الأثنين أبريل 22, 2024
الإثنين, أبريل 22, 2024

أوروبا: التعبئة في فرنسا، والحرب في أوكرانيا، والركود الاقتصادي

دول العالمأوروبا: التعبئة في فرنسا، والحرب في أوكرانيا، والركود الاقتصادي

✍🏾 فيليب أليغريا، الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة

  هناك ثلاث قضايا رئيسية ترسم، في الواقع، ملامح الوضع الأوروبي حاليا، هي: حرب بوتين ضد أوكرانيا، والتعبئة الاجتماعية الواسعة في فرنسا، والركود الاقتصادي الذي تعيشه القارة، والمقترن  أيضا بارتفاع معدلات التضخم، والأزمة المصرفية (كريديت سويس وبنك دويتشه)، ما قد يؤدي إلى كساد عام.
في الحقيقة، لا يمكننا الحديث عن الوضع الأوروبي باعتباره حالة متجانسة، بل على العكس، أوروبا عبارة عن شبكة من البلدان ذات مواقع متباينة للغاية في التسلسل الهرمي للدول، وأوضاع اجتماعية وسياسية مختلفة تماما.
فيما يتعلق بالتعبئة الاجتماعية، فإن فرنسا وبريطانيا، اللتين شهدتا تعبئة عمالية واسعة، ليس لهما علاقة تذكر بأجواء “السلم الاجتماعي” في بقية القارة. إن موجة الإضرابات التي اندلعت في فرنسا وبريطانيا، منذ بضعة أشهر، كانت الأكبر في الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية. الطبقة العاملة البريطانية تكافح منذ الصيف الماضي لاستعادة القوة الشرائية لأجورها، التي التهمها التضخم، ودفاعا عن الخدمات العامة، التي تضررت بشدة على يد حكومات المحافظين. والقطاعات الطليعية في النضال هي عمال قطارات الأنفاق والنقل، وكذلك العاملون في قطاعي التعليم والصحة.
في فرنسا، أدى النضال ضد إصلاح نظام التقاعد، بعد أن أصدر ماكرون قانون الالتفاف على البرلمان الفرنسي نفسه (المادة 49.3)، إلى تحركات واسعة النطاق، والتي انعكست في اثني عشر يوما من النضال الوطني، بمشاركة مئات النشطاء في كافة أنحاء البلاد. وكانت طليعة هذا النضال هي عمال المصافي، والكهرباء، والسكك الحديدية، والصرف الصحي، بإضراباتها “المفتوحة” المستمرة.
عدم تجانس حالة التعبئة الاجتماعية في البلدين المشار إليها أعلاه لا يمكن تفسيره فقط بوجود أسباب “موضوعية”، بل قبل أي شيء، بإجراءات بيروقراطيات نقابات العمال الأوروبية الكبيرة، والتي تم دمجها بشكل شبه كامل في الجهاز النيوليبرالي للاتحاد الأوروبي وحكوماته، إذ تستخدم سياسة واعية لخنق النضالات في بلدانها، ومنع الاستجابات الموحدة على نطاق أوروبي. 

دور الاتحاد الأوروبي

لكن حالة اللاتجانس الأوروبي تأتي ضمن الإطار المشترك للجهاز المؤسسي شبه الحكومي لذلك الاتحاد، الذي يشمل معظم القارة، إذ يتألف من 27 دولة بالغة التنوع، وتهيمن عليها كل من ألمانيا وفرنسا، القوتان الإمبرياليتان السائدتان في الاتحاد الأوروبي، حيث تدار دوله على يد بيروقراطية رفيعة المستوى، غريبة عن إرادة الشعب الأوروبي، وكذلك عن معايير الديمقراطية الليبرالية ذاتها، التي يزعمون أنهم يمثلونها.
الاتحاد الأوروبي هو الأداة التي تجعل بواسطته ألمانيا وفرنسا الدول الأوروبية الأخرى تدور حول فلكهما. من جهة، جمعتا الدول الإمبريالية من الدرجة الثانية مثل إيطاليا أو إسبانيا أو بلجيكا، والتي يعتمد وزنها الدولي على دمجها في الاتحاد الأوروبي، ومن جهة أخرى، الدول التي تعد شبه مستعمرة، كدول أوروبا الشرقية منذ تأسيسها أو اليونان منذ أزمة الديون.
تحتاج ألمانيا وفرنسا إلى هذه الكتلة القارية من أجل الحفاظ على استقلال نسبي في مواجهة الولايات المتحدة والصين، وتجنب الانهيار في نزاعهما العالمي. وكذلك تستطيع كبرى الشركات الألمانية والفرنسية، من خلال الاتحاد الأوروبي، فرض خططها على الدول الأعضاء ككل (بتواطؤ الطبقات الحاكمة في كل منها). كان دور الاتحاد حاسما في تمكين حكومات الدول الأعضاء من فرض الإصلاحات المضادة الوحشية في أعقاب أزمة عام 2008، كما كان له دور فعال في دعم الدولة الإسبانية في هجومها على حركة الاستقلال الكاتالونية. 

