‫الرئيسية‬ نظرية ‬ ‬ النبي المسلّح: تروتسكي إبّان ثورة أكتوبر ج 12(67)
نظرية - ‫‫‫‏‫أسبوعين مضت‬

‬ ‬ النبي المسلّح: تروتسكي إبّان ثورة أكتوبر ج 12(67)

الفصل التاسع

كانت الانتفاضة قد بدأت مسيرتها، ونشر تروتسكي أمره المشهور رقم واحد: «سوفييت بتروغراد في خطر. في الليلة الماضية، حاول المتآمرون المعادون للثورة أن يستنفروا اليونکرز وأفواج الصدام داخل بتروغراد. لذا نأمركم بوضع فيلقكم على أهبة العمل. انتظروا الأوامر اللاحقة. كل تأخر أو تردد سوف يعتبر خيانة للثورة». وقد منحت اللهجة الحازمة المتمردين رباطة الجأش والثقة بالنفس. وفي ليل ۲4 – ۲5 تشرين الأول / أوكتوبر، احتل الحراس الحمر وفيالق القوات النظامية، بسرعة البرق وبصمت شبه تام، قصر توريد ومكاتب البريد ومحطات سكة الحديد، والمصرف القومي، والمراكز الهاتفية ومحطات الكهرباء وكل النقاط الاستراتيجية الأخرى. وإذا كانت ثمة حاجة في شباط/ فبراير لما يقارب الاسبوع من اجل إطاحة القيصرية، فقد كفت ساعات قليلة لإطاحة حكومة كيرنسكي. ولم يأت صباح ۲5 تشرين الأول / اوكتوبر حتى كان كيرنسكي يغادر العاصمة في سيارة سفارة أجنبية. كان وزراؤه ينتظرونه عبثا في قصر الشتاء حين وجدوا أنفسهم عند الظهر محاطين من كل جانب، تماما كما كانت الحال مع الحكومة القيصرية في نهاية ثورة شباط / فبراير. هكذا أصبح البلاشفة سادة العاصمة دون إهراق دم. وعندما حلت الظهيرة، قدم تروتسكي تقريرا عن الأحداث الأخيرة أمام سوفييت بتروغراد المذهول والعاجز تقریباً عن التصديق: تم توقيف عدد من الوزراء، وحل البرلمان التمهيدي؛ الثائرون يشرفون على المدينة بكاملها، والعدو لا يحتفظ بغير قصر الشتاء الذي يستعد انطونوف – أوفسينكو للاستيلاء عليه.
أما لينين الذي كان لا يزال متنكراً بعناية فوصل في مساء ۲4 إلى معهد سمولني. كانت بعض مقالات الصحف التي تشير إلى مفاوضات ودية بين هيئة الأركان العامة واللجنة العسكرية الثورية قد أثارت حذره، وكان لا يزال يخشى أن تتعرض الثورة للتخريب. وحين انتقل خفية من ضاحية فيبورغ حيث كان يختفي منذ عدة أيام إلى معهد سمولني، لم يفهم أن المدينة التي كان يعبرها كانت عملياً تحت سلطة حزبه. وقد أمطر تروتسكي والقادة البلاشفة الآخرين بالأسئلة: هل كانوا حقا على وشك عقد اتفاق مع هيئة الأركان العامة؟ ولماذا كانت المدينة هادئة إلى ذلك الحد؟. لكن حين سمع الأجوبة، ولاحظ الرجال الذين كانوا يعملون بشكل محموم في قاعة اللجنة العسكرية الثورية، ورأی التقارير تصل بلا انقطاع والأوامر تصدر، وتأمل قادة الانتفاضة، شبه منهكين، غير حليقين، قذرين، وأعينهم محمرة من قلة النوم، استعاد ثقته وهدوءه، وفهم أنهم اجتازوا من دونه نهر روبيكون، واختفى حذره. وقد قال لهم، شبه منخجل وكما لو كان يعتذر، إن بأمكانهم قيادة الثورة على طريقتهم، فالمهم أن تنجح.
