الأثنين أبريل 22, 2024
الإثنين, أبريل 22, 2024

الحرب في روسيا اعتبارا من نهاية كانون الثاني

دول العالمالحرب في روسيا اعتبارا من نهاية كانون الثاني

صادر عن الرابطة الأممية للعمال في روسيا

  1. الحرب

نكرر، كما سبق وأن أوردنا، أن روسيا في حالة حرب.
الوضع الأساسي الذي تشهده البلاد اليوم هو وضع عسكري، بما فيه من انتصارات وهزائم.
القتال على الجبهة لم يتوقف بعد، والحرب لم تقد إلى أي مكان. الجيش الروسي يقتحم حاليا المناطق الأوكرانية المحصنة. على ما يبدو، فإنه سيستولي أخيرا على أفدييفكا بعد أشهر من الهجوم الشرس. بالطبع، لم تعد المنطقة إحدى ضواحي دونيتسك، بل محض خراب. ومع ذلك، فإن الجيش الأوكراني فاعل أيضا. أولا، لايزال يواصل الدفاع عن نفسه بنجاح، حتى في ظروف  التطويق النسبي في أجزاء على طول الجبهة، ورغم  الجليد والطين. 

ثانيا، فيما يتعلق بإطلاق الصواريخ الروسية على المدن الأوكرانية، فإن الدفاع الجوي الأوكراني بات يعترض عددا أكبر من الضربات، مقارنة بالعام الماضي. لكن لسوء الحظ، لا تزال هناك أضرار وخسائر جمّة، بسبب العدد الهائل من الصواريخ والطائرات بدون طيار. بيد أن الخبر السار هو أننا، على الأقل، لم نعد نسمع عن قدرة روسيا على تدمير البنية التحتية الحيوية في أوكرانيا، مثل شبكة الكهرباء.
كما شهدت ليلة رأس السنة إطلاق الصواريخ على وسط مدينة بيلغورود في روسيا. وتبين أن نظام الدفاع الجوي غير فاعل تماما، وكانت الملاجئ في المدينة مغلقة جزئيا. ونتيجة لذلك، فإن هذا الهجوم الصاروخي (وليس بطائرات بدون طيار!) على مركز إقليمي روسي، وما تبعه من دمار بعد إطلاق صافرات الإنذار، خلق انطباعا هز صورة روسيا باعتبارها دولة منيعة ومحمية. 

ثالثا، تستمر هجمات الطائرات بدون طيار الأوكرانية على منشآت تخزين الوقود، إذ باتت تحلق بالفعل حتى مدينة سانت بطرسبرغ، رغم أنها تبعد أكثر من 1000 كيلومتر عن الحدود الأوكرانية. وبالطبع، كان الحدث المهم هو إسقاط طائرات النبض الكهرومغناطيسي الروسية، وغيرها من عتاد، قبالة ساحل شبه جزيرة القرم. هذه الطائرات مهمة ومكلفة، وهناك عدد قليل منها في ترسانة البلاد.
أوكرانيا تشن بنجاح ضربات مؤلمة، سياسيا وعسكريا، ضد روسيا. ولا يبدو أن بإمكان الأخيرة أن تتباهى بشيء كهذا. باختصار، لا تزال الحرب مستمرة منذ عامين تقريبا. وبدلا من تثبيت استقرار النظام في روسيا، كما حدث بعد ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، جمدت العملية العسكرية كل شيء، ولم تعزز سوى جهاز الدولة القمعي. نهاية هذه الحرب لا تلوح في الأفق. وإن انتصار روسيا فيها بعيد المنال للغاية. وليس لدى بوتين ما يتباهى به قبل الانتخابات المقبلة.

