‫الرئيسية‬ نظرية النبي المسلّح: ملحق الفصل الثالث (98)
نظرية - 2022-01-16

النبي المسلّح: ملحق الفصل الثالث (98)

ملاحظات حول كتابات تروتسكي العسكرية ج1

 

 

لا يمكن إنجاز ملخص لنشاطات تروتسكي العسكرية دون الكلام قليلا على كتاباته العسكرية. إن الأديب لم يختف ابدأ لدى مؤسس الجيش الأحمر وقائده. فلقد أحس تروتسکی، حتى وسط دخان المعارك، بالحاجة لصياغة تجاربه وأفكاره وللتعبير عنها. ودراساته العسكرية، وخطبه، وأوامره اليومية تؤلف اجزاء عديدة. وهي تتمتع بمميزات متناقضة من مثل الانطلاقة الرومانسية، والواقعية العملية، وأحيانا نفاذ شبه فلسفي.

ويروي رادك أنه حين أصبح تروتسكي مفوضاً للحرب، لم يكن قرأ إلا بعض الأعمال العسكرية: الجيش الجديد لجوري، تاريخ الحرب الطويل لشولز، أحد الاشتراكيين الألمان، والدراسات النقدية لفرانز مهرنغ حول فريدريك الكبير. ورادك يضيّق دون أدنى شك تكوين تروتسكي النظري ليبرز بشكل أفضل ضخامة نجاحه. فخلال حروب البلقان، والسنوات الأولى من الحرب العالمية، درس تروتسكي الأدب العسكري الرائج. ومن المؤكد أنه كان يعرف كتابات كلوزفيتز عن كثب، مثله مثل لينين، وهو يستشهد بتلك الكتابات في الغالب ويتأثر بروح صاحبها في طريقة تصديه للمشكلات. لكن رادك محق حين يقول إن المؤلف الذي اثر اکبر تأثير على تروتسكي هو الجيش الجديد لجوريس، وهو بلا شك عمل مؤرخ كبير وديمقراطي اشتراكي كبير، لكنه ليس عمل خبير عسكري.

في هذا المؤلف، يحاول جوريس أن يوفق وجهين لسياسته الخاصة: نضاله ضد سلك الضباط الفرنسيين الرجعي، الذي برز تأثيره في حقل السياسة الداخلية في فترة قضية دريفوس، ورغبته الوطنية في أن يرى الجمهورية الفرنسية مجهزة بجيش صلب قادر على الدفاع عنها. وقد تصور إصلاحا للجيش يتناسب، كما كان يأمل، مع الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي كانت ستحول فرنسا البورجوازية إلى «جمهورية اشتراكية». كان ينادي باستبدال الجيش الدائم بميليشيات، فالجيش الدائم المحصور والمدرّب في عالم الثكنات الضيق، المعزول بشكل مصطنع عن المجتمع المدني والموضوع في تعارض کامن معه، كان المصدر الرئيسي للقوة السياسية لسلك الضباط. أما الميلشيات فينبغي أن تكون قاعدتها وحدات الانتاج، والمصانع، والتجمعات القروية. ويحصل أعضاء الميليشيات على تدريب محلي، ويواصلون الحياة والعمل كمواطنين عاديين لا يكرسون انفسهم لتكوينهم العسكري إلا نصفياً أو بصورة متقطعة. تصبح الميلشيات عندئذ مرتبطة عضوياً بالجماعة المدنية ومندمجة بها لدرجة أنه ما من جنرال طموح، وما من زمرة عسكرية يمكنها استخدامها كأداة سياسية.

احتفظ تروتسكي بفكرة جوريس الأساسية لكنه دمجها في سياق مختلف. كان جوريس يعتقد أن من الممكن إضفاء الديمقراطية على الجيش، وجعله میلیشیا، حتى في ظل النظام الرأسمالي. أما تروتسكي فكان يرى في ذلك سقوطا في الوهم الاصلاحي. إن المعارضة، الحقيقية أو الافتراضية، للجيش الدائم بالمجتمع المدني كانت تعكس بنظره النزاع بين مصلحة الطبقات المالكة، التي كان الجيش يدافع عنها كملاذ أخير لها، ومصالح الطبقة العاملة. وقد قال تروتسكي أن الجيش لن يندمج بالشعب ويتماثل معه إلا حين تفرض مصالح الطبقة العاملة نفسها. ويصلح إلغاء الجيش الدائم للدولة التي تمحى شيئا فشيئا، وتضمحل تدريجيا، كما ينبغي أن تفعل الدولة البروليتارية نظرياً.

