Home نظرية تاريخ الثورة الروسية.. خمسة أيام: من 23 إلى 27 فبراير (شباط) 1917

تاريخ الثورة الروسية.. خمسة أيام: من 23 إلى 27 فبراير (شباط) 1917

كان يوم 23 فبراير (شباط) “يوم المرأة العالمي” وكانت دوائر الحزب الاشتراكي – الديموقراطي ترسم خططها ليكون لهذا الموسم دلالته بالوسائل الشائعة: المؤتمرات، والخطب، والمنشورات. وفي مساء هذا اليوم لم يكن يخطر على بال أحد أن يكون “يوم المرأة” فاتحة للثورة؛ وذلك لأن أي تنظيم من التنظيمات لم يوجه الدعوة إلى الإضراب في هذا اليوم. وفضلاً عن هذا فقد نصحت لجنة دائرة فيبورغ العمالية بعدم القيام بأي إضراب، رغم أنها تنظيم من أكثر التنظيمات البلشفية كفاحًا ونضالاً. وكانت حالة الجماهير الفكرية متوترة جدًا بحسب شهادة كييوروف، أحد القادة العماليين في دائرة فيبورغ. وكان كل إضراب يهدد بالتحول إلى صدام مكشوف بين العمال والسلطات. ولكن نظرًا لأن هذه اللجنة كانت تقدر أن لحظة الصدام لم تحن بعد -لأن الحزب ليس قويًا حتى الآن، كما أن الالتحام بين العمال والجنود غير كافٍ- فقد قررت أن لا تدعو إلى الإضراب، وأن تستعد للعمل الثوري في تاريخ غير محدد. هذا هو خط السلوك الذي دعت لجنة فيبورغ إلى اتباعه في مساء 23، ويبدو أن جميع التنظيمات تبنته وأقرته. ولكن في صباح اليوم التالي، رغم كافة التوجيهات الصادرة عن اللجنة امتنعت عاملات النسيج عن العمل في عدة مصانع، وأرسلن مندوبات عنهن إلى عمال المعادن يطلبوهم دعم الإضراب. وقد كتب كييوروف عن هذه الفترة يقول: بأن البلاشفة ساروا “على كُره منهم”، وتبعهم العمال المناشفة، والاشتراكيون – الثوريون. ولكن عندما يقع إضراب جماهيري، لا بُدَّ من جر كل الناس إلى الاشتراك به، ودفعهم للنزول إلى الشارع، وذلك من أجل أن يتزعم البلاشفة الحركة. هذا هو القرار الذي اقترحه كييوروف بعد حدوث إضراب العاملات. ووجدت لجنة فيبورغ نفسها مضطرة للموافقة عليه. ويستطرد كييوروف قائلاً: “كانت فكرة التظاهر تنضج منذ وقت طويل في أوساط العمال، ولكن في هذه اللحظة لم يكن أحد قد توصل إلى تصور ما سينتج عنها”. هذه هي الشهادة التي أدَّلى بها أحد المشتركين الهامين جدًا. ويجب علينا أن نمعن النظر فيها لكي نفهم آليَّة الأحداث القادمة.

وكان الجميع يعتقدون مسبقًا أن القطعات العسكرية ستخرج حتمًا من الثكنات عند وقوع المظاهرات، وستتصدى للعمال. فما الذي حدث؟ نحن في حالة حرب، والسلطات غير مستعدة للمزاح. وليس الجندي “الاحتياطي” في تلك الأيام هو الجندي الذي عرفناه في الماضي في ملاكات “الجيش العامل”؛ إذ لم يكن جنديًّا مخيفًا حقًا! وكانت الدوائر الثورية تُمعن النظر وتُفكر في هذا الموضوع الحساس وتُحاكمه، ولكن محاكماتها كانت تجريديَّة، لأنه لم يكن أحد ليفكر -وبوسعنا أن نؤكد ذلك بصورة قاطعة استنادًا إلى كل الوثائق الملتقطة- أن يوم 23 فبراير (شباط) سيكون بداية هجوم حاسم ضد الحكم المطلق المستبد. فلم تكن المسألة سوى مظاهرة محدودة جدًا ما زالت أبعادها غير واضحة.

ونتيجة لهذا كله فقد أصبح بحكم المقرر أن القواعد التي تغلبت على معارضة تنظيماتها الثورية الخاصة هي التي شنت ثورة فبراير (شباط) وأن شريحة البروليتاريا المستغلة والمضطهدة أكثر من غيرها من الشرائح هي التي اتخذت المبادرة الثورية بصورة عفوية -عاملات النسيج، اللواتي يوجد بينهن عدد لا بأس به من زوجات الجنود- وقد جاء الزخم الأخير ولا شك نتيجة لوقفات الانتظار التي لا تنتهي أمام أبواب المخابز. وكان عدد المشتركين في الإضراب خلال هذا اليوم، من نساء ورجال، حوالي 90.000 شخص. وترجمت التدابير النضالية إلى مظاهرات، واجتماعات، ومعارك مع الشرطة. وتطورت الحركة بادئ الأمر في دائرة فيبورغ؛ حيث تتمركز المشروعات الضخمة، ثم شملت فيما بعد الضاحية المسماة “بطرسبورغ”. أما في الأجزاء الأخرى من المدينة، فلم تقع إضرابات أو مظاهرات، طِبقًا لتقارير إدارة الأمن. وقد دعمت قوات الشرطة في هذا اليوم بمفارز صغيرة العدد ظاهريًّا انتُدبت من القطعات العسكرية، ولكن لم تقع أية صدامات. وتوجهت مجموعة من النساء، لم تكن كلها من العاملات إلى دوما البلدية للمطالبة بتوفير الخبز، ولكنها كانت كمن يطلب الحليب من تيس. وظهرت الأعلام الحمراء في أحياء متفرقة تحمل لافتات تقول بأن العمال يطالبون بالخبز، ويرفضون الحكم المستبد، كما أنهم لا يريدون الحرب. وقد نجح “يوم المرأة” وكان حافلاً بالحيوية، ولم تقع فيه أية ضحايا. ولكن أحدًا لم يكن ليستطيع أن يقدر ما سيحمله مساء هذا اليوم من أحداث.

