي الملازم للعمل المأجور. ويحدثنا الاقتصاديون البرجوازيون وواضعو الروايات المسلسلة عن «موجة كسل» تجتاح أوربا، حسب رأيهم، وتهدد مستقبلها الاقتصادي. ويسعى الإداريون لكسب الوقت عن طريق منح العمال المهرة عدداً من الامتيازات، لكنهم يضيعون جهدهم سدى. فمن أجل إعادة تجديد إنتاج العمل وتطويره، من الضروري أن تثق الطبقة العاملة بأن كل ضربة مطرقة ستؤدي إلى تحسين وضعها وتسهيل تثقيفها وتقريبها من سلام عالمي. والحال أن تلك الثقة لا يمكن أن تقدمها لها سوى ثورة اجتماعية.
وينشر ارتفاع أسعار المأكولات الاستياء والتمرد في جميع البلدان. ولا تجد برجوازيات فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبقية البلدان سوى مسكنات تواجه بها ويلات غلاء المعيشة وموجة الإضرابات المهددة. وكي تكون الدولة قادرة على أن تدفع للمزارعين ولو جزءا من تكاليف الإنتاج، فإنها تدخل، مثقلة بالديون، في مضاربات مشبوهة وتسرق نفسها بنفسها من أجل تأجيل ساعة وفاء الدين. وإذا صحّ أن بعض فئات العمال يعيش حاليا في شروط أفضل حتى من قبل الحرب، فإن ذلك لا يعني شيئا بالواقع فيما يتعلق بالحالة الاقتصادية للبلدان الرأسمالية. ويتم الحصول على نتائج مؤقتة بالاعتماد على الغد من أجل الاكتتاب بقروض مشعوذين؛ فسيحمل الغد البؤس وكل أنواع الآفات.
وماذا نقول عن الولايات المتحدة؟ «أمريكا أمل الإنسانية»: يقول ميللران. يردد هذا البورجوازي الفرنسي حكمة تورغو، وهو يأمل تأجيل ديونه، هو الذي لا يؤجل ديون أحد. لكن الولايات المتحدة ليست قادرة على إنقاذ أوروبا من المأزق الذي تتخبط فيه. فقد استنفذت خلال السنوات الست الأخيرة مخزونها من المواد الأولية. فيما قلّص تكيف الرأسمالية الأمريكية مع متطلبات الحرب قاعدتها الصناعية. وكف الأوربيون عن الهجرة إلى أمريكا. وأفقدت موجة من العودة إلى الوطن الصناعة الأمريكية آلاف الألمانيين والإيطاليين والبولنديين والصربيين والتشيكيين الذين كان يدعوهم إلى أوروبا إمّا الاستنفار أو سراب وطن مستعاد. إن جمهورية ما وراء الأطلنطي ترزح تحت وطأة الافتقار إلى المواد الأولية واليد العاملة، الأمر الذي تدخل بسببه البروليتاريا الأمريكية مرحلة جديدة من النضال الثوري. فأمريكا تصبح أوروبية بشكل سريع.
ولم يفلت المحايدون من نتائج الحرب والحصار. وأشبه بسائل محتجز في أوعية متصلة، يتجه اقتصاد الدول الرأسمالية المرتبطة فيما بينها بشكل وثيق إلى اتخاذ مستوى واحد، مستوى البؤس والمجاعة والتلف، أكانت هذه الدول كبرى أو صغرى، محاربة أو محايدة، منتصرة أو مهزومة.
فسويسرا تعيش كفاف يومها، وكل احتمال يهدد بطرحها خارج كل توازن. وفي اسكندنافيا لا يمكن أن يحل مشكلة التموين التصدير الواسع للذهب. كما تضطر إلى طلب الفحم من إنجلترا بكميات ضئيلة وذلك بعد تملّق شديد. وبرغم المجاعة في أوروبا يتعرض صيد السمك في النرويج لأزمة مذهلة.
ولا يمكن لإسبانيا التي جلبت منها فرنسا رجالا وخيولا وأطعمة، أن تتخلص من صعوبات جمة على الصعيد التمويني، تؤدي بدورها إلى اضطرابات عنيفة وتظاهرات من جانب الجماهير التي يجبرها الجوع على النزول إلى الشارع.
تعتمد البرجوازية اعتمادا قويا على الأرياف. ويؤكد اقتصاديوها أن رخاء الفلاحين ازداد ازديادا هائلا. إن هذا وهم. فصحيح أن الفلاحين الذين يحملون منتجاتهم إلى السوق قد جمعوا ثروة إلى هذا الحد أو ذاك، في كل مكان أثناء الحرب. باعوا منتجاتهم بأسعار عالية، ودفعوا ديونهم، التي ترتبت عليهم عندما كان سعر العملة مرتفعا، بعملة بخسة الثمن. لكن استثماراتهم سقطت، أثناء الحرب، في الفوضى وانخفض مردودها. وكانوا بحاجة إلى أدوات مصنّعة، وقد تضاعفت سعر تلك الأدوات بقدر ما قلّت قيمة النقود. وأصبحت متطلبات مصلحة الضرائب هائلة، تهدد بابتلاع الفلاح مع منتجاته وأراضيه. هكذا، بعد فترة انتعاش مؤقت من الرخاء، وقع فلاحو الطبقة الصغيرة أكثر فأكثر في صعوبات مستعصية. وازداد استياؤهم من نتائج الحرب. إن الفلاح، ممثلا بجيش دائم، يعد قدرا غير قليل من المفاجآت المزعجة للبرجوازية.
إن ترميم أوروبا اقتصاديا، الذي يتحدث عنه الوزراء الذين يحكمونها، ليس سوى كذبة. فأوروبا تتهدم ومعها يتهدم العالم أجمع.
فما من خلاص على أسس الرأسمالية. ولا يمكن سياسة الإمبريالية أن تزيل العوز، فهي لا تستطيع إلاّ جعله أكثر إيلاما بتشجيعها تبديد المدخرات الباقية.
أمّا مسألة الوقود والمواد الأولية فمسألة دولية لا يمكن أن تحل إلاّ على أساس إنتاج مخطط وجماعي واشتراكي.
يجب إلغاء ديون الدولة. يجب تحرير العمل وثماره من الجزية الضخمة التي يدفعها للطغمة المالية العالمية. يجب إطاحة الطغمة المالية. يجب إسقاط الحواجز الحكومية التي تجزئ الاقتصاد العالمي. يجب استبدال المجلس الاقتصادي الأعلى لإمبرياليي الدول الحليفة بالمجلس الاقتصادي الأعلى للبروليتاريا العالمية من أجل الاستثمار الممركز لجميع موارد البشرية.
يجب القضاء على الإمبريالية من أجل أن يستطيع الجنس البشري الاستمرار في البقاء.

