‫الرئيسية‬ دول العالم معنى المظاهرات الحالية ضد بوتين
دول العالم - 1 مارس، 2021

معنى المظاهرات الحالية ضد بوتين

 

روسيا غارقة في مظاهرات جديدة ضد حكومة فلاديمير بوتين. مظاهرات بمضمون ديمقراطي ضد اعتقال زعيم المعارضة، أليكسي نافالني، وضد الفساد. حقيقة انتشارها في المناطق الداخلية للبلاد، إلى المناطق الأقل امتيازا من العاصمة موسكو، تعكس حالة عدم الرضا الاجتماعي العميق، المتراكم عبر السنوات في قطاعات واسعة، وربما، بشكل لايزال جنينيا، عناصر أزمة في النظام السياسي.

بقلم: حزب العمال الأممي _ روسيا

 

خلفية

 

أليكسي نافالني هو منظم صندوق مكافحة الفساد. نوع من المنظمات غير الحكومية التي تجري تحقيقات بالفساد في المستويات العليا للدولة. لعدة سنوات، دأب على إدانة سلسلة من الفضائح.

في منتصف السنة الماضية، تم تسميم نافالني بالعنصر السام نوفيتشوك، وهو سلاح كيميائي تم تطويره من قبل الاتحاد السوفييتي السابق/ روسيا. وقد يكون العنصر العصبي الأكثر فعالية في العالم. نافالني نقل في غيبوبة إلى مستشفى ألماني ونجا من الهجمة. تحقيق صحفي أجرته كل من “الانسايدر”، و”بيلنغكات”، و”سي ان ان”، و”دير شبيغل” مجتمعة، كشف أن ثمانية عملاء لجهاز الأمن الفدرالي (المخابرات الروسية، كي جي بي سابقا) كانوا قد سافروا معه جوا إلى المدينة حيث تم تسميمه، متبعين تماما نفس مسار الرحلة. كل العملاء الثمانية لديهم خلفية كيمياية أو دوائية. التحقيق بين أيضا أنهم قبل الهجمة قاموا بالاتصال عدة مرات بمركز الأبحاث الذي طور نوفيتشوك، وأنهم، بمجرد اتضاح أن الهجمة فشلت، وأن نافالني نجا، قاموا بالاتصال بنفس مركز الأبحاث مجددا. وقد ثبت أيضا أن هؤلاء العملاء أنفسهم كانوا يتتبعون رحلات نافالني على مدى السنوات الثلاث الماضية. مع وجود شكوك حول محاولات أخرى لتسميم نافالني وزوجته وقتل معارضين أو صحفيين آخرين.

 

الحيلة الأكثر إثارة كانت أن نافالني قام بالاتصال بأحد هؤلاء العملاء، لاعبا دور رئيسه، حيث أكد مشاركته بمحاولة التسميم الفاشلة، في تسجيل فيديو انتشر على نطاق واسع في روسيا. استخدام نوفيتشوك لا يمكن السماح به دون مصادقة مدير جهاز الأمن الفدرالي، والذي بدوره لا يمكنه التصرف بطريقة كهذه دون موافقة بوتين. بعبارة أخرى، كل شيء يشير إلى أن بوتين هو العقل المدبر للجريمة. حكومة بوتين تنكر، بالطبع، أي اتهام، حتى أنها رفضت فتح تحقيق بالقضية، نافية ببساطة مسألة التسميم. المستشفى الألماني الذي عالج نافالني أكد الأمر، وكذلك المختبرات في ألمانيا، والسويد، وفرنسا. حتى المستشفى الروسي الذي عالج نافالني قبل إرساله إلى ألمانيا نوه بالتسميم بعامل عصبي في بيان، ولكن سرعان ما تم سحبه.

