Home نظرية دفاعا عن الثورة الروسية

دفاعا عن الثورة الروسية

مقدمة

  • بعض الحقائق عن الثورة الروسية
  • هل البلشفية والستالينية متشابهتان؟
  • هل كان تجديد الرأسمالية واحدة من أعظم خيانات الستالينية؟
  • الاشتراكية أو التوحش
  • التعلم من الثورة الروسية
  • من المستحيل المضي في الثورة بدون محاربة الإصلاحية
  • الديمقراطية البرجوازية والثورة
  • هل الاشتراكية مثالية خيالية؟
  • لنكون واقعين هل علينا أن نكون ثوريين؟

بقلم إدواردوألميدا

للمرة الأولى، تتولى الطبقة العاملة وتمارس السلطة، لتظهر أن حكم الطبقات المهيمنة ليس “قرارا إلهيا” وليس “شيء طبيعي”. إن قوة السوفياتات تم إظهاره بمثال ثوري في دولة أخرى، نوع مختلف عن تلك الدول التي نعرفها سابقا.

أصبح الحزب البلشفي مرجعا عالميا لطلائع النضال. والأحزاب الديمقراطية الاشتراكية حول العالم انشقت عن الجناح اليساري ودقت باب الأممية الثالثة. خلال تلك السنوات، جرى إعادة تنظيم سياسي ثوري للبروليتاريا بشكل لم يكن له مثيل في التاريخ.

ذلك التاريخ كان ممحيا من ذاكرة العمال في كل أرجاء المعمورة. في هذه الأيام، يتم تقديم الثورة الروسية والستالينية على أنهما متماثلتان. إنها مهزلة تاريخية، إحلال الثورة الروسية بحركة سياسية معادية للثورة، والتي حولت نظام العمال إلى نظام بشع وبيروقراطي.

لهذا، من الهام تذكر ما حدث خلال السبع سنوات الأولى من الثورة. وللقيام بذلك، من الضروري إزالة طبقة الغبار عن الدعاية الإمبريالية والستالينية. لإعادة إحياء تجربة رائعة لسلطة جديدة، دولة جديدة. ديمقراطية أعظم بكثير من أية ديمقراطية برجوازية موجودة.

بعض الحقائق حول الثورة الروسية

 

أطاحت الثورة الروسية بدولة برجوازية وأقامت نوع آخر من الدول، دولة العمال. كانت تجربة لم يسبق لها مثيل في التاريخ. لقد تم دراسة إقامة كومونة باريس من قبل البلاشفة، وهذا أوصلهم إلى استنتاج حاسم لتحقيق انتصار العام 1917. ولكن الكومونة دامت فقط شهرين؛ وفي ذلك الحين كانت على وشك الاستيلاء على السلطة والحفاظ عليها. وهذا ما حصل في أول سبعة أعوام من الثورة، تجربة تاريخية غنية وساحرة.

استندت الدولة الجديدة على مجالس (السوفييتات). المجالس المحلية كانت قاعدة السلطة، ومرتبطة مباشرة بمصانع العمال عبر ورش العمل واجتماعات السكان. الهدف الأساسي كان ربط النشاطات اليومية للجماهير بالمشاكل الأساسية للدولة والاقتصاد. لذلك، تطلعوا لتجنب إدارة هذه المسائل لتكون امتياز البيروقراطية المعزولة عن الجماهير. كانت التفويضات قابلة للإلغاء في أي وقت، يتم اتخاذ الموقف العام من قبل الناس، ورواتب العمال في القطاع العام لم تكن أعلى من أي عامل مصنع عادي.

في الديمقراطية البرجوازية، الجماهير تصوت كل أربع أو خمس سنوات، بشكل فردي، وتنتخب مرشحين يقومون بما يريدون حتى الانتخابات التالية. في الجمهورية السوفييتية، يناقش العمال أوضاع الدولة  بشكل يومي ويختارون ممثليهم، الذين يمكن عزلهم في أية لحظة.

الانتخابات كانت مباشرة/ في المدن، كل 25 ألف شخص يتمثلون بمرشح، وفي الأرياف، شخص واحد يمثل 125 ألف. الجميع يمكن أن يصوت ويترشح، ما عدا البرجوازي. كان هناك حرية مطلقة للأحزاب التي تشكل جزءا من المجالس المحلية، بما في ذلك الأحزاب التي تشكل الحكومة (البلاشفة والجناح اليساري من الاشتراكيين الثوريين) وأيضا المناشفة وجناح اليمين من الاشتراكيين الثوريين، حتى قاموا بالتسلح ضد الثورة، فتم عزلهم.

بعكس الديمقراطية البرجوازية، التي تفصل السلطة إلى (تنفيذية، تشريعية وقضائية) من أجل أن تستطيع البرجوازية المناورة وتقرير كل شيء في الظل، سلطة المجالس المحلية كانت شاملة ومباشرة. النقاشات في المجالس كانت تقر وتنفذ القرارات بشكل مباشر. ممثلي المجالس المحلية كانوا يمثلون جزءا من المجالس المناطقية، والتي تنتخب أيضا ممثليها في مؤتمر المجالس، وأيضا كان يمكن إلغاءها في أي وقت.

العمال الروس كانوا يناقشون ويقررون في المجالس اتجاه الاقتصاد، والسلم والحرب (بما في ذلك اتفاقية بريست-ليتوفسك) وتنظيم الجيش الأحمر.

لم يكن هناك أية علاقة مع الديمقراطية البرجوازية، والتي تعتبر بالفعل ديكتاتورية رأس المال. البرجوازية تسيطر على أقوى الشركات وتمول الحملات الانتخابية للحزب في الحكومة و”المعارضة”. تتحكم البرجوازية أيضا بوسائل الاتصالات (التلفزيون، الصحف، وقنوات الانترنت) ويمكن أن تؤثر مباشرة على الرأي العام.

الناس تصوت ولكن لا تقرر أي شيء. لا يهم من يفوز، المنتصر هي البرجوازية. حتى لو تم اختيار الأحزاب الإصلاحية (مثل حزب العمال، وسيريزا، أو بوديموس)، فإنهم مجبرون للانحياز للخطط البرجوازية.

