الأربعاء أغسطس 10, 2022
الأربعاء, أغسطس 10, 2022

عام على انتفاضة “كل فلسطين”.. ماذا بعد؟

فلسطينعام على انتفاضة "كل فلسطين".. ماذا بعد؟

بقلم تامر خرمه

الثورة الفلسطينية المستمرة لم تشأ أن يصادف يوم النكبة هذا العام دون تسجيل مرور سنة على اندلاع انتفاضة “كل فلسطين” في شهر أيار/ مايو الماضي، التي جسدت رد الفعل الطبيعي على استمرارية هذه النكبة، وأعادت الاعتبار لوحدة الأرض والشعب، وعالمية القضية الفلسطينية، في مواجهة الانحرافات السلطوية الناتجة عن خرافة “حل الدولتين”، وارتداداتها التي ترجمها سباق التهاوي إلى التطبيع مع احتلال يتنافى في وجوده المحض مع السياق التاريخي للمنطقة بأسرها.
أحداث حي الشيخ جرّاح، التي شهدها العام الماضي، والتي نتجت عنها هبة جماهيرية امتدت إلى مختلف الأراضي الفلسطينية المحتلة، كانت التعبير الأصدق، منذ عقود، عن إرادة الشعب الفلسطيني، الذي لا يزال يناضل ضد نكبته المستمرة حتى يومنا هذا، فالقضية لم تكن إطلاقا مجرد مسألة إقامة دولة، أو صناعة سلطة تتشدق بشرعية تمثيلية، بل هي باختصار: قضية عودة وتحرير. لذا، فقد جاءت هذه الانتفاضة لتكون الرد الحاسم ضد كل الحلول التسووية، والرهانات البائسة على إمكانية استجداء الحقوق التاريخية.
منذ توقيع اتفاقية أوسلو، إلى بدء ماراثون التطبيع الرسمي العربي مع الاحتلال، مرورا بالانقسام السياسي بين سلطتي رام الله وغزة، والاحتلال الصهيوني يحقق مكاسب حاسمة على أرض الواقع، قد لا تقل بشاعتها، بالنسبة للقضية الفلسطينية، عن نكسة حزيران/ يونيو في العام 1967. حتى الزخم الأممي، الذي لطالما أحاط بهذه القضية، تراجع إلى مستويات كارثية، قبل أن تتمكن انتفاضة كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة من ضبط البوصلة وفقا لاتجاهها الصحيح، وإعادة الاعتبار لقضية اللاجئين على المستوى الأممي، ما انعكس على أشكال النضال خارج الأراضي المحتلة، ولا سيما في مجالات الإعلام، والنضال الحقوقي، إلى جانب حملات مقاطعة الكيان الصهيوني.

الإعلام البديل

الإعلام الغربي، الذي لا يكاد يترك محطة سياسية تمر دون التعبير عن انحيازه السافر للرواية الصهيونية، لم يتمكن، خلال هبة الشيخ جراح، من المضي في تجاهله المطلق لاستمرارية نكبة فلسطين، التي لا تزال تعبر عنها عمليات التهجير القسري، والتوسع الاستيطاني الإحلالي. فكان مضطرا إلى تسليط الضوء على هذه القضية، دون أن يخفي اعترافه الصريح بأن “الوجود الإسرائيلي في القدس الشرقية” هو في حقيقة الأمر: احتلال “لا تعترف به غالبية المجتمع الدولي” (كما فعلت “بي بي سي” في تقريرها الصادر يوم 2 آب/ أغسطس 2021، أو فرانس 24، في 11 حزيران الماضي). لكن، ليس هذا “الاعتراف” المستند إلى “حل الدولتين” هو الجديد أو المهم في الأمر، وإنما إعادة تسليط الضوء على راهنية التهجير بوصفه نكبة مستمرة، مقترنة بوجود الاحتلال وبقائه.
على أي حال، ليست “حيادية” هذا الإعلام الزائفة، أو “موضوعيته” المبتورة، هما اللتان دفعتاه للاهتمام بما تعانيه القدس المحتلة، وإنما المقاومة الشعبية هي التي أعادت وضع القضية في مكانها الطبيعي في أعلى سلم أولويات الصحافة العالمية، التي رغم محاولتها تزييف كثير من الحقائق، لم تفلح في إخفاء كل الحقيقة. هذا ما أرغم وكالة رويترز، مثلا، على نشر أحد تقاريرها الصادر في 10 أيار/ مايو 2021 تحت عنوان: “الشيخ جراح في القدس الشرقية يصبح أيقونة للنضال الفلسطيني”.
رغم هذا، من العبث الرهان على المؤسسات الإعلامية الغربية، وحتى بعض وسائل الإعلام الرسمي العربي، في نقل الحقيقة كما هي دون تلاعب أو تزييف، لذا كان من البديهي أن تتزامن مع انتفاضة الكل الفلسطيني انتفاضات إلكترونية كشفت حقيقة كثير من تلك المؤسسات، ونقلت الصوت والصورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل وترجمت إلى مسيرات جماهيرية في كثير من مدن وعواصم العالم، بما فيها الأميركية الشمالية والأوروبية الغربية. حتى أن قمع بعض تلك المسيرات، خاصة في باريس وبرلين، عرى تلك الأنظمة المنحازة للاحتلال الصهيوني، إضافة إلى أنه، في نهاية الأمر، زاد من سرعة وتيرة التضامن الشعبي الأممي مع قضية فلسطين.. وهكذا نجحت المقاومة الشعبية الفلسطينية -ولو لحظيا- في استغلال الفضاء الإلكتروني لخلق إعلام أممي بديل، يخدم حملات مقاطعة الكيان الصهيوني، ويعيد الاعتبار إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية أممية.