3- النظام البرجوازي بعد الحرب

تتركز كل طاقات الطبقات الثرية حول المسألتين التاليتين: البقاء في السلطة إبّان الصراع الدولي وعدم السماح للبروليتاريا بأن تصبح سيدة البلاد. وفقا لهذا البرنامج، اختفت المجموعات السياسية البرجوازية القديمة في روسيا، حيث أصبحت راية الحزب الدستوري الديمقراطي (الكاديت)، خلال الفترة الحاسمة من الصراع راية جميع الأغنياء المنتصبين ضد ثورة العمال والفلاحين، لكن أيضا في البلدان صاحبة الثقافة السياسية الأعرق والجذور الأعمق، واختفت معها البرامج السابقة التي كانت تُفرق مختلف الأجنحة البرجوازية، دون أن تترك أي أثر تقريبا. وذلك قبل الهجوم المعلن الذي قامت به البروليتاريا الثورية بوقت طويل.
إن لويد جورج يجعل من نفسه المبشر باتحاد المحافظين والوحدويين والليبراليين في سبيل النضال المشترك ضد خطر سيطرة الطبقة العاملة. ويضع هذا الديماغوجي العجوز الكنيسة المقدسة في أساس نظامه، مقارنا إياها بمحطة كهرباء مركزية تزود جميع أحزاب الطبقات الثرية بتيار متساو. وفي فرنسا تبدو الفترة الصاخبة لمعاداة الاكليركية، والتي ما زالت قريبة العهد، وكأنها رؤيا من عالم آخر: فالراديكاليون والملكيون والكاثوليك يشكلون حاليا كتلة للنظام الوطني ضد البروليتاريا التي ترفع رأسها. وتمد الحكومة الفرنسية يدها إلى جميع القوى الرجعية، مقدمة دعمها لعضو عصابة المائة السود، رانغل، وتعيد علاقاتها الديبلوماسية مع الفاتيكان.
ويمسك المحايد المقتنع بحياده، المشايع للألمان، جيوليتي، بدفة الدول الإيطالية بصفته القائد العام للمتدخلين والمحايدين والاكليريكيين والماتزينيين: وهو مستعد لأن يتحايل في المسائل الثانوية الخاصة بالسياسة الداخلية والخارجية كي يصد بحيوية أقوى هجوم البروليتاريين الثوريين في المدن والقرى. وتعتبر حكومة جيوليتي نفسها، بحق، الورقة الأخيرة للبرجوازية الإيطالية.
وتتجه سياسة جميع الحكومات الألمانية والأحزاب الحكومية، بعد هزيمة عائلة هوهنزولرن، بالاتفاق مع الطبقات الحاكمة للبلدان المتحالفة، إلى إقامة أرضية مشتركة من الحقد ضد البلشفية، أي ضد الثورة البروليتارية.
وبينما يخنق شايلوك(4) الأنجلو – فرنسي الشعب الألماني بوحشية متزايدة، تطلب البرجوازية الألمانية من العدو، دون تمييز بين أحزابها، أن يحلّ العقدة التي تخنقها بالقدر الذي يسمح لها فقط بذبح طليعة البروليتاريا الألمانية بيدها. وهذا بالإجمال ما تدور حوله دائما الاجتماعات الدورية التي تعقد، والاتفاقات التي توقع بشأن نزع الأسلحة وتسليم الآليات الحربية.
وفي أمريكا لم يعد ثمة فرق بين جمهوريين وديموقراطيين. وقد أظهرت هاتان المنظمتان السياسيتان القويتان للمستغِلين والمكيفتان وفق الدائرة الضيقة للمصالح الأمريكية، أظهرتا بوضوح تام كم كانتا مجردتين من الحزم عندما دخلت البرجوازية الأمريكية ميدان اللصوصية العالمية.
لم يحدث أبدا أن برهنت دسائس القادة وعصاباتهم – في المعارضة كما في الوزارات – عن مثل هذه الصفاقة، وأن تحركت بمثل هذه العلنية. بيد أن كل القادة وزمرتهم الأحزاب البرجوازية في كل البلدان، يشكلون جبهة موحدة ضد البروليتاريا الثورية.
وبينما يستمر أغبياء الاشتراكية – الديموقراطية بمواجهة أعمال عنف الطريق الديكتاتوري بطريق الديموقراطية، تداس آخر آثار الديموقراطية بالأقدام وتعدم في جميع دول العالم.
وبعد حرب كانت مجالس الممثلين خلالها، رغم أنها لا تتمتع بالسلطة، تستخدم من أجل تغطية نشاط العصابات الحاكمة الإمبريالية بصرخاتها الوطنية، سقطت البرلمانات في انحطاط كامل. فجميع المسائل الجدية تُحل خارج البرلمانات، ولا يغيّر بطابع الأمر شيئا التوسيع الوهمي للصلاحيات البرلمانية الذي يعلنه بأبهة مشعوذو الإمبريالية في إيطاليا وبقية البلدان. وكأسياد فعليين للموقف، ومتحكمين بمصير الدولة، فإن اللورد روتشيلد، واللورد فير، ومورغان وروكفببر، وشنايدر ولوثور، وهوغوستينز وفيليكس دوتش، وريزيللو وآنيللي، – ملوك الذهب والفحم والنفط والمعادن – يتحركون خلف الكواليس مرسلين صغار موظفيهم إلى البرلمانات من أجل تصريف أعمالهم.
أمّا البرلمان الفرنسي الذي ما زال يتسلى بأصول قراءة مشاريع القوانين التافهة ثلاث مرات، البرلمان الفرنسي الذي تحط من شأنه أكثر من غيره الخطابية المفرطة والكذب والصفاقة التي يبيع نفسه بها، فهو يكتشف فجأة أن الأربع مليارات التي خصصها للترميم في الأقاليم المخربة من فرنسا قد أنفقها كليمنصو لأهداف مختلفة كليا، وبشكل رئيسي لمواصلة أعمال التخريب الجارية في المقاطعات الروسية.
والأغلبية الساحقة من نواب البرلمان الإنكليزي، المزعوم أنه كلي القدرة، لا تعرف عن النوايا الفعلية للويد جورج ولكرسن، فيما يتعلق بروسيا السوفياتية وحتى بفرنسا، أكثر مما تعرف عنها النسوة العجائز في قرى البنغال.
أمّا البرلمان في الولايات المتحدة فيشكل جوقة طيّعة أو أنه يتململ أحيانا تحت عصا الرئيس. وهذا البرلمان ليس سوى خادم للآلة الانتخابية التي تشكل جهازا سياسيا للتروستات – وبقدر أوسع بكثير، بعد الحرب، مما كان الأمر عليه في السابق.
والبرلمانية الألمانية المتأخرة، طِرْحُ الثورة البرجوازية التي ليست هي نفسها سوى طرْحُ التاريخ، كانت منذ طفولتها عرضة لجميع الأمراض التي تصيب الكلاب الهرمة. إن رايخ جمهورية إيبرت «الأكثر ديمقراطية في العالم» يبقى عاجزا ليس أمام العصا التي يلوح بها المارشال فوش وحسب، بل أيضا أمام دسائس رجال بورصته، وأمثال ستين لديه، كما أمام المؤامرات العسكرية لزمرة من الضباط. فالديمقراطية البرلمانية الألمانية ليست سوى فراغ بين ديكتاتوريتين.
لقد حدثت تغيرات عميقة في تكوين البرجوازية نفسه، أثناء الحرب. فبوجه الإفقار الشامل للعالم بأجمعه، قفز تمركز الرساميل قفزة كبيرة إلى الأمام، وبرزت بيوت تجارية إلى الصدارة كانت قد بقيت في الظل سابقا. إن الصلابة والتوازن والميل إلى المساومات «العقلانية»، والحفاظ على بعض اللياقة في الاستغلال كما في استعمال المنتجات – كل هذا جرفه سيل الإمبريالية.
إنهم أثرياء جدد تصدروا الواجهة: ممونو جيوش، مضاربون من الدرجة الدنيا، محدثو نعمة، أغنياء مشبوهون، نهابون، مجرمون سابقون يغطيهم الماس، أوغاد دون إيمان ولا شريعة، شرهون إلى الترف، مستعدون لأقصى الفظائع من أجل إعاقة الثورة البروليتارية التي لا يمكن أن تعدهم إلاّ بأنشوطة.
إن النظام الحالي، كونه نظام سيطرة الأغنياء، ينتصب بوجه الجماهير بكل صلافته. وفي أمريكا وفرنسا وإنجلترا، اتخذ الترف بعد الحرب طابعا جنونيا. وباريس المزدحمة بطفيليي الوطنية الدولية، تشبه حسب اعتراف «الزمن»، بابل عشية كارثة.
حسب رغبة هذه البرجوازية، تنتظم السياسة والعدالة والصحافة والفن والكنيسة. كل الكوابح وكل المبادئ طُرحت جانبا. ولا يتوانى ولسون وكليمنصو وميللران ولويد جورج وتشرشل عن القيام بأوقح الخدائع وأفحش الأكاذيب، وعندما يفاجأون أثناء قيامهم بالأعمال الساقطة، يتابعون بهدوء مآثرهم التي يجب أن تقودهم إلى محكمة الجنايات. ولم تعد القواعد الكلاسيكية للانحراف السياسي التي صاغها العجوز مكيافللي سوى حِكَم ساذجة لغبي ريفي، بالمقارنة مع المبادئ التي يسير عليها حكام اليوم البرجوازيين. لقد راحت المحاكم التي كانت في السابق تغطي جوهرها البرجوازي برداء ديموقراطي برّاق، تهين البروليتاريا علنا وتقوم بعمل استفزازي معادٍ للثورة. ودون تردد، يطلق قضاة الجمهورية الثالثة قاتل جوريس وتشجع محاكم ألمانيا، التي كانت قد أُعلنت جمهورية اشتراكية، قتلة ليبكنخت وروزا لوكسمبورغ وكثير من بقية شهداء البروليتاريا. إن محاكم الديموقراطيات البرجوازية تعمل على جعل كل جرائم الإرهاب الأبيض، جرائم قانونية بشكل رسمي.
إن الصحافة البرجوازية تبيع نفسها علنا، وتحمل دمغة البيع على جبينها مثل الماركة التجارية. فالصحف القيادية للبرجوازية العالمية هي فبارك أكاذيب ضخمة وافتراءات وسجون روحية.
إن استعدادات البرجوازية ومشاعرها عرضة للصعود والهبوط العصبي كأسعار أسواقها. وطوال الأشهر الأولى التي تلت الحرب، اصطكّت أسنان البرجوازية العالمية، وخاصة الفرنسية أمام الشيوعية المتهدّدة. وجعلت من الخطر المحدق فكرة مرتبطة بالجرائم الدامية التي ارتكبتها، لكنها عرفت كيف تصد الهجوم الأول. لقد قدّمت لها الأحزاب الاشتراكية ونقابات الأممية الثانية، المرتبطة بها بسلاسل مسؤولية مشتركة، خدمة أخيرة، إذ أدارت ظهرها لأولى الضربات التي سددها غضب الشغيلة. ونالت البرجوازية قسطا من الراحة لقاء غرق الأممية الثانية بالكامل. وقد تطلب الأمر عددا من التصويتات المعادية للثورة حصل عليها كليمنصو في الانتخابات البرلمانية، وبضعة أشهر في التوازن غير المستقر، وفشل إضراب أيار / مايو، حتى استطاعت البرجوازية الفرنسية أن تنظر بأمان إلى صلابة نظامها الراسخة. وبلغت غطرسة هذه الطبقة المستوى الذي كانت قد بلغته مخاوفها في السابق.
لقد أصبح التهديد الحجة الوحيدة للبرجوازية، فهي لا تؤمن بالأقوال وتطالب بالأفعال: اعتقلوا، فرقوا التظاهرات، صادروا، ارموا بالرصاص! ويعمل الوزراء والبرلمانيون البرجوازيون على خداع البرجوازية بالتظاهر بأنهم رجال من فولاذ. فينصح لويد جورج، بخشونة، الوزراء الألمان بإعدام «الكومونيين» لديهم، كما حصل في فرنسا عام 1871. ويمكن موظفا من الدرجة الثالثة أن يعتمد على التصفيق الصاخب للمجلس إذا عرف كيف يضع في نهاية تقرير تافه بضع تهديدات موجهة إلى العمال.
وبينما تتحول الإدارة إلى منظمة وقحة أكثر فأكثر، معدة لممارسة قمع دموي إزاء الطبقات الكادحة، تعمل منظمات أخرى معادية للثورة، مشكلة تحت إشرافها، وموضوعة تحت تصرفها، على منع الإضرابات بالقوة، والقيام بالاستفزازات و الإدلاء بشهادات كاذبة وتدمير المنظمات الثورية والاستيلاء عن المؤسسات الشيوعية، وارتكاب المجازر والحرائق، واغتيال الأسر الثورية، واتخاذ إجراءات أخرى من النوع نفسه في سبيل الدفاع عن الملكية الخاصة والديموقراطية.
ويشكل أبناء كبار الملاكين وكبار البرجوازيين، والبرجوازيون الصغار الذين لا يعرفون من يهاجمون، وبشكل عام العناصر الفاقدة لهويتها الطبقية، وبالدرجة الأولى المذكورون آنفا من مختلف فئات الروس المهاجرين، كوادر احتياط لا تنضب للجيوش غير النظامية المعادية للثورة، وعلى رأسهم ضباط نشأوا في مدرسة الحرب الإمبريالية.
ويشكل العشرين ألف ضابط من جيش هوهنزولرن، خاصة بعد انتفاضة كاب – لوتفيتز، نواة ثورة مضادة صلبة، لا تقوى الديموقراطية الألمانية على التخلص منها مباشرة، إذا لم تقم مطرقة ديكتاتورية البروليتاريا بتحطيمها. وتكتمل هذه المنظمة الممركزة من إرهابيي النظام السابق بفصائل الأنصار المشكلة من قبل كبار الجلادين البروسيين.

