‫الرئيسية‬ نظرية النبي المسلّح: الفصل الثالث عشر (97)
نظرية - 2022-01-13

النبي المسلّح: الفصل الثالث عشر (97)

الثورة والفتح.. ج 5

 

انتهى لينين إلى إدراك فظاظة موقفه، فاعترف بخطئه، وأعلن عن معارضته لتصدير الثورة على رؤوس الحراب، ودعم تروتسكي في نضاله من أجل الصلح. تغلب الثوري العظيم فيه على اللاعب الثوري.

إلا أن هذا الخطأ لم يكن ثمرة الصدفة أو عدم الاتساق. كان مصدره خوف البلاشفة من الانعزال، وهو خوف كان يشعر به كل قادة الحزب، لكنه كان يؤثر على أعمالهم بشكل مختلف. فالزحف على فارصوفيا كان محاولة يائسة للخروج من تلك العزلة؛ وقد اخفق لكن ستكون له انعكاسات عميقة على منظورات الحزب. ففكرة الثورة عن طريق الفتح، نفذت إلى أعماق الروح البلشفية، وتخمرت فيها وأفسدتها. وبعض البلاشفة الذين فكروا في التجربة توصلوا إلى الاعتقاد بأن المحزن ليس محاولة نقل الثورة الى الخارج بل إخفاق تلك المحاولة؛ فلو تمكن الجيش الأحمر من الاستيلاء على فارصوفيا لأرسى فيها ديكتاتورية بروليتارية، شاء العمال البولونيون أو أبوا. كان إيماناً بليداً برأي بورجوازي مسبق بائس الاعتقاد بأن الثورة التي تستجيب لرغبات الشعب وتمنياته هي وحدها التي ترتكز على أساسات صلبة. أما الدرس الرئيسي الذي يجب استخلاصه من القضية فهو ضرورة التسلح جيدا وإعداد النفس بشكل أفضل في المرة القادمة.

سوف نتفحص في الفصل اللاحق تجارب البلاشفة في السياسة الداخلية التي دعمت لديهم طريقة النظر هذه وغذتها. ويكفي هنا القول ان هذه الطريقة ظهرت لدى أعضاء المكتب السياسي الذين كانوا يريدون استئناف القتال ضد بولونيا. لكن لم يكن يمكن للبلاشفة القدامى الدفاع عنها إلا في جلساتهم الخاصة وبنوع من الخجل. لم يكونوا قادرين على المناداة علنا بتلك الأفكار أو رفعها لمستوى مبدأ. زد على ذلك أنه كان من طبيعة تلك الأفكار بالذات ألا تستطيع أن تكون مجالا لتصريحات علنية. لم يكن ممكنا تحدي التراث الماركسي جهاراً، هذا التراث الذي كان لا يزال حيا لدى القادة البلاشفة لدرجة أنه كان يسم كل مناهجهم الفكرية ويمنعهم من دفع خط تفكيرهم الجديد إلى نهاياته. حتى بعد ثلاثين عاما، لن يقبل ستالين التسليم بأنه أيد الثورة عن طريق الفتح، مع أنه لجأ إليها على مستوى واسع. ولا بد أنه كان أصعب بكثير أن يعترف البلاشفة بالأمر، حتى لأنفسهم، في عام ۱۹۲۰.

لكن فكرة كانت تهيم على وجهها سرعان ما وجدت ناطقاً بلسانها. فبعد نهاية حرب بولونيا بقليل جعل توخاتشفسكي من نفسه محامياً للثورة عن طريق الفتح. لم يكن مر وقت على هزيمته في الفيستول، الاخفاق الوحيد – لكن أي إخفاق – الذي مني به منذ صعوده کشهاب. فهو انضم إلى البلشفية عام ۱۹۱۸، بينما كان لا يزال ضابطا شاباً، واصبح الآن، في السادسة والعشرين من عمره، الجنرال الأكثر هيبة والأكثر شهرة في الجيش الأحمر. كان إخلاصه للنظام السوفياتي فوق كل الشبهات، لكن إذا كان جنديا للثورة فهو لم يكن ثورياً. لم تكن تشده تقاليد الحزب، وهو كان يستلهم نابوليون أكثر مما يستلهم مارکس. لم يكن يفهم لماذا استمر البلاشفة يصبون اللعنة على كل من كانوا يتكلمون على حمل الثورة الى الخارج على رؤوس الحراب. وقد عرض وجهات نظره في دراسات ومحاضرات في الأكاديمية العسكرية . كان يؤكد أنه ممكن وشرعي بالنسبة للجيش الأحمر أن يفرض الثورة «من الخارج» على بلد رأسمالي.. وفيما بعد، توصل إلى اقتراح خلق هيئة أركان عامة أممية للجيش الأحمر، تقود النشاطات العسكرية الثورية في كل البلدان. إن توخاتشيفسكي ذا الذكاء المحتدم والفريد والجريء كان يهاجم محرمات الحزب جهاراً، لكنه كان يقدم افكاره بشكل متطرف للغاية بحيث لم يكن يستطيع أن یکسب إليها الكثير من الناس. وكان قادة آخرون للحرب الاهلية مستعدين لاستعادة تلك الأفكار لحسابهم الخاص، بعد تلطيفها بشكل ملائم. والثابت أنه كان ثمة رابط منطقي بين افكار توخاتشيفسكي ونظرية جيش أحمر ذي طابع هجومي صريح.