وفي اليوم التالي، اشتدت حركة الإضراب وأصبحت أكثر هديرًا؛ ففي يوم 24 فبراير (شباط) أضرب نصف العمال الصناعيين تقريبًا في بتروغراد. ففي الصباح وصل العمال إلى مصانعهم، وبدلاً من أن يبدءوا بالعمل، عقدوا الاجتماعات، ثم توجهوا إلى مركز المدينة؛ حيث انجرَّت إلى الحركة بعض الأحياء، ومجموعات جديدة من السكان. واستبعد شعار “الخبز!” أو غُطِّي بصيغ أخرى: “فليسقط الاستبداد!” و”لتسقط الحرب!”. ولم تنقطع المظاهرات في شارع نييفسكي: فقد كانت هناك جماهير غفيرة من العمال تُنشد الأناشيد الثورية. كما كانت هناك مجموعات مختلفة من سكان المدينة، وجماهير من الطلبة الذين يرتدون القبعات الزرقاء. “وكان الجمهور الذي يتنزه يُعرب عن تعاطفه مع المتظاهرين، كما كان الجنود يحيون المظاهرات من نوافذ المستشفيات العديدة، ويقذفون في الهواء كل ما يقع تحت أيديهم”. فهل كان عدد الذين فهموا أبعاد هذه الحركات التعاطفية للجنود المرضى إزاء المتظاهرين كبيرًا؟ ومع كل هذا، كان القوزاق يهاجمون الجماهير، ولكن بدون شراسة. وكانت خيولهم مغطاة بالزبد. وكان المتظاهرون يتدافعون هنا وهناك نتيجة لهجوم القوزاق، ثم يعيدون تشكيل أنفسهم بشكل مجموعات منضمة. ولم يكن هناك خوف وسط الجحافل الغفيرة. وسرت إشاعة من فم إلى آخر تقول: “لقد تعهد القوزاق بأن لا يطلقوا النيران”. وكان من الواضح أن العمال نجحوا في التفاهم مع عدد من القوزاق. ومع هذا فقد ظهرت بعض وحدات الخيالة، وكان رجالها نصف سكارى. وأخذ بعض هؤلاء الرجال يوجهون الشتائم للمتظاهرين، ثم خرقوا بعد ذلك صفوف الجماهير وأخذوا يضربون رءوسهم بالحراب. ولكن المتظاهرين صمدوا بكل قواهم ولم يتقهقروا. وسَرَت بين الجماهير الإشاعة التي تقول: “إنهم لن يطلقوا الرصاص”. ولم يطلق القوزاق الرصاص في هذا اليوم.

وقد لاحظ أحد النواب الليبراليين وجود بعض حافلات الترام معطلة في الشوارع (ولكن ألم تتوقف حافلات الترام في اليوم التالي؟) وبعضها الآخر قد تكسَّر زجاجها، في حين توقف البعض الآخر على طول السكك، لاحظ النائب الليبرالي ذلك فأعاد للأذهان ذكرى أيام يوليو (تموز) 1914، وخاصة ذكرى أمسية إعلان الحرب، وقال: “إن المرء ليعتقد أنه يرى المحاولة السابقة تتجدد”. وكانت رؤية هذا النائب صائبة تمامًا؛ إذ كان هناك بالتأكيد صلة تربط الحاضر بالماضي وتجعل ذلك الماضي مستمرًا، فقد جمع التاريخ أطراف الخيط الثوري الممتد من الماضي إلى الحاضر، ذلك الخيط الذي قطعته الحرب، وأعادت ربطه من جديد.

ولم تفعل الجماهير الشعبية شيئًا طيلة هذا اليوم، سوى التحرك من حي إلى حي؛ إذ كانت الشرطة تطاردها بعنف، وتردها الخيالة مع بعض مفارز المشاة وتحتويها. وكانت الجماهير تصيح: “فلتسقط الشرطة!”، ثم تطلق بعد ذلك هتافات التهليل والترحيب بالقوزاق مرارًا وبمزيد من الإصرار. وكان هذا العمل ذا معنى، فقد كانت الجماهير تُضمر حقدًا شرسًا لأفراد الشرطة. وكانت تستقبل خيَّالة الشرطة بالصفير، وبالأحجار وبقطع الجليد. وكان احتكاك العمال بالجنود مختلفًا تمام الاختلاف. فقد كان العمال والعاملات يتجمعون حول الثكنات، وعلى مقربة من الحراس، والدوريات، وأمام صفوف السدود، ويتبادلون الأحاديث الودِّية مع أفراد الجيش. كانت هذه المرحلة مرحلة جديدة تعزي إلى امتداد الإضراب وإلى التقاء العمال بأفراد الجيش. وهذه المرحلة حتميَّة في كل ثورة، ولكن يبدو أنها لم تكتب ولم تنشر، وتبرز في كل مرة مرتدية طابعًا جديدًا، فالذين قرءوا أو كتبوا في هذا الموضوع لا يعون الحدث عندما يقع.

في هذا اليوم كان النواب يقصون، في مجلس الدوما الإمبراطوري قصة تقول: إن جموعًا غفيرة من الشعب كانت تغطي كل ميدان زنامنسكايا، وشارع نييفسكي وكل الشوارع المجاورة، وكانوا يتحدثون أيضًا عن وجود ظاهرة غير عادية؛ فقد كانت الجماهير الثورية، تحيي القوزاق والأفواج التي كانت تسير على أنغام الموسيقى العسكرية. ولما سأل أحد النواب عما تعني هذه الظاهرة أجابه أحد المارة -وكان أول مواطن مر في تلك اللحظة- “لقد ضرب أحد أفراد الشرطة امرأة بسوطه الجلدي فتدخل جنود القوزاق وطردوا الشرطة”. ومن الممكن أن لا تكون الأمور قد حدثت على هذا الشكل، ولكن أحدًا لا يستطيع التحقق من ذلك. وكانت الجماهير تعتقد أن هذا هو ما حدث بالفعل، وأن حدوثه لا يتسم بأية غرابة. ولم يسقط هذا الاعتقاد من السماء، ولكنه أتى من تجربة سابقة، كانت فيما بعد ضمانة الانتصار.

وتجمهر عمال مصنع إيريكسون -الذي يعتبر من أحدث مصانع دائرة فيبورغ- وتجمعوا منذ الصباح، بشكل جمهرة تعدادها 2500 رجل، ثم تقدم هؤلاء العمال في شارع سامبسونيفسكي، فالتقوا بالقوزاق، فدفع ضباط القوزاق خيولهم، وشقوا طريقًا وسط الجمهرة. وعلى عرض الطريق كله، كان القوزاق يخبون بخيولهم. وكانت لحظة حاسمة! ولكن الخيالة مرت بحذر، وبرتل طويل، في الممر الذي فتحه ضُباطها. وقد كتب كييوروف يصف هذا المنظر قائلاً: “كان بعض الجنود يبتسم، وغمز أحدهم بعينه للعمال كرفيق”. كانت غمزة العين هذه تعني أمرًا ما! ونتيجة لذلك فقد أظهر العمال للقوزاق روحًا ودية ليس فيها أي عداء. وبهذا نقل العمال إلى القوزاق عدوى الثورة بصورة خفيفة. فالجندي الذي غمز بعينه، قلده رفاقه. وبرغم المحاولات الجديدة للضباط، لم يطرد جنود القوزاق الجمهرة بإصرار وإلحاح ومروا فقط وسطها دون أن يخالفوا الانضباط بصورة مكشوفة. حدث هذا ثلاث أو أربع مرات؛ حيث وجد الطرفان المتقابلان بعد ذلك أنهما توصلا إلى شيء من التقارب. وبدأ القوزاق يردون بصورة فردية على أسئلة العمال، وتمت أحاديث قصيرة بينهم. ولم يبق من الانضباط إلا أضعف مظاهره، وأدقها، مع خطر تمزق وشيك الوقوع. واندفع الضباط لإبعاد قطعاتهم عن هذه الجموع وقاموا بترتيب تلك القطعات بشكل حاجز يمنع اجتياز الشارع ويحول بين المتظاهرين وبين الوصول إلى المركز، ولقد عمد الضباط إلى ذلك بعد أن امتنع جنودهم عن تفريق العمال، ولكن جهدهم كان ضائعًا. ومع كل هذا يجابه القوزاق الذين كانوا يتمركزون للحراسة بكل شرف “الغطسات” التي قام بها العمال بين سيقان الخيول. إن الثورة لا تختار سُبُلها بمحض إرادتها. فقد عبرت طريقها تحت بطن حصان أحد القوزاق قبل مسيرتها إلى النصر. إنها لفترة رائعة! حتى أن اللمحة التي أعطاها الراوِية الذي حدد كل هذه التحولات رائعة أيضًا. وليس هناك ما يدهش في روايته. فالرواية كان زعيمًا من زعماء هذه الثورة، وكان يسير في ميادين الثورة ومن خلفه 2000 رجل. وإنه من الطبيعي أن نقول إن عين الزعيم الذي يحترس من ضربات الأسواط الجلدية أو رصاصات العدو عين حادة.