إلا أن تروتسكي اعطى الجيش الأحمر بنية جيش دائم. وأوضح أنه لا يمكن لنظام الميليشيات أن يعطي كامل نتائجه إلا في مجتمع عالي التصنيع والتنظيم والتمدن. كان السياق الروسي يملي على الجيش الأحمر مبادئ تنظيمه، الشبيهة جدا بتلك التي كانت تحكم بنية الجيش القيصري. والفرق بين الجيشين سياسي واجتماعي وليس على الصعيد العسكري البحت.

كان تروتسكي يقدم عمله كضرورة مؤقتة، ويلح على أن يجعل الحزب والحكومة من نظام الميليشيا هدفها النهائي. وعرض وجهة النظر هذه في «الأطروحات» التي طرحها في المؤتمر الثامن للحزب في آذار/ مارس ۱۹۱۹، والتي دافع عنها سوکولنیکوف أمام المؤتمر، بغيابه.

كان يتصور اليوم الذي يتلقى فيه الناس تكوينا عسكريا، لا داخل الثكنات، بل ضمن شروط تشبه إلى حد بعيد شروط العمل اليومي للعمال والفلاحين. ولا يمكن البدء بتطبيق نظام كهذا تطبيقا جديا قبل نهضة صناعية. لكن تروتسكي كان يلح على أنه يمكن منذ الآن بناء ثكنات تشبه مدارس عسكرية وعامة، ولا تكون فقط حقول تدريب. وكان الضباط في الجيش الأحمر يعينون ولا ينتخبون، لكن تروتسكي كان يتصور للمستقبل عودة إلى نظام الانتخاب. وقد تبنى المؤتمر الثامن «أطروحات تروتسكي، واستعادها المؤتمر التاسع ايضا».

لكنها أثارت جبلا من الانتقادات حوالى نهاية الحرب الأهلية، حين قام تروتسکی بأولى محاولاته لوضعها موضع التطبيق. فالضباط المحترفون القدامى فوجئوا بأن يروا ذلك الذي كان مركز الجيش بقوة والذي استأصل منه روح الغوار، يدافع عن تنظيم عسکري يذكر، في نظرهم، بصورة مزعجة بتنظيم الحرس الاحمر القديم. وما كان في وسعهم أن يتصوروا جدياً أنه يمكن تكوين جيش، وتدريبه وتعويده على انضباط العمل الجماعي، في غير الثكنات. وقد رد تروتسكي على احد منتقديه، الجنرال فیشن، مؤلف كتاب في الاستراتيجية، والأستاذ في الأكاديمية العسكرية، مدافعاً عن «جوريس الحالم»:

«إذا كان الأستاذ سفیشن يعتقد أن الحزب الشيوعي استلم السلطة ليحل محل الثكنات مثلثة الألوان (القيصرية) ثكنات حمراء، فهو مخدوع جداً. والاحتجاج بأن القيادة في نظام الميليشيا لا تمسك بسلطة حقيقية، إنما هو برهان على عمى سياسي مدهش. ربما لم يتم إرساء سلطة قيادة الجيش الأحمر الراهنة في الثكنات؟ …. لا ترتكز السلطة على تنويم مغناطيسي ملائم خاص بالثكنات، لكن على قوة جذب النظام السوفياتي والحزب الشيوعي. لقد نسي البروفيسور سفیشن ببساطة أن يأخذ بالحسبان الثورة والانقلاب الروحي الضخم الذي ولدته… بالنسبة إليه. أن المرتزق الجاهل والسكير، الذي نهشه الزهري وخبلته الكاثوليكية، وكان يخدم في معسكر فالنستان، والمتدرب على الحرفة الذي دمر الباستيل بقيادة صحفيين ومحامين، والعامل السكسوني، عضو الحزب الاشتراكي الديمقراطي في 1914-1918، والبروليتاري الروسي الذي استولى على السلطة للمرة الأولى في التاريخ، كلهم هم بالنسبة إليه من لحم المدافع ذاته الذي ينبغي الاعتناء به في الثكنات. أليست هذه سخرية بالتاريخ؟».

