‫الرئيسية‬ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عصيان البوسفور وغضب القصر

عصيان البوسفور وغضب القصر

رغم أننا لا نعرف أين ومتى ستنفجر الحراكات الجماهيرية، إلا أن التناقضات المتفاقمة تعدّ إشارة لاندلاع الثورات المستقبلية. في بلد مثل تركيا، التي تعاني معضلات ديمقراطية واقتصادية عميقة، فإن هذا الاحتمال مطروح دوما على الطاولة. احتجاجات طلبة الجامعات والمحاضرين على تعيين مليح بولو أمينا لجامعة البوسفور من قبل أردوغان خلقت مثل هذا الكابوس المرعب.

بقلم إيسات اردوغان_ 09- شباط- 2021

بعد انتفاضة جيزي، تراجع الحراك الجماهيري إلى حد كبير، حتى عاصفة قطاع المعادن.. عمال صناعة السيارات والمعادن في بورصة انخرطوا في تعبئة جماهيرية حاشدة. والآن، النضال الذي بدأ بشأن جامعة بوغازيتشي (البوسفور) يحمل إمكانية الانتشار بطرق ما. هذه المقاومة هي أيضا علامة على أنه حتى الشرارات الصغيرة لديها إمكانية الاتساع بسرعة. الملايين المستعدون لقول “كفى” للسكين المغروسة في العظام، في انتظار طليعتهم ونضالهم. النضال الحاسم والمشروع لثلة من عمال المناجم وطليعتهم التي كافحت لشهور في سوما أفضى إلى تحقيق مكاسب. ولكن في الواقع، إذا كانت هذه النضالات أفرع نهر لا تتدفق مجتمعة، فإنها ستتلاشى بمرور الوقت.

أعضاء حزب العدالة والتنمية محقون في شيء واحد، الأمر ليس بالطبع مجرد مسألة رئيس الجامعة، ولا النضال في جامعة بوغازيتشي هو مجرد صراع أكاديمي.. هو تحد جديد أمام القصر في ترسيخه للنظام القمعي.. إنها فرصة جديدة للمعارضة للوقوف في وجه النظام الرئاسي وأردوغان.. تعبير عن هويات واختلافات الجماهير الشابة واليسارية.. بالنسبة للاشتراكيين إنها ساحة معركة.

كيف يمكن شق مسار يتجاوز حدود سياسات الهوية، ولا يغرق في المياه الضحلة للديمقراطية البرجوازية، ويسحق المعارضة البرجوازية الجامدة؟ كيف يمكن لنضالات الطبقة العاملة والشباب المكافحين من أجل حقوقهم الديمقراطية أن يتحول إلى تعبئة مشتركة ضد القصر والرأسمالية بالمعنى الواسع؟ الإجابات على هذه التساؤلات ستحدد مسار النضال.

القصر يداً بيد مع المجلس العسكري للثاني عشر من أيلول

 

الحركة الطلابية حاربت لسنوات ضد طابور المجلس العسكري (مؤسسة التعليم العالي). المجلس العسكري كان قد أرسى التزامات الهيئة العليا للانتخابات والعمداء تم اختيارهم من قبل الحكومة. منذ العام 1992 فصاعدا، بدأ العمداء في القدوم عبر الانتخابات، والرئيس كان يصادق على الأسماء التي يتم طرحها. خلال عهد حزب العدالة والتنمية، بدأ تحديد العمداء يتم من قبل الرئيس. في هذا السياق قام نظام القصر بإحياء إحدى ممارسات 12 أيلول.

قبل جامعة بوغازيتشي، كان التعيين في كل الجامعات الأخرى يتم عبر القصر. لهذا يسأل أردوغان طلبة ومحاضرين بوغازيتشي المقاومين: “هل أنتم الأذكياء الوحيدون؟”. في موقع كالجامعة، حيث يتم إنتاج الأيديولوجيا البرجوازية بقوة، فإن للهيمنة أهمية قصوى بالنسبة للقصر. لهذا السبب، قام القصر بسرعة بإصدار مرسوم جديد، ما مهد الطريق لكليات جديدة للعمل في جامعة بوغازيتشي، وليكون له المزيد من السيطرة على الجامعة. توسيع نطاق التوظيف هو أيضا من ممارسات مجلس 12 أيلول العسكري.

وكذلك فإن أمر “الإغلاق” الذي أبلغته الشرطة للطلبة خلال تدخلها في هذه الاحتجاجات هو أيضا تصريح قديم للمجلس العسكري. ليست هناك حاجة لإيجاد سبب للاعتقال، وقد كانت تلك هي الممارسة التي تم تطبيقها على الطلبة الذين تم اعتقالهم خلال التسعينيات في كل مرة كانوا يحتجزون فيها. إنها بقايا هجمة المجلس العسكري ضد الشباب الذين تم احتجازهم إثر أحداث البوسفور. ولكن أتباع المجلس العسكري يرفضون إقرار التعذيب ويقبلون برواية الانقلاب. سيكافحون لإثبات أنه لم يكن هناك تعذيب. في ظل نظام القصر، العنف الصريح والتعذيب أصبحا مألوفين! لأنهم يعرفون أن القصر والمحاكم تقف خلفهم. هذا العنف ضد الشباب، الذين يواجه كثير منهم الشرطة للمرة الأولى، أمر لا يمكن القبول به.