لهذا السبب نرى تولي الحكومة وسقوطها، وفي نفس الوقت بقاء الاقتصاد النيوليبرالي على حاله. الناس تصوت لصالح المعارضة لتغيير الخطط الاقتصادية ومن ثم لا يغيرون شيء. فقط على الناس أن يعودا للتصويت بعد أربع أو خمس سنوات، ولكي يخدعوا من جديد.

في الثورة الروسية، لقد تم مصادرة أملاك البرجوازية، وموارد البلاد كانت في متناول العمال. العنصر الحاسم في النقاشات كانت الأفكار، وليس رأس المال. الأحزاب البرجوازية (التي لم تدافع عن الكفاح المسلح ضد الدولة) كانت تستطيع أن تتقدم بمرشحين، ولكن بدون الحصول على أموال من أجل الحملة. إن سيطرة الممثلين على ورش العمل والمنازل كان التعبير الرئيسي لديمقراطية العمال. كما كانت أفضل طريقة للتغلب على وباء الفساد، الموجود في كافة أنواع الدول الأخرى. ففي حال عدم وجود سيطرة من قبل جموع العمال وإمكانية عزل الممثلين، لا يوجد أية وسيلة لتجنب الفساد.

كما قال لينين، بمقارنة الديمقراطية البرجوازية مع النظام السوفييتي: “إن الانتخابات المعقدة في تلك الظروف ممجدة من قبل البرجوازية، لأسباب جيدة جدا، كونها “حرة” و “عادلة” و”ديمقراطية” و”شاملة”. وهذه الكلمات مصممة لإخفاء الحقيقية، لإخفاء حقيقة أن وسائل الإنتاج والسلطة السياسية تبقى في أيادي المستغلين، وبهذا تتحقق الحرية والعدالة الحقيقية للمستغلين، وبالنسبة للأغلبية الساحقة من السكان، فهم خارج المعادلة (الديمقراطية والديكتاتورية).

تلك الدولة الجديدة كانت، كما كافة الدول الأخرى، ديكتاتورية. فقط في ذلك الوقت كانت ديكتاتورية العمال، وليست ديكتاتورية البرجوازية. وقد ضمنت ديمقراطية واسعة للعمال وأيضا الدفاع، كدولة، من الهجمات التي لا مفر منها والتي تأتي من البرجوازية والإمبريالية.

هذا كان له تعبيرا عسكريا قاسيا. فالدولة الجديدة تم مهاجمتها من كل الحدود، من قبل الجيش الأبيض وقوات 14 دولة، بما في ذلك القوى الإمبريالية العظمى؛ وقد انتصرت.

حتى في ظروف الحرب الأهلية، فقد كان أكثر الأنظمة ديمقراطية بالنسبة للطبقة العاملة والناس على مدار التاريخ. فليس من قبيل المصادفة أن ظهر من هذه الحرية والفعالية فنا نقديا ولامعا ومثيراً بحيث ترك بصمة في التاريخ وفي كافة الحقول. لم يكن هناك فنا “رسميا”، الحزب البلشفي والدولة كانا ضد هذا النوع من الفن بشكل قاطع. فقط ضمنا تفجر المواهب الخاصة بالحركة الفنية.

في السينما، أيزنستاينوزيكافيرتوف كسرا الخط القصصي لهوليود. ماياكوفسكي وأليكسندر بلوك كسرا قواعد الشعر. في الفن التشكيلي؛ ماليفيتش وأسلوبه التجريدي الخالص عكس انفجار السريالية والتعبيرية والحدسية الأوروبية. يقول ماياكوفسكي: “لا يوجد فنا ثوريا بدون صيغة ثورية”.

كانت الثورة الروسية أيضا ظاهرة تاريخية، بمثلها فقط كان ممكن هزيمة الظلم بشكل راديكالي. فنضال المرأة تقدم تقدما تاريخيا وانتزع حق الطلاق والإجهاض وتساوي الراتب مع الرجل، والمطاعم الشيوعية والمغاسل ورياض الأطفال هاجمت أساس الأعمال المنزلية. تم إلغاء كافة القوانين ضد مثليي الجنس بالإضافة إلى التشريع القيصري. تم المصادقة على زواج المثليين في المحاكم السوفييتية. قمع القوميات في روسيا القيصرية تحول إلى إتحاد حر في الإتحاد السوفييتي.

إن نزع ملكية البرجوازية والتخطيط الاقتصادي خلق تغيرا كبيرا لم يشهد له مثيل في التاريخ الاقتصادي. فالاتحاد السوفييتي، الذي كان واحد من أكثر الدول تخلفا في أوروبا وآسيا، أصبح بلدا متطورا اقتصاديا لم يسبقه أحد، وفي عقود قليلة فقط.

وهذه الحقيقة فضحت أيديولوجية “عدم كفاءة الشركات الحكومية”، واحدة من أسس سياسة الخصخصة النيوليبرالية. الملكية الخاصة للمزارع الكبيرة، من خلال البحث عن الربح، جلبت البؤس للعمال، فوضى بالإنتاج وأزمة لا تنتهي. إن تأميم الشركات الكبيرة والتخطيط الاقتصادي أدى إلى تقدم هائل في الاتحاد السوفييتي.

حتى بعد الثورة الثورة الستالينية المعادية،  بقي اقتصاد الدولة المنظم حيويا. حسب تروتيسكي “أظهرت الاشتراكية حقها في الانتصار، ليس في صفحات كتاب رأس المال، وإنما في المناطق الصناعية التي تشمل سدس مساحة الأرض، ليس في لغة الديالكتيك، وإنما في لغة الحديد، والاسمنت والكهرباء (دفاعا عن الماركسية).

واحد من الأمثلة الصريحة لها هي تطابق تطور الاتحاد السوفييتي مع الأزمة الرأسمالية العميقة، في العام 1929. بينما العالم الرأسمالي كان يواجه ركود عميق بانكماش اقتصادي وصل إلى 20 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في عديد من الدول، كانت الصناعة السوفييتية تنمو بنسبة 16% في السنة بين عامي 1928 و1940. هذه الحقيقية التاريخية تم إخفاؤها عن ذاكرة العديد من العمال في كافة أنحاء العالم. وهذا ما نريد استحضاره في احتفالنا باليوبيل الذهبي للثورة الروسية.