ناضل تروتسكي ضد هذا التيار الجديد. وغداة حرب بولونيا، حذر البلاشفة من محاولة حمل الثورة الى الخارج بقوة السلاح، وهو تحذير يرصع حقا كل خطبه وكتاباته في تلك الفترة. لم تكن معارضته العقلانية للثورة عن طريق الفتح، بمعنى ما، إلا الوجه الآخر لإيمانه شبه اللاعقلاني بالطاقة الثورية الخاصة بالطبقات العاملة الغربية وبقدرتها على صنع الثورة. وكان مقتنعاً بشكل مطلق بأن الطبقات العاملة في أوروبا وأميركا مسوقة، بفعل وضعها الخاص بها، في طريق البلشفية، لدرجة أنه كان يعتبر من المشؤوم تماما السعي للقيام بالثورة عوضا عنها، أو سبرها وحفزها برؤوس الحراب. كان العالم يحبل، في نظره، بالاشتراكية، ولم يكن هنالك إذاً وقت طويل من الانتظار، فبإرادة تسریع الأشياء يخاطر المرء بالتسبب بكارثة. وقد أكد تروتسكي ان تضامن الثورة الروسية مع الطبقات العاملة في البلدان الأخرى ينبغي أن يعني بصورة رئيسية مساعدتها على فهم تجربتها السياسية والاجتماعية وتفسيرها، وطرح مشکلاتها، لكن ليس حلها بالنيابة عنها. وخلال نقاش، تكلم بغضب على أولئك الذين يعتقدون في البلدان الأجنبية بإمكانية الحلول محل الثورة عن طريق عمليات الجيش الأحمر، وقال: «أفضل لهم أن يوضع حجر الرحى في عنقهم ويلقى بهم في البحر».

لكن التجربة البلشفية الجديدة كانت قوية للغاية بحيث لا تزول بسرعة؛ وسرعان ما جرى السقوط فيها مجددا، فقد اكتسح الجيش الأحمر جورجيا.

حتى شباط / فبراير ۱۹۲۱، عرفت جيورجيا حكومة منشفية وقعت السوفييتات معها معاهدة خلال الحرب مع بولونيا. كانت السوفييتات اكتسبت القوقاز بكاملها تقريبا في صفوفها، ولم يكن باقياً غير جورجيا کشوكة في خاصرتها. إن مطالبة المناشفة الجيورجيين بالاستقلال القومي كانت تفتقد مصداقيتها؛ فقبل ثورة أوكتوبر، كانوا هم ذاتهم قد طالبوا بحرارة بتوحيد جورجيا مع روسيا، مع اعطاء الأولى نوعا من الحكم الذاتي، لا أكثر ولا أقل. أما انفصاليتهم الحالية فلم تكن غير ذريعة ملائمة، فمجرد وجود جورجيا منشفية يجعل من الأصعب بالنسبة للبلاشفة أن يوطدوا نظامهم في سائر القوقاز. ومن جهة، لم يكن البلاشفة نسوا أن المناشفة انصاعوا لاحتلال بلادهم على يد الألمان ثم الانكليز من دون أي احتجاج، وأنهم قمعوا البلاشفة الجورجيين بصرامة. إلا أن الحكومة السوفياتية تعهدت رسميا باحترام استقلال جورجيا واعترفت بالحكومة المنشفية، فلقد أمل المكتب السياسي أن تخضع جيورجيا لضغط القوقاز السوفياتية الذي لا يقاوم، وأن قادتها المناشفة لن يكونوا قادرين على حكم البلاد بالتعارض مع كل جيرانها، وأنهم لا بد أن تطيحهم إذا في النهاية قوى ثورية محلية. كان المكتب السياسي يميل بالتالي إلى انتظار نضج الوضع.