ويبدو أن تحول الرأي في الجيش لصالح الثورة قد برز في صفوف القوزاق أولاً، مع أنهم كانوا أول أدوات القمع والحملات التأديبية. ورغم كل هذا فإن ذلك لا يعني أن القوزاق كانوا ثوريين أكثر من غيرهم. فعلى العكس، كان هؤلاء الملاكين الموسرين الذين يمتطون خيولهم الخاصة، ويغارون على ميزان طبقتهم وخصائصها ومكتسباتها، ويعاملون الفلاحين البسطاء بنوع من الازدراء، ويحذرون من العمال، كان هؤلاء القوزاق مشبعين بالروح المحافظة. ولهذا فإن التغيرات التي أحدثتها الحرب كانت أبرز لديهم من غيرهم. وبالإضافة إلى هذا، ألم يكونوا هم الذين يُرسلون في كل الاتجاهات ويُعينون للقيام بالحملات التأديبية بصورة دائمة، ويُزج بهم أمام تيار الشعب، ويُستثار غضبهم؟ ألم يكونوا هم أول من تعرض لاختبار الحرب وتجربتها؟ لقد سئموا هذا الوضع، وأرادوا العودة إلى بيوتهم، ولهذا غمزوا بأعينهم للعمال، وكأنهم يقولون لهم: “افعلوا ما يحلوا لكم إذا كنتم قادرين على ذلك؛ إذ أننا لن نضايقكم”. ومع كل هذا، لم تكن هذه الحركات سوى أعراض مؤقتة، ولكنها أعراض كثيرة الدلالة، بَيْد أن الجيش ما زال مرتبطًا بالانضباط. وما زالت خيوطه القيادية بين يدي الحكم الملكي. والكتل العمالية محرومة من السلاح. ولا يفكر قادة هذه الكتل حتى الآن بإنهاء الأزمة وحسمها.

وفي هذا اليوم، كان جدول أعمال مجلس الوزراء يتضمن فيما يتضمن من الأعمال مسألة الاضطرابات في العاصمة، فما هو موقف الحكومة من الإضراب وما هو موقفها من المظاهرات؟ لقد بحث مجلس الوزراء مسائل أخرى… كل شيء كان متوقعًا، وقد أعطِيت الأوامر لمواجهة كل شيء. وانتقل المجلس بكل بساطة إلى تسيير الأمور العادية.

فما هي الأوامر التي أعطِيت؟ ومع أن 28 شرطيًّا أصيبوا بضربات على رءوسهم في يومي 23، 24 -وهو إحصاء دقيق مذهل- فإن الجنرال خابالوف قائد منطقة بتروغراد العسكرية الذي كان يتمتع بسلطات شبه مطلقة، لم يلجأ بعد إلى إطلاق النار. حقًا! لم يكن عدم لجوئه إلى إطلاق النار بسبب طيبة نفسه! وإنما كان ذلك معدًا وتم التفكير فيه وإنضاجه. فستنطلق طلقات البنادق في وقتها.

ولم يكن في الثورة شيء غير متوقع بالنسبة للسلطات سوى اللحظة التي ستندلع فيها. والخلاصة، كان القطبان المتضادان، قطب الثوريين وقطب الحكومة قد استمدا بعناية منذ سنوات طويلة. أما فيما يتعلق بالبلاشفة، فقد انصب كل نشاطهم منذ عام 1905 على تحضير هذه الاستعدادات. أما الحكومة فكانت تلجأ إلى حد كبير للمكيدة ونصب الحِيل لسحق الثورة الثانية قبل وقوعها. وابتداء من خريف عام 1916 اتخذ عمل الحكومة -في هذا المجال- طابعًا منهجيًّا. وفي منتصف شهر يناير (كانون الثاني) 1917 انتهت لجنة مشكلة برئاسة خابالوف من إعداد خطة دقيقة لسحق الانتفاضة الجديدة. وقد قُسِّمت العاصمة بموجب هذه الخطة إلى شبه قطاعات إدارية يشرف عليها “ضباط الشرطة”، كما جُزِّئت هذه القطاعات إلى قُطَيعات. ووضع الجنرال تشيبيكين -القائد العام لاحتياط الحرس- على رأس كل القوات المسلحة. ووزعت الأفواج على القطيعات. ووضعت الشرطة والدرك والجيش تحت قيادة ضباط أركان عينوا خصيصًا في كل قطاع من القطاعات الرئيسية الستة. وبقيت خياله القوزاق تحت تصرف تشيبيكين شخصيًّا للقيام بعمليات واسعة النطاق. ونظمت طريقة القمع بالشكل التالي: تشتبك الشرطة أولاً مع المتظاهرين، ثم يزج القوزاق بأسواطهم الجلدية في المعركة، وأخيرًا توضع القطعات المسلحة بالبنادق والرشاشات في كل طرف من أطراف القطاعات. كانت هذه الخطة، تطبيقًا موسعًا لتجربة عام 1905، وهي التي طبقت في فبراير (شباط). ولم يكن الخطر كامنًا في الافتقار إلى التوقع، ولا في التصميم السيئ، وإنما كان الخطر كامنًا من العنصر البشري. وسيتوقف السلاح عن الحركة بسبب هذا العنصر.

وكانت الخطة تعتمد على مجموع الحامية التي يصل تعدادها إلى 150.000 رجل، ولكن السلطات أعدت في حقيقة الأمر عشرة آلاف جندي آخرين لاستخدامهم في العمل. وكان الأمل الكبير ينصب على طلاب مدارس ضباط – الصف، بصورة مستقلة عن أفرد الشرطة الذين كان تعدادهم 3500 رجل. ونجد تفسير هذا العمل في تأليف الحامية ذاتها في هذا التاريخ. فقد كانت مشكلة تقريبًا من الاحتياطيين فقط، وتضم 14 كتيبة احتياطية مرتبطة بأفواج الحرس الموجودة في الجبهة. وكانت الحامية تتضمن بالإضافة إلى هذا: فوج مشاة احتياطي، وكتيبة سيارات احتياطية، وفرقة آليات مدرعة احتياطية، وعددًا قليلاً من المجندين النقابيين والمدفعيين، وفوجين من قوزاق الدون. كانت هذه القطعات كثيرة جدًا، بل أكثر مما يلزم لاحتواء الثورة. وكانت أعداد الاحتياط الغزيرة مؤلفة من كتلة بشرية مدربة ومروضة إلى حد ما، أو لم تتعرض بعد إلى هذا الترويض. وبالإضافة إلى كل هذا، ألم يكن الجيش يملك التشكيل ذاته؟

وكان خابالوف يتمسك بالخطة التي وضعها بكل دقة، ففي اليوم الأول وبتاريخ 23، تدخلت الشرطة. وفي 24 أمر خابالوف الخيَّالة بالتقدم في الشوارع، وكانت هذه الخيالة مسلحة بالأسواط الجلدية والرماح. وكان خابالوف لا يفكر باستخدام المشاة وفتح النار إلا إذا تطورت الأحداث، غير أن الأحداث لم تتركه ينتظر.