تأثير الحرب في أوكرانيا 

 حرب العدوان القومي التي شنها بوتين على أوكرانيا أدت حتى الآن إلى تحقيق مكاسب جغرافية استراتيجية واضحة للولايات المتحدة على حساب ألمانيا وفرنسا. أولها كسر اتفاقية الطاقة بين ألمانيا وروسيا، أو بعبارة أخرى اتفاقية الغاز الروسي الرخيص، الذي طالما شكل أحد قواعد الهيمنة الاقتصادية لألمانيا في الاتحاد الأوروبي، وعزز دورها على نطاق عالمي. وهذا يصب أيضا في مصلحة مجموعات الطاقة في أمريكا الشمالية، التي أصبحت المورّد الرئيسي للغاز إلى أوروبا، حيث حددت سعراً أعلى بكثير مما هو عليه في السوق المحلية. وما زاد الطين بلة، أن قوانين الحماية ومكافحة التضخم الأمريكية قد دخلت أيضا حيز التنفيذ، الأمر الذي يلحق الضرر بشكل خطير باحتكارات طبقة الأقلية الأوروبية مقابل نظيراتها الأمريكية.
من النتائج الأساسية الأخرى للحرب في أوكرانيا تعزيز الناتو، أي الجيش الأمريكي وثقله السياسي في أوروبا. وهذا ما تؤكده الكلمات الأخيرة لرئيس الوزراء البولندي مورافيتسكي في واشنطن، حيث قدم بلاده على أنها الحامل الرئيسي للواء “أوروبا الجديدة” المتحالفة مع الولايات المتحدة دون قيد أو شرط: “أوروبا القديمة آمنت بإمكانية الاتفاق مع روسيا، وقد فشلت”. بولندا تعكس حالة بلد خاضع اقتصاديا لألمانيا، وحليف سياسي وعسكري للولايات المتحدة في ذات الوقت.
انهيار اتفاقية الطاقة بين برلين وموسكو، إلى جانب سياسات الحماية الأمريكية العدوانية، أدت إلى إضعاف ألمانيا كقوة عالمية، وإلى ظهور ردود فعل أحادية الجانب، كالخطة الألمانية الكلية لدعم الأعمال، والتي تعد غريبة عن خطط الاتحاد الأوروبي.
كما أن فرنسا، القوة الأوروبية العظمى الأخرى، تنحدر بشكل أكثر وضوحا. ليس اقتصادها فقط هو ما يضعف، بل يضعف دورها أيضا كقوة إمبريالية عالمية. إن ما يسمى بالفرانكفونية بدأ بالتفكك، فالانسحاب المهين الأخير للقوات الفرنسية من مالي، بعد الانسحاب من بوركينا فاسو وجمهورية إفريقيا الوسطى، هو تعبير واضح عن هذا، لاسيما وأن الصين تحتل نفس المساحة الاقتصادية، وروسيا تدخل المنطقة بمرتزقة فاغنر. إلى جانب كل هذا، تفاقمت الأزمة الهائلة لشرعية الجمهورية الخامسة (المتورطة في انجراف بونابارتي لا نهاية له، مع هجمات خطيرة على الحريات الديمقراطية وبرلمان مهمش)، إلى أقصى الحدود مع الصراع الحالي ضد إصلاح نظام المعاشات التقاعدية الذي أقره ماكرون.
ألمانيا وفرنسا، على الرغم من التزامهما بالإبقاء على تحالفهما والحفاظ على الاتحاد الأوروبي في مواجهة التحديات من الولايات المتحدة والصين، لا تزالان تحتفظان بفروق هامة: فألمانيا لا تشعر بالقلق إزاء المخاوف الفرنسية في أفريقيا ومستعمراتها في الخارج. وفي مجال الطاقة، مقابل ارتباط ألمانيا بالغاز، فإن فرنسا مرتبطة بالطاقة النووية. وبالمثل، فقد قررت ألمانيا، بعد كسر التقاليد التي تعود إلى هزيمة النازية، أن تصبح قوة عسكرية عظمى. وقد قررت فرنسا، التي تمتلك قوة نووية، والتي كانت القوة العسكرية الكبرى في الاتحاد الأوروبي حتى الآن، وفي خضم المعركة حول إصلاح قانون التقاعد، أعادت إطلاق برنامج تسليحها مع زيادة ملحوظة في الإنفاق العسكري (413 مليار يورو على مدى ست سنوات) لتغذية صناعتها العسكرية القوية، والحفاظ على تفوقها في هذا المجال.
تسعى كلتا القوتين، في مواجهة الهجوم الأمريكي العدواني ضد الصين، إلى الحفاظ على علاقة “مستقلة” تبقي على علاقاتهما التجارية واستثماراتهما الكبيرة في الصين، والتي تعتبر حاسمة بالنسبة لاقتصاداتهما. خلال زيارته الأخيرة لبكين، أعلن ماكرون، بالإضافة إلى الدفاع عن “الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية” وتوقيع العقود المربحة، أن: “كونك حليفا [للولايات المتحدة] لا يعني أن تكون تابعا” وأن الأوروبيين يجب ألا “يكونوا أتباعا”  أو يحاولون “التكيف مع الإيقاع الأمريكي [في تايوان].” وقبل بضعة أشهر، كان شولز، برفقة خبير الصناعة الألمانية، هو من زار شي جين بينغ، ورتب الاستثمارات، وتعهد بتعميق العلاقات الاقتصادية. 