وفي الولايات المتحدة، تشكل الاتحادات مثل عصبة الأمن الوطني (Nacional Security League)، وفرسان الحرية (Knigths Of Liberty) طليعة الرأسمال، وتعمل على ضفافها عصابات اللصوص الممثلة بـ وكالات التحري (Detective Agencies) للتجسس الخاص.

وفي فرنسا ليست العصبة المدنية شيئا آخر سوى منظمة متقنة من «الثعالب»، بينما جرى حل اتحاد العمل، على الرغم من كونه إصلاحيا.

أمّا مافيا الضباط البيض في هنغاريا، التي ما زالت تحتفظ بوجود سري مع أن حكومتهم المؤلفة من الجلادين المعادين للثورة تستمر تبعاً لرغبة إنكلترا، فقد أظهرت أمام بروليتاريا العالم بأسره، كيف تمارس هذه الحضارة وهذه الإنسانية اللتين يتبناهما ويلسون ولويد جورج، بعد أن لعنا سلطة السوفيات وأعمال العنف الثوري.
وتجهد الحكومات «الديمقراطية» في فنلندا وجورجيا وليتونيا واستونيا من أجل الوصول إلى مستوى كمال مثالها الهنغاري. وفي برشلونة، لدى الشرطة عصابات من المجرمين تأتمر بأوامرها، وكذلك الحال في كل مكان.
وحتى في بلد مهزوم ومهدم كبلغاريا، يجتمع الضباط الذين لا عمل لهم في جمعيات سرية مستعدة لدى أول إشارة للبرهنة عن وطنيتها على حساب العمال البلغاريين.
هكذا يوضع برنامج التوفيق بين المصالح المتناقضة والتعاون الطبقي والإصلاحية البرلمانية والتشريك التدريجي والاتفاق المتبادل داخل كل أمة، موضع التنفيذ في النظام البرجوازي لما بعد الحرب. إن كل هذا لا يمثل سوى تهريج مشؤوم. وقد رفضت البرجوازية نهائيا توفيق مصالحها الخاصة مع مصالح البروليتاريا عن طريق إصلاحات بسيطة. وهي تفسد أولئك الذين ينالون الصدقات من الطبقة العاملة، وتُخضع البروليتاريا لقاعدة لا تلين، عن طريق الحديد والنار.
ما من مسألة هامة تقرّر بغالبية الأصوات، ولم يبق من المبدأ الديموقراطي سوى ذكرى في أدمغة الإصلاحيين الضبابية. وتصر البرجوازية كل يوم، بشكل متزايد، على تجنيد ما يشكل العصب الأساسي للحكومات، أي أفواج الجنود. ولم تعد البرجوازية تضيع وقتها في «عدّ الإجاصات على الشجرة» فهي تعدّ البنادق والرشاشات والمدافع التي ستكون بمتناولها عندما تحين الساعة التي لا تعود فيها مسألة السلطة والملكية تحتمل أي تأجيل.
من يأتي ليحدثنا عن التعاون أو الوساطة؟ إن ما ينبغي لخلاصنا هو دمار البرجوازية، والثورة البروليتارية وحدها هي التي تستطيع أن تحدث هذا الدمار.