كان يتصرف كقائد أعلى. لما كان يشاهد من بعيد المعركة الحاسمة ويعرف أن لقائد العمليات أفكار مختلفة عن افكاره، فقد كان يميل لتضخيم أهمية خلافاتها ويخاف أن تسوء الأمور إذا لم يتدخل بنفسه؛ كان يتصرف كقائد أعلى يهرع إلى مكان المعركة فيما هي في ذروتها، ويؤيد هناك التكتيك الذي يتبعه معاونه ويحيي نجاحه، دون ابداء أدنى تأثر في كبريائه. ومع أن تروتسكي كان يتولى العملية ويقودها كلياً وفقا لأفكاره الخاصة به، فقد كان تأثير لينين عاملا حاسماً في النجاح. كان تروتسكي قد كيف اكثر من أي قائد آخر موقف الجمهور الواسع من العمال والجنود الذين كان يتوقف عليهم النصر النهائي، إلا أن العناصر الفاعلة في الانتفاضة كانت تأتي من كوادر الحزب البلشفي وصفوفه؛ وبالنسبة لهؤلاء، كان لينين مؤسس الحزب وقائده الذي لا جدال فيه، وقد ظل يمارس عليهم تأثيراً عظيماً، حتى خلال تخفيه. ومن دون تحريضه المتكرر والمستبسل، من دون تحذيراته، ربما ما كانوا تبعوا أوامر تروتسكي وتعليماته کما فعلوا. لقد جعلهم يسلمون بمبدأ الانتفاضة قبل أن يضعوا موضع التنفيذ خطة تروتسکی الانتفاضية. لكن لينين ظل متحفظا حتى رأى الثورة تتقدم حقاً إلى الأمام، فتخلى عن تحفظه واعترف بتروتسكي كشريكه العملاق في تلك المبادرة العملاقة.
في مساء 25 تشرين الأول / اوکتوبر، استراح الرجلان قليلا على أرض غرفة مظلمة وفارغة، تحاذي قاعة سمولني الكبرى، حيث كان مؤتمر السوفييتات على وشك الانعقاد. ففي الليلة السابقة، كان تروتسکی قد أغمي عليه من التعب، وكان الآن يسعى وراء القليل من النوم، إلا أن النوم لا يقاربه. فالهاتف لا يتوقف عن الرنين في الغرفة المجاورة، والمساعدون والرسل يقرعون الأبواب. وقد اشارت إحدى الرسائل إلى صعوبة تعيق الهجوم على قصر الشتاء، فأمر تروتسكي الطراد أورورا ببدء العمل، والرمي على القصر رميا خُلّباً – فذلك كافي لجعل الحكومة تستسلم. ثم عاد يتمدد على الأرض قرب لينين: كانت هناك لحظات عابرة من الرقاد، لكن كذلك رسائل جديدة واجتماعات قصيرة على الأرض. بعد قليل، كانوا سيدخلون إلى القاعة الكبرى المضاءة ويواجهون مؤتمر السوفييتات. سيعلنون طبعا أن المؤتمر هو مصدر السلطة الوحيد، وأن الأرض للفلاحين، وسيقدمون سلاماً فورية لروسيا والعالم؛ وغدا سيقدمون للعالم حكومة جديدة. بدا للينين أن من غير اللائق أن يتخذ هو، أو أي من رفاقه، الثوريين المحترفين، لقب وزیر. كانت ذكريات تاريخية – مصدرها الثورة الفرنسية الكبرى، كما هي الحال دائما- تطفو في رأس تروتسكي الذي يغالب النعاس؛ وفجأة ومضت فكرة: لماذا لا يأخذون اسم مفوضين، مفوضي الشعب – مجلس مفوضي الشعب؟.
وافتتح المؤتمر، مصحوباً، بدوي مدافع الأورورا وهي ترمي (رمياً خُلّباً) على قصر الشتاء. كان البلاشفة يحوزون وحدهم اكثرية الثلثين تقريبا. فإذا أضيفت أصواتهم، إلى أصوات الاشتراكيين الثوريين اليساريين، كان ذلك يعني ثلاثة أرباع الأصوات تقريبا. وقد استقر على طاولة «البريزيديوم» الجديد أربعة عشر بلشفياً، وسبعة اشتراكيين ثوريين، وثلاثة مناشفة، وممثل واحد لمجموعة غوركي. وللحال ارتفع صياح الاستنكار من جانب الاحزاب المهزومة ضد الانتفاضة والاستيلاء على قصر الشتاء. وباسم مجموعة المناشفة الأكثر عداء، تكلم خینتشوك، سفیر ستالين في برلين لاحقا، فأعلن أنه، وأصدقاءه، لن يشاركوا في المؤتمر. وبالفعل غادرت المجموعة القاعة وسط صيحات: «أيها المارون! اذهبوا الى كورنيلوف!» إلا أن المناشفة الوسطيين واليساريين ظلوا في أمكنتهم وطلبوا تشكيل حكومة ائتلاف تضم البلاشفة والمناشفة والاشتراكيين الثوريين. وقد رفض البلاشفة هذا الطلب، فأعلنت المجموعتان بدورهما مقاطعة المؤتمر وقراراته. وحين رآهما تروتسكي تخرجان، بقيادة مارتوف وآبراموفيتش، ربما