التحقيق الصحفي في التسميم، وكذلك تسجيل الفيديو للمحادثة الهاتفية مع عميل جهاز الأمن الفدرالي الذي أقر بالتسميم، تابعهما الملايين في روسيا. وبعد فترة وجيزة، قام نافالني بنشر نتائج تحقيق رئيسي في مخطط رشوة لبناء قصر فاخر لبوتين على سواحل البحر الأسود، تم بناؤه بواسطة شركات مقاولات كبرى تعود ملكيتها للأوليغارشية الروسية. التحقيق تم عرضه في تسجيل فيديو مدته ساعتين، والذي حصد أكثر من 100 مليون مشاهدة في بلد يبلغ عدد سكانه 140 مليون نسمة. القصر، الذي يعد “أكبر رشوة في العالم” يلفت الانتباه لفخامته البالغة، والأرائك التي تبلغ قيمتها نحو 100,000 دولار، والديسكو المائي، وممرات التعري، والمسرح، والسينما، وحلبة الهوكي تحت الأرض، وأقببية النبيذ، وغرف لتعقيم البيض! أو فرش المرحاض ذات الألف دولار، والتي أصبحت في النهاية إحدى رموز الاحتجاجات. كان على بوتين أن يخرج للعلن لينكر أن القصر يعود له، رغم حقيقة أن بناءه بتنسيق من قبل جهاز الإدارة الرئاسية، وأن الشركات التي أسهمت في بنائه أشارت إليه باسم “قصر الرئيس”.

عند عودته إلى روسيا، تم اعتقال نافالني على الفور في المطار، حتى قبل اجتيازه مراقبة الجوازات، ووجهت إليه تهمة خرق شروط عقوبته بالإقامة الجبرية، أثناء غيبوبته، أو تحت العلاج في ألمانيا. ومنذ ذلك الوقت مازال في السجن. إدانته السابقة كانت غامضة، ويدعي نافالني أنه تم تلفيقها لمنعه من المشاركة في الانتخابات الرئاسية الماضية.

اعتقال نافالني أدى إلى اندلاع موجة تظاهرات عبر البلاد

 

مظاهرات تطالب بإطلاق سراح نافالني وكافة المعتقلين السياسيين كانت قد نظمت يوم السبت 23 كانون الثاني. وقد سبقها الكثير من النقاش على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة على “التيك توك”، وهو تطبيق شائع بين الطلبة الشباب. هذه الواقعة لفتت انتباه أجهزة أمن الدولة. لذا نظمت وزارة التعليم حملة قام خلالها المعلمون في المدارس بتلقين الطلبة أنه ليس من الصواب المشاركة بالمظاهرات ضد رئيسنا المحبوب، وكذلك بالكتابة إلى أولياء الأمور لإبقاء أطفالهم في المنازل. وسائل الإعلام تناقلت بشكل مستمر أن المظاهرات كانت غير قانونية، وأنه سيتم قمعها بقسوة. قالوا إنها كانت استفزازات من قبل المخابرات الأمريكية.

حملة التضليل والتخويف لم توقف عشرات آلاف المتظاهرين في 140 مدينة. في موسكو شارك نحو 15-20 ألف شخص في أكبر تظاهرة. القمع كان عنيفا، وأكثر من 1500 متظاهرا تم اعتقالهم في موسكو، وآلاف غيرهم في مناطق أخرى. مظاهرة أخرى تمت الدعوة إليها ليوم الأحد الحادي والثلاثين. هذه المرة في ميدان لوبيانكا، بموسكو، خارج المقر المركزي لجهاز الأمن الفيدرالي.. كانت جرأة غير مقبولة بالنسبة للحكومة، وقد أغلقت مركز المدينة بحواجز الشرطة، وقوات “الأومون” (وحدات شرطة فدرالية خاصة داخل الحرس القومي لروسيا)، وأغلقت 10 محطات مترو أنفاق، وكافة المعابر إلى وسط المدينة تم قطعها، الحافلات والسيارات تم منعها من الوصول إلى المركز. وسط المدينة تم وضعه فعليا في حالة حصار، الأمر الذي لم يسمع به في العاصمة. لكن هذا لم يثبط عزيمة المتظاهرين، الذين نظموا طوابير من بضعة مئات إلى بضعة آلاف من الأشخاص الذين استمروا في التحرك بكافة أنحاء المدينة، متجاوزين الطوق الأمني، وتم تفريقهم من قبل الشرطة ومن ثم تجمعهم مجددا في وقت لاحق. استمر هذا الأمر لعدة ساعات، وأبقى في الواقع مركز المدينة وكافة وسائل النقل مغلقة، وقد كان حدثا له صدى كبيرا. ومجددا، امتد النضال إلى عدة مدن في الداخل، والقمع كان أشد مما كان عليه في الثالث والعشرين. يوم الثلاثاء، 2 شباط، خرجت مظاهرة جديدة. هذه المرة خارج المحكمة التي كان من المقرر أن يحاكم فيها نافالني، وكان أكثر الهتافات التي تم سماعها في المظاهرة: أطلقوا سراح نافالني! والحرية لكافة المعتقلين السياسيين! وبوتين لص! ويسقط القيصر! ومن أجل روسيا بدون بوتين! ومجددا أغلقت قوات مكافحة الشغب “أومون” مركز موسكو، والمظاهرات تم قمعها بشكل ساحق.

