‫الرئيسية‬ نظرية أفيون الشعب (11)
نظرية - ‫‫‫‏‫3 أسابيع مضت‬

أفيون الشعب (11)

سيطرة الدخلاء

وقد يتساءل البعض كيف تسنّى للدخلاء أن يسيطروا على الحركة، سيطرة جعلتها أداة عمياء طيّعة، في أيدي البيروقراطية الكرملينية، أو في أيدي الصهيونيين.
والرد على التساؤل غير عسير. فقد كنا نحن أنفسنا نؤيّد سياسة موسكو، ظناً منا أنها تهدف بهذه السياسة إلى خدمة الشعوب كما ذكرت. وقد كان لهذا التأييد أثره الباقي في نفوس زملائنا وأصدقائنا الذين انقطعوا عنا في أثناء غيابنا الطويل في السجون والمعتقلات. وقد استغل الدخلاء هذا الغياب الطويل، وبذروا أموالهم للسيطرة على الحركة، وتحويلها من حركة مستقلة تؤيد موسكو، وإن تك غير ملزمة بهذا التأييد، إلى مجرّد طابور خامس يعمل لحساب وزارة الخارجية الروسية، بل ويأتمر بأوامر الصهيونيين. وما أقوى الستالينيين والصهيونيين معاً حين يبذرون المال!
ولكن الحق فوق المال، وفوق الوهم، وفوق الدعاية المأجورة، وهو لا بد منتصر ولو بعد حين. ولئن كانت الحيرة التي انتابتنا طويلاً، فجعلتنا نحجم طويلاً عن التعرّض لموسكو بالخير أو بالشر، قد أعطت للخصوم فرصة يمتدون فيها ويتضخمون، فإن هذه الفرصة اليوم ضاعت، لأن الحيرة تبدّدت، والشك تحول إلى يقين، والسرطان الروسي الممتد في كل الاتجاهات -والشرق الأوسط من هذه الاتجاهات- بدا أمام أعيننا سافراً واضحاً لا لبس فيه ولا غموض، فلم يبق أمامنا إلا أن نرفع القناع عن وجه “المعشوقة” الحقيقي، حتى يرى الناس كم هو دميم!
وليس يخيفني ما سأتعرّض له من فقد “الأصدقاء”، على ما في فقد الأصدقاء من إيلام، وليس يخيفني أن أقف في وجه الوهم وحدي أو مع قلّة، على ما في الوحدة والقلّة من عناء ومشقّة، فقد كنت قبل أن أكتسب “الأصدقاء” وحدي أو مع قلة، وما تراجعت.
والحق أقول أني على أتم استعداد لأن أتنازل عن “أصدقائي” السابقين جميعاً، إذا بدأوا هم بالتخلي عني، لا لشيء إلا لأني أقدمت على إعلان الحق، أو ما أعتقد أنه حق.

جرعة ضد الحمى الموسكوفية

ولعل في إقدامي على نشر هذا الحديث ما يحذّر “اليسار” من عمق الهوّة التي سيتردّى فيها لو قدّر للطابور “الأحمر” -الذي فقد لونه الأحمر- أن يظل ممسكاً بعنانه. ولن يكون هذا الحديث سوى بداية أتلوها بسلسلة من الأحاديث أعلج فيها بالتفصيل ما أجملته هنا إجمالاً.
وقد أعددت حتى الآن من هذه الأحاديث أربعة، لعلها تفي بما أريد شرحه للناس في هذه المسألة: الأول يعالج موضوع التفاوت في الدخل، والثاني يعالج موضوع الثقافة والتعليم، والثالث يعالج موضوع الحرّيات، والرابع يعالج سياسة روسيا الخارجية.
وقد كان من الأنسب أن يضم هذه الأحاديث جميعاً كتاب واحد، من الجائز أن تكون “جرعته” كافية لإنقاذ “اليسار” من الحمى الموسكوفية التي بدأت تتلف أعصابه إلى هذا الحد الذي أنزل به الهذيان. ولكن منعني من هذا ضيق الوقت وقلّة المال. أما ضيق الوقت فأنا أعمل من الصباح إلى المساء في سبيل الخبز. وأما قلّة المال فما أقسى المال إذا قلّ، وما أقسى دو النشر إذا امتنعت عن النشر، بل ما أقسى اسم الإنسان إذا وضع في القائمة السوداء فأُغلقت في وجهه الأبواب جميعاً!

اعتذار للأصدقاء

ولا يفوتني أن أعتذر للأصدقاء الأعزاء، الذين حاولوا أن يثنوني عن نشر هذه الأحاديث، حرصاً على مستقبلي السياسي فيما يتصوّرون. فأنا في الماضي لم أكن أبغي لنفسي شيئاً. وأنا في المستقبل لا أريد لنفسي شيئاً. وإن كان قد جاءني شيء فقد جاءني عرضاً. وإن كان سيجيئني شيء فإنه سيجيئني عَرَضاً. وما كان مستقبلي قط مرتبطاً بموسكو أو بغير موسكو من بلاد “الله” الواسعة.
وأنا في الأصل أدعو إلى الحرية. ونمو الحرية مرتبط بنمو العقل. ونمو العقل لا يمكن أن يجيء عن طريق الكتمان. وإذا كانت موسكو قد تحولت إلى أفيون، فإن من واجب المفكرين الأحرار أن يعملوا على تحرير الشعب من هذا الأفيون!
إلى المعسكر الثالث

وبعد فأنا أعتقد أن السير في ركاب المارد الأميركي -ومن ورائه دول الكتلة الغربية التي يشملها مشروع مارشال- أقل ما يوصف به أنه كارثة.
ولكني أعتقد -في الوقت ذاته- أن الارتماء في أحضان المارد “الأحمر” -الذي فقد لونه الأحمر- ومن ورائه بقية الدول الشرقية التي ضرب من حولها الستار الحديدي -أقل ما يوصف به -هو الآخر- أنه كارثة. وهي كارثة لا تقلّ عن الأولى جسامة وفداحة.
وإذن فالخير للشعوب كل الخير، بل والحي الذي ليس بعده حل، أن ترسم أهدافاً بعيداً عن إشعاع الماردَين، وأن تتحد لتحقيق هذه الأهداف خارج المعسكرين، مستوحية مصلحتها الخاصة، غير متأثرة بأطماع واشنطن، أو نوايا موسكو.
وكل ما أرجوه لشعوبنا، هو أن تدرك هذه الحقيقة قبل أن تطحنها عجلة الدولار، أو تسحقها أقدام الكرملين، فلا يكون لهذا التحذير من نفع، ولا يكون لهذا التذكير من جدوى!

الجيزة/ مايو/ 1948

يمكن مراجعة الفصل السابق من خلال الرابط التالي:

أفيون الشعب (10)

‫شاهد أيضًا‬

مجموعة دراسة نظرية الثورة الدائمة عبر الإنترنت

جارٍ التحميل… يسعدنا تقديم هذه الدورة الدراسية عبر الإنترنت حول نظرية الثورة الدائمة باللغ…