وفي 25، اتسع نطاق الإضراب، وامتد حتى شمل 240.000 عامل، طبقًا للأرقام الرسمية. وتدخلت بعض العناصر المختلفة وراء الطليعة، كما اشترك عدد لا بأس به من عمال المؤسسات الصغيرة التي أوقفت العمل، وتوقفت حافلات الترام عن السير، وبقيت البيوتات التجارية مغلقة، وفي خلال اليوم نفسه انضم طلاب التعليم العالي إلى الحركة. وفي الظهيرة أخذت الجموع تحتشد بعشرات الألوف وتتجمع حول كاتدرائية قازان وفي الشوارع المجاورة. وحاولت هذه الجموع تنظيم اجتماعات مفتوحة، فاشتبكت مع الشرطة. وبدأ بعض الرجال بالخطابة أمام تمثال الكسندر الثالث ففتح خيالة الشرطة النار. وسقط أحد الخطباء جريحًا. وانطلقت بعض الطلقات النارية وسط الحشود، فقتل أحد مفوضي الشرطة، وجرح أحد ضباطها كما جرح بعض أفرادها. وقامت الجماهير بقذف رجال الدرك بالزجاجات والمتفجرات، والقنابل. وقد أعطت الحرب دروسًا ممتازة في هذا الفن. وبرهن الجنود عن سلبية، كما برهنوا عن عداء للشرطة. وأخذت الجماهير تتناقل بانفعال إشاعات مفادها أن أفراد الشرطة تعرضوا لنيران كثيفة من القوزاق عندما بدءوا بإطلاق النيران على الشعب في جوار تمثال ألكسندر الثالث. ولقد اضطر “الفراعنة” الذين يمتطون الخيول (هكذا كانوا يسمون أفراد الشرطة) إلى الفرار هَيْدَبَى. ولم يكن هذا الذي حدث أسطورة نشرت في أوساط الجماهير عن تصور وتصميم لشحذ شجاعتها وتأجيج حماسها، لأن الحادثة ذاتها -مع أنها حكيت بصورة مختلفة- قد تأكدت من جهات مختلفة.

ويقول العامل البلشفي كييوروف أحد الزعماء الحقيقيين في هذه الأيام بأن المتظاهرين فروا جميعًا، في نقطة معينة، تحت ضربات سياط خيالة الشرطة، بحضور فصيلة من القوزاق. فنزع كييوروف وبعض العمال الذين لم يتبعوا الفارين قبعاتهم واقتربوا من القوزاق، وقبعاتهم في أيديهم، وصاح فيهم كييوروف قائلاً: “أيها الأخوة القوزاق، تعالوا لنجدة العمال في كفاحهم من أجل مطالبهم السلمِيَّة! ألا ترون هؤلاء الفراعنة كيف يعاملوننا، نحن العمال الجائعين؟ ساعدونا!” يا لها من نغمة مجاملة مقصودة!، وهذه القبعات التي يمسكون بها في اليد، ألا تُعبر عن حساب نفسي، وعن حركة لا يُمكن تقليدها! إن كل تاريخ قتال الشوارع والانتصارات الثورية يزخر بمثل هذه الأعمال الارتجالية. ولكنها تضيع عادة في هاوية الأحداث الكبرى، ولا يجمع المؤرخون منها سوى القشور. وانبرى كييوروف يصف ما حدث بعد ذلك بقوله: تبادل القوزاق فيما بينهم غمزات غريبة، وقبل أن نجد الوقت الكافي للابتعاد عنهم وجدناهم يندفعون بكل قواهم وسط هذه الجموع المختلطة”. وبعد بضع دقائق، كانت الجماهير تحمل على أكتافها أمام سُلم المحطة أحد القوزاق الذي بتر بجسامه جسد أحد مفوضي الشرطة.

واختفى الفراعنة بعد ذلك، أو بعبارة أخرى لم يعودوا يعملون إلا سرًا. وظهر الجنود مشرعين حرابهم. فأخذ العمال يسألونهم بقلق: “أيها الرفاق، أتأتون لمساعدة الشرطة؟” وكان الجنود يصرخون بفظاظة: “تحركوا!” وكانت محاولة جديدة لتبادل أطراف الحديث بين العمال والجنود. وحصل العمال على نفس النتيجة التي حصلوا عليها في السابق. وكان الجنود يتصرفون بلا مرح، وتراودهم نفس الأفكار، ويصيب المواطنون النقاط الحساسة التي تضايقهم.

في هذه الغضون، كان الشعار العام الذي رُفع ينادي بضرورة نزع سلاح الفراعنة؛ فالشرطة هم العدو العنيد، الذي لا يرحم، والخائن الحقود. ولا يُمكن أن يكون هناك مجال للتفاهم معهم. وينبغي ضرب أفرادهم أو قتلهم. ولكن الوضع يختلف كل الاختلاف مع قطعات الجيش، فالجموع تحاول بكل الوسائل تجنب الصراع مع الجيش. وهي على العكس تفتش عن الوسائل التي تسمح بغزو قلوب الجنود وكسبهم، وإقناعهم، والتقارب معهم، وجعلهم من أنصار الجماهير، عندما تقف وجهًا لوجه أمام الجيش. وبالرغم من الإشاعات الملائمة -التي بولغ فيها بعض الشيء- التي سرت عن سلوك القوزاق، فإن الجموع ما زالت تنظر إلى الخيالة بنوع من القلق، فالفارس يتحكم بالجماهير من علٍ. وتقف سيقان الحصان الأربعة بين عقليته وعقلية المتظاهر. فالشخصية التي نضطر إلى النظر إليها من الأسفل إلى الأعلى تبدو شخصية أكثر أهمية ورهبة. ومع المشاة يجد المرء نفسه واقفًا معهم على الأرض ذاتها وعلى قدم المساواة. ولهذا فالمشاة أقرب إلى الجماهير وأدنى متناولاً. وتحاول الكتلة الجماهيرية الوصول إلى جندي المشاة، وكشفه بصراحة، وتحاول أيضًا أن تنفخ فيه أنفاسها الخارقة. وتلعب العاملات في هذه اللقاءات بين الجنود والعمال دورًا هامًا. فهن يتقدمن بجرأة أكبر من جرأة الرجال إلى صفوف القطعة، ويختطفن البنادق، ويتوسلن بل يأمرن الجنود تقريبًا بما يلي: “انزعوا حرابكم، انضموا إلينا”! وعندئذ تتحرك مشاعر الجنود، ويحسون بالخجل والاضطراب ويتبادلون النظرات بقلق، ويترددون. وأخيرًا يقرر أحدهم الامتثال لأوامر العاملات قبل الآخرين، وهكذا يرفع الجنود حرابهم في حركة ندم، وينفتح السد، ويمتلئ الجو بهتافات الفرح والعرفان، وتحيط الجماهير بالجنود، وتعلو المناقشات والعتابات من كل الجهات، وترتفع النداءات التالية: الثورة تتقدم خطوة إلى الأمام.