أين “القيم الأوروبية” المزعومة؟ 

  “القيم الأوروبية” التي يتم التبجح بها (الحقوق الديمقراطية ودولة الرفاه)، والتي يروج لها الاتحاد الأوروبي لا تزال وعودا فارغة. هذا ما نراه في إحدى دول الاتحاد الأساسية، فرنسا، عبر تصرفات ماكرون ضد أحد أركان دولة الرفاه كالمعاشات التقاعدية، وفي الهجمات على الحق في الإضراب، وكذلك القمع الوحشي ضد المشاركين في الاحتجاجات.. الإجراءات البونابرتية لمؤسسات الجمهورية الفرنسية الخامسة بشأن إصلاح المعاشات كشفت دجل الاتحاد الأوروبي وحكوماته التي تتباهى للعالم بكونها نموذجا لـ “سيادة القانون”.
الاتحاد الأوروبي، بطل “السلام”، وافق على إقرار صندوق أوروبي ضخم لدعم التزامات التسلح لكل من ألمانيا وفرنسا، وبعدهما الدول الأعضاء الأخرى.
كما أن هذا الاتحاد الأوروبي هو نفسه ما أضفى الشرعية على حكومة ميلوني الإيطالية اليمينية المتطرفة، وسياستها العنصرية والمعادية للأجانب المتعلقة بالهجرة. إنها تتناسب تماما مع سياسة الهجرة العامة للاتحاد الأوروبي و”عمليات الترحيل السريع” التي كانت السبب في وفاة آلاف المهاجرين في البحر الأبيض المتوسط (وفي طريقهم إلى جزر الكناري). غالبا ما يضطر هؤلاء المهاجرون إلى مغادرة أوطانهم  بسبب الحروب والجوع والبؤس المتفاقم الناجم عن النهب الذي تعرضت له بلدانهم على يد شركات البلدان الإمبريالية الأوروبية.
الاتحاد الأوروبي وافق على إنهاء “المرونة المالية” اعتبارا من عام 2024، والتي كان قد وافق عليها إثر الوضع الاقتصادي الناتج عن الحرب في أوكرانيا، وسيقوم بعد ذلك باستئناف “سياسات تعديل محدثة”. وهو ما حدث خلال أزمة الديون التي أعقبت عام 2008، ما سيكون له تأثير شديد بشكل خاص على بلدان الأطراف، الأكثر خضوعا للمديونية، والتي تعتمد على البنك المركزي الأوروبي، الذي ستضطر حكوماته إلى تبني سياسات تقشف قاسية.
تراجع فرنسا وألمانيا أدى إلى إضعاف دورهما باعتبارهما “العمود الفقري” الذي ينبغي أن يضبط بقية دول الاتحاد الأوروبي. نرى هذا في التناقضات بين الحكومات فيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، أو العلاقة مع روسيا، أو الولايات المتحدة، أو الصين. مشكلة الهجرة هي أيضا محط نزاع داخلي خطير، حيث تحاول دول البحر المتوسط عبثا “تبادل” المشكلة مع الاتحاد الأوروبي ككل. وسياسة الطاقة كذلك مصدر خلاف بين ألمانيا وأقرب حلفائها. إن تسارع الأزمة لن يؤدي إلا إلى تفاقم هذه التناقضات.