النظام رد بقسوة

 

أكثر من 10,000 ناشط (من بينهم طلاب في المدارس الثانوية) تم اعتقالهم خلال ثلاثة أيام من النضال. مراكز الاعتقال كان مزدحمة، دون توافر الشروط لاستقبال هذا العدد الكبير من المعتقلين، الذين كان عليهم النوم في زنازين مكتظة، دون أسرة، أو فراش، أو بطانيات، أو حتى تدفئة، وغالبا دون إمكانية الوصول إلى الحمام لساعات طويلة، وحتى دون ماء. كثيرون اضطروا لقضاء الليل محتجزين في سيارات الشرطة. كانت هناك أعمال شغب، واحتجاجات، وإضرابات عن الطعام في مراكز الاحتجاز، التي كانت مخصصة بالعادة للمهاجرين غير الشرعيين. وفي النهاية، تم الحكم على نافالني بالسجن لنحو ثلاث سنوات.

بوتين يحاول استخدام القمع الشديد ضد كل من يعارض نظامه، تماما كما كان يفعل دميته لوكاشينكو في بيلاروس لعدة شهور ضد الموجة الثورية الهائلة هناك. هذا هو جوهر نظام بوتين الرجعي للغاية، المستند إلى جهاز الأمن الفدرالي، والـ “أومون”، والقوات المسلحة. والذي يتعارض تماما مع الحقوق الديمقراطية. عندما يكون بوتين لايزال محتفظا بدعم الشعب، يمكنه إخفاء نفسه بقناع ديمقراطي. الحقيقة الأكثر أهمية في الواقع الروسي اليوم هي أن هذا القناع قد يكون سقط. بوتين ينظر إليه بالفعل، على الأقل من قبل نسبة كبيرة، على أنه استبدادي، وقمعي، ومناهض للديمقراطية، وفاسد، ومتواطئ مع الأوليغارشية الروسية. حتى من خلال استطلاعات الرأي الرسمية، التي لا تستحق أدنى مصداقية، فإن الشعبية الحكومية تتساقط، والاستياء الشعبي يتزايد.

الأمر ليس فقط من أجل نافالني، ولكن ضد الفقر، والبطالة، والأزمة الاجتماعية

 

من المبكر جدا تقييم الأهمية الكاملة لهذه النضالات. لكن من الواضح أنها لم تعد حركة مقتصرة على أنصار نافالني. كثير من الناس نزلوا إلى الشوارع ليس لأنهم يتفقون مع نافالني أو مع مقترحاته، ولكن ضد اعتقال أولئك الذين يختلفون مع خطاب الحكومة، والذين لديهم الشجاعة للتنديد به. نافالني، بهذا المعنى، يلعب دور إثارة عملية عميقة كانت تتراكم لبعض الوقت في شرائح واسعة. في المقابلات العديدة التي أجريت بالشوارع، برر الناس مشاركتهم بسأمهم من الفساد، وارتفاع الأسعار، وانخفاض الأجور، وتسريح العمال، والافتقار إلى سياسة لأولئك الذين تأثروا بالجائحة، والافتقار إلى اللقاحات في الريف، حيث تدوم الطوابير لأسابيع، بينما في موسكو يعلنون عن وجود لقاحات متبقية، ويلقحون الناس دون طوابير في مراكز التسوق بالمدينة. وكثيرون سلطوا الضوء على أنهم ليسوا من أنصار نافالني ولكنهم ضد اعتقاله.