لذا فوجىء تروتسكي كثيرا حين علم في منتصف شباط / فبراير ۱۹۲۱، وهو في جولة تفتيش في الأورال، أن الجيش الأحمر دخل جورجيا. كان على وشك الرحيل إلى موسكو لحضور جلسة للجنة المركزية، وقبل رحيله، اتصل بسكليانسكي وسأله عمن أعطى أمر الدخول الى جورجيا ولاية أسباب. وقد ظهر أن غزو جيورجيا كان كذلك مفاجأة للقائد العام، وتساءل تروتسكي إذا لم تدبر القضية عناصر غير مسؤولة، من دون علم هيئة الأركان العامة للمكتب السياسي، وكان ينوي أن «يثير المشكلة في جلسة اللجنة المركزية» ويجبر المذنب المفترض على إعطاء مبرر لسلوكه. لكن الأوامر بالزحف حصلت على موافقة المكتب السياسي، وأعطاها المجلس الثوري الحربي للقوقاز الذي كان اورجونیکیدزه، صديق ستالين والجورجي هو الآخر، المفوض الرئيسي لشؤونه. لقد درس المكتب السياسي المسألة بغياب تروتسكي، بعد أن قدم ستالين واورجونيکیدزه تقريرا يقول بأن انتفاضة بلشفية يدعمها الشعب بقوة قد انفجرت في جورجيا، وأن النتيجة موثوقة، لكن تدخل الجيش الأحمر يمكن أن يختصر الصراع. ولمّا كان المكتب السياسي يعتبر ستالين واورجونیکیدزه خبيرين في الشؤون الجورجية فقد انحاز لرأيهما.

لكن الانتفاضة في جورجيا لم تكن تحظى بالدعم الشعبي المشار إليه، ولم يتمكن الجيش الأحمر من دخول تيفلیس، عاصمة جورجيا، إلا بعد خمسة عشر يوما من المعارك الضارية. كانت لجيورجيا، مثلها مثل الأمم الصغيرة الحدودية، ذكريات طويلة عن الاضطهاد القيصري، وقد أثار ذلك الإلحاق مجددا بالقوة ضغينة شديدة في جورجيا، بقيت بعد ذلك بزمن طويل، وانعكست بصورة غير مباشرة في معارضة البلاشفة الجورجيين لسياسة موسكو الممركزة. وكانت تلك إحدى النقاط الرئيسية للخلاف بين ستالين وتروتسكي خلال السنة الأخيرة من حكم لينين، إلا أن تروتسکي انحنى أمام الأمر الواقع مؤقتاً. لم يكن ممكنا التراجع عن الاكتساح، لكن التخفيف من آثاره فقط، وهو ما قام به لينين تلقائيا، فأبلغ اور جونیکیدزه والمفوضين الآخرين في القوقاز بضرورة «إبداء احترام خاص للجمعيات ذات السيادة في جيورجيا، والبرهان على رعاية شديدة وتعقل وفطنة في العلاقات مع سكان جيورجيا».. وطلب اعلامه بكل مخالفة لتلك الأوامر وبأدنى حالات الخلاف مع الجورجيين، وحث اورجونیکیدزه على عدم توفير أي شيء للوصول الى مصالحة مع المناشفة، حتى مع جوردانیا، رئيس الحكومة المنشفية الذي لم يكن معادياً كلياً للنظام السوفياتي. لم يكن هنالك شيء، في الحاضر، يمكن تروتسكي أن يقوم به، أو أن يرغب في أن يقام به. لكن لم يكن لإيعازات لينين غير القليل من التأثير: فالغزاة الذين انتهكوا السيادة الجورجية إجمالا، لم يكن مزاجهم يتناسب مع احترامها على صعيد التفاصيل، لكن لم يتم إدراك ذلك في الحال.