أين نحن؟

  الطبقتين العاملتين الفرنسية والبريطانية هما طليعة الصراع الطبقي في أوروبا، إلى جانب الشعب الأوكراني الذي قاوم ببسالة على مدى أكثر من 14 شهرا من حرب بوتين العدوانية، بالدفاعات الإقليمية التي شكلها وقادها العمال.
رغم أن التضامن الأوروبي الفاعل اقتصر على بلجيكيا، إلا أن التعبئة ضد إصلاح نظام التقاعد في فرنسا غيرت مناخ القارة. وقد انعكس هذا في الإضراب الألماني الكبير يوم 27 آذار، وفي التعاطف العام الذي أثاره هذا النضال في أوساط الطبقة العاملة في كافة أنحاء أوروبا. في بريطانيا هناك ملصقات في الشوارع تدعو الناس إلى أن يفعلوا كما فعل الفرنسيون، أو أن “يكونوا أكثر فرنسية”.
لكن في ذات الوقت، هناك حقيقة أنه بعد الموافقة على القانون دخل نضال الطبقة العاملة الفرنسية ضد إصلاح نظام التقاعد في حالة تقلب، وذلك باقتراب الإضرابات المفتوحة للقطاعات الطليعية من نهايتها، بسبب عزلتها وعدم وجود أموال كافية لمواصلة الإضراب. لقد تركت استراتيجية قيادات التحالف النقابي الطبقة العاملة منهكة في الوقت الحالي، ودون وسيلة لتنسيق الجناح اليساري للنقابات العمالية (القطاعات المحلية والرتبية)، كما أنها لم تخلق خطوات يمكن للحركة اتباعها من أجل التنظيم الذاتي (أي إنشاء هيئات تمثيلية مباشرة وإتاحة تنسيقها الديمقراطي) بما يسمح بمواجهة بيروقراطيات نقابات العمال. على أي حال، بات انتقاد استراتيجية القيادات النقابية منتشراً بالفعل بين شرائح واسعة من العمال.
الطبقة العاملة الفرنسية لا تواجه الهزيمة في الوضع الحالي. ماكرون بات معزولا وأصيب بجروح سياسية خطيرة. لا هو ولا وزراؤه يستطيعون الذهاب إلى أي مكان دون التعرض لصيحات استهجان شديدة، كما أن نفوذهم شرع بالتراجع. يعتقد العديد من النشطاء أنه لا بد من العودة إلى النضال في وقت لاحق من أجل قلب القانون. سنرى أيضا ما سيحدث للنضالات في قطاعات أخرى، ولا سيما النضال من أجل الحصول على عقود عادلة إثر تآكل قوة العمال الشرائية. 