في بلد بحجم روسيا، قد لا يبدو بضع عشرات الآلاف من المتظاهرين حدثا كبيرا بالنسبة إلى الخارج. لكن أولئك الذين كانوا هناك شعروا بالطاقة ودرجة التعبئة والقتال والمبادرة الذاتية، وأدركوا أن الأمر لم يكن “المزيد من ذات الشيء”. الفارق في عملية النضال هذه ارتباطا بمظاهرات العام 2012 هو أنها امتدت إلى كافة المناطق، وفي كونها أقوى نسبيا في المدن الداخلية منها في موسكو المحظية ذات المعارضة التقليدية. كما تختلف عن العام 2012 في أن المظاهرات الآن تتمتع بدعم هائل، لكنه لايزال مشتتا، لدى قطاعات واسعة من السكان. في المدن التي كانت فيها المظاهرات بمشاركة 500 متظاهر، مثلا، تمت متابعة تسجيلات الفيديو الخاصة بها على الإنترنت من قبل عشرات الآلاف، وعلى مستوى البلاد من قبل الملايين. حتى أولئك الذين لم ينزلوا إلى الشوارع خوفا من شدة القمع، تابعوا الأحداث باهتمام كبير. وهناك علامات تعاطف لدى الطبقة العاملة. التركيبة الاجتماعية للمظاهرات بدت أكثر شعبية من سابقاتها، وقد أجاب نصف المشاركون في استطلاعات أجريت على الفور بأنهم كانوا يشاركون في المظاهرات للمرة الأولى في حياتهم. وبين الحشود كان هناك كثير من النساء والشباب. الفئة العمرية للأغلبية تراوحت ما بين 20-45 عاما.

دور الستالينية

 

مثلما يتساقط قناع بوتين، يتساقط قناع “المعارضة” الرسمية، التي أدانت نافالني بسبب نشاطه “المناهض للدولة”. هذا ما قالته قيادة الحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية، المعروف بموقفه المؤيد لبوتين، ما ولد عناصر أزمة في أجهزته، حيث شاركت بعض التنظيمات المحلية في المدن الداخلية بالمظاهرات علنا ضد قيادتها. هذا بدوره دعا إلى التشكيك في التكتيك السياسي الأساسي لنفالني، والذي يدعى بـ “التصويت الذكي”، وهو نوع من التصويت التكتيكي يهدف إلى توحيد الأصوات لأفضل مرشح “معارضة” في كل منطقة، أيا كان، ضد مرشحي حزب بوتين. وهكذا، فقد ساعد دعم نافالني في انتخاب كثير من ممثلي الحزب الشيوعي، وأحزاب أخرى كالديمقراطيين الليبراليين، وروسيا العادلة، والذي يوافقون الآن على اعتقال نافالني ويقفون متضامنين مع بوتين. وكما كنا ننتقد لبعض من الوقت، فإن “التصويت الذكي” ليس بذاك الذكاء..

ليس صدفة أن الحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية (والستالينيون في كافة أنحاء العالم) يدافع عن بوتين. مزيج من الشوفينية الروسية، وتمجيد “الإمبراطورية السوفييتية”، وحتى شخصية ستالين، كرمز للوطنية المفترضة والإرادة القوية، بخطاب مناهض للغرب (في الوقت الذي يفتح فيه فعليا اقتصاد البلاد بأسره لرأس المال الأوروبي والأمريكي) يناسب الستالينيين بشكل جيد للغاية. وكلازمة جنائزية مروعة، نستشهد بحقيقة أنه في المحكمة التي أدانت نافالني كانت هناك صورة لياغودا على الحائط، وهو رئيس الـ “كي جي بي” الذي صمم مع ستالين أول محاكمة في موسكو (الخاصة بزينوفييف وكامينيف) ضد قادة البلاشفة الذين كانوا يواجهون الستالينية آنذاك. ليس صدفة أنه كان بإمكاننا رؤية لافتات تقول: “لا نريد العودة إلى العام 1937″، عام الإرهاب الستاليني الكبير، خلال المظاهرات.

الإطار الأممي للنضال

 

الاحتجاجات في روسيا لاتزال ذات أهمية كبرى لأنها تحدث في أعقاب الثورات الأخيرة في بيلاروس وقيرغيزستان. من المبكر للغاية التنبؤ بأن هذه السيناريوهات ستتكرر على المدى القصير في روسيا، ولكن الصيرورات لها تغذيتها الراجعة، حيث يحمل كثير من المتظاهرين في روسيا العلم الابيض/ والأحمر/ والأبيض، رمز الثورة البيلاروسية، ومع موجة تعاطف مع المتظاهرين الروس في بيلاروس.