أمام هذه التحولات الخطيرة أبرق القيصر نيقولا من مقر القيادة العامة للقوات المسلحة إلى خابالوف يطالبه بوضع حد للفوضى “اعتبارًا من الغد”. وكانت إرادة القيصر تتطابق مع الجزء الثاني من خطة خابالوف. فلم يكن للبرقية إذن نتيجة سوى إعطاء دفع إضافي لخابالوف. وأصبح من واجب القطعات أن تتكلم عندما يأتي الغد. ألم يكن الوقت متأخرًا جدًا؟ لا نستطيع أن نقول ذلك الآن. فالمسألة مطروحة، ولكنها ما تزال تنتظر الحل. فتنازلات القوزاق، وميوعة بعض سدود المشاة ليست إلا حوادث مليئة بالآمال والوعود ذات أصداء هائلة لدى الرأي العام في الشارع، وكان موقف القوزاق والمشاة كافيًا لتحريك الجمهرة الثورية، ولكنه كان شحنة قليلة جدًا لا تكفي للحصول على النصر، وخاصة وقد حدثت حوادث ذات طابع معاكس تمامًا. وفتحت فصيلة من فصائل المدرعات النار لأول مرة على المتظاهرين في فترة ما بعد الظهيرة أمام الأروقة التجارية (جوستني دفور)، مدعية أن إطلاقها للنيران جاء ردًا على طلقات مسدس صدرت من بين صفوف الجماهير. وطبقًا لتقرير خابالوف إلى مقر القيادة العامة للقوات المسلحة، وقع ثلاثة قتلى وعشرة جرحى. وكان هذا بمثابة إنذار جدي! وهدد خابالوف في الوقت نفسه بإرسال كل العمال الذين يمكن دعوتهم لخدمة العلم إلى الجبهة إذا لم يلتحقوا بأعمالهم قبل يوم 28. وكان إنذار الجنرال يعطي للعمال مهلة ثلاثة أيام، وكانت هذه المدة أكثر من كافية للثورة لكي تقلب خابالوف والحكم المستبد. ولكن لم ينتبه الحكام إلى ذلك إلا بعد النصر. وفي مساء 25 لم يكن أحد يعلم شيئًا عما سيحمله الغد.

ولنحاول أن نتصور بوضوح أكبر المنطق الداخلي للحركة. فلقد قامت جماهير عمال بتروغراد تحت علم “يوم المرأة” بتاريخ 23 فبراير (شباط) بانتفاضة. ثم تم إنضاجها والتفكير فيها واحتوائها خلال مدة طويلة. وكانت أول مراحلها هي الإضراب. ثم توسع هذا الإضراب خلال ثلاثة أيام حتى أصبح عامًا من الناحية العملية، وكان هذا الحدث الوحيد كافيًا لإعطاء ضمان للجماهير ودفعها إلى أمام. وامتزج الإضراب الذي اتخذ طابعًا يحمل المزيد من الروح الهجومية والحِدة مع مظاهرات وَضعت الجماهير الثورية في مواجهة القطعات العسكرية. وانتقلت المشكلة بمجموعها إلى مستوى أعلى؛ حيث أصبح من الواجب حلها بالقوة المسلحة. وتميزت الأيام الأولى بانتصارات جزئية للحكومة ولكنها كانت انتصارات عرضية أكثر منها فعلية.

ولا يمكن للانتفاضة الثورية التي تستمر عدة أيام أن تتخذ تطورًا ظافرًا إلا إذا سجلت خلال انتقالها من درجة إلى درجة، نجاحات جديدة تتحقق بصورة دائمة، فأي توقف في مسار الانتصارات يشكل خطرًا على الثورة. والمُراوحة في المكان وعدم إحراز أي تقدم يعني الخسارة والضياع. وكذلك فإن النجاحات الثورية غير كافية بحد ذاتها؛ إذ ينبغي أن تأخذ الجماهير علمًا بها في الوقت الملائم، وأن تتمكن من تقديرها حق قدرها. ومن الممكن أن تخسر انتصارًا في لحظة كان يكفي فيها أن نمد يدنا لالتقاطه. وقد حدث هذا في التاريخ وعرفناه.

وتميزت الأيام الثلاثة الأولى بتصعيد المعركة وتأزيمها بشكل ثابت. ولهذا السبب بالذات وصلت الحركة إلى مستوى أصبحت فيه النجاحات العرضية غير كافية لها. فقد نزلت كل الجماهير الفعَّالة إلى الشوارع. وصمدت في وجه الشرطة، وحققت نتائج حسنة دون صعوبات كبيرة. وتورطت القطعات في اليومين الأخيرين من الأيام الثلاثة في الأحداث. ففي اليوم الثاني سارت الخيَّالة وحدها. وفي اليوم التالي سارت المشاة، وأخذت تصد الجماهير، وتشكل السدود، وتترك حرية العمل للجماهير في بعض الأحيان، ولكنها في كل هذا لم تلجأ إلى الأسلحة النارية أبدًا. ولم تسارع السلطة العليا إلى تعديل خطتها، لأنها قللت من أهمية الأحداث (وتكامل وَهم رؤيا الرجعية مع خطأ موازٍ ارتكبه زعماء الثورة) من جهة، ولأنها لم تكن تثق بجيشها من جهة أخرى. ولكن الحكومة اضطرت إلى حشد القطعات في اليوم الثالث، بسبب تطور المعركة بعد أمر القيصر، وكان هذا من حسن حظ الثورة. وقد فهم العمال ضَعف الحكومة. وكان الفهم واضحًا لدى النخبة العمالية وخاصة وأن القوات المدرعة قد فتحت النيران. فمنذ هذا الوقت، أصبحت المسألة مطروحة من الجانبين في كل سعتها.

وفي ليلة 25 – 26 أوقف حوالي مائة من المناضلين الثوريين في مختلف الأحياء، من بينهم خمسة أعضاء من لجنة بلاشفة بتروغراد. وكان هذا بمثابة إشارة أيضًا إلى أن الحكومة بدأت الهجوم. فما الذي حدث إذن خلال اليوم؟ وكيف يستيقظ العمال بعد التراشق بالنيران الذي جرى في اليوم السابق؟ وماذا ستقول القطعات -وقولها مسألة أساسية- ..؟ إن فجر 26 سيكون محمَّلاً بالشكوك والقلق العنيف.