بعض الدروس الفرنسية 

 كان للتعبئة الفرنسية الكبيرة نقاط ضعف هامة، أتاحت لماكرون تمرير القانون والمضي في تطبيقه رغم عدم وجود أغلبية للموافقة عليه في البرلمان. أول نقطة ضعف أساسية تتعلق باستراتيجية البيروقراطيات النقابية، والتي أدت إلى الهزيمة في مواجهة راديكالية السلطة. وقد تمثلت هذه الاستراتيجية في الدعوة إلى تعاقب غير محدد لأيام النضال، معزولة زمنيا عن بعضها البعض، دون شلّ البلاد اقتصاديا. كما عمدت إلى استمرار الإضرابات حتى استنفدت القطاعات الأكثر تقدما قواها، وتعب الناس من حضور المظاهرات بشكل جماعي.
إضافة إلى ذلك، تم الإبقاء على التحشيد  كمجرّد ضغط ناعم على مؤسسات الجمهورية الخامسة. لم يتم السعي إلى إضراب عام حتى سحب مشروع القانون، ولا المطالبة باستقالة ماكرون وحكومته وشجب طابع النظام المناهض للديمقراطية باسم إرادة الشعب الفرنسي. عوضا عن ذلك، قسم اليسار الرسمي المهام عبر بيروقراطيات النقابات العمالية، وكيّف نفسه تماما مع استراتيجيتها. علاوة على ذلك، فقد حاول الاستفادة من السخط الشعبي لجذب الأصوات مستقبلا، ولكن في إطار الخضوع للقنوات المناهضة للديمقراطية في الجمهورية الخامسة. غير أن المعركة من أجل المعاشات التقاعدية بينت أنه من أجل هزيمة إصلاحات ماكرون لا بد من وضع حد له، واتخاذ موقف ضد الجمهورية الخامسة، انطلاقا من منظور ديمقراطي وطبقي ضد ماكرون وضد يمين لوبان المتطرف.
كما لم يشرع الحراك في تنظيم دفاع ذاتي في مظاهراته ردا على وحشية الشرطة الشديدة.
ومن المظاهر الأخرى المتعلقة بهذا الوضع غياب التضامن الأممي، الذي يعد عاملا في غاية الأهمية للي ذراع ماكرون. إن بيروقراطيات النقابات العمالية الأوروبية تقف ضد محاولة تنظيم التضامن الأممي. علاوة على ذلك، فإنها تعارض تأجيج النضال الموحد من أجل أهداف مشتركة على مستوى الاتحاد الأوروبي، رغم أن هذا الاتحاد منخرط بشكل مباشر في الهجمة على المعاشات التقاعدية، بل وعلى حقوق العمال والخدمات العامة. لذا، فإن التضامن الأممي والنضال الموحد ضروريان للحركة العمالية الأوروبية. تاريخيا، وقع الإضراب الوحيد لعموم أوروبا في 14 تشرين الثاني 2012، بمشاركة عمال من إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، وكانت هناك تعبئة في فرنسا واليونان، وكذلك بعض أجزاء بلجيكا.
النضال ضد إصلاح نظام التقاعد اقترن أيضا بالتعبئة التي دعت إليها حركة انتفاضة الأرض من أجل مسألة المياه في سانت سولين (بواتو). كانت هذه التعبئة أيضا صرخة في وجه إصلاحات ماكرون. قد نكون أمام أكبر تحشيد لحماية البيئة في القارة، عدة آلاف من المشاركين يواجهون قمعا بوليسيا وحشيا (أصيب أكثر من 200 شخص، واثنان في غيبوبة).  لقد سلط هذا النضال الضوء على الأهمية الكبرى لمكافحة الاحتباس الحراري والدفاع عن البيئة. علاوة على ذلك، فإنه يظهر الحاجة الملحة لأن تلعب الطبقة العاملة دورا قياديا في النضال البيئي، فضلا عن الحاجة الملحة للتنسيق الجماعي على المستوى الأوروبي. 