نظام بوتين يقوم بدور معقل الثورة المضادة في المنطقة، حيث أغرق الثورة السورية بالدماء، وقام بغزو أوكرانيا، وأدخلها في حرب أهلية، كما قام بضم شبه جزيرة القرم، في سياسة لهزيمة ثورتها للعام 2014. لقد قام بوضع قوات على أهبة الاستعداد لدعم دكتاتورية لوكاشينكو في بيلاروس، كما قام بدعمها ماليا ولوجيستيا ضد الثورة البيلاروسية. إنه يدعم الدكتاتورية المصرية ويرسل لها الأسلحة، وهي نظام قمعي وحشي، أغرق أيضا الثورة التي اندلعت منذ عقد من الزمن بالدماء. وهو يقمع بعنف كل صيرورات النضال من أجل الاستقلال في منطقة القوقاز. ويدعم كل الدكتاتوريات في الجمهوريات السوفييتية السابقة، في أوروبا، والقوقاز، وآسيا الوسطى. ويدعم كل ما هو أسوأ في العالم، كالأحزاب الأوروبية اليمينية المتطرفة. النضال الراهن ضد هذا النظام يضعف دوره الرجعي في كافة هذه المجالات. هزيمة بوتين سيكون لها تداعيات عظيمة من وجهة النظر المتعلقة بالصراع الطبقي في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى والقوقاز والشرق الأوسط.

إضافة إلى المشاكل الداخلية، يتعين على بوتين الآن التعامل مع مخاطر موجة جديدة من العقوبات من قبل الحكومات الأوروبية والأمريكية، التي تطالب بالإفراج عن نافالني وغيره من السجناء السياسيين، وبإنهاء قمع التظاهرات. حتى الآن، هذه الحكومات لم تتجاوز التهديد، لأنه ليس سرا أن ما يسمى بالديمقراطيات الغربية تهتم بأعمالها الجيدة مع نظام بوتين (ونظام لوكاشينكو) أكثر من اهتمامها بالحقوق الديمقراطية الحقيقية. لا شيء يمكنه أن يكون أكثر نفاقا من موقف أنجيلا ميركيل التي، تحت ضغط الرأي العام، تدافع عن إطلاق سراح السجناء السياسيين، لكنها ترفض إيقاف مشروع نورد ستريم 2 (خط أنابيب للغاز الطبيعي يمتد من روسيا إلى ألمانيا تحت بحر البلطيق، دون عبور أوكرانيا)، وهو إجراء سيكون له تأثير إقناع كبير على بوتين والبرجوازية الروسية. هذا يجعل من المهم للغاية تنظيم مظاهرات في جميع أنحاء أوروبا من أجل الإفراج الفوري عن كافة السجناء وإنهاء القمع، والمطالبة باتخاذ إجراءات صارمة ضد بوتين من قبل الحكومات الأوروبية.

من هو أليكسي نافالني؟

نافالني أصبح، بطريقة ما، وجه المعارضة لنظام بوتين، ولا ينبغي الخلط بينه وبين “المعارضة المقبولة” المزيفة، التي هي جزء من نظام بوتين، والتي قد تنتقده بالجزئيات ولكنها تدعمه بالجملة. نافالني يواجه بشجاعة وتحدي _مخاطرا_ نظاما قاسيا، وقمعيا، وعنيفا، لن يوقفه شيء لإسكات خصومه. بمقالاته، وتحقيقاته، وإداناته، وفيديوهاته ألهم مئات آلاف الناس لمحاربة أوتوقراطية بوتين. إنه يستحق، بهذا المعنى، احترامنا وتضامننا. ولكن ما تستدعيه الحاجة في روسيا ليس استبدال “زعيم كاريزمي” بآخر. لا يمكن للمرء غض النظر عن مسار نافالني السياسي، وشخصيته الطبقية، وحدوده الواضحة.

