‫الرئيسية‬ نظرية ‬ ‬ النبي المسلّح: تروتسكي إبّان ثورة أكتوبر ج 10 (65)
نظرية - ‫‫‫‏‫4 أسابيع مضت‬

‬ ‬ النبي المسلّح: تروتسكي إبّان ثورة أكتوبر ج 10 (65)

الفصل التاسع

هكذا كان تروتسكي يصنع آلة الانتفاضة، تارة عمدا، وطور تحت دفع أحداث کبری وحوادث ثانوية، بيد أن لجنة الحزب المركزية لم تكن أخذت بعد أي قرار نهائي وفي 3 تشرين الأول / أوكتوبر، أصغت إلى تقرير رسول من موسكو، هو لوبوف – او بوکوف، دعا للانتفاضة، وألحّ على أن تضع اللجنة المركزية حدا لترددها. ويقول محضر اللجنة المركزية: «لقد تقرر عدم مناقشة ذلك التقرير، لكن الطلب إلى لينين أن يأتي إلى بتروغراد فيعرض حججه أمام اللجنة المركزية». وفي 7 تشرين الأول / أکتوبر جرى تعيين مكتب يتولى «جمع المعلومات التي تتعلق بالنضال ضد الثورة المضادة»، وقد تشكل من تروتسكي وسفر دلوف وبوبنوف. وسوف ننتظر حتى 10 تشرين الأول / اوكتوبر، غداة تشكيل اللجنة العسكرية الثورية، لتنعقد الدورة التاريخية التي حضرها لينين، والتي صوت فيها قادة الحزب، بعد نقاش جدي، بأغلبية عشرة أصوات لصالح الانتفاضة ضد اثنين. خلال تلك الجلسة ايضا جرى انتخاب اول مکتب سياسي، ضم كلا من لينين وزينوفييف وكامينيف وتروتسكي وستالين وسوکولنیکوف وبوینوف، کي يسمح للحزب بأن يضطلع، يوما فيوم، بقيادة الانتفاضة. لكن في الغد، راجع زينوفييف وكامينيف الدرجات الدنيا في التنظيم ضد قرار اللجنة المركزية، وعاد موقف الحزب متردداً. في كل حال، كان المكتب السياسي المنتخب حديثاً عاجزاً عن الاضطلاع بالقيادة. فلينين عاد الى مخبئه في فنلندا، وكان زينوفييف وكامينيف يعارضان الانتفاضة، بينما كان ستالين منشغلا حتى رأسه بعمله كرئيس تحرير. وكان رأي سوکولنیکوف أكثر حذر بقليل من رأي تروتسكي. ولينين، الذي كان لا يزال حذراً تجاه مشاريع تروتسكي، كان يحث الحزب مع ذلك على أن يتخذ بذاته المبادرة إلى عمل مسلح. لكن كل اعضاء المكتب السياسي، غير المعارضين مبدئيا عملا من هذا النوع، كانوا يفضلون أن يقود السوفييت الانتفاضة.
خلال الأسبوع التالي، أعاد تروتسكي تجميع قوى الثورة، يدعمه المحرضون الأكثر فعالية، لوناتشارسكي، وكولونتاي، وفولودارسكي. وفي 10 تشرين الأول / أوكتوبر، تكلم أمام المؤتمر التداولي للجان المصانع في المدينة. وفي ۱۱ و۱۲ تشرين الأول اوكتوبر، دعا المؤتمر التداولي لسوفييتات روسيا الشمالية كي يكون مستعداً لأحداث عظيمة. لقد أعلن: «في وسع حكومتنا أن تهرب من بتروغراد، إلا أن الشعب الثوري لن يغادر المدينة أبدأ، وسوف يدافع عنها حتى النهاية». وفي الوقت ذاته، كان يبذل كل ما في وسعه لإجبار الهيئة التنفيذية المركزية المنشفية على الدعوة لانعقاد مؤتمر ثان للسوفييتتات. وفي 13 تشرين الأول / اوکتوبر، تجاوز هذه الهيئة التنفيذية وأرسل رسالة لاسلكية باسم سوفييتات روسيا الشمالية «إلى الجميع، إلى الجميع، إلى الجميع»، داعية الجيش وكل السوفييتات لإرسال مندوبين إلى المؤتمر. وقد كتب سوخانوف: «على أبواب السيرك الحديث المشهور، حيث كان تروتسكي ولوناتشارسکی وفولو دارسکی يحتلون المنصة، كانت تنتظر صفوف لا تنتهي وجماهير غفيرة لم يكن يستطيع المدرج الكبير أن يسعها …. كان تروتسكي يترك عمله في القيادة العامة الثورية، ويركض من مصنع أوبوخوفسكي إلى تروبوشنيي، ومن يوتيلوفسكي إلى بلطيبسكي [المنشآت الصناعية الكبرى]، ومن مدرسة الفروسية إلى الحامية، حتى ليخيل للمرء أنه يتكلم في آن معا في كل مكان. كان كل جندي وكل عامل في بتروغراد يعرفه ويصغي إليه، وكان تأثيره على الجماهير وحتى على القادة لا يقاوم. كان الشخصية المركزية في تلك الأيام المجيدة والبطل الرئيسي لذلك الفصل من التاريخ.