التضامن مع الشعب الأوكراني 

 حاليا، بعد أن ضغطت الحكومات الأوروبية على حكومة زيلينسكي للتفاوض وفق مبدأ “السلام مقابل الأرض”، والاستعداد لاستعمار أوكرانيا من قبل الاتحاد الأوروبي، من المهم للغاية مواصلة وتوسيع نطاق التضامن مع الشعب الأوكراني، ولاسيما العمال الذين هم في طليعة النضال دفاعاً عن أقاليمهم.
بذريعة الحرب، شرعت الحكومات الأوروبية بقيادة ألمانيا وفرنسا في سباق تسلّح جامح لا علاقة له بالدعم العسكري لأوكرانيا. في الواقع، لم تتلق أوكرانيا الأسلحة التي طلبتها، وتلك التي وصلت، كانت متأخرة وقليلة وقديمة. في ذات الوقت، تواصل الحكومات الأوروبية تحديث وتوسيع ترساناتها الخاصة.
لذا، في الوقت الذي نطالب فيه الحكومات الإمبريالية بتسليم أوكرانيا ما تحتاجه من سلاح، فإننا نحارب سباق التسلّح الذي تقوم به على حساب احتياجات الشعب. إننا نطالب بحل الناتو والكتل العسكرية، وهو أمر في غاية الأهمية، لاسيما وأن الولايات المتحدة تراهن بالفعل على اندماج أوكرانيا في الناتو.
لا بد من مواصلة في التضامن الفاعل والمباشر مع قطاعات الحركة العمالية الأوكرانية. إنها الطليعة التي تعاني أيضا من هجوم زيلينسكي على حقوق العمال. إن التضامن الحقيقي هو التضامن مع الطبقة العاملة نفسها.
نرفض عقد أي أمل زائف على أن السلام والازدهار يمكن تحقيقهما في أوكرانيا على يد حكومات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، التي تتطلع شركاتها للاستيلاء تماما على موارد وإرث أوكرانيا بمجرد توقيع الهدنة مع روسيا. 

إننا مع المهاجرين وحقوقهم 

  الخطط المناهضة للمهاجرين التي وضعتها حكومة ميلوني اليمينية المتطرفة في إيطاليا تعد مثالا واضحا على حجم مشكلة الهجرة في أوروبا بشكل عام. كما أن وحشية الحكومة اليونانية وإجرامية خفر السواحل، ودراما أسوار مليلية للحكومة الإسبانية “التقدمية”، وكراهية الأجانب المسعورة للحكومة الدنماركية، كلها تعبيرات عن نفس السياسة الرجعية، التي تم اعتمادها ورعايتها من قبل الاتحاد الأوروبي.
في ذات الوقت، تعاقدت الحكومة الإيطالية، شأنها شأن الحكومات الأخرى كالإسبانية والفرنسية، بل والاتحاد الأوروبي نفسه، سرا، مع الحكومات الاستبدادية (أو المافيات من أمثال خفر السواحل الليبي) لاضطهاد المهاجرين في البلدان العابرة أو بلدانهم الأصلية، وإخضاعهم لظروف بالغة القسوة. لذا، لا بد من التنديد بقوانين الهجرة، ووضع حد لها، والمطالبة بإضفاء الشرعية على المهاجرين غير المسجلين، بحيث يتقاسموا الحقوق مع المواطنين بشكل متساوي.

 رفع راية الأممية وبناء أممية ثورية 

 ما تخلفنا عن فعله في أوروبا أكثر من أي شيء آخر هو الرد الأممي على الاتحاد الأوروبي، الذي يعمل بكفاءة عالية على توحيد هجمات رأس المال ضد الطبقة العاملة في القارة. كل اليسار الرسمي، بما فيه “اليسار التقدمي الجديد”، يخضع لسيطرة الاتحاد الأوروبي، ولن يفعل شيء ضد معاهداته النيوليبرالية، والمبادئ المعادية للطبقة العاملة.
في خضم صيرورات التعبئة الملموسة، والمعركة من أجل التضامن الأممي الفعال، يتعين علينا استعادة التقليد الثوري، ورفع علم أوروبا الأخرى، أي أوروبا العمال والشعوب، والولايات الاشتراكية الموحدة في أوروبا، والتي لن نتمكن من تشييدها إلا على أنقاض أوروبا الرأسمالية المعروفة باسم الاتحاد الأوروبي.
انطلاقا من هذا المنظور للمعارك الحالية، علينا اتخاذ خطوات لبناء أحزاب ثورية في كل بلد، وأممية ثورية، وإننا في الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة منخرطون في هذه المعركة.

ترجمة تامر خرمه
مراجعة فيكتوريوس بيان شمس

Check out our other content

Check out other tags:

Most Popular Articles