ونظرًا لأن أعضاء لجنة بتروغراد أوقفوا، فقد نُقلت إدارة العمليات في المدينة إلى ناحية فيبورغ. وربما كان هذا النقل من مصلحة العمليات الثورية. وترددت الإدارة العليا للحزب بصورة يائسة وعجزت عن اتخاذ قرار. وأخيرًا، وفي صباح 25 فقط قرر مكتب اللجنة المركزية البلشفية طبع منشور يدعو إلى الإضراب العام في كل روسيا. وفي اللحظة التي ظهر فيها المنشور -إذا كان قد ظهر- كان الإضراب العام في بتروغراد قد تحول إلى انتفاضة مسلحة. أما قيادة الحزب فكانت تراقب الموقف من عليائها، وتتردد، وتؤخر، أي أنها لم تكن تقود؛ فقد كانت تابعة للحركة الثورية لا محركة لها.

وكلما كان المرء يقترب من المصانع، كلما كان يكتشف التصميم والعناد اللذين يسودان العمل. ومع كل هذا، وصل المنشور في يوم 26 إلى النواحي. وكان قادة فيبورغ يتضورون جوعًا، وكانوا عاجزين عن الحركة، يرتعدون من البرد ويعقدون الاجتماعات السرية خارج المدينة في البساتين؛ حيث يتبادلون في هذه الاجتماعات انطباعاتهم ويحاولون وضع مسلك عام لهم. فما هو المسلك الذي سيتبعون؟… هل هو القيام بمظاهرة جديدة؟ ولكن ما الذي ستفعله مظاهرة أفراد مجردين من السلاح إذا كانت الحكومة مصممة على المسير إلى النهاية؟ إنها لمسألة تعذب الضمائر: “يخيل إليَّ بأن الحكومة ستقضي على الانتفاضة”، بهذا الشكل عبر صوت كييوروف المعروف عن الموقف. وبدا هذا الصوت لأول وهلة غريبًا عنه فقد هبط مؤشر الميزان الجوي قبل العاصفة.

وفي الساعات التي انتشر التردد فيها فشمل أكثر الثوريين قُربًا من الجماهير، انطلقت الحركة وامتدت إلى أبعد مما يتصور المشتركون فيها. فبالأمس أي في مساء 25، كانت أحياء فيبورغ بكاملها بِيَد الثوار. فقد نُهبت مفوضيات الشرطة، وذُبح بعض أفرادها، وفر معظم الباقين واختفوا. وقُطعت خطوط هاتف المركز البلدي لقطاع (غرادونات – شالستوفر) مع الجزء الأكبر من العاصمة. وفي صباح 26، تبين أنه لم يكن هذا القطاع بِيَد الثوار فحسب، بل إن أحياء بسكي حتى شارع ليتييني كانت بِيد الثوار أيضًا. وعلى الأقل، هذا هو الوضع الذي وصفته تقارير الشرطة في ذلك اليوم. كان هذا صحيحًا بمعنى ما، مع أنه من المحتمل أن لا يكون الثوار قد انتبهوا إلى ذلك. ومما لا شك فيه أن الشرطة قد تخلت في كثير من الحالات عن مراكزها قبل أن تجد نفسها تحت تهديد الهجوم العمالي. ولكن لم يكن لإخلاء الأحياء الصناعية في نظر العمال معنى حاسمًا، وذلك بصرف النظر عن الأحداث التي وقعت وبصورة مستقلة عنها، ذلك لأن القطاعات لم تكن قد قالت بعد كلمتها الأخيرة. “ستقضي الحكومة على الانتفاضة” … هذا ما فكر به أشجع الشجعان عندما كانت الانتفاضة سائرة على طريق تطورها.

وكان يوم 26 يصادف يوم أحد، وقد بقيت المصانع في هذا اليوم مغلقة. وصار من المستحيل حساب قوة اندفاعة الجماهير منذ الصباح استنادًا إلى اتساع الإضراب وامتداده. وبالإضافة إلى هذا، لم يتمكن العمال من الاجتماع في مؤسساتهم، كما فعلوا في الأيام السابقة، وكان التظاهر أكثر صعوبة بالنسبة لهم. وفي فترة الصباح كان شارع نييفسكي هادئًا. وهكذا أبرقت زوجة القيصر إلى زوجها تقول: “إن الهدوء يخيم على المدينة”. ولكن هذا الهدوء لم يدم طويلاً. وأخذ العمال يحتشدون بصورة تدريجية، ويتلاقون في المراكز قادمين من كل الضواحي. وقد منعوا من عبور الجسور. فساروا على الجليد؛ إذ كان نهر النييفا يشكل جسرًا من جليد في شهر فبراير (شباط). ولا يكفي الرمي على جمع يجتاز نهرًا جليديًّا لمنعه واحتوائه. وقد غيَّرت المدينة شكلها تمامًا. فالدوريات في كل مكان، وقد انتشرت الحواجز ودوريات استطلاع الخيالة في كل مكان. وتحت حراسة الممرات الرئيسية المؤدية إلى شارع نييفسكي بصورة جيدة وبشكل خاص. وغالبًا ما كان ينطلق دوي رشات من المخافر والكمائن. وازداد عدد القتلى والجرحى. فمن أين كانت النيران تنطلق؟ ومن كان يطلق النيران؟ ليس من الممكن دومًا معرفة ذلك. ومما لا شك فيه أن الشرطة التي تعرضت لتأديب قاسٍ قد قررت أن لا تُعَرض أفرادها للأخطار. فكانت ترمي من النوافذ، والشرفات، ومن خلف الأعمدة، ومن الأمكنة العالية. وأخذ الناس يضعون الفرضيَّات عن التدخل، وأصبحت هذه الفرضيات أساطير بكل سهولة. ويُحكي أن كثيرًا من الجنود قد لبسوا لباس الشرطة لإرهاب المتظاهرين. ويتناقل الناس قصة تقول أن بروتوبوبوف وضع عدة مراكز للرشاشات فوق الأسطحة، ولكن لجنة التحقيق التي شكلت بعد الثورة لم تجد أثرًا لهذه المراكز. وعلى كل حال، لم تحصل اللجنة على دليل يؤكد عدم وجودها. ومع ذلك، انتقلت الشرطة في هذا اليوم لتقف في الصف الثاني؛ إذ تدخَّل الجيش في النهاية. وتلقى الجنود أوامر مشددة بإطلاق النار، وأطلَق النار بصورة خاصة الأفراد المنتمون إلى مدارس ضباط الصف. ووقع في هذا اليوم، طبقًا للأرقام الرسمية، حوالي أربعين قتيلاً، وأربعين جريحًا، هذا عدا الجرحى والقتلى الذين استطاع الجماهير إسعافهم أو حملهم. ووصلت المعركة إلى مرحلتها الحاسمة. فهل ستتراجع الجماهير، تحت طلقات الرصاص إلى أحيائها؟ كلا، إنها لن تتراجع أبدًا. إنها تريد أن تنتصر.