نافالني ينحدر من مسار يميني شعبوي، حيث بدأ حياته المهنية في حزب معارضة ليبرالي، الـ “يابلوكو”، والذي طرد منه إثر تغزله بالقومية المعادية للأجانب، ضد المهاجرين، حتى أنه شارك في “المسيرة الروسية” المعادية للأجانب. بعد ذلك اتسم تصرف نافالني بكونه أكثر “تعاطفا” على مر السنين، فاضحا الفقر في الريف، ومدافعا عن السياسات الاجتماعية، بل وضد إصلاح المعاشات التقاعدية، مغازلا المواقف اليسارية. لم يفقد نزعته اليمينية القومية، التي تتجلى في حقيقة أنه لم يعارض أبدا ضم شبه جزيرة القرم. إنه يدافع عن برنامج خصخصة ليبرالي برجوازي للاقتصاد الروسي، إلى جانب الحفاظ على علاقات هامة مع القوى الغربية التي –ليس مصادفة- تدافع عنه. من اللافت للنظر أنه طوال سنواته التي قضاها في إدانة الفساد في المستويات العليا للحكومة، لم يستنكر أبدا دور الشركات متعددة الجنسية الأوروبية والأمريكية في هذا الفساد. في القضايا الاقتصادية، هو لا يختلف عن بوتين.

لكن لا شيء من هذا يغير حقيقة أن مركز نشاط نافالني اليوم هو فضح نظام بوتين ومحاربته، والحق يقال، بشجاعة فائقة، ولهذا السبب تم تسميمه وسجنه. بهذا السياق، تجب على كل عامل، وكل مواطن يدافع عن الحقوق الديمقراطية، وكل حركة سياسية وكل حركة سياسية غير ملتزمة بنظام بوتين القمعي الفاسد الأوليغارشي، بصرف النظر عن نظرتهم إلى شخصية نافالني السياسية، المطالبة بالإفراج عنه وعن كافة السجناء السياسيين.

الخطوات اللاحقة..

 

ليس من السهل تحديد الخطوات التالية في هذا النضال. التجربة البيلاروسية الأخيرة تبين أن تظاهرات نهاية الأسبوع قد لا تكون كافية لهزيمة نظام بهذه الخشونة، قائم على قوى القمع، والمخابرات، والقوات المسلحة. في روسيا، هذه المهمة باتت أكثر صعوبة، لأن بوتين، بخطابه القومي الشوفيني الكاره للأجانب، لايزال يحتفظ بدعم شعبي نسبي، على عكس لوكاشينكو. علاوة على ذلك، يمكن أن يكون هذا النوع من المظاهرات هدفا سهلا للقمع. نكرر أن 10,000 متظاهر تم اعتقالهم في 10 أيام. لا بد من أخذ البدائل بعين الاعتبار. ولكن لسوء الحظ، مع إنهائنا لهذه المقالة، كان المقر الرئيسي لنافالني يقر سياسة هي في رأينا كارثية. لقد قاموا بتأجيل كافة التجمعات والتظاهرات حتى الربيع والصيف للتركيز على التحضير لانتخابات أيلول لمجلس الدوما، حيث سيستخدمون، مجددا، تكتيك “التصويت الذكي”، أي الدعوة للتصويت لأي حزب يدعي أنه معارضة، في حين أن غالبية تلك القوى تؤيد اعتقال نافالني وتساند نظام بوتين، حتى وإن كانت تنتقده في بعض الأحيان.

إنها سياسة خاطئة، تجعل من الحراك رهينة انتخابات داخل نظام بوتين، أي مسيطر عليها من قبله. إذا كان الانتصار الانتخابي لمرشح المعارضة تيخانوفسكايا في بيلاروس قد فشل في إزاحة لوكاشينكو عن السلطة، فإنه أكثر احتمالا أن يفشل في روسيا. ندعو مقر نافالني إلى التخلي عن سياسة “التصويت الذكي” هذه، والتي أثبت الواقع نفسه عدم جدواها. يكفي تغذية الأوهام بأن نظام المخابرات يمكنه “تجديد” نفسه، وتسليم السلطة ديمقراطيا عبر الانتخابات. على العكس، ندعو مقر نافالني إلى القول بوضوح إنه يجب حل نظام المخابرات الفدرالية والـ “أومون”، لأنهما آلية قمعية لأية معارضة، آلية قمع سياسي، شيء لا ينبغي أن يكون موجودا في روسيا الديمقراطية. إنها هيئات لا علاقة لها بـ “الدفاع عن المواطنين”. على المرء أن يأخذ في هذا الصدد مثال الثورة الأوكرانية، التي حلت الشرطة السياسية “البيركوت”.

