‫الرئيسية‬ نظرية النبي المسلّح: الفصل الثاني عشر (92)
نظرية - 2021-11-05

النبي المسلّح: الفصل الثاني عشر (92)

أسلحة للجمهورية ج9

 

في 16 تشرين الأول/ اوکتوبر، أملی تروتسكي، في القطار الذي كان ينقله إلى بتروغراد، بعض التأملات التي أوحى بها إليه الوضع. وقد سخر من بيان تشرشل الذي أعلن عن حملة صليبية معادية للسوفيات من 14 أمة. وكتب: إن هذه ليست غير «14 کیانا جغرافياً» ، وأربع عشرة فرقة فرنسية – انكليزية كانت لاءمت اكثر من كولتشاك ودنيكين. إن الصيحات الضخمة المعبرة عن فرح البورجوازية الغربية لدى فكرة السقوط الوشيك للسوفييتات لا تزال مبكرة. فحتى لو لم يتمكن الجيش الأحمر من ايقاف يونديتش قبل بتروغراد فسوف يسحقه داخل جدران المدينة. وقد خطط وصفاً للمعركة داخل بتروغراد ينبئ بشكل مثير بمعركة ستالينغراد، خلال الحرب العالمية الثانية.

«بدخول الحراس البيض إلى تلك المدينة العملاقة، سيجدون أنفسهم ضائعين في تلك المتاهة الحجرية، حيث سيصبح كل بيت لغزاً بالنسبة اليهم، أو تهديد أو خطراً مميتاً. من أين ستنطلق الرصاصة؟ من نافذة؟ من سقيفة؟ من هري؟ من زاوية شارع؟ من كل مكان! … بوسعنا أن نسد بعض الشوارع بأسلاك شائكة، وترك اخرى مفتوحة سنحولها إلى فخاخ. كل ما هنالك حاجة إليه هو أن يكون بضعة آلاف من الاشخاص مصممين بحزم على عدم الاستسلام … يومان أو ثلاثة تدور خلالهما معارك شوارع من هذا النوع ستجعل من الغزاة قطيع هاربين مخبولين ومرعوبين يستسلمون جماعات أو أفرادا لعابرين لا يحملون سلاحا أو لنساء. لكن معارك الشوارع تسبب خسائر عرضية وتؤدي إلى تدمير قيم ثقافية. وهذا واحد من الأسباب التي تضطر القيادة لأجلها إلى اتخاذ كل التدابير المناسبة لمنع العدو من الاقتراب من بتروغراد».

في بتروغراد، كانت تنتظره اخبار سيئة، فيودنيتش استولى على كراسنویی سیلو، في ضواحي بتروغراد. ولقد أضعف دفاعات المدينة نقل قوات إلى الجبهة الجنوبية، وزرعت خيانة ضباط كبار في هيئة الأركان البلبلة في الجيش. وكان زينوفييف، قائد «کومونة الشمال» في حالة ذعر وكان تردده ينتقل الى مرؤوسيه. لكن وصلت من موسكو إشارة من لينين تبلغ تروتسكي أن المكتب السياسي أيد خطته وأذن له بمواصلة المعارك إذا اقتضت الحاجة داخل بتروغراد. وكان لينين يلح كذلك بحذر على إعداد الانسحاب، ونقل الوثائق الرسمية، والتأهب لنسف محطات الطاقة وتدمير أسطول البلطيق. فرد تروتسكي برسالة كلها ثقة ورباطة جأش، وكما لو كان يريد أن يضفي على تلك الثقة نبرة تحد مطلق، سأل إذا كان مأذون له أن يطارد يودنيتش في استونيا التي كانت تشكل القاعدة المتقدمة لقواته.

