‫الرئيسية‬ نظرية أفيون الشعب (5)
نظرية - 5 مارس، 2021

أفيون الشعب (5)

الهزيمة الأوروبية الأولى

وألهبت التجربة الكبرى حماس الكادحين، فاكتسحت القارة الأوروبية موجة ثورية. ولكنها انتهت بسلسلة من الهزائم، في ألمانيا، وإيطاليا، وهنغاريا، والبلقان.
وحاولت الرأسماليات كما حاولت الجيوش البيضاء سحق الثورة، ولكن الثورة خرجت سالمة من التدخل كما خرجت سالمة من الحرب الأهلية.
وهكذا اكتسبت موسكو في نفوس البروليتاريين منزلة الوطن لمن لا وطن له، فغرست البذرة، وتكوّن جنين “المعبود” الجديد.

الهزيمة الأوروبية الثانية

ونما الجنين في رحم اليسار، يغذيه من ناحية موقف الضحية الذي وقفته روسيا -وقد تعرّضت للهجوم المسلح، والحصار الاقتصادي، والدعاية المضادة المأجورة- والضحية تكتسب عادة عطف المضطهدين.
ويغذيه -من ناحية أخرى- الفشل الذريع الذي منيت به البروليتاريا العالمية في ماحل الجهاد في الفترة التي انقضت بين الحربين.
ويكفي لكي نصور ضخامة هذا الفشل أن نذكر -بعد الهزيمة الألمانية الكبيرة- هزيمة الحرب الأهلية الاسبانية، والظروف القاسية التي اكتسحت فيها الفاشية أوروبا طولاً وعرضاً.
والفشل يبعث اليأس، والذين فقدوا الأمل يبحثون عن أمل، والاتحاد “السوفييتي” هو الأمل الباقي لمن لا أمل له. وهكذا ولد “المعبود” الجديد. وما أجمل حياة الوهم لمن لا حياة له!.

من الكوردون الصحي إلى الستار الحديدي

ولد ونما في ظل الكوردون الصحي الذي فرضه العالم الرأسمالي حماية لنفسه من خطر السرطان الأحمر، أو في ظل الستار الحديدي الذي أقامه الاتحاد “السوفييتي” من حوله حتى يدرأ عن نفسه مؤامرات الرأسماليين.
وظل العالمان يتراشقان التهم من وراء الأسوار.
أما الاتهامات الصادة من العالم الرأسمالي، فما كان ليصدقها من اليسار أحد، وهي صادرة من اليمين.
وأما الاتهامات الصادرة من الاتحاد “السوفييتي”، فيكفي أن تكون صادرة من موسكو، ضد اليمين، حتى يهلّل لها اليسار في أنحاء الأرض.
وهكذا انتهت رسالة الأحزاب “الشيوعية” -في أوروبا وغير أوروبا- إلى ما يشبه الدور الذي يلعبه “المطيبون” في حلبات السباق. فهم يصفقون تصفيق الاعجاب إذا تكلمت موسكو، ويصفرون صفير الازدراء إذا تكلم الغرب.
وقد لعبنا -نحن أيضاً- دورنا في “التطييب”، فصفقنا، وصفرنا. وإني لأذكر اليوم -والابتسامة لا تستطيع أن تفارق شفتي- كم كان يلذ لنا أن نقرأ دفاع الشيوعيين في فرنسا، وانجلترا، وأمريكا، وسوريا، ولبنان، والعراق، وفلسطين، عن الاتحاد “السوفييتي”؛ وكم كان يلذ لنا أن نستمع إلى راديو موسكو وهو يكيل التهم إلى العالم الرأسمالي، ويصوّر لنا “الجنة” الأرضية التي شيّدها ستالين فوق أعمدة أكتوبر؛ وكم كان يلذ لنا أن نردّد مع المذيع “السوفييتي”، أو المذيعة “السوفييتية”، نشيد الانترناسيونال قبل إلغائه، أو الشعار البروليتاري العالمي “يا عمال العالم اتحدوا” قبل إلغائه أيضاً؛ بل كم كان يلذ لنا أن نتجرّع من ثغر موسكو كؤوس الخمر، قبل أن توقظنا برودة الواقع، لتبدد من رؤوسنا أحلام السكارى!
وما أريد بهذا السخر أن أدافع عن الغرب. فالغرب الاستعماري لا يستحق إلا الازدراء.. ماذا أقول؟ بل لا يستحق إلا أن ننقض عليه حتى نتخلص من ناره!
ولكن أحداثاً جساماً وقعت في روسيا منذ الثوة، وقلبت فيها الأوضاع رأساً على عقب؛ و”التطييب” يمنع “اليسار” من رؤية الواقع، والدعاية الروسية تضلل الناس بمختلف الأساليب: تضللهم بإخفاء الحقائق حيناً، وتضللهم بتشويه الحقائق حيناً آخر، وتضللهم ببتر الحقائق حيناً ثالثاً، فتعميهم عن إدراك حقيقة ما يدور في سدس الأرض، وتجعلهم يتصورون الجحيم جنة، ولو بدا الجحيم على حقيقته، لكانت موسكو كالغرب جديرة بالازدراء. ولكن أنّى للجحيم أن يبدو على حقيقته، والجحيم لا يزال وراء القناع؟ والبروليتاريا العالمية هي الفريسة الدائمة لهذا الخداع؟.