هل البلشفية والستالينية متشابهتان؟

البلاشفة دائما يضعون آمالهم في الثورة الأممية، وخاصة في أوروبا. الثورة الروسية عملت على قطع السلسلة الرأسمالية من خلال روابطها الأضعف، روسيا المتخلفة. ولكن الإستراتيجية الاشتراكية تدعو إلى التخطيط الاقتصادي الأممي، وليس “اشتراكية في بلد واحد فقط”. فقط تطور قوى الانتاج أمميا يمكن أن يضع القاعدة المادية للتقدم نحو الاشتراكية. الاشتراكية، بطبيعتها، هي أممية، وفقط يمكن أن تنتصر نهائيا من خلال هزيمة الرأسمالية على الصعيد العالمي.

ولكن، الثورة هزمت في ألمانيا في العام 1919، وأيضا في المجر. وفي العام 1923 هزمت من جديد في ألمانيا، وفي العام 1927 هزمت في الصين. وتم عزل الثورة الروسية.

من جانب آخر، كان على البروليتاريا الروسية مواجهة وهزيمة جيوش الدول الإمبريالية الكبرى، ودفعت ثمنا باهظا لهذا، و قتل عدد كبير من العمال (وبشكل خاص في طليعة الجيش) في المعارك.

إن الانعزال عن العالم لم يسمح بوصول الاقتصاد إلى نقط ثابتة. البروليتاريا أرهقت بخسارة أفضل مقاتليها، ولم تحافظ على النظام المشكل في العام 1917. من البروليتاريا نفسها خلقت البيروقراطية، مع استغلال نكسة الثورة العالمية وعزل الثورة الروسية عن امتلاك السلطة.

إن تأخر الاقتصاد الروسي خلق اتجاهات بيروقراطية، عبر عنها تروتسكي بشكل رائع: “إن أساس الحكم البيروقراطي هو فقر المجتمع في أهداف الاستهلاك، مع نضال ناجم عن الكل ضد الكل. عندما يكون هناك بضائع كافية في المخزن، يمكن أن يصل المشترون إلى أي مكان يريدوه. وإذا كان لا يوجد ما يكفي من البضائع، سوف يشتكي المشترون من الوقوف في الصف. وعندما يكون الدور طويلا جدا، من الضروري تعيين شرطيا لحفظ النظام. بهذا الشكل كانت نقطة البداية لسلطة البيرقراطية السوفييتية. فهي “تعرف” من سيحصل على شيء ما وكيف عليه أن ينتظر.

إن زيادة المستوى المادي والثقافي، أوجب الإصغاء إلى ضرورة الامتيازات، وتضييق مساحة تطبيق “القوانين البرجوازية”، وبناء على ذلك تحديد الأرضية الثابتة للمدافعين عن البيروقراطية. بالواقع الشيء المعاكس قد حصل:  نمو قوى الإنتاج وصل بعيدا جدا مصحوبا بتطور هائل بجميع أشكال عدم المساواة، والامتيازات والفوائد وكل ما يتعلق بالبيروقراطية. هذا كله لم يكن عرضيا”. (دفاعا عن الماركسية).

غيرت الثورة المعاكسة الستالينية نهائيا النظام السوفييتي. لقد تم قمع الديمقراطية الداخلية في الحزب البلشفي أولا ومن ثم في المجالس المحلية. والطليعة البلشفية القديمة سجنت والعديد منهم تم قتلهم. العديد تم محاكمتهم في محاكم موسكو، ومن ثم إطلاق النار عليهم. تم اغتيال تروتسكي في المنفى، في العام 1940. جميع المعارضين في المجالس المحلية تم ملاحقتهم وقتلهم.

الطقس الفني لم يعد تحرريا ولا جدليا، نتيجة الرقابة الغبية والرجعية التي فرضت. “الواقعية الاشتراكية” أصبحت “الفن الرسمي” ويمكن أن نقول أنها كانت بروباغندا النظام. الأفلام والرايات والرسوم ما بعد الواقعية مجدت الناس والعمل وستالين. ماياكوفسكي انتحر في العام 1930، توفي ماليفيتش معزولا في العام 1935.

لقد تم التباطؤ في التعامل مع المظالم. وعاد الإتحاد السوفييتي مرة أخرى ليكون مشابه لروسيا القيصرية، “سجن للشعوب”.

توقفت الأممية الثالثة عن كونها رافعة للثورة العالمية لتصبح فرع خاضع للبيروقراطية السوفييتية، إلى أن تم حلها نهائيا على يد ستالين في العام 1943، كتمثيل لحسن النية تجاه الإمبريالية.

هدفت الدعاية الإمبريالية لمساواة ستالين بالبلشفية، مدعومة بكامل الأجهزة الستالينية. لمحو السنوات الأولى من الثورة الروسية كان من الحاسم التلاعب الأيدلوجي.

لقد كان ستالين عميلا وتعبيرا عن هزيمة الثورة. وفرض هذا فقط من خلال حرب أهلية حقيقية. لقد ذبحت ديكتاتورية ستالين أكثر من 700 ألف شخص، بداية من أغلبية مجالس المدن المحلية التي قادت الثورة في العام 1917.

استعادة الرأسمالية كانت آخر خيانة عظمى للستالينية

لقد كانت الستالينية أكبر جهاز معاد للثورة داخل الطبقة العاملة على مدار التاريخ. لقد اغتصبت سلطة الثورة الروسية، بالإضافة إلى مقدار هائل من الموارد بسبب سيطرة جهاز الدولة في الاتحاد السوفييتي عليها (وفيما بعد دولة عمال بيروقراطية أخرى). واستطاعت إقناع أو إفساد جزء كبير من الطليعة التي انبثقت في كل أرجاء العالم.