استعاد في ذاكرته تلك اللحظة من مؤتمر الحزب الثاني، عام 1903، حين قرر مارتوف مقاطعة اللجنة المركزية البلشفية. كان تروتسكي ذاته، يومذاك، بين «المقاطعين». كم كان ذانك المشهدان متماثلين، بمعنى ما: كان القادة هم ذاتهم، «المائعون» والـ «متصلبون»: كانت معظم مآخذ عام 1903 تتكرر في التصريح الذي أدلى به مارتوف للتو: حتى الكلمات ذاتها – «تآمر»، «اغتصاب»، «حالة طوارئ». لكن كم كان الفرق عظيم على مستوى الرهان وفي حدة الصراع! وأي فرق في موقعه هو بوجه خاص، بعد كل سنوات التعرجات والتشرد تلك، التي خرج منها في الاخير ليعود إلى لينين!
حين نهض تروتسكي للرد على مارتوف الذي كان لا يزال يواجهه على المنصة، لم يتمكن من أن يجد في نفسه الهدوء، أو الشفقة، أو حتى الرأفة حيال المهزوم – لم يجد غير الصرامة والنقمة وغيظا يخالطه الاحتقار. بدأ قائلا: «لیست انتفاضة الجماهير الشعبية بحاجة للتبرير، وما تم ليس تآمراً بل ثورة. لقد استثرنا الطاقة الثورية لدى عمال بتروغراد وجنودها، وأعددنا إرادة الجماهير بشكل مکشوف بهدف انتفاضة لا بهدف مؤامرة …» وقد كان على حق من الناحية السياسية، مع أن الانتفاضة قيدت من الناحية العسكرية كمؤامرة في الواقع، وهو أمر لم يكن يمكن أن يتم إلا بتلك الطريقة في كل حال. ثم أضاف: «لقد انتصرت ثورتنا. لكن هؤلاء الناس يقولون لنا الآن: تخلوا عن نصرکم، اخضعوا، اقبلوا بمساومة. مع من؟ أسألكم مع من علينا أن نقوم بهذه المساومة؟ مع هذه المجموعة الصغيرة البائسة التي خرجت قبل قليل أو من يعرضون تلك المساومة؟ لكننا حددنا قيمتهم الحقيقية. لم يعد ثمة أحد في روسيا يتبعهم، ومع ذلك على ملايين العمال والفلاحين أن يعقدوا اتفاق معهم على قدم المساواة؟ …. أنتم افراد بائسون، معزولون. لقد أفلستم وانتهى دوركم. اذهبوا إذا، إلى المكان الذي يليق بكم: إلى مزابل التاريخ!» هذه الـ !vae victis ,(*) وصلت الى اذني مارتوف وصحبه فيما كانوا يشقون طريقة للخروج، عبر الصفوف المزدحمة للعمال والجنود الذين كانوا يرمون في وجوههم كل جرائم الحكومة المؤقتة، جوع الشعب وبرده، الهجمات الدامية والتي لا طائل تحتها، أيام تموز / يوليو وإلقاء الحُرم على البلاشفة ورغبة الفلاحين التي لا تقاوم بامتلاك الأرض. لقد انفجر انفعال المنتصرين، الذي احتبس طويلا.
كانت نیمیزیس(**) تتقدم خلسة في قاعات سمولني. لم تكن فعلت بعد غير بدء عملها.
لم يحدث في التاريخ أن قدمت مجموعة من الرجال، فيما تستولي على السلطة، تعهدات بتلك الضخامة، وبذلك الوزن، اللذين اتصفت بها تعهدات القادة البلشفيين حين قرأوا في المؤتمر مراسيمهم الاولى والمكتوبة بسرعة. لقد وعدوا الشعب بالسلم والأرض والخبز. وكانت المسافة عظيمة بين الوعد والتحقيق، فالسلم يجب أن يكون عادلا، وديمقراطياً، يستبعد أي ضم أو تعويضات، ويرفض أي إذلال أو إهانات يوجهها المنتصرون إلى المهزومين. كان لينين وتروتسكي قد قالا – وكررا – أنه لا يمكن انتظار سلام من هذا النوع من حكومات استبدادية أو حتى من ديمقراطيات بورجوازية، وأنه ينبغي من أجل بلوغ ذلك أن تقوم ثورات بروليتارية في البلدان المتحاربة. إلا أن جيوش آل هوهنزلرن وآل هابسبورغ كانت تعسكر على الأراضي المقتطعة من الامبراطورية الروسية؛ وطالما لم تكنس اباطرتها وحكامها، طالما لم تندد بمطامعهم