4– روسيا السوفياتية

تتلاطم الشوفينية والجشع والنزاع في رقصة جامحة، فيما يبقى المبدأ الشيوعي وحده، في مواجهة العالم، حيويا وخلاقا. ورغم أن السلطة السوفياتية قد قامت، كبداية، في بلد متخلف خربته الحرب، ومحاط بأعداء أقوياء، فقد أظهرت أنها تتمتع ليس بصلابة نادرة فحسب، بل أيضا بنشاط مذهل. لقد برهنت بالفعل عن قوة الشيوعية الكامنة. ويشكل تطور السلطة السوفياتية وتوطّدها نقطة الذروة في تاريخ العالم منذ إنشاء الأممية الشيوعية.
حتى الآن، كانت دائما القدرة على تشكيل جيش هي المقياس لكل نشاط اقتصادي أو سياسي. وقوة الجيش أو ضعفه هما المؤشر الذي يخدم في تقدير قوة الدولة أو ضعفها من الناحية الاقتصادية. لقد خلقت سلطة السوفيتات، على دوي المدافع، قوة عسكرية من الدرجة الأولى، وبفضلها تغلبت بتفوق لا جدال فيه ليس على أبطال روسيا القديمة الملكية والبرجوازية وحسب، وعلى جيوش كولتشاك ودينكين ويدونتش وفرانجل وآخرين، بل أيضا على الجيوش الوطنية للجمهوريات «الديمقراطية» التي دخلت الحرب وفقا لرغبة الإمبريالية العالمية (فنلندا، واستونيا، وليتونيا، وبولندا).
من الناحية الاقتصادية، فإن صمود روسيا السوفياتية هذه السنوات الثلاث الأولى، هو معجزة كبيرة، بل إنها قامت بأفضل من ذلك، لقد تطورت بما أنها إذ امتلكت طاقة انتزاع أدوات الاستغلال من بين أيدي البرجوازية، جعلت منها أدوات إنتاج صناعي ووضعتها في العمل بشكل منهجي. ولم يمنعها ضجيج المدفعية على طول الجبهة التي تحيط بروسيا من جميع الجوانب من اتخاذ إجراءات في سبيل إعادة تنظيم الحياة الاقتصادية والثقافية المزعزعة.
إن احتكار الدولة الاشتراكية للمواد الغذائية الأساسية، والنضال الذي لا يرحم ضد المضاربين، هما وحدهما اللذان أنقذا المدن الروسية من مجاعة قاتلة، وأتاحا إمكانية التموين للجيش الأحمر. أمّا جمع المصانع والمشاغل وسكك الحديد والطرق البحرية تحت رقابة الدولة فهو وحده الذي سمح بجعل الإنتاج منتظما وبتنظيم النقل. ويؤدي تمركز الصناعة والنقل بين أيدي الحكومة إلى تبسيط الأساليب التقنية، بخلق أنماط واحدة لمختلف القطع، أنماط تستخدم كنموذج لكل إنتاج لاحق. فالاشتراكية وحدها تجعل من الممكن التقدير الدقيق لكمية المسامير الكبيرة للقاطرات والعربات والسفن البخارية الواجب إنتاجها وإصلاحها.
ويمكن كذلك توقّع الإنتاج الإجمالي الضروري لقطع الآلات المطابقة للنموذج دوريا، الأمر الذي يمثل مكاسب جمة لزيادة وتيرة الإنتاج.
ولم تعد تواجه التقدم الاقتصادي والتنظيم العملي للصناعة وتطبيق نظام تايلور مطهرا من جميع الميول إلى الاستغلال الفظ «Sweating»، أية عوائق إلاّ تلك التي يعمل على إثارتها الامبرياليون الأجانب.
وبينما تشكل مصالح القوميات، التي تصطدم بمطامع الامبرياليين، مصدرا دائما للنزاعات العالمية والتمردات والحروب، أظهرت روسيا السوفياتية أن حكومة عمالية هي القادرة على التوفيق بين الحاجات الوطنية والحاجات الاقتصادية، مطهّرة الأولى من كل شوفينية والثانية من كل امبريالية. وتهدف الاشتراكية إلى ربط جميع الأقاليم وجميع المقاطعات وجميع القوميات بوحدة النظام الاقتصادي نفسه. إن المركزية الاقتصادية لن تقبل بعد الآن باستغلال طبقة لأخرى وأمة لأخرى، وكونها، انطلاقا من هذا بالذات، في مصلحة الجميع على السواء، فإنها لا تشلّ أي شكل من التطور الحر للاقتصاد الوطني.
إن مثال روسيا السوفياتية يسمح لشعوب أوربا الوسطى وجنوب شرق البلقان والممتلكات الاستعمارية لبريطانيا العظمى، وجميع الأمم والشعوب الصغرى المضطهدة، وللشعب المصري والايرلندي والبلغاري، بإدراك أن تضامن جميع قوميات العالم ليس ممكن التحقيق إلاّ باتحاد جمهوريات سوفياتية.
لقد جعلت الثورة من روسيا القوة البروليتارية الأولى. منذ ثلاث سنوات على وجودها، لم تتوقف حدودها عن التغير. وبعد أن أصبحت أكثر ضيقا بسبب هجوم الإمبريالية العالمية، كانت تسترجع اتساعها عندما تخف وطأة الهجوم. أصبح النضال من أجل السوفيتات نضالا ضد الرأسمالية العالمية، وغدت مسألة روسيا السوفيتات المحك لجميع المنظمات العمالية. فالخيانة الثانية الدنيئة للاشتراكية – الديموقراطية الألمانية، بعد خيانة الرابع من آب / أغسطس عام 1914، تمثلت، بعد اشتراكها في الحكومة، بطلب نجدة الإمبريالية الغربية، بدل التحالف مع ثورة الشرق. ولو أن ألمانيا السوفياتية تحالفت مع روسيا السوفياتية، لكانتا، وحدهما فقط، أقوى من كل الدول الرأسمالية مجتمعة.
لقد جعلت الأممية الشيوعية من قضية روسيا السوفياتية قضيتها. ولن تعيد البروليتاريا العالمية سيفها إلى الغمد إلاّ عندما تكون روسيا السوفياتية قد أصبحت إحدى حلقات اتحاد جمهوريات سوفياتية تشمل العالم.