تكاملت الأيدلوجية الرسمية للستالينية مع بناء “الاشتراكية” في الاتحاد السوفييتي (“اشتراكية في بلد واحد”) ومع التعايش السلمي مع الإمبريالية. وهذا أدى إلى هزائم كبيرة في العملية الثورية.

إن القيادة “الستالينية” للأممية الثالثة كانت المسؤولة عن هزيمة 1923 في ألمانيا وهزيمة أخرى في العام 1927 في الصين. فيما بعد، ساعدت الستالينية في انتصار هتلر في ألمانيا من خلال رفضها للدعوة للجبهة الموحدة، خلال ما أطلق عليه “الفترة الثالثة” لليسار المتطرف. لقد تحولت إلى اليمن بدعمها سياسة الجبهات الشعبية (تحالف مع البرجوازيات “التقدمية”)، كما قادت إلى هزيمة الثورة الإسبانية.

إن فترة ما بعد الحرب، كان ستالين عازم على أن تتخلى الأحزاب الشيوعية في إيطاليا وفرنسا عن الحكم لصالح البرجوازية التي خسرت السلطة عندما تم تدمير النازية-الفاشية. ومع هذا، جعلت الستالينية من الممكن بالنسبة للإمبريالية أن تعيد إحياء نفسها في قلب أوروبا.

كان تأثر الاقتصاد في دولة العمال الروسية ملموسا بشكل سريع. إن إخفاق استراتيجية “اشتراكية بلد واحد” كان واضحا من اللحظة الأولى، هذه الحدود كانت نسبية وجعلت من المسموح أن ينمو الاقتصاد. ولكن فيما بعد أصبح مطلقا. من خلال عدم نشر الثورة العالمية، أصبح الاقتصاد الروسي شيئا فشيئا عرضة لتحكم الإمبريالية.

لقد قام تروتسكي بتحليل هيمنة اقتصاد السوفييت المنظم بطريقة رائعة، فقد أكد:

“إن الدور المتصاعد للبيروقراطية السوفييتية تزامن مع فترة إدخال اتحاد السوفييت للعناصر الأساسية للتقنيات الرأسمالية.

العمل الشاق للاقتباس والمحاكاة والتطعيم والابتزاز كان مصاحبا لأساسات إسقاط الثورة. لذلك لم يكن هناك أي حديث عن عالم جديد في ميدان التقنية أو العلم أو الفن. من الممكن بناء مصانع عملاقة حسب الطريقة الغربية مسبقة الصنع من خلال قيادة بيروقراطية- مع العلم أنها ثلاث أضعاف التكلفة. ولكن أبعد ما تذهب في الاقتصاد، أكثر ما يكون هناك مشاكل في النوعية، والتي تخرج من أيدي البيروقراطية مثل الظل. إن الإنتاج السوفييتي كان موسوما بعلامة رمادية من اللامبالاة. ضمن الاقتصاد المؤمم، طلبات النوعية لديمقراطية المنتجين والمستهلكين، حرية الانتقاد والمبادرة- شروط متضاربة مع نظام الرعب والكذب والمداهنة التسلطي.

وراء مسألة معايير النوعية هناك مشكلة معقدة وكبيرة قد يمكن أن تتضمن في معيار الإبداع المستقل التقني والثقافي. الفيلسوف القديم قال الكفاح هو أب كل شيء. لايمكن للقيم الجديدةأن تخلق حيث الصراع الحر للأفكار ليس ممكناً (الثورة المسلوبة- الفصل 11).

اقتصاد الاتحاد السوفييتي، بالإضافة إلى دول العمال البيروقراطية، بدأ بالانحدار خلال ستينيات القرن الماضي. البيروقراطيون كانوا يعمقون بقوة روابطهم مع الامبرياليين، خاصة من خلال آلية الدين الخارجي. جنبا إلى جنب مع هذا كانوا ينتجون بشكل بطيء إصلاحات اقتصادية شيئا فشيئا تماشيا مع شروط السوق.

العمال، مع الوقت، كانوا ساخطين جدا وثاروا ضد الديكتاتوريات الستالينية. والثورات السياسية في ألمانيا (1953)، المجر (1956)، تشيكوسلوفاكيا (1968) وفي بولندا (1980) خلقت أزمة كبيرة بالنسبة للستالينية. ولكن هذه الثورات هزمت بواسطة القمع المباشر لقوات الاتحاد السوفييتي والبيروقراطية الستالينية.

في النهاية تركت البيروقراطية جانبا الخطط الجزئية للإصلاحات واتجهت إلى إعادة إحياء الرأسمالية في هذه البلاد. البيروقراطيات الوطنية قادت أيضا عملية الإحياء في دول بداية بيوغسلافيا خلال الستينات والصين خلال أواخر السبعينات، والاتحاد السوفييتي مع تولي غورباتشوف الحكم من 85-87.

إن الانتفاضة في الاتحاد السوفييتي وشرق أوروبا خلال التسعينات كانت قد حصلت ضد الفشل الفظيع لنوعية حياة الناس (ضبط الرواتب، تضخم، قلة في الاحتياط، مضاربة غير مضبوطة)، محددة بعملية إعادة إحياء الرأسمالية. الجماهير واجهت الديكتاتوريات الستالينية، والتي كانت رأس الدول البرجوازية. جهاز عالم الستالينية انتهى ليكون مهزوما بواسطة النشاط الجماهيري.

استعادة الرأسمالية كانت الخيانة الأخيرة للستالينية لقضية الطبقة العاملة. الإمبريالية استغلت ذلك لإطلاق حملة كبيرة “الموت للاشتراكية”، ومساواة الاشتراكية بالستالينية. الحملة هدفت لإظهار الرأسمالية كما لو أنها البديل الوحيد للإنسانية، والديمقراطية البرجوازية كما لو أنها الهدف الرئيسي لجميع الناس.

ولكن الأزمة الاقتصادية العالمية في 2007-2008 هزت الأيدلوجيةالنيوليبرالية. الوجه الحقيقي للاستغلال الرأسمالي كان واضحا أكثر في كل يوم. هناك جوانب واضحة للبربرية في حياتنا اليومية.

