‫الرئيسية‬ نظرية النبي المسلّح: تروتسكي إبّان ثورة أكتوبر ج 4 (59)
نظرية - 25 فبراير، 2021

النبي المسلّح: تروتسكي إبّان ثورة أكتوبر ج 4 (59)

كتبت جريدة غوركي أن «تصريح تروتسكي المدلى به بالكثير من الاندفاع والكرامة استثار تصفيق الجميع في الجمعية بأسرها. فلقد هتف المؤتمر كله، دون تمييز بين الإنتهاءات، هتف لتروتسكي بالكثير من الصخب طوال دقائق عديدة». وفي صبيحة اليوم التالي، أعلن ميليوكوف أنه لم يتهم لينين وتروتسكي بالعمالة للألمان. لكنه صرح فقط بأن على الحكومة أن تضعهما في السجن بسبب نشاطهما التخريبي.

كانت تلك هي المرة الأخيرة التي يهتف فيها المؤتمر لتروتسکي بهذا الإجماع، فخلال تتمة المناقشات، تعمقت الهوة بين الأحزاب. احتدم الجدال إبان النقاش حول الدوما الأخيرة، التي تم انتخابها في عام ۱۹۱۲ بأكثرية محدودة جدا. هذه الدوما لعبت دور جمعية استشارية للقيصر لا كبرلمان حقیقی، وكانت تتألف بمعظمها من أشخاص مرتبطين بالقيصر. كان الكاديت يصرون على ضرورة إعادة تكوين الدوما التي كانوا يأملون استخدامها كقاعدة شبه برلمانية لحكومتهم. وقد سلّم المناشفة والاشتراكيون الثوريون مكتب السوفييت مشروع قرار غامضاً، شرحه مارتوف ساخراً بالشكل التالي: «لم تعد الدوما موجودة، لكن يحذرون هنا من أية محاولة لإلغائها». واقترح لوناتشارسكي دفن الدوما، الباقية من ماض مخجل؛ وساند تروتسكي لوناتشارسكي في تصريح عنيف جداً. وحين نهض خلال إحدى الجلسات اللاحقة للكلام وبدأ كالمعتاد بكلمة «أيها الرفاق»، قاطعته صيحات: «أي نوع من الرفاق تعتبرنا؟». و«توقف عن تسميتنا بالرفاق!» وقد توقف، واقترب من البلاشفة.

كان وضع الجيش هو المسألة الرئيسية التي ناقشها المؤتمر، فمنذ سقوط القيصرية، بقيت الجبهات الروسية جامدة. وتحت ضغط الحلفاء الغربيين، بدأت الحكومة وهيئة الأركان العامة تعدان هجوما جديدا كانتا تصران على الحصول على موافقة السوفييت لوضعه موضع التنفيذ. وكانت هيئة الأركان تطلب كذلك بإلحاح إعادة النظر بـ «القرار رقم 1» المشهور، المتضمن الميثاق الكبير لحرية الجنود. خلال تلك المناقشة بالذات، ألقى تروتسکي خطابه الأهم: حذر الحكومة من كون الجيش لم يعد قادراً على مواصلة القتال، بعد الخسائر الفادحة التي لحقت به وتوقف مصالح تموينه عن العمل بسبب انعدام الكفاءة والتجاوزات والفساد. إن المبادرة إلى الهجوم ستنتهي حتما إلى الكارثة، ومحاولة إعادة الانضباط القديم لن تؤدي إلى أي شيء. «من حسن حظ تاریخ روسيا أن جيشنا الثوري نبذ الموقف القديم للجيش الروسي، موقف الجرادة … حين كان مئات الألوف من الرجال يقبلون بالموت من دون مقاومة.. حتى من دون معرفة معنى تضحيتهم … اللعنة على تلك الفترة من تاريخنا التي تركناها خلفنا! منذ الآن، لن نعول على البطولة البدائية، اللاواعية، التي تصدر عن الجمهور، بل على البطولة التي تمر عبر كل وعي فردي». ليس للجيش اليوم اية فكرة يدافع عنها. «أكرر: في هذا الجيش المنبثق من الثورة.. ثمة الآن، وسيكون هنالك، أفكار، وشعارات، وأهداف، قادرة على جمعه وإعطائه هكذا الوحدة والحماس.. لقد استجاب جيش الثورة الفرنسية العظمى استجابة طوعية للدعوات إلى الهجوم. أما عقدة الموضوع فهي التالية: لا يوجد الآن هدف قادر على جمع الجيش … كل جندي يفكر يطرح على نفسه السؤال التالي: من نقط الدم الخمس التي سأهرقها اليوم، ألن يكون ثمة واحدة وحسب للثورة الروسية، وأربع للبورصة الفرنسية والامبريالية الانكليزية؟». لو أن روسيا فكت تضامنها مع السياسات الامبريالية، لو تم تدمير قوة الطبقات القيادية القديمة، لو أرست السوفييتات حكومة ديمقراطية جديدة، «لكان بإمكاننا أن ننادي كل الشعوب الأوروبية ونقول لها إن قلعة الثورة قد انتصبت على خارطة اوروبا».