لن ندخل في نقاشات غير ضرورية من قبيل أن “رئيس الجامعة غير كفء أكاديميا” وما إلى ذلك.. الولاء معيار كاف بالنسبة للتحالف الحاكم. بالنسبة لهم، رئيس الجامعة الذي هو عضو في الحزب يمتلك كافة المؤهلات. وبالنسبة للشباب الذين تم احتجازهم إثر احتجاجات البوسفور، فإن وزير الداخلية يحرض الجمهور عليهم باستمرار عبر اتهامهم بأنهم أعضاء منظمة غير قانونية. ومجددا، عبر استخدام تمويل الاتحاد الأوروبي، يحاول إثبات أن أفراد مجتمعات المثليين هم منظمة غير قانونية، وامتداد للكوكبة الأجنبية. في الوقت الذي قد يبدو فيه هذا الأمر سخيفا، إلا أنه لابد من أخذه على محمل الجد. إنه لا يمزح؛ لأن هذا النظام هو نظام حرب أهلية يرى النصف الآخر من السكان على أنهم أعداء. عبارة “لا تختبروا قوة الدولة”، التي يرددونها دائما، هي درع أمني لإضفاء الشرعية على اللاشرعية والقمع الجامح. أردوغان ووزراؤه يدعون المعارضة بـ “اللا قوميين، واعداء الدين”، ما يستفز الجمهور باستمرار، وبالتالي يزيد من عنف الدولة. إذا ما استمر العنف والمعارضة صامتة، فإنه سيلقي خطاب نصر وسيتم إغلاق الملف. وإذا لم تصمت المعارضة، ستزيد حكومة أردوغان من جرعة العنف. هذه هي استراتيجيتهم.

الحقيقة أن بدء رئيس الجامعة الجديد، بالو، لدراساته الأكاديمية عبر دعوة القناصين إلى الجامعة، ومن ثم احتجاز مئات الطلبة، واعتقال 8 طلاب، وتعذيب كثير من الطلبة هو بروفة صغيرة لما سيفعله رئيس الجامعة الجديد والنظام الذي يقف خلفه. من الصعب توقع أين ستتجه الأمور في حال اندلاع احتجاجات حاشدة.. لكنا كنا نكتب منذ فترة أن فريقا مسلحا مما يدعى بالقوى المدنية قد يتدخل.

المعارضة البرجوازية الوقحة وكذبة الإصلاح

 

القصر كان يتمتم بإصلاحات دستورية منذ فترة. بعد مقاومة جامعة البوسفور، أعاد إثارة هذا الأمر مجددا. ورغم أن هذه الاكاذيب تستهوي آذان الليبراليين البرجوازيين والبرجوازية الصغيرة الميؤوس من حالتها، إلا أنه لا نية لديهم بالإصلاح. هناك الكثير من الألاعيب في القصر. وعندما لا يكون هذا كافيا، فإن عنف الشرطة بالفعل على أهبة الاستعداد.

من أجل شرعنة نظام انتخابي لا يفقدون فيه نواياهم! رغم أن القصر يتمتع بسلطة كل أجهزة الدولة العنيفة، إلا أنه ينسب ما يدعى بشرعيته إلى الدعم الشعبي. لأن السمة الشائعة لأنماط الأنظمة البونابارتية الجديدة هي استخدامها لنتائج الانتخابات، وإن كان رمزيا.  لذا، لا بد له من الفوز بالانتخابات وفي ذات الوقت إسكات المعارضة بالعنف!

المعارضة البرجوازية، التي تحذر باستمرار من الاستفزاز وتسقط في فخ أردوغان المتعلق بقضايا الدين/ القومية، تظهر نفس الموقف فيما يتعلق بتظاهرات البوسفور. في النهاية، مشكلتها أن النظام لا يتوقف. كل شيء من أجل رأس المال! على أية حال، لا يمكن لهم الوقوف في وجه أردوغان بهذه اللغة المعارضة. المعارضة البرجوازية المتمثلة بحزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح لا تملك القدرة على معارضة القصر. إنهم لا يفعلون شيئاً سوى إرباك رؤوس الجماهير. عندما يتعلق الأمر بـ “الإصلاح، والدولة، والأمة”، يكونون جاهزين على الفور. لا نية لديهم للقتال من أجل أبسط الحقوق الديمقراطية.

الحل في النضال الموحد

 

جملة معترضة أخرى لأولئك الذين يعتصرون النضال في سياسات الهوية.. بالنضال فقط من خلال سياسات الهوية دون التطرق للرأسمالية، لا القصر سيتراجع ولا ستتأسس وحدة اجتماعية. النضال الذي سيتم خوضه عبر سياسات الهوية والاختلافات الثقافية تقسم الطبقة العاملة، وتخدم البرجوازية. ومع ذلك، نحن بحاجة إلى جذب جماهير عريضة من العمال إلى جانبنا.

توحيد الحركة الشبابية مع نضالات الطبقة العاملة في كافة أنحاء البلاد اليوم هو سبيلنا الوحيد! مهمة القيادة الثورية يجب أن تكون توجيه حراك الشباب إلى منظور طبقي. برنامج عمل ومسار نضال يوحد كافة النضالات على أسس مشروعة.

 ترجمة تامر خرمه

‫شاهد أيضًا‬

الاتفاقية المغربية_ الاسرائيلية: اتفاقية ضد الشعب

في العاشر من كانون الأول 2020، أعلن الرئيس ترمب اعترافه بحق المغرب في ضم الجمهورية العربية…