المثال الأفضل للثورة البيلاروسية –دخول الطبقة العاملة في عملية النضال التي حولت، على الأقل لفترة من الزمن، مصانع البلاد إلى معاقل رئيسية للنضال ضد النظام_ يجب الأخذ به. الطبقة العاملة لاتزال غائبة عن المشهد السياسي الروسي، ومتشرذمة، مع حضور قوي لمهاجرين دون حقوق من دول مختلفة، رغم علامات عدم الرضى والتعاطف مع الحراك الحالي. لجذبها، لا بد من تجسيد المطالب الاجتماعية، المتعلقة بالمجاعة، والبطالة، والأجور، والمعاشات التقاعدية، والصحة العامة، وحقوق المهاجرين. ندعو مقر نافالني إلى رفع هذه الشعارات وترويجها بين صفوف الطبقة العاملة، المحلية والمهاجرة. هذه القضايا الاجتماعية يجب أن يتم ربطها بمسألة فساد النظام وقمعه، في حملة كبيرة لكسب شرائح أوسع من السكان لمعارضة بوتين. وبهذا، إذا كانت الظروف مواتية، يجب تنظيم المظاهرات، بأكبر قدر ممكن، مع جدول زمني لبدايتها ونهايتها، على الأقل لتقليل عدد الموقوفين، كون غالبية الاعتقالات تحدث في نهاية المظاهرات، عندما يكون عددا جيدا قد غادر بالفعل.

ولكن بما أننا نعتبر أنه من غير المحتمل أن يتخذ مقر نافالني هذه السياسة، فمن الجوهري بناء قيادة جديدة لهذه الصيرورة النضالية، قادرة على الدمج بين وحدة العمل الكاملة لتحرير نافالني من نظام بوتين المخابراتي، وبين الاستقلال الطبقي الكامل لرفع المطالب الاجتماعية وتنظيم الطبقة العاملة. تتمثل مهمة كل ناشط نزيه مناهض لبوتين في البلاد في التنظيم والارتباط بأكبر قدر ممكن بالطبقة العاملة الروسية، وأن يوضح بصبر كيف أن بوتين بحكومته الأوليغارشية المخابراتية، يضطهد الناس داخل روسيا وخارجها، بينما يحكم على الروس أنفسهم بالفقر. وفي هذا الإطار ينبغي بناء قيادة/ منظمة ترقى إلى هذه المهمة التاريخية الكبيرة: هزيمة بوتين ونظامه.

_ المطالبة بالإفراج الفوري عن نافالني وكافة السجناء السياسيين

_ المطالبة بكامل الحق في التنظيم والتظاهر

_ يسقط القمع! نعم لحل “أومنو” وجهاز المخابرات الفدرالية!

_ كفى لحكومة بوتين الأوليغارشية القمعية

من أجل خطة طوارئ اجتماعية لخلق وظائف، وزيادة الأجور والمعاشات التقاعدية. وخطة حقيقية للتلقيح الشامل، وليس مجرد بروباغاندا تلفزيونية. ودعم طارئ لكل العائلات المتضررة من الجائحة، وحد أدنى للدخل تضمنه الدولة. والاستقرار الوظيفي، وإعادة توظيف كل الذين طردوا خلال الجائحة، بما فيهم المهاجرين. السلامة الصحية للعمال يجب ضمانها في كافة الشركات، وتلك التي لا تستطيع فعل هذا يجب إيقاف أعمالها، دون فقدان الأجور أو الطرد. الأوليغارشية عليها دفع الفاتورة، وفرض ضرائب تصاعدية على الثروات الكبرى، ومصادرة وتأميم القطاعات الاقتصادية الأساسية والاستراتيجية.

 

ترجمة تامر خرمه

 

 

‫شاهد أيضًا‬

لقاح الفصل العنصري الذي أوجدته الإمبريالية

من بين عدّة أمور، حدد لينين السمة المميزة للإمبريالية: “لقد حولت الرأسمالية نفسها إل…