تکلم مجددا في سوفييت بتروغراد، الذي ترأسه في عامی ۱۹۰۰ و ۱۹۱۷. تكلم بصراحة على الكارثة المهددة ثم بعد أن طلب الى الجمعية أن تبذل أقصى ما يمكنها من جهد أطلق العنان لتعلقه بتلك المدينة:

في هذا الخريف الحزين والقاتم، خريف البرد والجوع والغم، تقدم بتروغراد لنا من جديد لوحة رائعة عن رباطة جأشها المعدية وحماسها وبطولتها. المدينة التي تألمت كثيرا واحترقت بنار داخلية عظيمة، وتحدت أخطارا جمّة، المدينة التي لم توفر نفسها يوما، المدينة التي عرضت نفسها للكثير من التدمير والخراب، بتروغراد الحمراء الرائعة هذه تبقى كما في الماضي مشعل الثورة …».

العديد من شهود العيان وصفوا نتائج مداخلة تروتسكي. والسطور التي سنقرأها كتبها لاشيفيتش الذي كان في تلك الفترة كل شيء، إلا مؤيدا لتروتسكي، والذي لعب بذاته دورا مهما في تلك الأحداث:

«مثل وصول قوات جديدة لتعزيز الجبهة … كان لحضور تروتسكي نتائج فورية: أعيد انضباط حقيقي، وشرعت المكاتب العسكرية والادارية بالعمل. جرى صرف العاجزين وحدثت تبديلات في ملاك القيادة العليا والدنيا. جاءت أوامر تروتسکی، الواضحة والدقيقة، التي لا توفر أحداً وتطلب من الجميع أقصى ما يمكن من الجهود والاهتمام، وتنفيذاً سريعاً لأوامر القتال، تظهر فوراً أن يداً حازمة تقود … لقد بدأ التصحيح الداخلي … أعيدت المكاتب إلى وضع العمل، والاتصالات التي كانت رديئة حتى ذلك الحين، أصبحت مرضية. وشرعت مصالح التموين تعمل من دون صعوبة. وتناقصت حالات الفرار من الجبهة بصورة جذرية. وفي كل المفارز قامت محاكم ميدانية … بدأ كل واحد يفهم أن طريقة واحدة بقيت مفتوحة هي الطريق الى الأمام، بينها كل طرقات الانسحاب انقطعت. وكان تروتسكي يهتم بأقل التفاصيل، مطبقاً على كل نقطة من عمله نشاطه المحموم، الذي لا يكل، ودأبا يثير الدهشة».

واصل يودنيتش تقدمه طيلة عدة أيام أيضا، وقد أثار ظهور الدبابات الانكليزية على مقربة من المدينة الذعر، إلا أن تروتسكي، ممتطية حصانا، جمع الفارين المذعورين واعادهم الى ساحة القتال. وفي اندفاعة مرتجلة، شرعت مصانع قائمة على مرمى من مدفعية يودنيتش تصنع عربات تشبه الدبابات، فزال الذعر. وقد برزت قوات نظامية، وحراس حمر تشكلوا على جناح السرعة، لا بل مفارز نسائية ايضا، فدافعت عن نفسها، حسبما قال يودنيتش بالذات، بـ «جنون بطولي». ولم يمر اسبوع على وصول تروتسكي حتى انتقل المدافعون إلى الهجوم. وفي الذكرى الثانية للثورة، التي كانت في الوقت ذاته عید میلاد تروتسكي الأربعين، عاد هذا إلى موسكو ليبشر الهيئة التنفيذية المركزية للسوفييتات بالنصر.

كان آخر فصل في الحرب الأهلية قد بدأ. فعلى الجبهة الجنوبية أيضا، كان الحراس البيض يتراجعون ويتفككون. وكان الجيش الأحمر يوجه ضغطه نحو خاركوف وكييف وبولتافا. وفي سيبيريا، كان كولتشاك قد انسحق كلياً. وكان انقلاب الوضع سريعاً لدرجة أنه بعد ثلاثة أسابيع من تلك الجلسة الحرجة التي رأى خلالها المكتب السياسي وجه الهزيمة، كانت موسكو الحمراء تحتفل بالنصر. وفي الجلسة الاحتفالية بعيد الهيئة التنفيذية للسوفييتات هلل الحاضرون لتروتسكي كصانع للنصر ومنح وسام الراية الحمراء.