في 16 تشرين الأول / اوکتوبر، أعلنت أفواج الحامية أنها لن تنصاع لأوامر کیرنسكي بالمسير وستبقى في بتروغراد. كان ذلك التمرد الصامت، كما أظهر تروتسکی فيما بعد. هو الذي حسم سلفأ نهاية الصراع. حتى ذلك الحين كان تروتسكي ذاته قلقا بعض الشيء بسبب مجازفته حين ربط الانتفاضة بمؤتمر السوفييتات. أما الآن فقد اطمأن نهائيا: لن يستطيع كيرنسكي على المدى القريب أن يميل بتوازن القوى لصالحه. في اليوم ذاته، وقع تروتسكي أمراً إلى مستودعات الأسلحة كي يتم تسليم 5۰۰۰ بندقية إلى الحراس الحمر المدنيين. كانت تلك طريقة للتأكد من اعتراف الحامية بسلطة اللجنة العسكرية الثورية، وقد تم ذلك الاعتراف.
خلال ذلك «التمرد الصامت»، اجتمعت اللجنة المركزية، مرة أخرى، بحضور قادة بلاشفة محليين مهمين. أما لينين، الذي كان قد وصل، متنكراً بحذق، فقد دفع المؤتمر التداولي لتصديق القرارات حول الانتفاضة ودعا اللجنة المركزية لتنشر في الحال دعوة إلى العمل. تكلم ممثل لجنة بتروغراد على خمود الجماهير، لكنه أعلن أنه إذا صدرت الدعوة للانتفاضة عن السوفييت، لا عن الحزب، فستوقظ الجماهير وتلاقي صدى لديها. وأعلن كيريلنكو، قائد الفرع العسكري في الحزب، الذي كان يتوقف عليه كلياً تنفيذ خطة لينين، أن أقلية فقط في ذلك الفرع كانت تؤيد الانتفاضة، لكن حتى تلك الاقلية كانت تتمنى أن تأتي المبادرة من السوفييت، لا من الحزب. وتكلم فولودارسكي بالمعنى ذاته. أما زينوفييف وكامينيف فجددا بإلحاح اعتراضها على العمل المسلح، أيا يكن شكله. وقد وبخهما ستالين لقلة ثقتهما بالثورة الأوروبية وأضاف أنه في حين ينصرف قادة الحزب إلى نقاش مرتبك، أصبح السوفييت «على طريق الانتفاضة». وأدلى میلیوتین، مندوب موسكو، ببيان ملتبس، بينما أكد سوکولنیکوف ضرورة عدم تفجير الانتفاضة قبل افتتاح مؤتمر السوفييتات. ومن كل الجهات، كانت ترتفع أصوات قلقة بسبب خمود الجماهير وضعفها، فأعاد لينين ذكر حججه، لكنه قدم تنازلا لأنصار خطة تروتسكي، وأوحى بأن «اللجنة المركزية والسوفييت سيحددان، حين يحين الأوان، الموعد المناسب وطرائق الهجوم العملية». ومن قبيل التجربة، تم اختيار ۲۰ تشرین الاول / اوکتوبر ليكون يوم المعركة.
حددت اللجنة المركزية ذلك التاريخ لأنه كان عشية اليوم المتوقع لافتتاح المؤتمر. ولم يكن باقياً غير ثلاثة أيام أو أربعة للإعدادات. إلا أنه ما أن ثبتت اللجنة المركزية قرارها حتى كان زينوفييف وكامينيف يقومان بمحاولة عنيفة لإحباطه؛ فلقد فضحا الخطة، لا داخل المجموعة البلشفية هذه المرة بل في أعمدة صحيفة غوركي. هكذا عرف العالم الخارجي ما يحاك عن طريق الرجلين اللذين كان يفترض فيها أن يعملا كعضوين في هيئة أركان الانتفاضة. واستشاط لينين غضبا، وخرج عن طوره، مطالبا بأن يطرد من الحزب على الفور «کاسرا إضراب الثورة». إلا أن اقتراحه لم يستجب. وحاول ستالين، من على صفحات الجريدة البلشفية، أن يصالح الخصوم، مع أن المصالحة، كانت مستحيلة بصدد موضوع من هذا النوع: فالانتفاضة تصنع أو لا تصنع.
وليواصل تروتسكي تحقيق خطته، استفاد من ذلك الارتباك الذي سيطر على القادة البلاشفة. وفي 17 تشرين الأول / اوکتوبر، علم – بارتياح بذل جهدا ليخفيه تماما – أن الهيئة التنفيذية المركزية المنشفية أجّلت من جديد مؤتمر السوفييتات. كان ذلك يعطيه مزيداً من الوقت من أجل اللمسات الأخيرة. إلا أنه كان في وسع المعسكر الآخر أن يستفيد هو أيضاً من ذلك التأخير؛ وكانت الأمور التي كشفها زينوفييف وكامينيف تهدد بإيقاظ حذر خصومه. وفي 18 تشرين الأول / اوکتوبر، طرح في السوفييت سؤالان مزعجان على تروتسكي: أحدهما حول الاشاعات المنتشرة