  1. الاقتصاد

رغم توقعات الاقتصاديين البرجوازيين المناهضين لبوتين في بداية “العملية العسكرية الخاصة”، فإن روسيا لم تنهار بعد. وهذا يؤكد مجددا ضحالة الفهم السياسي لمعظم قادة المعارضة البرجوازية، ويبين تماما مدى إمكانية الثقة في أولئك الذين يطلقون تنبؤات وتصريحات صاخبة. لكن هذا لا يعني أن الحرب لم تؤثر على الاقتصاد. دعنا نلاحظ بعض الظواهر:
مبالغ مالية طائلة يتم إنفاقها على الجيش – ثلث ميزانية هذا العام. وهذا لا يشمل بنود الميزانية السرية التي لا نعرف حجمها، لكنها على الأغلب نفقات عسكرية أو نفقات لدعم الدكتاتورية داخل البلاد. المصانع العسكرية تعمل بكامل طاقتها، غارقة في خضم أوامر الحكومة العسكرية. كما يتم إنفاق مبالغ ضخمة لدفع أجور المقاولين (تتراوح هذا المبالغ من 1500 إلى عدة آلاف من الدولارات خلال شهر من الخدمة التعاقدية). الرواتب في المصانع العسكرية يتم دفعها في مواعيدها، ويحصل العمال على رواتب عالية (نحو 1500 دولار، وهو ما يعادل الضعف ونصف الضعف إلى ضعفي ما كان عليه الوضع قبل الحرب، مع مراعاة التضخم).
لكن، مثل هذا الضخ الهائل لأموال الدولة في الاقتصاد العسكري أدى إلى انخفاض القيمة والتضخم، مع ارتفاع أسعار بعض المنتجات بشكل حاد للغاية. على سبيل المثال، ارتفع سعر الدجاج (أحد اللحوم الأساسية الرخيصة) بعشرات النسب المئوية؛ البيض (مصدر رئيسي للبروتين لأولئك الذين لا يستطيعون شراء الدجاج) تضاعف تقريبا. حتى أن أسعار البيض كانت موضوع خطاب بوتين في مؤتمر صحفي أواخر العام الماضي، ثم في خطاب آخر في وقت سابق من هذا العام. بوتن قدم اعتذاره، ملقيا باللوم على الحكومة (تقليديا، الخطأ كله يقع على عاتق الموظفين)، ووعد بإصلاح كل شيء في غضون شهر. لقد كذب، فسعر البيض لم ينخفض، وبقي عند مستوى 130-150 روبل (حوالي دولار ونصف).
منذ بداية العام وحتى الآن تشهد المباني السكنية حوادث كارثية. عدد الحوادث ارتفع بشكل مفاجئ، لاسيما في موسكو وفي نوفوسيبيرسك وفي كافة أنحاء البلاد. أضف إلى ذلك أن موسكو تغيرت بشكل واضح هذا الشتاء – فلطالما كانت جيدة التنظيف ومستعدة تماما لفصل الشتاء، وتفتخر ببنية تحتية ممتازة تعادل أفضل المدن الكبرى في العالم. أكوام ثلجية هائلة تراكمت في المدينة، وصل ارتفاعها إلى طابقين في بعض الأماكن. الطرق يتم شقها من قبل السكان أنفسهم خلال الانجرافات الثلجية، وفي ذوبان الجليد – تتجمع البرك الموحلة على الطرق والأرصفة. ونتيجة لذلك، بات من المستحيل التحرك بشكل طبيعي في مدينة يسكنها الملايين. والسبب هو نقص عمال النظافة.
لماذا؟ وفقا لأحد هؤلاء العمال، أصبح من المربح أكثر بالنسبة لهم، ومعظمهم من العمال الضيوف، العمل كسعاة، وخاصة بعد التهديد بالغرامات، فقد تركوا العمل بشكل جماعي وأصبحوا سعاة. وقال آخرون إن العمال الضيوف بدأوا يفضلون الذهاب إلى المجر وألمانيا للعمل عوضا عن البقاء في روسيا في مواجهة الأجور المنخفضة (بسبب انخفاض الروبل)، والقمع ضد المهاجرين من قبل الوكالات الحكومية (على سبيل المثال، دائرة الهجرة الفيدرالية)، والتي تنظم مع الشرطة باستمرار عمليات فحص جماعي للوثائق، ثم تفتح القضايا الإدارية، وتتخذ قرارات الترحيل وفرض الغرامات، وبالطبع تهدد بإرسالهم إلى الحرب. موسكو لا تزال متسخة للشهر الثالث. وتتكرر حوادث وأعطال الطائرات والقطارات بشكل شبه يومي، بسبب نقص قطع الغيار نتيجة للعقوبات.