الاشتراكية أو البربرية

الكثير من العمال يعتقدون أن الثورة الاشتراكية غير ممكنة في الحاضر. وهنا نريد أن نذكر بجملة تروتسكي: “كل ثورة هي مستحيلة إلى أن يصبح من المستحيل تجنبها”. العمال في الوقت الحاضر يواجهون هبوطا حادا في رواتبهم، الجزء الأكبر من قوى العمل في أوضاع غير مستقرة (فقط ربع العمال لديهم عمل ثابت)، أوضاع ضعيفة في قطاعي التعليم والصحة العموميين. الأمل في الارتقاء الاجتماعي من الماضي لا يبدو حاضرا مرة أخرى، حتى في الدول الإمبريالية.

الأرض، في منتصف القرن الحادي والعشرين، تعيش انحدارا اقتصاديا وثقافية وأخلاقيا وبيئيا. وصل عدد اللاجئين إلى 60 مليونا؛ البطالة تؤثر على أقلية من السكان تستخدمهم الرأسمالية كـ”جيش احتياط للعمل” اليوم تضرب كامل السكان. نصف الناس في حالة من الفقر والبؤس. وتلوح في الأفق أزمة عالمية جديدة.

لقد وصل مستوى العنف ضد المرأة والسود ومثليي الجنس إلى وضع غير محتمل. وهناك إشارات واضحة للبربرية في محيط جميع المدن الكبرى في العالم. والاحتباس الحراري يهدد مستقبل الكرة الأرضية.

مع مرور قرن على الثورة الروسية يجب أن نقدم هذا الاستنتاج: قبل أي وقت مضى، الفاصل الحقيقي الاشتراكية أو البربرية. إما أن يستعيد العمال نموذج الثورة الروسية، أو ستقود الرأسمالية العالم بشكل مؤكد إلى البربرية.

مع الإشارات المتصاعدة للبربرية، نلاحظ إشارات تعمق عدم الاستقرار الاقتصادي أو السياسي في أجزاء كبيرة من العالم. هناك استقطاب اجتماعي واقتصادي وسياسي ينمو بحيث يمكن أن ينتج سيرورات ثورية.

الاصلاحيون يقولون بأن الثورة الاشتراكية غير ممكنة لأن “جزء من الجماهير غير واع لها”. وهنا نود أن نذكر بكلمات لينين بهذا الشأن:

“ولكن عندما نأتي إلى دعم وتطوير تفاعلا ثورياً يغلي بين الجماهير، عندها يرد أكلرود عن هذه الأنشطة التكتيكية الثورية للجماهير بقوله “بأنها يمكن أن تبرر فقط إذا كنا على حافة ثورة اجتماعية، كما حدث في نموذج روسيا، حيث أعلنت تظاهرات الطلاب في العام 1901 عن وصول المعارك الحاسمة إلى الذروة ضد الحكم التسلطي، ولكن في الوقت الحالي يمكن أن تكون مثالية.

ينسى أكلرود ببساطة أن في روسيا العام 1901 لا يعلم أحد، أو من الممكن أن لا يكون معلوما، أن أول “معركة حاسمة” حصلت بعد أربع سنوات- ولم تكن “حاسمة”. وفقط نحن، الماركسيون الثوريون، كنا على حق في تلك النقطة: لم نسخر من كيرتشفيسكيو – مارتينوف، اللذان دعا إلى الهجوم مباشرة. فقط نصحنا العمال أن يلفظوا الانتهازيين من كل مكان ويدعموا ويشددوا ويوسعوا، بكامل قوتهم، التحركات، وجميع النشاطات الثورية الجماهيرية. إن الوضع الحالي في أوروبا متناظر بشكل كبير: لا يمكن أن يكون صادقا المطالبة بهجوم “مباشر”. ولكن من العار أن تطلق على نفسك “ديمقراطي-اشتراكي” ولا تنصح العمال أن يقطعوا مع العمال ولا يعززوا ويعمقوا ويوسعوا ويشددوا بجميع قواهم الحركة الثورية والحشود الصاعدة. الثورة لا تسقط من السماء أبدا، في بداية الانتفاضة الثورية لا يعرف أحد ما إذا يمكن أن تؤدي إلى “ثورة حقيقية”.

لقد كتب لينين هذا قبل عامين من ثورة أكتوبر، عندما كان يقاتل مع أقلية صغيرة، ضد الأحزاب الديمقراطية-الاشتراكية والتي كانت تستسلم أمام البرجوازية الإمبريالية في الحرب.

إننا لا نعلن عن ثورة اشتراكية خلال سنوات قليلة من الآن. هناك بالتأكيد طريقا طويلا أمام تأسيس قيادة ثورية مع تأثير الجماهير على البروليتاريا، كما حصل مع الحزب البلشفي. نحن نتحاور مع الإصلاحيين الذين يفعلون ما يمكنهم لتأخير وعي الجماهير ليدعوا فيما بعد بأن “تأخر الوعي” يجعل من الثورة أمرا مستحيلا. من خلال منهجية لينين، ندافع عن التشجيع على النضال المباشر للعمال بنفسهم للقطع مع القيادات الإصلاحية.

التعلم من الثورة الروسية

بالنسبة لنا، الثورة الروسية هي أكثر من حقيقة تاريخية، على الرغم من أنها نقطة هامة. هي عبارة عن مرجع لما يمكن فعله لتغيير العالم.

أكثر من مجرد الاحتفال بمرور مئة عام على ثورة 1917 كما لو أنها أمر حدث في الماضي، أو مجرد آثار. بالنسبة لنا، هي نموذج للتحرك.

لقد درس البلشفيون بعمق كومونة باريس ليكونوا قادرين على مواجهة التحديات التي واجهتهم في الثورة في روسيا. علينا أن ندرس الثورة الروسية، ونتعلم من ميزاتها وأخطائها، في حال طرحنا أنفسنا كمحركين للثورة الاشتراكية الجديدة يوماً ما.

لا ندعي أننا نفترض هذه التحديات في هذا المقال الأولي. هدفنا تحريض جميع الثوريين للقيام بذلك بشكل جماعي.