بخصوص انتفاضة وشيكة، والآخر حول الأمر الذي اعطاه لمستودعات الأسلحة بغية تسليم اسلحة للحراس الحمر. لكن رده كان رائعاً من روائع التمويه الدبلوماسي؛ فقد قال: «تم نشر قرارات سوفييت بتروغراد، والسوفييت جهاز منتخب؛ وكل نائب مسؤول تجاه العمال والجنود الذين انتخبوه؛ هذا البرلمان الثوري.. لا يمكن أن يتخذ أي قرار دون إبلاغه للعمال. ونحن لا نخفي شيئا، فأنا أعلن باسم السوفييت: لم نتخذ قرارا بأي عمل مسلح». ومن الناحية الحرفية، كان ذلك صحيحا: فالسوفييت لم يتخذ أي قرار من هذا النوع. وبصفته رئيسا للسوفييت، لم يكن عليه أن يعرض إلا اعمال السوفييت. لم يكن مضطراً للقيام باعتراف علني ولكشف قرار سري اتخذته جمعية خاصة كلجنة الحزب المركزية.
لكنه لم يتوقف عند هذا التكذيب، الذي كان يمكن أن يبلبل الأصدقاء کما الأعداء، بل اهتم بأن تبقى يداه طليقتين، فأضاف: «إذا دفع مجرى الأحداث السوفييت ليقرر عملا مسلحا، فسيستجيب العمال والجنود لندائنا كرجل واحد». واعترف أنه دفع باتجاه تسليم البنادق للحراس الحمر، لكنه احتمى خلف سابقة حاضرة في كل ذاكرة: فالسوفييت المنشفي فعل الشيء ذاته. اضاف بلهجة تحد: «سوف يستمر سوفييت بتروغراد ينظم الميليشيات العمالية ويسلحها … علينا أن نكون مستعدين. لقد دخلنا حقبة سيكون النضال أصعب فيها. علينا أن نكون مستعدين في كل لحظة لمواجهة هجوم للثورة المضادة. وسنرد على أول محاولة معادية للثورة لحل مؤتمر السوفييتات، على اول محاولة لمهاجمتنا، بهجوم معاكس لا يرحم، وسوف نذهب به إلى أبعد الحدود»، كان ينعش هكذا حماس المناضلين الثوريين وأصدقائهم، ويربك في الوقت ذاته أعداءهم. وقد اهتم كثيرا بالتشديد على الطابع الدفاعي الصرف لنشاط الانتفاضيين، وبإبقاء طابعه الهجومي في الظل. وللحال نهض كامينيف فأكد تضامنه الكامل مع تروتسكي، وفعل زينوفييف الشيء ذاته في رسالة إلى رئيس تحرير رابوشي بوت. كان خصما الانتفاضة يأملان هكذا إبقاء حزبها في وضع دفاعي بحت ودفعه للتراجع عن الانتفاضة بطريقة معروفة. إلا أنه كان لإظهار تضامنها مع تروتسكي تأثير مختلف كليا، فالأحزاب المعادية للبلشفية، التي رأت أن الخصمين المعروفين للانقلاب يعلنان اتفاقها مع تروتسکی، استنتجت أنه كان، هو الأخر، متفق معها. فاطمأن المناشفة والاشتراكيون الثوريون وقالوا في سرهم: «لن تكون هنالك انتفاضة إذا».
بعد تلك الحادثة مباشرة، تمت مقابلة سرية بين تروتسكي ولينين، الوحيدة – کما يبدو – التي جرت بينها طوال تلك الأسابيع. كان تروتسکی يتساءل إذا لم ينخدع لينين بتصريحه وبالاتفاق الظاهري بينه وبين زينوفييف وكامينيف، وكان مصراً على تبديد سوء فهم محتمل. لكن مخاوفه كانت من دون أساس، بصدد هذه النقطة على الأقل. فلقد كتب لينين الى اللجنة المركزية: «إن مناورة كامينيف في جلسة سوفييت بتروغراد ساذجة بما فيه الكفاية. فأنتم ترون أنه يعلن عن اتفاقه التام مع تروتسكي لكن هل من الصعب أن نفهم أنه لم يكن في وسع تروتسکی – ولم يكن عليه أن يقول أكثر مما قال بحضور أعداء؟» وكتب تروتسكي: «خلال لقائنا، بدا لينين اكثر هدوءاً وأكثر ثقة، والأصح أقل حذراً … ورغم كل شيء، كان يهز رأسه أحيانا ويسأل: «ألن يسبقونا؟ ألن يأخذونا على حين غرة؟ وقد أثبتّ له أن كل شيء سيتم بعد ذلك الحين بصورة شبه آلية».
لم يكن لينين مطمئنا بشكل كامل، فلقد أنعش حذره رفض تروتسكي واللجنة المركزية بكاملها الاستجابة لطلبه المكرر بطرد زينوفييف وكامينيف فورا. فأي حزب آخر كان اعتبر سلوك زينوفييف وكامينيف الخالي من الرزانة والكتمان خيانة، في ظروف مماثلة. لذا كان لينين يرى في رفق اللجنة المركزية بهما علامة تردد بصدد الانتفاضة (*).