«إن تطور النظام الشيوعي سيتم بالتوازي مع التطور الروحي لجمهور الشعب الواسع. وما لم يعطه الحزب إلى الآن بشكل رئيسي إلا للعمال المتقدمين، سوف يعطيه المجتمع الجديد لمجمل الشعب، أكثر فأكثر … وبمعنى ما «حل» الحزب بالنسبة لأعضائه «محل» الثكنات؛ أعطاهم حس ضرورة التضامن الداخلي، وجعلهم قادرين على التضحية بأنفسهم وخوض نضال جماعي. سوف يفعل المجتمع الشيوعي الشيء ذاته لكن على مستوى أوسع بما لا يقاس… إن روح التعاون هي في معناها الأوسع روح الجماعية. وهي لا يمكن أن تولد في ثكنة وحسب، بل كذلك في مدرسة منظمة بشكل مناسب، لا سیما إذا كان التعليم مدموج فيها بالعمل الفيزيائي. يمكن أن تتطور بفضل مبدأ التعاون في العمل، ويمكن أن تنمو بواسطة الممارسة المعممة والذكية للرياضة. وإذا كانت الميليشيات ترتكز على المجموعات الطبيعية، الاقتصادية – المهنية في المجتمع الجديد، وعلى الكومونات القروية، والمشتركات البلدية، والجمعيات الصناعية … التي توحدها داخلياً المدرسة، والجمعية الرياضية وشروط العمل، ستشهد الميليشيا إذاك حس «تضامن» لا مثيل له وذا ميزة أسمى بكثير من ميزة الفيالق المكونة في الثكنات.

کا انه جری انتقاد نظام الميليشيات داخل الحزب حيث طلبت إعادة النظر في القرارات المتبناة لصالحه. وخلال مؤتمر للمفوضين في الجيوش، في نهاية 1920، قدم سميلغا حججا مقنعة ضد نظام الميليشيات. وأوضح أن معظم الفيالق والفرق في هذا النظام ستكون مؤلفة بصورة شبه حصرية من الموجيك، وان الوحدات المكونة من عناصر تنتمي إلى البروليتاريا الصناعية ستكون قليلة العدد ومعزولة عن باقي الجيش، وهو ما يمكن أن يعرض للخطر ديكتاتورية البروليتاريا؛ وانه لا غنى للبلاشفة عن توزيع العناصر البروليتارية في الجيش بأسره، وهو ما لا يتناسب مع التنظيم الجغرافي – الاقتصادي للميليشيات. وكان سميلغا يؤكد أن الميليشيات ستكون رديئة على المستوى العسكري ايضا. فروسيا بشبكتها من السكك الحديدية المبعثرة والرديئة ستكون عاجزة في حالة الحرب عن القيام بتعبئة بالسرعة المتوخاة وعن تركيز ميليشياتها في النقاط الاستراتيجية. سيكون للغازي متسع من الوقت ليبلغ الفولغا قبل أن تصبح روسيا قادرة على القتال. وقال سميلغا إن للميليشيات طابعاً دفاعياً بشكل أساسي. وإذا كان وقع جوريس تحت إغراء نظام الميليشيا فلأنه انطلق من تمييز غير واقعي ابدا بين الحرب الهجومية والحرب الدفاعية. فلكي يكون نظام الميليشيات قابلا للحياة يفترض ما يلي: درجة عالية جدا من التصنيع، طبقة عاملة كبيرة العدد، ومتقدمة تقنياً ومثقفة نسبية؛ شبكة كثيفة جداً من طرق المواصلات. وينجم عن ذلك أن روسيا لا تستطيع الاستغناء عن الجيش الدائم.