استمر تروتسكي ينتقد مبدأ الثورة عن طريق الفتح ويفضحه. لكنه لم يعتبر أن من حقه أن يناقش علناً الحالة الخاصة بجورجيا ويجحد المسؤولية الجماعية للمكتب السياسي. أكثر من ذلك، حين طلب الزعماء الاشتراكيون الديمقراطيون الغربيون، کاوتسكي وماكدونالد، وهندرسون وآخرون، بأعلى أصواتهم جلاء الجيش الأحمر عن جورجيا، رد عليهم تروتسكي بما يفحمهم. كتب هجاءً لم يخصص فيه غير مقطع صغير للغزو، حيث أكد من جديد حق الجيش الأحمر في المضي لمساعدة أي ثورة أجنبية مندلعة، لكنه لم يقل أبدا إذا كانت تمت ثورة حقيقية في جورجيا. بدل ذلك، كتب عرضا طويلا ونفاذاً لما تنطوي عليه الانتقادات الاشتراكية – الديمقراطية المتعلقة بالثورة الروسية ومصير الشعوب المستعمرة، الخ من انعدام المنطق. وبكل ما لديه من حمية معتادة، دافع عن السوفييتات، أكانت عادلة أو غير عادلة، في وجه أعدائها وأصدقائها الفاترین للغاية. وهكذا ظهر في نظر العالم أجمع كواحد من كبار المسؤولين عن غزو جورجيا.

اعتبر تروتسكي أن المكتب السياسي اقترف أخطاء بما يخص شؤون بولونيا وجورجيا، وأنه ضل في لحظة ضياع؛ وقد عارض هذين الخطأين، لكن دون أن يرى استمراريتها الداخلية ودون أن يضفي عليها أهمية استثنائية. وكان على حق الى حد ما، لأنه صحيح تماما أن الحزب بمجمله لم ينخرط، لا عن عمد، ولا بوعي، على طريق الثورة بواسطة الفتح. كان غزو جورجيا محاولته الوحيدة الناجحة على تلك الطريق، وفي تلك الحالة بالذات، لم تكن تنقص الحزب الظروف المخففة. جورجيا كانت على كل حال جزءا من روسيا فيما مضى، وما كان يمكنها أن تبقى إلا كـ «جزيرة بورجوازية صغيرة» في القوقاز السوفياتية. ومع ذلك، كان ثمة رابط داخلي بين القضية البولونية والقضية الجورجية، لأنهما، كليهما، كانتا تشيران إلى صعود تيار جدید داخل البلشفية.

إن الدورة الثورية التي افتتحتها الحرب العالمية الأولى كانت على وشك انتهائها. في بداية تلك الدورة، حملت البلشفية موجة ثورة أصيلة؛ وحوالى نهايتها، شرعت البلشفية تنشر تلك الثورة عبر الفتح. إن مسافة طويلة، تمتد ما يقارب ربع قرن، تفصل الدورة الأولى عن الدورة الثانية التي ستفتتحها الحرب العالمية الثانية. وبين الدورتين بقي البحر البلشفي راكداً. أما الدورة الثانية فستبدأ بما اختتم الدورة الأولى، عنينا الثورة عن طريق الفتح. إنه لأمر مبتذل في التاريخ العسكري وجود استمرارية بين الطور النهائي في حرب والطور الابتدائي في الحرب اللاحقة؛ إن الاسلحة والنظريات العسكرية المبتدعة أو المبلورة خلال الطور النهائي لنزاع مسلح تسيطر على الطور الابتدائي للنزاع اللاحق. وهي استمرارية مشابهة تلك التي يمكن ملاحظتها بين دورتي الثورة. ففي 1945 – 1946، وحتى جزئيا، في 1939- 1940، استأنف ستالين الأشياء حيث تركها، وبمعنى ما حيث تركها هو ولينين في 1920- 1921. ولم يعش تروتسكي كفاية ليقرأ الفصل المدهش الذي كتبته فتوحات ستالين الثورية في التاريخ الحديث. كان موقفه إبان التظاهرات الأولى للتيار البلشفي الجديد قليل الإفحام. كان مع الثورة وضد الفتح. لكن حين كانت الثورة تقود الى الفتح، أو كان الفتح يساعد الثورة، كان يجد نفسه داخل طريق مسدود لم يكن يمكن أن يقدم، في نظره، أي مخرج مرض. لم يدفع معارضته للفتح الثوري حتى القطيعة المكشوفة، إلا أنه اكتفى بالتلفظ بتلك الصيغة التي لا نعرف إذا كان يجب أن نعتبرها تحذيرا أو لعنة: «من الأفضل لمن يريد حمل الثورة إلى الخارج على رؤوس الحراب، أن يعلق حجر الرحى في عنقه ..».

 

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: الفصل الثالث عشر (96)

‫شاهد أيضًا‬

النبي المسلّح: الفصل الرابع عشر (106)

هزيمة في الإنتصار ج7 في عام ۱۹۲۱ فقط، بادرت حكومة لينين إلى منع كل معارضة منظمة داخل السوف…