______________

(*) إن كون صوت واحد لم يرتفع لدعم اقتراح لينين في اللجنة المركزية إنما هو أمر مميز جدا للعلاقات داخل الحزب البلشفي.
في تلك اللحظة، عرض كامينيف استقالته من اللجنة بشكل تلقائي. أما لينين فلم يكن يطلب اقل من طرده وطرد زينوفييف کعقوبة نموذجية، لا بسبب الاختلاف في الرأي، بل بسبب الاساءة إلى الانضباط التي ارتكباها. إن قراءة محضر اجتماع اللجنة المركزية في ۲۰ تشرين الأول / أوكتوبر قراءة معبرة. فقد أعلن دزرجنسكي أنه ينبغي نصح کامینیف بالانسحاب من الحياة السياسية؛ لكنه لم يطالب بطرده. وأضاف: لا حاجة للقلق بصدد زينوفييف، فهو مختفي في كل حال. ونصح ستالين ومیلیوتین بوضع المسألة جانبا حتى دورة اللجنة المركزية بكامل أعضائها، وفي جريدة الحزب، دعم ستالين وجهة نظر کامینیف وزینوفییف، ومنذ ذلك الحين أصبح مستهدفاً شخصياً. وكان أوريتسكي مع تأجيل الموضوع، وهاجم سفردلوف کامینيف بعنف، لكنه اكد ان اللجنة المركزية لا تملك الحق بطرد أي كان. اما تروتسكي فكان مع قبول استقالة كامينيف، لكنه بقي ضد طرده. وقد انتقد الوجهة التي اعطاها ستالين لجريدة الحزب، التي خلفت وضعا لا يحتمل، وتكلم يوفي ضمن الخط ذاته. لكن ستالين دافع مجددا عن زينوفييف وكامينيف قائلا بضرورة بقائهما في اللجنة المركزية: وليس الطرد علاجاً، إذ ينبغي الحفاظ على وحدة الحزب، وتم قبول استقالة كأمينیف بـ 5 أصوات ضد ۳، فأعلن ستالين أنه يستقيل من رئاسة تحرير صحيفة الحزب، لكن لم تقبل هذه الاستقالة. ان هذه الحادثة واخرى مشابهة تناقض من يؤكدون أن الحزب البلشفي كان منذ ولادته كليانياً وأحادي الاتجاه، بروتوكولي تسن كوم، ص ۱۲۷ – ۱۲۹.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

‬ ‬ النبي المسلّح: تروتسكي إبّان ثورة أكتوبر ج 9 (64)

‫شاهد أيضًا‬

مجموعة دراسة نظرية الثورة الدائمة عبر الإنترنت

جارٍ التحميل… يسعدنا تقديم هذه الدورة الدراسية عبر الإنترنت حول نظرية الثورة الدائمة باللغ…