وقد اعترف تروتسكي بصحة الجزء الأكبر من هذا التحليل النقدي، لكنه استمر في تقديم الميليشيات کالهدف النهائي للسياسة العسكرية. وفي عام 1921، خلق ثلاث فرق من الميليشيا، على سبيل التجربة، في بتروغراد، وفي موسكو، وفي الأورال. لكنه أوصى هو ذاته بالحذر. كانت تلك فترة اضطراب واستياء شعبي. وقد قال: «إذا كان عمال الأورال سيموتون جوعا، فستكون التجربة كارثة». «لا يمكن القول بصورة مجردة أي نظام أفضل؛ لا يجب محاولة حل هذه المشكلة كما لو كانت مسألة رياضيات، بل يجب معالجتها كمشكلة سياسية واجتماعية يتعلق حلها بالظروف المسيطرة». إلا أنه في السنوات اللاحقة، أعيد تنظيم ما يقرب من ثلاثة أرباع الجيش الأحمر في وحدات اقليمية، وربع واحد على اساس الجيش الدائم. كانت التجربة تمضي أبعد مما يمكن لروسيا أن تسمح لنفسها. وسوف يعاد تنظيم كل الجيش الأحمر في الثلاثينات، تحت التهديد بالحرب العالمية الثانية، ويعاد تحويله إلى جيش دائم. أما مبررات هذا الإصلاح المضاد، الذي قام به ستالين وتوخاتشيفسكي، فكانت تلك التي عددها سميلغا عام 1920. ومن جهة أخرى، كان الإصلاح المضاد يتناسب مع الاتجاه العام إلى السلطوية في تلك الفترة.

إن مسائل العقيدة العسكرية تحتل مقاما مهماً في كتابات تروتسكي. وهو لا يدعي أية فرادة في هذا المجال، لكنه حمل إلى دراسة هذه المسائل سعة نظر تاريخية، وتصدى لها بجدة وأصالة إذا لم تكونا كافيتين لصنع نظرية عسكرية جديدة، فقد فعلتا الكثير لمنع الجيش الأحمر من تحمل نفقات تحيز مذهبي. كان على تروتسكي أن يناضل، من جهة، ضد الجنرالات القدامى، ومن جهة أخرى، ضد الضباط الثوريين الشباب. وكان يتكلم إلى الأولين كمجدد يهاجم عاداتهم المحافظة في التفكير، ويبدو للآخرين، كبطل للاورثوذكسية العسكرية.

كان تروتسکی المحرك والملهم للأكاديمية العسكرية في موسكو، حيث كان الجنرالات القدامى اساتذة ومحاضرين. وقد حاول جهده أن يحدث النظام التربوي في الاكاديمية، وأن يخلصه من كل تحذلق، ويجعله يستفيد من التجارب الاخيرة للحرب.

هكذا هاجم في احدى المرات كُتّاب الاكاديمية الذين أخذ عليهم أسلوبهم التاريخي المزيف، والجامد، والذين شجعهم على أن يحذوا حذو الكُتاب الفرنسيين، الذين كانوا يعرفون، حسبما قال، أن يجمعوا إلى البحث التاريخي دراسة الحرب المعاصرة وسياقها السوسيولوجي. كان الأكاديميون ينظرون إلى الحرب الأهلية بنوع من الاحتقار، كبنت زنى للاستراتيجية الكبرى. ورد تروتسكي عليهم بتبرم:

«بینکم من يقول إن الفن العسكري لا يلعب أي دور في الحرب الأهلية الراهنة، في الحرب الصغرى. أما أنا فأقول لكم، أيها السادة الاختصاصيون العسكريون إن في ذلك برهانا على جهل فريد … فالحرب الاهلية، بجبهاتها المتحركة جدا والمرنة، تقدم حقلاً خيالياً للمبادرة الحقيقية وللفن العسكري. والمشكلة هنا هي ذاتها التي في أي مكان آخر: الحصول على الحد الأقصى من النتائج عبر إنفاق الحد الأدنى من القوى … إن الحرب (العالمية) الاخيرة هي بالضبط … الحرب التي كانت تترك القليل من المجال لفن الاستراتيجية. وحين تجمدت الجبهة العملاقة، الممتدة من الساحل البلجيكي حتى سويسرا، أصبحت الحرب آلية، وحُصرت الاستراتيجية في الحد الأدنى، وكان كل شيء يرتكز على استنزاف القوى المتحاربة. أما حربنا فاستندت، على العكس، إلى الحركية والمناورة اللتين كانتا تسمحان للمواهب الكبرى بالبروز….».

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: الفصل الثالث عشر (97)

‫شاهد أيضًا‬

النبي المسلّح: الفصل الرابع عشر (106)

هزيمة في الإنتصار ج7 في عام ۱۹۲۱ فقط، بادرت حكومة لينين إلى منع كل معارضة منظمة داخل السوف…