ثم استعاد تروتسكي حواره مع المتشككين الذين لم يكونوا يؤمنون بأن «الثورة ستمتد، وبأن الجيش الثوري الروسي، والديمقراطية الروسية سيجدان لهما حلفاء في أوروبا»: «أجيب بأن التاريخ لم يقدم لنا أية ضمانة – سواء لنا نحن أو للثورة الروسية – بأننا لن نتعرض للسحق الكامل، وبأن الرأسمال العالمي لن يخنق إرادتنا الثورية، وبأن الامبريالية العالمية لن تصلبنا». كانت الثورة الروسية تمثل للطبقات المالكة في كل البلدان خطراً محدقاً، بحيث ستحاول تدميرها وتحويل روسيا الى مستعمرة للرأسمال الأوروبي، أو للرأسمال الأميركي على الارجح. إلا أن امتحان القوة هذا كان لا يزال امرأ مؤجلا. وكان من واجب السوفييتات أن تعد نفسها له. «إذا.. لم تنتفض ألمانيا (الثورية)، أو إذا لم تنتفض بما يكفي من القوة، سندفع بقواتنا… لا للدفاع عنا، بل لبدء هجوم ثوري». وهنا قاطع خاتمة كلامه صوت غفل آت من القاعة: «سيكون الأوان قد فات حينذاك». وقبل نهاية العام، أعطت الأحداث الحق لهذا الصوت المجهول. لكن يمكننا أن نميز بوضوح في تروتسكي الذي كان يتوجه إلى المؤتمر وجه رجل لن يواجه فقط دیبلوماسية آل هوهنزلرن وال هابسبورغ، من دون أي جيش خلفه، بل سيخلق كذلك الجيش الأحمر.

في هذا المؤتمر، أجرى نقاشه الأخير مع بليخانوف. كلا أحدهما الآخر بلهجة باردة للغاية، متناديين بكلمة «مواطن»، لا بكلمة «رفیق». كان مزاج بليخانوف الصدامي في ذروته، وحتى المناشفة كانوا منزعجين من شوفينيته إلى درجة أبقوه معها بعيدا عنهم. إلا أن المؤتمر حيا أفضاله السابقة بحماس، فرد على ذلك بموعظة وطنية طالما تم اجترارها. وقد أنبه تروتسكي بسببها بعنف، فأجاب بليخانوف بعليائية، مقارناً نفسه حيناً بدانتون وحينا آخر بلاسال، ومشددا على التضاد بين جيوش الثورة الروسية المحبطة وفاقدة المعنويات، وجيوش كرومويل واليعاقبة «التي كانت تحفز شجاعته بشرب نسغ الثورة». هذا الشيخ المتقزز لم يكن يستطيع أن يتصور أن هذا الخصم الذي يصغره سناً والذي كان يعامله بالكثير من الازدراء سيكون مدعوا في يوم من الأيام للعب دور دانتون روسي وجعل الجيوش السوفياتية تشرب «نسغ الثورة».

خلال القسم الأكبر من المناقشات، عاملت الأكثرية البلاشفة وأصدقاءهم ککمية مهملة. دافع تسيريتلي عن حكومة التحالف وتحدى المندوبين أن يقولوا إذا كان في روسيا حزب واحد مستعد ليضطلع لوحده بمسؤولية الحكم. وقد قاطعه لينين، من القاعة، قائلا له إن حزبه مستعد لهكذا مهمة، فاستقبلت الأكثرية هذه الكلمات بقهقهة صاخبة.

لم يكن مندوبو المقاطعات يعرفون أن نفوذ المعارضة في بتروغراد يتضخم كجرف ثلجي. كان لينين يريد التأثير فيهم، وأن يظهر لهم أن بتروغراد تطالب بإنهاء التحالف وبتألیف وزارة اشتراكية، أي وزارة مكونة بوجه الحصر من اشتراكيين معتدلين. وبالرغم من تصريحه الذي أدلى به من قاعدة المؤتمر الذي لم يكن غير إعلان مبدئي لا يستهدف التحقيق الفوري. فهو لم يكن ينوي، حتى ذلك الحين، إطاحة الحكومة. كما لم يكن يريد تشجيع ائتلاف بين الاشتراكيين المعتدلين وحزبه الخاص به. فطالما كان البلاشفة لا يزالون أقلية في السوفييتات، نصح أنصاره بألا يحاولوا الاستيلاء على السلطة، وبأن «يشرحوا موقفهم للجماهير بأناة»، وذلك حتى يحصلوا على الأكثرية. كان هذا مبدأ «دستوريته» السوفياتية، وبانتظار ذلك لم يعد الشعار البلشفي هو «لتسقط الحكومة!» بل «ليسقط الوزراء الرأسماليون!». وبعد أن انتصر لينين على مخاوف لجنته المركزية، بدأ يعد، في سرية مطبقة، لمظاهرة هائلة، تتم في 10 حزيران/ يونيو. وقد أزال تروتسکي مخاوف اصدقائه ودفع منظمة ما بين المناطق للمشاركة في هذه التظاهرة إلا أنه حين أطلقت البرافدا في 9 حزيران/ يونيو نداء عاماً للعمال والحامية، حظرت هيئة المؤتمر التنفيذية المظاهرة.