سنقترب فقط من جانبين من الجوانب الكثيرة التي تركتها لنا الثورة الروسية. الجانب الأول هو صراع البلاشفة ضد الإصلاحيين، والثاني تحليل كيف كانت الثورة الروسية على وشك الهزيمة من قبل الديمقراطية البرجوازية.

من المستحيل التقدم باتجاه الثورة بدون محاربة الفكر الإصلاحي

هذا التحليل اللينيني يعاكس الإدراك العام في النشاط السياسي: العديد من “اليسار” يعتقد بأنه نوع من العائلة تتضمن أكبر قطاع يساري وآخر أكثر يميني، ولكن يبقى الجميع ضمن العائلة نفسها.

فكر لينين يعاكس هذا. الإصلاحيون هم ممثلين للضغط البرجوازي على حركة العمال. إذا لم يقطع العمال مع الإصلاحية، ستكون الثورة مستحيلة. ليس الموضوع متعلق بترك التكتيكات الضرورية للعمل جانبا وإيجاد جبهة موحدة للحركة الجماهيرية. ولكن يجب أن يخدم الجدال النضال من أجل القيادة ووعي الجماهير وحركته ضد الأحزاب الإصلاحية.

إن تجربة الثورة الروسية تثبت هذا. المناشفة الإصلاحيون والاشتراكيون الثوريون كانوا أغلبية خلال أشهر العام 1917. خلال جميع المراحل رفضوا القطع مع البرجوازية والاستيلاء على السلطة. لم يوافقوا على إنهاء الحرب، ولم ينتزعوا ملكية الأراضي من أصحاب الأملاك الكبيرة.

فقط عندما أصبح البلاشفة أغلبية في المجالس المحلية كان من الممكن الاستيلاء على السلطة والقيام بالثورة.

تروتسكي عرف جيدا فهمنا للإصلاحية:

“إن الاتجاهات الثلاثة الحالية في الحركة العمالية- الإصلاحية والشيوعية والمركزية- تجري حكما بعيدا عن الظروف الموضوعية للبروليتاريا ضمن النظام الإمبريالي للبرجوازية. الإصلاحية هي اتجاه جاء من أعلى ومن الطبقات ذات الامتيازات لدى البروليتاريا ويعكس مصالحها. في بعض الدول خاصة، الارستقراطية العمالية والبيروقراطية من عقلية هامة جدا وطبقة ذات سلطة، في أغلب الحالات، هي برجوازية صغيرة بفضل الظروف الجيدة التي تعيشها وطريقة التفكير؛ ولكن عليهم أن يطلقوا على أنفسهم بروليتاريا بسبب الطبقة التي جاؤوا منها. أعلى ما يمكن أن يحصلوا عليه هو التسامي على السلطة والتعايش بشكل جيد ضمن القناة البرلمانية البرجوازية…

إن المرحلة الإمبريالية للتطور، والتي تفاقم الأوضاع بشكل متصاعد، غالبا ما تجبر البرجوازية على تحويل المجموعة القائدة للإصلاحيين إلى نشطاء حقيقيين من أجل احتكارهم ودمجهم بالحكومة. وهذا ما يميز الدرجة العالية جدا للاعتماد على الإصلاحية في النظام البرجوازي الإمبريالي، وتضع ختما مميزا على نفسيتها وسياساتها، وجعلها مناسبة لتولي دفة القيادة في شؤون الدولة البرجوازية. في هذا المستوى العالي من “الإصلاحية” يمكن بالنهاية أن نقول “لا يملكون شيء ليخسروه إلا قيودهم”. وعلى العكس من ذلك، جميع رؤوساء الوزراء، والوزراء والمحافظين وأعضاء البرلمان وقادة الاتحادات، الثورة الاشتراكية تعني تجريدهم من جميع مواقع الامتياز. (ما هي المركزية؟ 1930 ص. 234-235).

في الوقت الحالي، الإصلاحية لا تعني حتى الدفاع كما كان في الماضي عن “البرلمانية من أجل الوصول للاشتراكية”. فهي تسعى فقط إلى الإصلاح من داخل الرأسمالية، من خلال الانتخابات. ومن أجل الوصول للسلطة، تشكل الديمقراطية الاشتراكية الحكومات البرجوازية والتي تطبق بشدة الخطط النيوليبرالية للبرجوازية. لقد كان طريقا متبوعا من قبل الديمقراطية الاشتراكية الأوروبية. سيريزا اليوناني والحزب الاشتراكي الإسباني أخذا هذه الأحزاب إلى أزمة كبيرة.

أحزاب إصلاحية جديدة برزت لاحتلال الفراغ السياسي الذي تركته أزمة الديمقراطية الاشتراكية، مثل سيريزا في اليونان، بوديموس في إسبانيا، الحزب الاشتراكي العمالي في البرازيل، والجبهة الموسعة في كوستاريكا. هذه الأحزاب تتشارك الإستراتيجية البرلمانية في الديمقراطية الاشتراكية.

إن تجربة سيريزا في حكومة اليونان تعتبر مثالا واضحاً، فبعد أن تم انتخابه بسبب معارضته لخطط الاتحاد الأوروبي، وبعد الاستفتاء والذي رفض من خلاله الشعب اليوناني الاعتراف بهذه الخطط، تبنى سيريزا خطة نيوليبرالية قاسية تبدو واضحة للعيان في البلاد.

حزب العمال البرازيلي أيضا اتبع طريق الديمقراطية الاشتراكية، قائدا الحكومات البرجوازية لثلاثين عاما في البرازيل، مما تسبب بقطع الكثير من العمال مع الحزب. عندما فقد حزب العمال أنصاره من أبناء الطبقة العاملة، سعت البرجوازية المشاركة في الحكومة مع حزب العمال إلى قيادة إجراءات الإطاحة بحزب العمال.

الحزب الاشتراكي العمالي، حزب إصلاحي جديد، تقدم باحثا عن ملء الفراغ الذي فتحته أزمة حزب العمال. لقد كان جزءا من ميدان البرجوازية حول حكومة حزب العمال، يدعم الحكومة “ضد انقلاب جناح اليمين”. لم يكن هناك أي انقلاب: لقد كان هناك حقلين برجوازيين (المعارضة البرجوازية من جناح اليمين وحكومة حزب العمال)، مع الحزب الاشتراكي العمالي وكامل الإصلاحيين الذين تحالفوا معهم.