الجشعة، سيجد البلاشفة أنفسهم مجبرين، بمعنى ما، على شن الحرب، الحرب الثورية من اجل سلام عادل. لكنهم تعهدوا أيضا. وحتى بصورة أعمق في الذهن الشعبي – بعقد سلم فوري لم يكن يمكن أن يكون عادلا، ولا ديمقراطياً. كان ذلك هو مأزقهم الأول. أما حله فسيمليه عليهم إنهاك الجنود – الفلاحين الذين كانوا مستعجلين للتخلي عن بنادقهم من أجل المحاريث، لا سيما أن كل الأرض القابلة للحراثة اصبحت ملكهم في الاخير. إلا أن السلم سريع العطب المعقود بضغط منهم لن يخلص روسيا من التجربة الطويلة المتمثلة بالتدخل الأجنبي والحرب الأهلية.
وزّع البلاشفة الأرض بين الفلاحين، أو بالأحرى صادقوا على التوزيع الذي تولاه الفلاحون أنفسهم. وما من بلد كبير يمكنه أن يحقق ثورة زراعية بتلك السرعة وذلك الاتساع من دون أن يتزعزع اقتصاده بسببها ويضعف، مؤقتا على الأقل. كانت الروابط بين المدينة والريف قد تراخت، أو حتى تحطمت؛ وكانت الدوائر التجارية القديمة تضيق وتنسد. والطريقة القديمة في إدارة الجسم السياسي، وهي طريقة بالية وغير ملائمة، لكنها تتميز على الأقل بالعمل من تلقاء ذاتها، وبكونها فعالة على طريقتها، غدت مستحيلة. فضمن الظروف الأكثر ملاءمة، وحتى من دون حرب اهلية، كان يلزم قدر من الوقت لخلق روابط جديدة ودورات جديدة وطريقة جديدة لإدارة حياة الأمة. وقبل الوصول إلى هنا، تعرضت دورة بدائية، كتلك التي تتعلق بتسيير التموين من الريف باتجاه المدينة، تعرضت لاختلال التنظيم. والخبز والأرض، هاتان الضرورتان لم تكونا تنسجمان تماما: فبعد تجزئة الملكيات الكبرى، لم يزدد الخبز المتوفر لعمال المدن، بل نقص، على العكس. وبالنسبة للفلاحين، كانت الثورة الزراعية في البدء مسألة رابحة، فهي لم تكن تقدم لهم الأرض وحسب، بل كانت تريحهم كذلك من ثقل العبودية ومن اتاوات النظام القديم. لكن الأفاق كانت أقل ملاءمة بالنسبة لمجمل الأمة. إن روسيا الريفية كانت قد تقسمت إلى ۲۰ مليون ملكية صغيرة، معظمها صغير جدا ويتم استثماره بوسائل بدائية جداً. وهذا كان يعني مع طول الزمن الركود الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما كان يعرفه البلاشفة. كانوا مضطرين لأن يشجعوا تقسیم الأراضي، ثم يصادقوا على ذلك التقسيم، لأنه كان أفضل من نظام المزارعة نصف الاقطاعي القديم، ولأنه لولا ذلك لتعرضوا لمصير سابقيهم في الحكم. لكنهم كانوا عازمین منذ البدء على التوجه نحو الملكية الجماعية للأرض، وإعادة تجميع الـ ۲۰ مليون ملكية صغيرة وتذويبها في عدد محدود نسبيا من المزارع الكبرى الحديثة والفعالة. وما كان في وسعهم أن يقولوا متى سيتمكنون من تحقيق مشروعهم وكيف، وبأية وسائل صناعية. كانوا يعرفون فقط أنهم انخرطوا في عملية معقدة ومتناقضة وخطيرة: لقد قاموا بثورة زراعية وهم مصممون بحزم على أن ينقضوها بطريقة أو بأخرى.

___________________________

(*) باللاتينية في النص، ومعناها “الويل للمهزوم” (م).
(**) الهة الانتقام عند اليونان (م).
۳۳۲

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

‬ ‬ النبي المسلّح: تروتسكي إبّان ثورة أكتوبر ج 11 (66)


‫شاهد أيضًا‬

مجموعة دراسة نظرية الثورة الدائمة عبر الإنترنت

جارٍ التحميل… يسعدنا تقديم هذه الدورة الدراسية عبر الإنترنت حول نظرية الثورة الدائمة باللغ…