  1. مستوى وعي الجماهير والحركات السياسية

    حتى بحسب الاستطلاعات الرسمية فإن الأغلبية تريد السلام. لكن دون تحديد نوع السلام، ففي الوقت نفسه، وبحسب ذات الاستطلاعات، فإن الأغلبية لا تريد الهزيمة. لكن هذه الاستطلاعات غير محددة، وتجري تحت ظل الدكتاتورية. لذا، ينبغي تحليلها بشكل نقدي. على أي حال، لم نشهد مزاجا وتصرفات عدائية من جانب الجماهير. بل إن مجموعات المساعدات المقدمة إلى الجبهة تقلصت إلى حد ما، رغم عدم وجود إحصائيات لدينا.
    ربما لا أحد يملك مثل تلك الإحصائيات. لقد أصبحت الحرب الآن بمثابة الضجيج المروع الذي يدوي في الخلفية حتى اعتدنا عليه. فهي أكثر إزعاجاً وإيهاماً وإيلاماً من حرب الشيشان على سبيل المثال، ومع ذلك، فهي كضجيج يدوي في الخلفية. وفي ظل هذه الظروف، قرر النظام إجراء “انتخابات رئاسية” أخرى في شهر آذار. وبالتالي، فإن الحملات الانتخابية، التي تجري في ظل نظام دكتاتوري وفي خضم حرب فاشلة، قد وضعت الحرب في مركز الاهتمام.
    لذا، كان من الواضح أن النظام سيجري الانتخابات وفقاً لقواعده الخاصة، وكان من الواضح أيضا أن بوتين “سيفوز”، ولكن مع ذلك ظهرت مبادرات خجولة مناهضة للحرب. الأولى من قبل دونتسوفا، نائب من بلدة صغيرة، غير معروفة تماما في البلاد، لكنها وجدت الدعم، واكتسبت قناتها على التلغرام أكثر من 300 ألف مشترك في غضون أيام، وكانت المعارضة حريصة على إجراء مقابلة معها. لكن اللجنة الانتخابية رفضت تسجيلها، مستخدمة عذرا واهيا، وهو عدم كفاية الأوراق.
    والآن ظهر مرشح آخر مناهض للحرب ـ وهو ناديجدين، الليبرالي اليميني المعروف نسبيا. بالطبع، إنه ليس من طلائع المعارضة، بل هو من رجالات النظام (جدير بالذكر أنه أحد معارف كيرينكو، الليبرالي الذي عرف في أواخر التسعينيات حتى بداية الألفية، رئيس الوزراء السابق في عهد يلتسين، والمدير السابق لروزوم في 2010، واليوم يعد الرجل الثاني في الإدارة الرئاسية). رغم هذا، قررت العديد من شخصيات المعارضة دعم ترشيح ناديجدين، معتبرين أن هذا الإجراء فرصة لعرض آراء مناهضة للحرب داخل الديكتاتورية.
    حتى أنصار نافالني اتخذوا نفس الموقف. وقد تم التأكيد على أن هذا لا يشكل تأييدا لناديجدين، لأنه في نهاية المطاف رجل النظام، لكنه يعرض موقفه المناهض للحرب. وفي النصف الثاني من شهر كانون الثاني، تمكن فريق ناديجدين في جميع أنحاء البلاد من جمع ضعف عدد التوقيعات اللازمة للتسجيل كمرشح رئاسي (100 ألف).  وقدم مئات الأشخاص بيانات جوازات سفرهم للتسجيل.