الحزب الاشتراكي العمالي دعم حزب العمال ضد إجراءات المشاركة في ما يطلقوا عليه “ضد الانقلاب”. عندما أجروا حملة الانتخابات البلدية في ريو دي جانيرو، مارثيلوفريكسو، أحد أبرز شخصيات الحزب الاشتراكي العمالي، تقدم بحملة “ملتزم بالريو”، وبنص مشابه لـ “رسالة إلى البرازيليين” الخاصة بالرئيس السابق لولا، في العام 2002، ومن خلالها التزم باحترام جميع عقود “الميزانية المالية” الموقعة من قبل البرجوازيين.

الإصلاحية- القديمة والحديثة- تلعب دورا في القرن الحادي والعشرين كذراع للبرجوازية في الحركة الجماهيرية. ودرس الثورة الروسية يبقى: إذا لم نهزم الإصلاحية، سيكون من المستحيل أن تنتصر الثورة.

الديمقراطية البرجوازية والثورة

كتب تروتسكي نصا شهيرا، أطلق عليه ” دروس أكتوبر”، وفيه دعا الناشطين لدراسة الثورة. في هذا الكتاب، قارب اللحظة المصيرية عندما كانت الثورة على وشك أن تهزم.

في سبتمبر، قبل أقل من شهر على اندلاع ثورة أكتوبر، اللجنة المركزية البلشفية كانت منقسمة بشأن سياسية قبل البرلمان. بحسب تروتسكي:

“رأينا كيف اقتنع جناح اليمين بتطوير الثورة: المجالس المحلية التي حولت بشكل كبير مهماتها لتصل إلى مؤسسات مؤهلة، المحافظات والمجالس الريفية والاتحادات وأخيرا الجمعية التأسيسية، تخلت بهذا عن المشهد السياسي. من خلال ما قبل البرلمان، التفكير السياسي للجماهير يجب أن يركز على الجمعية العمومية، التي تتوج الثورة الديمقراطية. البلاشفة كانوا أغلبية في مجالس موسكو وبيتروغراد، تأثيرنا في الجيش نما شيئا فشيئا. لم يكن إلا مجرد تكهن بشأن الطريق الذي يمكن أن نختار السلوك فيه”.

بذلك عبّد المناشفة الإصلاحيون الطريق لحل السلطة المزدوجة للمؤسسات الديمقراطية البرجوازية، من خلال التركيز على ما قبل البرلمان والتأسيس. جناح اليمين في اللجنة المركزية البلشفية دافع عن هذا وكان أغلبية بهذا الشأن. فقط لينين ضغط للعودة إلى المعارضة وإجبار البلاشفة على التخلي عن ما قبل البرلمان. بعد أقل من شهر كانوا قد سيطروا على السلطة.

لسوء الحظ، لم يكن هذا نتيجة الثورة الألمانية، في العام 1919. نهاية الحرب الألمانية أدخلت البلاد في أزمة قاسية، وسقوط الملكية واستلام حكومة ديمقراطية-اشتراكية السلطة. المجالس العمالية تم تعميمها في كل البلاد. ولكن، المجلس الأول للعمال ومجالس الجنود، في ديسمبر 1918، صوت ضد اقتراح منح المجالس السلطات التشريعية والتنفيذية، والحفاظ على نظام المجالس “كمؤسسة لتأسيس الجمهورية الاشتراكية”. لقد صوتوا للجمعية التأسيسية. وهزيمة الثورة بدأت من هنا.

لهؤلاء الذين لا يزالون يعتقدون بأن الثوريين والإصلاحيين لا يزالون “عائلة” رغم الاختلافات، من الجيد أن يتذكروا أن الحكومة الديمقراطية الاشتراكية الألمانية قتلت روزا لوكسومبيرغ وكارل ليبكينخت في العام1919.

كانت الديمقراطية البرجوازية تستخدم لحرف الثورة وهزيمتها مرات كثيرة عبر التاريخ. هذا ما حصل في الثورة البرتغالية من 1974-1975 والثورة في أمريكا الوسطى وفي نهاية السبعينات.

هذه هي السمة الرئيسية التي أصبحت عليها السياسة الإمبريالية منذ حكومات كارتر في الولايات المتحدة، وكانت حاسمة لحرف الثورات في أمريكا اللاتينية منذ بداية القران الواحد والعشرين، في الإكوادور وبوليفيا والأرجنتين.

لا يزال ضغط الديمقراطية البرجوازية ذي تأثير كبير على اليسار في الوقت الحالي. فاتفاق السلام بين فارك والحكومة الكولومبية هو جزء من هذا. هو جزء من نفس الحجة التي أخذت بها القيادات الفدائية في نيكاراغوا والسلفادور للإندماج في الديمقراطية البرجوازية.

هل الاشتراكية مثالية خيالية؟

يعتقد الكثير من العمال بأن الاشتراكية مجرد مثالية. لا يستطيعون أن يروا كيف تصل الإنسانية إلى هذا المستوى، وهنا نذكّر بمقطع من كتابات تروتسكي:

“المبدأ المادي للشيوعية يجب أن يكون عال جدا لتطوير قوى الاقتصاد للإنسان الذي ينتج العمل، لقد توقف أن يكون عبئا، وهذا لا يتطلب أي منجل، وتوزيع مناجل الحياة، موجود بوفرة مستمرة، لا يتطلب، كما يفعل في أي بيت لعائلة ثرية أو في منزل لائق، أي تحكم باستثناء التربية، والعادات والآراء الاجتماعية. أعتقد بأنه سيكون قلة من الفطنة اعتبار هذا المنظور المعتدل حقا “مجرد خيال”.