وعاشت بطرسبورغ مدينة الموظفين والبورجوازيين، والليبراليين، وسط الهلع. وكان رودزيانكو -رئيس مجلس دوما الإمبراطورية- يُطالب في هذا اليوم بإرسال قطعات موثوقة من الجبهة. ثم “يدل رأيه” فيما بعد ونصح بيليائيف -وزير الحربية- بعدم استخدام البنادق واللجوء إلى استخدام الحِراب وخراطيم رجال الإطفاء لصب الماء البارد على المتظاهرين… وبعد أن استشار بيليائيف الجنرال خابالوف أجاب بأن حمامات الماء البارد تحدث أثرًا مضادًا “لأنها منشِّطة”. تلك هي المحادثات التي كان يتبادلها الليبراليون مع أصحاب المقامات الرفيعة ورجال الشرطة عن الحسنات النسبيَّة للحمام البارد أو الساخن لسحق شعب ثائر، وبرهنت تقارير الشرطة في هذا اليوم على أن خراطيم رجال الإطفاء لا تكفي: “لوحظ أثناء الاضطرابات، بصورة عامة أن تجمعات المتمردين تحرِّض أفراد القطعات على الثورة. وكانت الجموع ترد على الضرب بقذف الحجارة وقطع الجليد التي تنتزعها من الطريق. وعندما كانت القطعات تطلق الرصاص في الهواء، للتحذير، كانت الجموع ترد على الرشات بالضحكات بدلاً من أن تتفرق. وقد نجحت القطعات في تفريق التجمعات عندما أطلق أفرادها النيران وسط كتل الجموع فقط، “وحتى عندما كانوا يطلقون الرصاص وسط هذه الجموع، كان معظم المشتركين يختبئون في ساحات البيوت المجاورة لمكان وجودهم، وعندما يتوقف إطلاق النار، يعودون إلى الشارع من جديد”. ويشهد هذا التقرير الذي قدمته الشرطة على ارتفاع حرارة حماس الجماهير إلى درجة كبيرة. والحقيقة، هناك احتمال ضعيف في أن تكون الجموع هي التي بدأت بقذف الأحجار وقطع الجليد على الجنود، وعلى طلاب مدارس ضباط الصف أيضًا؛ ففي هذا تناقض كبير مع نفسية المتمردين وتكتيكهم العاقل إزاء الجيش. ولقد لوَّن رجال الشرطة تقاريرهم ورتبوها بشكل لا يتفق مع الوقائع بغية تبرير المذابح التي قاموا بها بين صفوف الجماهير. ومع كل هذا، فجوهر الأمر ممثل بصورة صحيحة، وبقوة رائعة في هذه التقارير: لا تريد الجماهير أن تتراجع، فهي تقاوم بشراسة المتفائل، وتتمسك بوجودها في الشارع حتى بعد أن تتعرض لرشات رصاص قاتلة. ولا تتمسك هذه الجماهير بالحياة أبدًا، إنها تتمسك وتتعلق ببلاط الطريق، وبالأحجار، وبقطع الجليد. وهي ليست ساخطة فحسب، بل إنها جريئة ومقدامة. ولم تفقد ثقتها بالقطعات العسكرية برغم إقدام هذه القطعات على إطلاق النيران عليها. وتسعى هذه الجماهير للحصول على النصر مهما كان الثمن.

وازدادت حدة الضغط الذي مارسه العمال على الجيش، وأحبط هذا الضغط أثر السلطات ونفوذها على القوات العسكرية. وقد أصبحت حامية بتروغراد، بصورة نهائية، النقطة التي تتجه إليها كافة الأنظار في الأحداث. ووصلت مرحلة التفرج التي التزمت القطعات العسكرية بها إلى نهايتها بعد أن استمرت قرابة ثلاثة أيام تمكن فيها الجزء الأكبر من الحامية من الحفاظ على حياد ودي إزاء المتمردين. فقد كانت الملكية المستبدة تأمر بما يلي: “أطلقوا النار على العدو!”. أما العمال والعاملات فكانوا يصيحون موجهين أقوالهم إلى أفراد هذه القطعات: “لا تطلقوا النار على أخوتكم وأخواتكم!” وهكذا جرت في الشوارع وفي الميادين وأمام الجسور وعلى أبواب الثكنات معركة مستمرة، كانت مأساوية أحيانًا وغير ملموسة أحيانًا أخرى، ولكنها كانت معركة مستميتة دومًا لكسب الجندي. وكان مصير السلطة والحرب والبلاد يتقرر في هذه المعركة، وفي هذه الاتصالات الوثيقة بين العمال والعاملات والجنود، التي كانت تتم تحت دوي البنادق والرشاشات.

وزاد إطلاق النيران الموجه ضد المتظاهرين من شكوك قادة الثورة. وبدا شمول الحركة ذاته واتساعها محفوفين بالمخاطر. وأخذ البعض يتساءل عما إذا كان الوقت قد حان لإنهاء الإضراب، وشمل التساؤل أيضًا أعضاء لجنة فيبورع التي اجتمعت مساء يوم 26، أي قبل الانتصار باثنتي عشرة ساعة. وقد تبدو هذه الواقعة مدهشة ومذهلة. ولكن ينبغي أن نفهم أن النصر قد لوحظ بسهولة أكبر في اليوم التالي أكثر مما لوحظ بالأمس. وبالإضافة إلى هذا، غالبًا ما تتبدل الأوضاع النفسية حسب انعكاس الأحداث والأخبار الواردة. ويتلو الوهن نشاط جديد بسرعة. ويملك أتباع كييوروف وتشوغورين ما يكفي من الشجاعة، ولكن الذي يلدغ قلوبهم في بعض اللحظات هو الإحساس بمسئولياتهم أمام الجماهير. أما في صفوف العمال فقد كان التردد فيها باديًا بصورة أقل. ونحن نملك تقريرًا يوضح إجراءات الحكومة وتدابيرها في ذلك الوقت وكان شوركانوف أحد عملاء الأمن المزوِّدين بالمعلومات وقد وجه هذا التقرير إلى السلطة العليا. وقد لعب شوركانوف هذا دورًا هامًا في التنظيم البلشفي. يقول هذا المحرِّض في تقريره إلى سلطات الأمن ما يلي: “نظرًا لأن القطعات العسكرية لم تمنع الجماهير من التظاهر ولم تجابهها، وإنما اتخذت تدابير في بعض الحالات لشل مبادرات الشرطة وتعطيلها، نظرًا لكل هذا فقد أحست الجماهير بالثقة من عدم إنزال القِصاص بها. وبعد أن قامت هذه الجماهير بعد يومين من الحركة الحرة بطرح الشعارات التالية في الشوارع: “فلتسقط الحرب!” و”ليسقط الحكم المستبد!”، اقتنع الشعب بأن الثورة قد بدأت، وأن النجاح مضمون للجماهير، وأن السلطة ستعجز عن قمع الحركة، نظرًا لأن القطعات تنحاز إلى جانب الثوار الذين أصبح نصرهم الحاسم قريبًا، لأن الجيش، اليوم أو غدًا، سينحاز بصورة صريحة إلى جانب القوى الثورية. وعندئذ تنمو هذه الحركة الثورية لا يمكن أن تهدأ إلى أن يتحقق لها النصر الكامل وقلب النظام. كان هذا التقدير يتمتع بوضوح وإشراق رائعين! ويشكل هذا التقدير وثيقة تاريخية ذات قيمة كبرى. إلا أن تقدير هذا المحرض والإشادة بدقة حساباته لم تمنع العمال من إعدامه بعد الانتصار.