إخفاء الحقائق: المجاعة سنة 1932

تضللهم بإخفاء الحقائق، حين يسيء ظهور الحقائق إلى سمعة المشرفين -أو المسيطرين- على الاتحاد “السوفييتي”.
وما أبشع يد الرقيب “الأحمر” -الذي فقد لونه الأحمر- حين يسيطر على وسائل النشر، داخل الاتحاد “السوفييتي”، ووسائل نقل الأنباء، من وإلى الاتحاد “السوفييتي”!
والأمثلة على ذلك عديدة. ولكني أكتفي هنا بمثل واحد اعترفت به -فيما بعد- الدوائر الرسمية نفسها، وأعني به المجاعة التي اكتسحت البلاد في شتاء سنة 1932 فحصدت -وحصدت معها الأوبئة التي صحبتها- ما لا يقل عن مليونين من سكان أوكرانيا وحدها.
فقد كانت الصحف “السوفييتية” تصدر أثناء المجاعة، دون أن تشير إليها بحرف واحد، كأن كل شيء يسير في مجراه الطبيعي، وكأن حصد الملايين ليس من الأهمية حتى تشير إليه الصحف ولو بحرف واحد!
وقدر روى أرثر كيسلر -أحد مفكري العصر البارزين- في كتابه: “اليوجي والفوميسار” -أنه كان في ذلك الوقت في خاركوف -عاصمة أوكرانيا- وأنه شهد بعيني رأسه الأرض الأوكرانية تكاد تتجرّد من الحياة، ومع هذا فما قرأ بصحيفة من الصحف الروسية شيئاً عن المجاعة، في الوقت الذي كانت تطفح فيه بكل شيء من أنباء تحقيق المشروعات الانشائية المختلفة، ونجاح العمال في تخطي الأرقام التي وضعت لها في الأصل!
بل وما قرأ عن هذه المجاعة شيئاً، حتى ولو في صحيفة “كوميونيست” الخاركوفية نفسها، في الوقت الذي كانت تفيض فيه أنهرها بكل شيء من صور الحياة الباسمة، التي تطالعك دائما من وجوه العمال والعاملات وهم يشتغلون داخل المصانع، أو من وجوه الفلاحين والفلاحات وهم يعملون في المزارع، أو من ثغور الشيوخ والنساء والأطفال وهم يتمتعون بما في الدنيا من لذة ومرح!
ويصور كيسلر الشعور الذي كان ينتابه -حين قراءة هذه الصحف- فيقول أنه كان أشبه بمن كان في حلم. فهي -فيما يبدو- كانت تتحدث عن بلاد نائية، ولا صلة لها -على الاطلاق- بالحياة اليومية التي كان يحياها الناس في خاركوف، أو في أوكرانيا، أو في الاتحاد “السوفييتي” كله!
ولا شك أن الرقيب -الذي يستطيع إخفاء الحقائق- إلى هذا الحد داخل الاتحاد “السوفييتي” نفسه- لن يجد أدنى صعوبة في إخفاء الحقائق التي يريد إخفاءها عن العالم الخارجي.
وقد يدهش البعض من ذكر كلمة “الرقيب” الذي لا يظهر عادة في البلاد الرأسمالية نفسها إلا في حالات الأحكام العرفية.
ولكن لا محل للدهشة على الاطلاق. فالرقيب في روسيا رقيب دائم، لأن الصحف فيها خاضعة لسيطرة الدولة خضوعاً مباشراً، ولأن توزيع الأنباء -الداخلية والخارجية على السواء- مركّز بين يدي وكالة تاس، وهي وكالة رسمية لحماً ودماً.

يمكن مراجعة الفصل السابق من خلال الرابط التالي:

أفيون الشعب (4)

‫شاهد أيضًا‬

مجموعة دراسة نظرية الثورة الدائمة عبر الإنترنت

جارٍ التحميل… يسعدنا تقديم هذه الدورة الدراسية عبر الإنترنت حول نظرية الثورة الدائمة باللغ…