    المعارض الديمقراطي البرجوازي القديم، يافلينسكي، انتقد هذه المقاربة، فهو يرى أنه لا جدوى من المشاركة في هذه الانتخابات، لأن المرشح المناهض للحرب سيحصل على عدد قليل جدا من الأصوات، وهذا سيعطي بوتين الفرصة لتبرير استمرار سياسته وحربه، إذ أن انخفاض عدد الأصوات للمرشح المناهض للحرب سيظهر أن الناس يؤيدون نهج بوتين في حل القضايا، ويؤيدون الحرب.
    ومن جهته يعد ناديجدين بدعم حركة قريبات المجندين، اللواتي يرغبن في إعادة رجالهن إلى الوطن. هذه الحركة صغيرة وتخضع لضغوط من السلطات، لكن احتجاجاتها لاتزال مستمرة. وللسبت الثالث أو الرابع، يقمن بوضع الزهور على قبر الجندي المجهول (مكان مهم بالنسبة للذاكرة الشعبية الجمعية، وأيضا مذبح لنظام ذو أيديولوجية مبنية على النصر في الحرب العالمية الثانية (الحرب الوطنية العظمى)، ويفعلن ذلك وهن يرتدين الأوشحة البيضاء، مشيرات إلى أن هذه هي الطريقة التي احتجت بها زوجات جنودهم خلال فترة الدكتاتورية الأرجنتينية (لا نعرف لماذا اتخذن هذا الرمز). وقد خلق هذا نقطة جذب دائمة للاحتجاجات المناهضة للحرب في ظل الدكتاتورية.
    أما الظاهرة الثالثة التي لا بد من ذكرها ومراقبتها فهي الأحداث التي شهدتها باشكورتوستان، حيث خرجت مسيرات حاشدة لدعم فيل ألسينوف، الناشط البيئي المحلي ضد شركة تعدين الذهب. وهو أيضا أحد القادة القوميين للباشكير (المنظمة الوطنية لاستقلال باشكورتوستان). وقد أُدين بتهمة التحريض على الكراهية الوطنية ضد العمال الضيوف وتم الحكم عليه بعقوبة قاسية. وقد خرج آلاف الأشخاص في هذه البلدة النائية والصغيرة إلى الشوارع أمام المحكمة لدعمه.  وتحول الاحتجاج إلى اشتباكات مع الشرطة. وتم اعتقال عدد من النشطاء.
    أحد النشطاء أطلق نداء إلى الجيش مفاده أن الوقت قد حان للعودة إلى وطنهم في باشكورتوستان لحماية الباشكير. كانت الاحتجاجات كبيرة وواضحة في مطالبها الوطنية والبيئية ذات الطابع الديمقراطي. لكن ليس من الواضح أيضا مدى مناهضتها للحرب، باستثناء النداء الوحيد الموجه إلى الجيش.
    وبعد أيام قليلة، نشرت الأخبار أنباء عن مظاهرات مناهضة للمهاجرين في ياقوتيا، عقب جريمة جنائية ارتكبها وافد جديد. وذكرت أن هناك مئات المتظاهرين في الشوارع.
    جدير بالذكر أيضا أن النظام حكم على خادمه، ضابط جهاز الأمن الفيدرالي، ستريلكوف – جيركين، الذي كان “وزير دفاع جمهورية دونيتسك الشعبية”، والذي شن الحرب في دونباس في عام 2014، بالسجن لمدة أربع سنوات. وبطبيعة الحال، لم يكن الحكم بسبب جرائم في أوكرانيا، بل بسبب انتقاد تنظيم الحملة العسكرية الروسية في 2022 – 2023.

ترجمة تامر خرمه
مراجعة فيكتوريوس بيان شمس

Check out our other content

Check out other tags:

Most Popular Articles