وكان عدد المحرضين الوشاة كبيرًا في بتروغراد بصورة خاصة وكانوا يخشون انتصار الثورة أكثر من أي شخص آخر. ولهؤلاء المحرضين سياستهم التي ينفذونها: ففي مؤتمرات البلاشفة كان شوركانوف -الذي ألمحنا إلى أنه لعب دورًا في داخل التنظيم البلشفي- يدلي بتصريحات تؤيد اتخاذ أقسى التدابير. ويقترح في تقاريره إلى إدارة الأمن في الوقت ذاته ضرورة استخدام السلاح. وربما كان شوركانوف يسعى للمبالغة في تأكيد انتصار العمال في هجومهم بغية تحريض السلطات على استخدام السلاح. ولكنه كان على حق في جوهر الموضوع، وقد بررت الأحداث فيما بعد صحة تقديره ودقة حساباته.

وكانت الدوائر العليا للمعسكرين تتردد وتضع الافتراضات، لأنه لم يكن بوسع أي منهما حساب ميزان القوى، بصورة مسبقة. فلم يعد من الممكن أخذ الدلائل الخارجية كمقياس. ويتألف أحد الملامح الرئيسية لأية أزمة ثورية، من التناقض العنيف بين الوعي والأشكال القديمة للعلاقات الاجتماعية. وكانت النِسب الجديدة للقوى كامنة بصورة غريبة في وعي العمال والجنود. ولكن انتقال الحكومة إلى هجوم سبقه واستدعاه هجوم الجماهير الثورية حوّل ميزان القوى الجديد من ميزان كامن إلى ميزان فعلي. فقد حدق العامل في وجه الجندي، بشراهة وبصورة آمرة. وحوّل الجندي نظره عن العامل بعد أن أحس بالقلق والاضطراب من وطأة هذه النظرات. كل هذا يبرهن على أن الجندي لم يكن واثقًا بعد من نفسه. ثم تقدم العامل بجرأة أكبر نحو الجندي. وكان الجندي شرسًا ضجرًا، ولكنه لا يحمل أي عداء على الإطلاق، ويشعر في أغلب الأحيان بالندم ووخز الضمير. وكان يدافع عن نفسه بالصمت، ويرُد أحيانًا بلهجة قاسية منفعلة ليخفي القلق الذي يدق فؤاده. بهذا الشكل تحقق المِكْسَر. كان الجندي يتخلص بالطبع من الروح العسكرية. ولكنه مع تجرده منها لم يجد ذاته فورًا. وكان القادة يقولون إن الجندي قد سكر بخمر الثورة. ولكن كان يخيل للجندي بأنه يستعيد حواسه بعد تبدد تأثير أفيون الثكنة. هكذا أعد اليوم الحاسم: يوم 27 فبراير (شباط).

وبالأمس، وقع حادث ثانوي، ولكنه أعطى لونًا جديدًا لكل أحداث 26 فبراير (شباط)، ففي المساء تمردت السرية الرابعة من فوج بافلوفسكي، حرس صاحب الجلالة. وفي التقرير الذي كتبه أحد مفوضي الشرطة ظهر سبب هذا التمرد موضحًا بعبارات قاطعة تقول: “إنه حركة سخط موجهة ضد طلاب ضباط الصف في الفوج ذاته، أولئك الطلاب الذين أطلقوا النيران على الجماهير عندما كانوا مكلفين بحراسة شارع نييفسكي”، فمن الذي أعلم السرية الرابعة بما حدث وحرضها بهذا على التمرد؟ وحول هذه النقطة نجد المعلومات في شهادة محفوظة بالصدفة. ففي الساعة الثانية بعد الظهر، هرعت جماعة صغيرة من العمال إلى ثكنات فوج بافلوفسكي. وبأقوال متقطعة أعلموا الجنود بتراشق النيران الذي جرى في شارع نييفسكي، وقالوا لهم: “قولوا للرفاق أن رفاقكم أيضًا أطلقوا النار علينا. لقد رأينا في الشارع جنودًا يرتدون بزاتكم!”. كان اللوم شديدًا، كما كان النداء حارًا. “وقد تضايق الجميع وازرَقَّت وجوههم”. ولم تذهب المحاولة أدراج الرياح. وحوالي الساعة السادسة، تركت السرية الرابعة ثكنتها بمحض إرادتها تحت قيادة ضابط صف، فمن هو هذا ضابط الصف؟ لقد ضاع اسمه دون أن يترك آثارًا، ضاع اسمه وسط مئات وألوف من أسماء الأبطال الآخرين المجهولين، وتوجهت السرية إلى شارع نييفسكي لأخذ مكان الطلاب ضباط الصف في الفوج. ولم يكن عملهم هذا فتنة أو تمردًا من أجل لحم أتلِف. بل كان عملاً يتسم بمبادرة ثورية رفيعة. وفي الطريق، وقعت مناوشة بين السرية الرابعة ودورية من خيالة الشرطة، فأطلقت السرية النار، وقتلت أحد أفراد الشرطة وحصانًا، وجرحت شرطيًّا آخر وحصانًا. ولم يتمكن أحد من معرفة المسلك الذي اتبعته سرية بافلوفسكي وسط الجموع الغفيرة. وعاد أفراد السرية إلى ثكنتهم وحرضوا الفوج بكامله، ولكن الأسلحة أخفِيَت. وتبعًا لبعض المعطيات، استولى الثوار على 30 بندقية. وبعد قليل حاصرهم فوج بريوبراجينسكي، وأوقف تسعة عشر جنديًّا من جنود الفوج وتم سجنهم في القلعة. أما الآخرون فقد استسلموا. وتبعًا لمعلومات أخرى، فقد اختفى 21 جنديًّا بسلاحهم في هذا المساء، واكتشف ذلك عند التفقد. وكان هذا “فرارًا” خطيرًا حقًا. وذهب هؤلاء الجنود المفقودين يفتشون طيلة الليل عن حلفاء لهم ومدافعين عنهم. ولم يكن هناك من يستطيع إنقاذهم إلا انتصار الثورة. وعلم العمال من أفراد السرية بكل ما جرى. ولم يكن الحادث إلا نذيرًا لما سيتخذه مسار معارك الغد.

وقد عاد نابوكوف -أحد أشهر الزعماء الليبراليين وأكثرهم شعبية- على إقدامه في الساعة الواحدة صباحًا من تلك الليلة، بعد سهرة قضاها عند أصدقائه مارًا في شوارع مظلمة وموحشة. وكان نابوكوف “فزعًا ومشبعًا بإحساسات غامضة”. وتعتبر مذكرات نابوكوف الحقيقية الصحيفة الداخلية لحزبه وطبقته. ومن المحتمل أنه التقى بأحد الفارين من فوج بافلوفسكي في أحد المنعطفات. فسارع الاثنان إلى الابتعاد عن بعضهما. فلم يكن لديهما شيء يقولانه لبعضهما. وفي الأحياء العمالية وفي الثكنات سهر البعض أو كانوا يتشاورون، في حين راح البعض الآخر في نصف نوم وأخذ يحلم بالغد بحرارة. وفي هذا المكان وجد الجندي الفار من فوج “بافلوفسكي” ملجأ.

للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية.. احتضار الملكية