5- الثورة البروليتارية والأممية الشيوعية

إن الحرب الأهلية على جدول الأعمال في العالم أجمع، وشعارها: «السلطة للسوفيتات».
لقد جعلت الرأسمالية من البروليتاريا الأكثرية الساحقة من الانسانية. وأخرجت الإمبريالية الجماهير من بلادتها ودفعتها إلى الحركة الثورية. والذي نعنيه الآن بكلمة «جمهور» ليس هو ما كنّا نعنيه بها منذ بضع سنوات. فما كان جمهورا في عصر الإمبريالية، في عصر البرلمانية والنقابية، أصبح النخبة في أيامنا. إن ملايين الرجال وعشرات الملايين منهم الذين عاشوا حتى الآن خارج كل سياسة يتحولون إلى جمهور ثوري. لقد أيقظت الحرب العالم كله، وأيقضت الحس السياسي لدى أكثر الأوساط تخلفا، لقد أعطتهم الأوهام والآمال وخيبتها جميعا. انضباط نقابي ضيق، وبالإجمال، بلادة البروليتاريين الأكثر وعيا، من جهة، وخمول الجماهير الذي لا شفاء منه من جهة أخرى – هذه السمات المميزة للأشكال القديمة من الحركة العمالية قد سقطت في النسيان إلى الأبد. ودخل ملايين من المتطوعين الجدد على الخط. فيما تسهم النساء، اللواتي فقدن أزواجهن وآباءهن، وكان عليهن أن يعملن مكانهم، مساهمة واسعة في الحركة الثورية. واستقبل عمال الجيل الجديد الذين اعتادوا دوي الحرب ووميضها منذ الطفولة، استقبلوا الثورة وكأنها عنصر طبيعي بالنسبة لهم. يمر النضال في مراحل مختلفة تبعا للبلد. لكن هذه المعركة هي المعركة الأخيرة. ويحدث أنَّ تدفق الموجات الثورية على صرح منظمة بالية يهب تلك المنظمة حياة جديدة. هنا وهناك على سطح الأمواج، تطفو رايات قديمة وشعارات نصف ممحوّة. الأدمغة مليئة بالاضطراب والظلمات والأفكار المسبقة والأوهام. لكن الحركة الثورية بمجملها تمتلك طابعا ثوريا بالعمق. لا يمكن إضعافه أو إيقافه، إنه يمتد، ويترسّخ ويتطهر ويلفظ كل ما مرّ عليه الزمن. ولن يتوقف ما لم تصل البروليتاريا العالمية إلى السلطة.
إن الإضراب هو الوسيلة الأكثر اعتيادا لدى الحركة الثورية. والذي يتسبب به في الغالب، وبشكل لا يقهر، هو ارتفاع أسعار المواد الغذائية ذات الضرورة الأولية. وغالبا ما ينبثق الإضراب عن نزاعات إقليمية. وهو صرخة احتجاج من الجماهير التي عيل صبرها من تآمر الاشتراكيين البرلماني، ويعبر عن التضامن بين المستغَلين في البلد الواحد أو في بلدان مختلفة. وشعاراته ذات طابع اقتصادي وسياسي في آن. وغالبا ما تختلط فيه شعارات الثورة الاجتماعية مع نتف إصلاحية. وهو يغضب البرجوازية لأنه يغتنم كل فرصة ليعبر عن تعاطفه مع روسيا السوفياتية، ولا تخدعه هواجس المستغلين. هذا الإضراب المشوَّش ليس في الواقع سوى استعراض للقوى الثورية، واستنفار للبروليتاريا الثورية كي تحمل السلاح.
إن التبعية الوثيقة التي تربط كل البلدان الواحد بالآخر والتي تظهر بشكل كارثي أثناء الحرب، تعطي أهمية خاصة لفروع العمل التي تربط بين البلدان، وتضع عمال سكك الحديد في الصدارة، وعمال النقل عموما؛ لقد أتيحت الفرصة لبروليتاريا النقل لتظهر جانبا من قوتها بمقاطعة هنغاريا البيضاء وبولندا البيضاء. واكتسب الإضراب والمقاطعة، وهما أسلوبان كانت الطبقة العاملة تطبقهما في بداية نضالها النقابي، أي عندما لم تكن قد بدأت بعد باستخدام البرلمانية، اكتسبا في أيامنا الأهمية نفسها والدلالة نفسها الخطيرتين كما عند إعداد المدفعية قبل الهجوم الأخير.
إن العجز الذي يجد المرء نفسه إزاءه قد صغر أمام الاندفاعة العمياء للأحداث التاريخية. لا يُكره مجموعات جديدة فقط من العمال والعاملات على دخول صفوف المنظمات النقابية، بل أيضا المستخدمين والموظفين والمثقفين البرجوازيين الصغار. وقبل أن يفرض مسار الثورة البروليتارية إنشاء سوفيتات تحلق فوق كل التنظيمات العمالية الهرمة، يتجمع الشغيلة في نقابات ويتحملون في هذه الأثناء التركيبة القديمة لها في النقابات وبرنامجها الرسمي ونخبتها القيادية، لكنهم في الوقت نفسه يحملون إلى هذه المنظمات العمالية الطاقة الثورية المتنامية للجماهير، التي لم تكن قد تكشفت بعد.
إن الفئات الدنيا، البروليتاريين في الريف والعمال اليدويين، ترفع رأسها. وفي إيطاليا وألمانيا والبلدان الأخرى، نشهد نموا رائعا لحركة العمال الزراعيين الثورية وتقاربهم مع بروليتاريا المدن.
وينظر الفلاحون الفقراء بعين الاستحسان إلى الاشتراكية. وإذا كانت دسائس الإصلاحيين البرلمانية، التي تسعى إلى استغلال الأفكار المسبقة حول الملكية لدى الموجيك، بقيت دون جدوى، فإن حركة البروليتاريا الثورية حقا ونضالها العنيد ضد المضطهدين، يولدان بصيص أمل في قلب الشغيل الأكثر تواضعا، والأشد إرهاقا، والأكثر بؤسا.
إن هوة البؤس البشري والجهل لا قرار لها. وكل شريحة نهضت للتوّ تترك وراءها شريحة أخرى تكاد تحاول أن تنهض. لكن ليس للطليعة أن تنتظر جمهور المؤخرة الكثيف كي تبدأ المعركة. فإن مهمة إيقاظ الفئات الأكثر تخلفا وحثها وتربيتها، ستتولاها البروليتاريا عندما تكون قد وصلت إلى السلطة.
لقد استيقظ شغيلة المستعمرات والبلدان شبه المستعمرة. وفي المساحات اللامتناهية للهند ومصر وإيران، حيث يتمدد أفعوان الإمبريالية الأمريكية ذو الرؤوس السبعة، في هذا البحر البشري الذي لا قرار له، يتم عمل مستتر، غير منقطع، يثير أمواجا ترتعد لها أسهم البورصة والأفئدة في «السيتي».
وفي حركة الشعوب المستعمرة، يختلط العنصر الاجتماعي بجميع أشكاله مع العنصر الوطني، لكن كليهما موجهان ضد الإمبريالية، وبدءا بالمحاولات الأولى، وصولا إلى الأشكال المتقنة، يتواصل طريق النضال في المستعمرات والبلدان المتخلفة بخطى حثيثة، تحت ضغط الإمبريالية وبقيادة البروليتاريا الثورية.
إن التقارب المثمر الذي يجري بين الشعوب الإسلامية وغير الإسلامية التي توحدها السلالة المشتركة للسيطرة الانكليزية والسيطرة الأجنبية عموما، كما أن التطهير الداخلي للحركة، والتضاؤل المستمر في نفوذ رجال الدين والرجعية الشوفينية، والنضال الذي يقوم به السكان المحليون في آن واحد ضد الغزاة وضد ملاكيهم الإقطاعيين، كهنة ومرابين، كل ذلك يجعل من جيش الانتفاضة المتعاظم في المستعمرات قوة تاريخية من الطراز الأول، واحتياطيا لا ينضب للبروليتاريا العالمية.
المنبوذون ينهضون، ويتجه فكرهم الذي يستيقظ نحو روسيا السوفييتات، نحو المتاريس المقامة في شوارع مدن ألمانيا، نحو النضال المستميت للعمال المضربين في إنكلترا، نحو الأممية الشيوعية.
إن الاشتراكية التي تدافع عن الوضع المتميز لبعض الأمم على حساب الأخرى، دفاعا مباشرا أو غير مباشر، وتتكيف مع العبودية الاستعمارية وتقبل اختلافا في الحقوق بين البشر من أعراق وألوان مختلفة، وتساعد البرجوازية في الحواضر في الإبقاء على سيطرتها على المستعمرات، بدل تشجيع الانتفاضة المسلحة لتلك المستعمرات؛ إن الاشتراكية الانجليزية التي لا تدعم بكل قوتها انتفاضة إيرلندا ومصر والهند ضد سلطة الأغنياء اللندنية – تلك «الاشتراكية»، بعيدا عن أن تطمح لتمثيل البروليتاريا وتكسب ثقتها، تستحق، إن لم يكن الرصاص، فوصمة العار على الأقل.