كان تروتسكي آنذاك في ذروة مسيرته السياسية والعسكرية. لقد قاد ثورة وأسس جيشا عظيما وقاده إلى النصر. کسب افتتان الجمهور الكبير من انصار الثورة، وإعجاب اعدائه الغاضب وحقدهم الذي لا يغتفر. ومثل القادة البلاشفة الآخرين، كان يأمل أن تكون أهوال الحرب وفظائعها شيئا من الماضي وأن يبدأ العهد السلمي لإعادة البناء الاشتراكي . وكان ينوي أن يلعب فيه دوراً بأهمية الدور الذي لعبه منذ أكتوبر في القضايا العسكرية. وفي كانون الأول/ ديسمبر ۱۹۱۹، خلال المؤتمر السابع للسوفييتات، حدد نتائج الحرب الأهلية، لأنه اذا كانت المعارك مستمرة فنهايتها لم يعد مشكوك فيها. وقد حيا عالياً أولئك الذين تحملوا العبء الرهيب للسنوات الأخيرة، وامتدح المفوضين الذين كان مفترضا أنه عدوهم: «مع مفوضينا … نمتلك نظاما شیوعياً جديداً من الساموراي اعضاؤه لا يتمتعون بأي امتياز فئوي، ويعرفون أن يموتوا ويعلموا الآخرين الموت من أجل قضية الطبقة العاملة». وأكثر من المديح لقادة الجيوش المنتصرة، لأولئك الذين كانوا جنرالات في جيش القيصر، ولأولئك الذين خرجوا من الصف، وكانوا عمال معادن أو حلاقين في حياتهم المدنية. تكلم بحرارة خاصة على النجاحات التي حققها ثلاثة قادة جيوش: فرونزي، العامل، وتوخاتشيفسكي، ضابط الحرس، وسوکولنیکوف، الصحافي الثوري. ثم تطلع إلى الالغاء اللاحق للجيش الدائم وتحويله إلى ميليشيا ديمقراطية تستلهم المثل الأعلى الاشتراكي، تلك الميليشيا التي حلم بها جوريس في الماضي. وتلفظ ببعض الكلمات اللطيفة، حتى حيال المناشفة الذين انضموا، في أحرج الظروف، للدفاع عن السوفييتات والذين كانوا يحضرون المؤتمر. قال: «اننا نقدر عالي التقدير واقع أن أحزابا أخرى أيضا، احزاباً تنتمي للمعارضة … عبأت عددا من عمالها للعمل في الجيش. وقد استقبلوا فيه كإخوة». وقبل اشهر كان هدد المناشفة بها «تحويلهم إلى رماد» إذا أعاقوا الدفاع. لكنه كان يتوجه اليوم إلى مارتوف الذي هنّأ البلاشفة على نجاحاتهم الدبلوماسية والعسكرية. «عبر عن فرحه الحقيقي … من دون قصد خفي ومن دون أدنى سخرية» وهو يسمع مارتوف يتكلم على جيشنا ونضالنا الأممي؛ لقد استخدم ضمير المتكلم في حالة الجمع، وبذلك أضاف وزنا أدبياً وسياسياً إلى قضيتنا.

وكبلاشفة آخرين، كان تروتسكي يتطلع إلى تهدئة في ميدان السياسة الداخلية، تهدئة تسمح للأحزاب، على الأقل احزاب المعارضة الاشتراكية، باستعادة نشاطاتها علانية. وكان تخفيف سلطات التشيكا وإلغاء عقوبة الإعدام في كانون الثاني/ يناير ۱۹۲۰، من التدابير الأولى المعدة لافتتاح طريق جديد. لكن تلك الآمال المتفائلة، لم يقيض لها أن تتحقق.

لم تكن أهوال الحرب غدت شيئا من الماضي.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

 

النبي المسلّح: الفصل الثاني عشر (91)

‫شاهد أيضًا‬

النبي المسلّح: ملحق الفصل الثالث

ملاحظات حول كتابات تروتسكي العسكرية ج1     لا يمكن إنجاز ملخص لنشاطات تروتسكي ال…