ساعدت الرأسمالية على تجهييز الظروف والقوى من أجل الثورة الاشتراكية: التقنية، والعلم البروليتاريا. لا يمكن للهيكلية الشيوعية، على أية حال، أن تحل محل المجتمع البرجوازي. إن الميراث المادي والثقافي من الماضي يعتبر غير ملائم لهذا. في خطواتهم الأولى لا يمكن لدولة العمال أن تتيح فرص العمل للجميع “حسب المؤهلات”، وهذا، يعتمد على مقدراتهم ورغباتهم، ولا يمكن أن يكافئ الجميع “حسب حاجتهم”، بغض النظر عن العمل الذي يقومون به. ومن أجل زيادة قوى الإنتاج، من الضروري العودة إلى الأحكام التقليدية في دفع الرواتب، وهذا يعني توزيع السلع الحياتية بالتناسب مع نوعية وكمية العمل الفردي.

سمى ماركس المرحلة الأولى من المجتمع الجديد “المرحلة الدنيا من الشيوعية”، بتفريقها عن العليا، والتي تختفي مع أشباح عدم المساواة في الحصول على المواد الأساسية.

اليوم، تطور قوى الإنتاج قد يسمع بنهاية الجوع من العالم. وقد يكون هذا تقدما نوعيا. لا نزال ضمن مرحلة الاقتصاد الذي يعتمد على العمال، الذين لا يبحثون فقط عن الطعام. إذ تتنوع الحاجات حسب تطور التقنية.

حسب تروتسكي:

“الاتحاد السوفييتي، لنكون متأكدين، حتى الآن يتفوق في قوى الإنتاج وهو أكثر البلدان تطورا منذ عهد ماركس، ولكن في المقام الأول، في التنافس التاريخي لنظامين، إنها ليست مسألة جازمة في المستويات النسبية: الاقتصاد السوفييتي يعارض رأسمالية هتلر وبالدوين وروزفلت وليس بيسمارك وبالميرستون وأبراهام لينكولن. وثانيا، المجال الواسع للحاجات الإنسانية تتغير بشكل رئيسي مع تغير تطور التقنية العالمية. معاصرو ماركس لا يعرفون شيء عن المركبات والراديو والصور المتحركة والطيارات. إن النظام الاشتراكي، على أية حال، بدون تفكير لن يتطور بدون الاستمتاع المجاني بهذه البضائع”.

تحديثا لخطاب تروتسكي، أي مجتمع اشتراكي لن يكون متطورا بدون الاستخدام الحر للهواتف الذكية والكمبيوترات. هذا يعني أكثر من عدم إنكار أن تطور الكمبيوتر والإنترنت ووسائل الاتصال سوف يلغي الكثير من إدارات الشركات والمؤسسات. إن جمهورية ما تعتمد على المجالس المحلية ستكون لديها سهولة في التعامل مع الجماهير العاملة ومراقبة الدولة والمجتمع.

أن تكون واقعيا يعني أن تكون ثوريا

لقد تم اتهامنا لوقت طويل بأننا “غير واقعيين”، لأننا ندافع عن الثورة. نريد أن نقول بشكل دقيق لأننا واقعيون ندافع عن ثورة اشتراكية مشابهة لثورة روسيا 1917.

ما الذي سيدافع عنه “الواقعيون”؟ بشكل عام، يدافعون عن الإصلاحات الرأسمالية المتحالفة مع قطاعات برجوازية “تقدمية” من أجل الانتخابات. هل هذه حقا هي الواقعية؟ ما التغيرات التي سيحصلون عليها بهذه الطريقة؟

هذا كان الطريق المتبع من قبل الإصلاحيين. الكثيرون كان لديهم أمل بإصلاحات حزب العمال، من خلال التغيير عبر ومن داخل الدولة، بواسطة الانتخابات. حزب العمال الذي قد تغير بواسطة الدولة البرجوازية، واليوم يعد واحد من الأحزاب التي تنفذ خطط النيوليبرالية، وتتشارك معها في الفساد في كل حزب برجوازي.

آخرون كان لديهم أمل في القومية البرجوازية للتشافيزية، والتي أطلق عليها “اشتراكية القرن الحادي والعشرين”. تشافيز لم يكن لديه أية علاقة بالاشتراكية. لقد كانت قومية برجوازية ترفض تدخل الإمبريالية وتتطلع للاشتراكية. لنلقي نظرة على الوضع الحالي في فنزويلا.

نفس الاتجاه اتبع من قبل الإصلاحية الجديدة لسيريزا، في اليونان، ويمكن أن يتم إتباعه من قبل بوديموس والحزب الاشتراكي العمالي والجبهة الموسعة. هذا ليس طريقنا. فنحن ندافع عن نموذج الثورة الروسية. “الواقعية” بإصلاحييها الجدد والقدماء لا تقود إلى تغير عميق وقطع مع الرأسمالية. هذا هو الوهم، هذه هي المثالية الرجعية)

إن الجماهير العاملة تقاتل في كل أنحاء العالم. في الشرق الأوسط، وأوروبا وأميركا اللاتينية، الخطط النيوليبرالية، أكثر قسوة من أي وقت مضى، وهي تجبر العمال على التحرك والنزول إلى الشوارع. العمال يهزمون الحكومات، وفي كثير من الأوقات يظهر آخرون يكونون متشابهين أو اسوأ. القمع الوحشي للديكتاتوريات مثل النظام السوري يجبرون الناس للقتال بشكل بطولي. الفلسطينيون يواجهون دولة إسرائيل النازية-الفاشية.

الطريق الحقيقي للثورة صعب ومليء بالتقدم والتأخر. العديد ينهزم، ولا يوجد الكثير من الانتصارات. ولكن هذه هي الطريقة الوحيدة الممكنة. فقط من خلال التعبئة الثورية للطبقة العاملة وقطاعات مستغلة أخرى نستطيع، في يوم ما، إنهاء الرأسمالية، والبؤس، والمجاعة والبطالة وكافة أنواع القمع، وفقر نظام الصحة والتعليم، تماما كما فعلت الثورة الروسية.

للتقدم في هذا الاتجاه، نحن بحاجة إلى التغلب على أزمة القيادة الثورية، ولنقل على سيطرة القيادات الإصلاحية وضعف القيادات الثورية. إن أفضل تقدير للثورة الروسية هو إتباع نموذجها في الوقت الحالي. وفي تحويل المستحيل إلى ممكن.