والحال فإن البروليتاريا في جهودها الرامية إلى تحقيق الثورة العالمية، تصطدم ليس فقط بخطوط الأسلاك الشائكة نصف المدمرة التي ما زالت تنتصب بين البلدان منذ الحرب، بل على الأخص بأنانية المنظمات الحزبية والنقابية الهرمة، ونزعتها المحافظة وعماها، هذه المنظمات التي عاشت على حساب البروليتاريا في الحقبة السابقة.
إن الخيانة التي أصبحت الاشتراكية – الديموقراطية العالمية معتادة عليها، ليس لها نظير في تاريخ النضال ضد العبودية. وتظهر أكثر آثارها فظاعة في ألمانيا، فهزيمة الإمبريالية الألمانية كانت في الوقت نفسه هزيمة للنظام الاقتصادي الرأسمالي. وباستثناء البروليتاريا، لم تكن توجد أية طبقة تستطيع أن تطمح إلى سلطة الدولة. وكان تحسين التقنية وعدد الطبقة العاملة الألمانية ومستواها الثقافي ضمانات أكيدة لنجاح الثورة الاجتماعية. وللأسف اعترضت الاشتراكية – الديموقراطية الألمانية الطريق. وبفعل مناورات معقدة اختلطت فيها الحيلة بالغباء، شلت طاقة البروليتاريا، من أجل حرفها عن الاستيلاء على السلطة، التي كانت هدفها الطبيعي والضروري.
لقد اجتهدت الاشتراكية – الديموقراطية، خلال عشرات السنين، لكسب ثقة العمال، كي تضع كل نفوذها، فيما بعد، في خدمة المستغِلين، في اللحظة الحاسمة التي كان مصير المجتمع البرجوازي خلالها في خطر.
إن خيانة الليبرالية وإفلاس الديموقراطية البرجوازية حادثتان تافهتان بالمقارنة مع خيانة الأحزاب الاشتراكية البشعة. ويشحب دور الكنيسة نفسها، تلك المحطة الكهربائية المركزية للنزعة المحافظة، كما حددها لويد جورج، أمام دور الأممية الثانية المعادي للاشتراكية.
لقد أرادت الاشتراكية تبرير خيانتها للثورة، خلال الحرب، بصيغة الدفاع الوطني، وهي تغطي سياستها المعادية للثورة، بعد اتفاق السلام، بصيغة الديموقراطية. دفاع وطني وديموقراطية، هاتان هما الصيغتان الرسميتان لاستسلام البروليتاريا أمام إرادة البرجوازية.
لكن الانهيار لا يقف عند هذا الحد. فالاشتراكية – الديموقراطية، إذ تواصل سياستها في الدفاع عن النظام الرأسمالي، مجبرة على أن تدوس بالأقدام «الدفاع الوطني» و«الديموقراطية»، سائرة في ركب البرجوازية. فيقبّل شيدمان وأيبرت أيدي الإمبريالية الفرنسية التي يطالبان دعمها ضد الثورة السوفياتية. ويجسد نوسكه الإرهاب الأبيض والثورة المضادة البرجوازية.
أمّا ألبرت توماس فتحول إلى سمسار لعصبة الأمم، هذه الوكالة الشائنة للامبريالية، وأصبح فاندرفلد، الصورة المعبّرة عن هشاشة الأممية الثانية التي كان زعيما لها، وزيرا للملك، وزيميلاً لدولاكروا رجل الدين، ومدافعا عن رجال الدين الكاثوليك البلجيكيين، ومحاميا للفظاعات الرأسمالية المرتكبة ضد زنوج الكونغو.
وهندرسون الذي يقلد كبار رجال البرجوازية، والذي يمثل على التوالي دور وزير الملك وممثل المعارضة العمالية لجلالته، وتوم شو الذي يطالب الحكومة السوفياتية ببراهين لا تدحض حول كيف أن حكومة لندن مؤلفة من نصابين ولصوص وحانثين باليمين، من هم أولئك السادة جميعا، إن لم يكونوا الأعداء اللدودين للطبقة العاملة ؟
رينير وسيتز، نيمتس وتوزار، ترولسترا وبرانتينغ، دزاينسكي وتشكيدزه، كل منهم يعبر عن لغة برجوازيته الصغيرة غير الشريفة، يعبر عن إفلاس الأممية الثانية.
وأخيرا كال كاوتسكي المنظر السابق للأممية الثانية والماركسي السابق، يصبح المستشار المتلعثم، المعتمد رسميا لدى الصحافة الصفراء في جميع البلدان.
إن العناصر الأكثر مرونة ضمن الاشتراكية الهرمة، تحت تأثير اندفاع الجماهير ودون أن تغيّر من طبيعتها أو من أسلوبها ولونها، تنفصل أو تستعد للانفصال عن الأممية الثانية، المتقهقرة كما هي دائما أمام كل تحرك جماهيري وثوري، وحتى أمام كل بداية جدية للتحرك.
ومن أجل تعيين الممثلين في هذا الحفل التنكري، وكشفهم في الوقت نفسه، يكفي القول بأن الحزب الاشتراكي البولندي الذي يتزعمه دازينسكي وشفيعه بيلسودسكي، حزب الصلافة البرجوازية والتعصب الشوفيني، يعلن انسحابه من الأممية الثانية.
وتبقى، في الواقع، النخبة البرلمانية القيادية للحزب الاشتراكي الفرنسي التي تقترع الآن ضد الموازنة وضد معاهدة فرساي، إحدى دعائم الجمهورية البرجوازية. ومن وقت لآخر، تذهب معارضتها إلى مدى أبعد. وذلك بالضبط كي لا تتزعزع نصف – الثقة التي تمنحها إياها أكثر أوساط البروليتاريا محافظة.
وفي القضايا الأساسية للصراع الطبقي، تستمر الاشتراكية البرلمانية الفرنسية في خداع إرادة الطبقة العاملة، بالإيحاء لها أن اللحظة الراهنة ليست مناسبة للاستيلاء على السلطة، لأن فرنسا مفقرة جدا، كما كانت بالأمس غير مهيأة بسبب الحرب، وكما كان الازدهار الاقتصادي عشية الحرب هو العائق، وقبله الأزمة الصناعية. وإلى جانب الاشتراكية البرلمانية وعلى المستوى نفسه تقف النقابية الثرثارة والمراوغة، نقابية جوهو وشركاه.
إن إنشاء حزب شيوعي قوي ومفعم بروح الوحدة – الإنضباط في فرنسا، هو مسألة حياة أو موت بالنسبة للبروليتاريا الفرنسية.
يتلقى الجيل الجديد من العمال الألمان تربيته من الإضرابات والانتفاضات ويستمد قوته منها. وستكلفه تجربته عددا متزايدا من الضحايا بقدر ما يستمر الحزب الاشتراكي المستقل بالخضوع لتأثير المحافظين والاشتراكيين – الديموقراطيين والروتينيين الذين يتذكرون الاشتراكية – الديموقراطية من عهد بيبل، والذين لا يفهمون شيئا عن الطابع الثوري للمرحلة، ويرتجفون أمام الحرب الأهلية والإرهاب الثوري، وينجرفون مع تيار الأحداث بانتظار المعجزة التي يجب أن تأتي لإنقادهم من عجزهم. لكن حزب روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت يعلّم العمال الألمان تحت نار المعركة، أين يوجد الطريق الصحيح.
أمّا داخل الحركة العمالية الانكليزية، فيسيطر الروتين على الحركة، بحيث أن إنكلترا لم تشعر بعد بالحاجة إلى نقل البندقية من كتف إلى آخر: فزعماء الحزب العمالي البريطاني يصرّون على البقاء ضمن أطر الأممية الثانية.
وبينما جعل مجرى أحداث السنوات الأخيرة الجماهير الكادحة قادرة على استيعاب البرنامج الثوري على أحسن ما يكون، إذ زعزع استقرار الحياة الاقتصادية في إنكلترا المحافظة، فإن الآلية الرسمية للأمة البرجوازية بسلطتها الملكية ومجلس لورداتها ومجلس عمومها وكنيستها ونقاباتها وحزبها العمالي وجورج الخامس وأسقف كنتربري وهندرسون بقيت دون أن تمسّ، كابحا تلقائيا قويا ضد التطور وليس إلاّ الحزب الشيوعي، المتحرر من الروتين ومن الروح العصبوية والمرتبط ارتباطا حميما بالمنظمات العمالية الكبرى، من يستطيع مجابهة هذه النخبة الرسمية بالعنصر البروليتاري.
وفي إيطاليا، حيث تعترف البرجوازية صراحة بأن مصير البلاد من الآن وصاعدا بين أيدي الحزب الاشتراكي، تعمل سياسة الجناح اليميني المتمثل بتوراتي على إعادة سيل الثورة البروليتارية إلى مجرى الإصلاحات البرلمانية. وهذا ما يكمن الآن في التخريب الداخلي، أكثر من أي شيء آخر.
يا بروليتاريي إيطاليا، فكروا بالمجر التي دخل مثالها في التاريخ من أجل أن يُذكر، مع الأسف، بأنه في النضال من أجل السلطة كما أثناء ممارستها، على البروليتاريا أن تبقى جريئة وتلفظ جميع العناصر المترددة وتقتصّ دون رحمة من جميع محاولات الخيانة.