المعركة الحقوقية

قبل اندلاع هبة باب العامود كانت منظمة “هيومن رايتس ووتش” قد أصدرت تقريرا في 27 نيسان/ إبريل تحت عنوان: “تجاوزوا الحد.. السلطات الإسرائيلية وجريمتا الفصل العنصري والاضطهاد”. التقرير كان له صدى أمميا عاصفا بالنسبة للاحتلال الذي لم تجد تلك المنظمة، أخيرا، مناصا من وصفه بحقيقته باعتباره نظام فصل عنصري. وبعد اندلاع الهبة/ الانتفاضة، توالت التقارير الصادرة عن عدة منظمات حقوقية لإدانة هذا النظام، والتنديد بجرائم الاحتلال. كان أبرز آخر تلك التقارير ما صدر عن منظمة العفو الدولية في 1 شباط/ فبراير من العام الجاري، الذي ورد فيه أن “الفصل العنصري الذي تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين نظام هيمنة قاس، وجريمة ضد الإنسانية”. كما طالب التقرير بـ”مساءلة السلطات الإسرائيلية”، داعيا المحكمة الجنائية الدولية إلى النظر في هذه الجريمة، وجميع الدول إلى “ممارسة الولاية القضائية الشاملة، وتقديم مرتكبي جرائم الفصل العنصري إلى العدالة”.
تقرير آخر أدان الاحتلال بجريمة الفصل العنصري كان قد صدر في نهاية شباط الماضي عن مركز حقوق الإنسان في كلية القانون بجامعة هارفرد الأميركية، بالتعاون مع مؤسسة الضمير الفلسطينية. وتم تقديم هذا التقرير إلى الأمم المتحدة في أوائل آذار/ مارس. وكان الموقع الرسمي للأمم المتحدة قد نشر بيانا في 19 كانون الثاني/ يناير من العام الجاري جاء فيه: “إن سياسات الإسكان الإسرائيلية في القدس الشرقية ترقى إلى مستوى الفصل العنصري والتمييز ضد الشعب الفلسطيني”. لكن لعل أهم ما ورد من مختلف التقارير والبيانات الحقوقية هو ما نشرته منظمة العفو الدولية بمناسبة مرور 74 عاما على النكبة، حيث قالت: “أصبحت النكبة رمزا للاضطهاد الذي يواجهه الفلسطينيون كل يوم”، وأضافت: “بعد مرور أربعة وسبعين عاما على طردهم، لا تزال معاناة وتهجير اللاجئين الفلسطينيين حقيقة مستمرة”.
رغم كل هذا، من العبث انتظار “المجتمع الدولي” لتحقيق العدالة للقضية الفلسطينية وإنهاء النكبة المستمرة دون مقاومة شعبية دائمة تحقق تلازم وتكامل كل أشكال ووسائل النضال في كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة، ليمتد إلى الخارج عبر خلق إعلام بديل يحافظ على المكانة الأممية للقضية، ويحشد الرأي العام في مواجهة السردية الصهيونية، بالتوازي مع النضال الحقوقي لانتزاع المزيد من المكاسب للمقاومة، وللحملات الهادفة إلى مقاطعة “إسرائيل” وعزلها. لكن حتى هذا لن يكون فاعلا خارج إطار الكفاح من أجل تحرير كل فلسطين، فوجود أي تعبير للمشروع الصهيوني لا يعني إلا استمرار النكبة، وتهديد مستقبل كل شعوب المنطقة، بل والعالم بأسره. انتفاضة “كل فلسطين” حددت بشكل واضح المسار الوحيد لفرض العدالة، والاكتفاء بمجرد وصفها بالهبة يتناقض مع طبيعتها التي تحتم استمراريتها في محطات لاحقة، طالما بقي الاحتلال واقعا متحققا. لذا، فإن تطوير مختلف أشكال النضال، داخل فلسطين وخارجها، بات مهمة مركزية لتحقيق الإمكانية الواقعية لتحرير فلسطين.. كل فلسطين.

ننوّه إلى أن الآراء الواردة في المواد المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن آراء ومواقف “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”

Check out our other content

Check out other tags:

Most Popular Articles