في الولايات المتحدة، وفي بقية بلدان القارة الأمريكية، تدشّن الكوارث العسكرية التي تتبعها أزمة اقتصادية مخيفة فصلا جديدا من فصول الحركة العمالية. إن تصفية الدجل والوقاحة الويلسونية، هي بالتالي تصفية لهذه الاشتراكية الأمريكية، التي تشكل مزيجا من الأوهام السلمية والنشاط المركنتيلي، والتي تشكل نقابية غومبرز وشركاه تتويجا لها. إن الاتحاد الوثيق بين الأحزاب العمالية الثورية والمنظمات البروليتارية في القارة الأمريكية، وشبه جزيرة ألاسكا، ورأس هورن، في فرع أمريكي متراص للأممية، بوجه الإمبريالية الجبارة والمتهدّدة، إمبريالية الولايات المتحدة، هذه هي المشكلة التي يجب أن تُحل في النضال ضد كل القوى التي يعبئها الدولار للدفاع عن نفسه.
لقد كان للاشتراكيين الحكوميين وشركائهم في جميع البلدان، الكثير من الأسباب ليتهموا الشيوعيين بأنهم استفزوا بتكتيكهم المتصلب نشاط الثورة المضادة، التي يساهمون برصّ صفوفها. هذه التهمة السياسية ليست شيئا آخر سوى طبعة جديدة متأخرة لشكاوى الليبرالية. وقد كانت هذه الأخيرة، بالتحديد، تؤكد أن النضال العفوي للبروليتاريا يدفع بأصحاب الامتيازات إلى معسكر الرجعية. إنها حقيقة لا جدال فيها. فلو أن الطبقة العاملة لم تكن تهاجم أسس السيطرة البرجوازية، لما كانت هذه الأخيرة احتاجت إلى أعمال القمع، بل إن فكرة الثورة المضادة لم تكن لتوجد لو لم يعرف التاريخ الثورة. وإذا كانت انتفاضات البروليتاريا تقود حتما إلى اتحاد البرجوازية للدفاع والهجوم المضاد، فإن هذا لا يبرهن إلاّ على شيء واحد، وهو أن الثورة هي صراع بين طبقتين لا يمكن التوفيق بينهما، ولا يمكن إلاّ أن يؤدي إلى الانتصار النهائي لإحداهما على الأخرى.
إن الشيوعية تستنكر بازدراء السياسة التي تقوم على إبقاء الجماهير في حالة ركود، بتخويفها من هراوة الثورة المضادة.
إن الأممية الشيوعية تواجه عدم تماسك العالم الرأسمالي وفوضاه، هذا العالم الذي تهدد جهوده الأخيرة بابتلاع كل الحضارة الإنسانية، بالنضال المركّب للبروليتاريا العالمية، من أجل تدمير الملكية الخاصة كأداة للإنتاج، ومن أجل إعادة بناء اقتصاد وطني وعالمي على أساس خطة اقتصادية واحدة، يضعها ويحققها مجتمع المنتجين المتضامن. والأممية الشيوعية إذ تجمع ملايين الشغيلة في جميع أنحاء العالم تحت راية ديكتاتورية البروليتاريا والنظام السوفياتي للدولة، تناضل بعناد من أجل تنظيم عناصرها وتطهيرها.
إن الأممية الشيوعية هي حزب انتفاضة البروليتاريا العالمية الثورية. وهي تلفظ جميع المنظمات والأحزاب، التي تعمل بشكل علني أو مقّنع على تنويم البروليتاريا وإحباطها وتحطيم أعصابها، بحثّها على الانحناء أمام الأصناف التي تتباهى بها ديكتاتورية البرجوازية: الشرعية، والديموقراطية والدفاع الوطني، الخ…
لا يمكن الأممية الشيوعية أن تقبل بعد الآن في صفوفها المنظمات التي على الرغم من إدخالها مفهوم ديكتاتورية البروليتاريا في برنامجها، تصرّ على ممارسة سياسة تجهد للبحث عن حل سلمي للأزمة التاريخية. فالاعتراف بالنظام السوفياتي لا يعني حلاّ للمسألة. إن التنظيم السوفياتي لا يحمل فضيلة عجائبية. فهذه الفضيلة الثورية تكمن في البروليتاريا بالذات. وينبغي ألاّ تتردد البروليتاريا في أن تنتفض لتستلم السلطة، وعندها فقط سيُظهر التنظيم السوفياتي ميزاته وسيبقى بالنسبة لها السلاح الأكثر فعالية.
إن الأممية الشيوعية تطالب بطرد جميع القادة المرتبطين بشكل مباشر أو غير مباشر بتعاون سياسي مع البرجوازية، من صفوف الحركة العمالية. إن من نحتاج إليهم هم القادة الذين لا يكنّون للمجتمع البرجوازي إلاّ الحقد القاتل والذين ينظمون البروليتاريا من أجل نضال لا رحمة فيه، والمستعدون لقيادة جيش المتمردين إلى المعركة، والذين لا يتوقفون في منتصف الطريق مهما حصل، ولا يخافون اللجوء إلى إجراءات قمع لا رحمة فيها ضد جميع أولئك الذين سيحاولون التصدي لهم بالقوة.
إن الأممية الشيوعية هي الحزب العالمي لانتفاضة البروليتاريا وديكتاتوريتها. وبالنسبة لها ليس هناك أهداف سوى أهداف البروليتاريا ولا مشاكل سوى مشاكل البروليتاريا. إن ادعاءات الشّلل الصغيرة التي تريد كل منها إنقاذ الطبقة العاملة على طريقتها الخاصة، غريبة عن روح الأممية الشيوعية ومتعارضة معها، فهذه الأخيرة لا تملك الترياق العالمي، الدواء الذي لا يخطئ لجميع الأوجاع؛ إنما تستخلص الدرس من تجربة الطبقة العاملة في الماضي وفي الحاضر، وتستخدم هذه التجربة من أجل إصلاح أخطائها وسهواتها؛ وتستخلص منها خطة شاملة، وهي لا تعترف ولا تقرّ إلاّ بالصيغ الثورية التي هي صيغ العمل الجماهيري.
تنظيم مهني، إضراب اقتصادي وسياسي، مقاطعة، انتخابات برلمانية وبلدية، منبر برلماني، دعاوة شرعية وغير شرعية، منظمات سرية في الجيش، عمل تعاوني، متاريس، من كل ذلك لا ترفض الأممية الشيوعية أي شكل تنظيمي أو نضالي ينشأ في مجرى الحركة العمالية، لكنها كذلك، لا تكرّس أيّا منها كترياق عالمي.
ليس نظام السوفيتات مبدأ مجرداً يريد الشيوعيون أن يجابهوا به النظام البرلماني فحسب، فإن السوفيتات هي جهاز سلطة بروليتارية يجب أن يحل محل البرلمانية، بعد النضال وأثناء هذا النضال فقط. وفي الوقت نفسه الذي تناضل فيه الأممية الشيوعية النضال الأكثر تصميما ضد إصلاحية النقابات، وضد وصولية البرلمانات وغباوتها، فإنها لا تنسى أن تدين تزمّت أولئك الذين يدعون البروليتاريين إلى ترك صفوف المنظمات النقابية التي تضم ملايين الأعضاء، وإدارة ظهورهم للمؤسسات البرلمانية والنيابية؛ فالشيوعيون لا يهملون بأي شكل من الأشكال الجماهير التي يخدعها الإصلاحيون و«الوطنيون» ويبيعونها، لكنهم يقبلون النضال معها داخل المنظمات الجماهيرية والمؤسسات نفسها التي أنشأها المجتمع البرجوازي، بحيث يتمكنون من إطاحة هذا المجتمع بشكل سريع وأكيد.
وبينما وجدت الأجهزة التنظيمية الطبقية ووسائل النضال الشرعية بصورة شبه حصرية، بينما وجدت نفسها، تحت قيادة الأممية الثانية، خاضعة كليا لرقابة البرجوازية وقيادتها في نهاية المطاف، وبينما كان العملاء الإصلاحيون قد لجموا الطبقة الثورية، فإن الأممية الشيوعية، على العكس تماما تنتزع من أيدي البرجوازية كل الأعنة التي كانت قد استولت عليها، وتأخذ على عاتقها تنظيم الحركة العمالية، وتجمعها تحت قيادة ثورية، وبمساعدة هذه الحركة تحدد للبروليتاريا هدفا واحدا: استلام السلطة من أجل تدمير الدولة البرجوازية وبناء المجتمع الشيوعي.
وينبغي على الشيوعي، في مجرى نشاطه، أكان محرضا على إضراب احتجاج أو قياديا في منظمة سرية، أو أمين سر نقابة، أو داعية في الاحتفالات الجماهيرية أو نائبا في البرلمان، رائدا للتعاون، أو جنديا وراء المتارس، أن يبقى أمينا، أي خاضعا لانضباط الحزب، مناضلا لا يكل، عدوا لدودا للمجتمع الرأسمالي ولقواعده الاقتصادية وأشكاله الإدارية وكذبه الديموقراطي ودينه وأخلاقه؛ ينبغي أن يكون المدافع المتفاني عن الثورة البروليتارية وبطل المجتمع الجديد، الذي لا يكل ولا يملّ.

أيها العمال، أيتها العاملات!

لا يوجد على الأرض سوى راية واحدة تستحق النضال والموت في ظلها، إنها راية الأممية الشيوعية.

الإمضاء:

روسيا: ن. لينين، ج. زينوفييف، ن. بوخارين، ل. تروتسكي.

ألمانيا: ب. ليفي، أ. ماير، ي. فالتشر، ر. فولفستين.

فرنسا: روزمير، جاك سادول، هنري غيلبو.

انكترا: توم كلش، غالاشر، أ. سيلفا، بانكيرست، ماس لين.

أمريكا (الولايات المتحدة): فلين، أ. فرانيا، أ. بيلان، ج. ريد.

إيطاليا: د.م. سيراتي، ن. بومباسي، غراسيادي، أ. بورديغا.

النروج: فرايز، شافلو، أ. مادسن.

السويد: ك. دالستروم، ساميلسون، فينبرغ.

الدانمارك: أو. جورجينس، م. نيلسون.

هولندا: فينكوب، جانسن، فان لوف.

بلجيكا: فان أوفرسترايتن.

اسبانيا: بيستانا.

سويسرا: هيرنزوغ، أ. هامبرت – دروز.

المجر: راكوفسكي، أ. رودينيانسكي، فارغا.

غاليسيا: لفيتسكي.

بولونيا: و. مارشلفسكي.

لاتفي: ستوتشكا، كراستين.

ليتوانيا: ميتزكفيتش – كابوسكا.

تشيكوسلوفاكيا: فانيك، غالا، زابوتوتسكي.

إستونيا: ر. فاكمان، ج. بوغلمان.

فنلندا: ا. راكيا، ليتونمياكي، ك. مانيير.

بلغاريا: كاباكتشيف، ماكسيموف، شابلين.

يوغوسلافيا: ميلكيتش.

جورجيا: م. تزاكيا.

أرمينيا: نازاريتيان.

تركيا: نيتشاد.

إيران: سلطان – زاده.

الهند: أتشاريا، شفيك.

الهند – الهولندية: مارنيغ.

الصين: لاوو – سيو – تشيو.

كوريا: باك دجينشون، هيم هولين.

(١) هذه بعض الأرقام الدقيقة: ألمانيا: ملكيات ريفية من 5 إلى 10 هكتارات، تستخدم عمالا مستأجرين – 652,798 (من أصل 5,736,082)، عمالا مأجورين – 487,764، عمالا متزوجين – 2,003,633. النمسا (تعداد عام 1910) – 383,351 ملكيات ريفية، منها 126,136 تستخدم شغيلة مستأجرين؛ عمالا مأجورين – 146,044، عمال متزوجون 1,265,969. يبلغ العدد الكلي للمزارع في النمسا 2,856,349.

(2) سيكون من المستحسن تشجيع إنشاء مزارع تديرها جماعات (الكومونات)

(3) بالأجنبية irrédentisme وتعريبها انضمامية وهي نظرية سياسية نادى بها الوطنيون الإيطاليون بعد عام 1870، غايتها ضم المناطق التي يسكنها أبناء جنسهم ولغتهم، والخاضعة لدول أجنبية (المُعرّبة)

(4) شخصية في المسرح الشكسبيري ترمز إلى اليهودي الجشع (المُعرّبة)

__________________

– الإشراف العام على التدقيق والمراجعة والتصحيح والتنضيد الإلكتروني منيف ملحم
– مراجعة فيكتوريوس بيان شمس بالتعاون مع صفحة التراث الأممي الثوري
– نقله إلى العربية لينا عاصي
– راجع الترجمة ودقّقها كميل قيصر داغر

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:
المؤتمرات العالمية الأربعة الأولى للأمميـــــــــــة الشيوعيــــــــــــــة (12)

Check out our other content

Check out other tags:

Most Popular Articles