لا لينين ولا تروتسكي أرادا تجاوز هذا القرار. لقد قررا الخضوع لقرار الأكثرية والغاء المظاهرة وشرح موقفها في بيان خاص. وكانت هناك فترة من القلق: هل يأخذ العمال والجنود الالغاء بالاعتبار؟ وحتى في حالة كهذه، ألن يخطئوا في تفسير موقف الحزب؟ ألن تخمد رغبتهم في العمل؟ لقد حرر لينين مسودة إعلان تبريري، لكن لما لم يكن راضياً هو عنه ولا أعجب أصدقاءه، فقد قبل بطيبة خاطر نصاً آخر كتبه تروتسكي: هذا النص تمت قراءته أمام المؤتمر باسم المعارضة جمعاء. كما أن تروتسكي، الذي لم يكن بعد عضوا في الحزب البلشفي، كتب كذلك للجنته المركزية بيانا في الموضوع ذاته.

في 10 حزيران/ يونيو، بقيت بتروغراد هادئة. إلا أن قادة الأكثرية في السوفييت قرروا تنظيم مظاهرة جماهيرية اخرى، يكون موعدها 18 حزيران/ يونيو، بأمل أن يجعلوا منها مظاهرة تأييد لسياستهم. وفي اليوم المحدد، مر 5۰۰ ألف عامل وجندي أمام المنصات التي استقر فيها المؤتمر in corpore (*). ويا لفزع الاشتراكيين المعتدلين حين رأوا كل الرايات تحمل شعارات بلشفية: «فليسقط الوزراء الرأسماليون العشرة!» «سحقاً للحرب» و«كل السلطة للسوفييتات!» وقد انتهى العرض من دون أي حادث. لم يكن هناك هياج ولا شغب، لكن للمرة الأولى، تمكنت الأحزاب المناهضة للبلشفية من تقدير مدى نفوذ السياسية والشعارات البلشفية وتأثيرها على الجماهير.

منذ بداية فترة العمل تلك، اكتسبت شخصية تروتسكي (الذي لم يمر أكثر من شهرين على عودته) شهرة جديدة وواسعة. وقد كتب لوناتشارسكي أنه «إزاء النجاح المدهش الذي لقيه تروتسكي وأهمية شخصيته، مال الكثير من الناس المحيطين به إلى أن يروا فيه الزعيم الشرعي الأول للثورة الروسية. قال لي أوريتسكي في يوم من الأيام، ويبدو أنه قال كذلك لمانويلسكي: «الثورة الكبرى وصلت، وكما ترى، فإن لينين بدأ يشحب رغم كل ما لديه من تجربة خلف عبقرية تروتسكي». وتابع لوناتشارسكي قائلا إن أوريتسكي كان على خطأ، لا لأنه بالغ في تقدير مواهب تروتسكي وقدرته، لكن لأن عبقرية لينين لم تكن تجلت بعد بکامل بريقها «صحيح أن لينين كان في تلك الفترة … منکسفاً بعض الشيء. لم يكن يتكلم علانية في أغلب الأحيان ولم يكن يكتب كثيرا. كان يهتم بوجه خاص بالتنظيم الداخلي للحزب البلشفي، بينما كان تروتسكي يدوي في اللقاءات الجماهيرية». إلا أن الثورة في عام ۱۹۱۷، تمت في الاجتماعات الجماهيرية بقدر ما تمت في حدود الحزب الأكثر ضيقاً.

حدد البلاشفة بداية تموز/ يوليو، موعدا لافتتاح المؤتمر القومي السادس لحزبهم، وكانت تلك مناسبة لمنظمة ما بين المناطق كي تنضم إلى صفوفهم. لم يعد يدور الكلام على تغيير «سمة» الحزب. إلا أن اكثرية منظمة ما بين المناطق بقيت تعارض لفترة من الوقت هذا الاندماج؛ وباسم الاكثرية، حذر یورینیيف الأعضاء من «طرائق التنظيم الرديئة» لدى البلاشفة، ومن ميلهم للعمل في لجان سرية صغيرة؛ بينما قاد تروتسكي الأقلية المتلهفة لتحقيق الاندماج. أكد أن البلاشفة تخلصوا إلى حد بعيد من عاداتهم القديمة، بخروجهم من غسق السرية وإيقاظهم حركة شعبية واسعة. وما تبقى من تلك العادات يمكن التغلب عليه بشكل أفضل بكثير بعد الاندماج، داخل حزب يعمل في وضح النهار. وبدعم من لوناتشارسكي، تمكن تروتسكي من كسب الأكثرية إلى جانب وجهات نظره؛ لكن قبل أن يتحقق الاندماج، هزت البلاد أزمة أيام تموز/ يوليو.

كانت تلك واحدة من التشنجات العنيفة التي تحدث بصورة غير متوقعة في كل الثورات، فتقلب خطط القادة جميعا رأسا على عقب، وتسرع وتيرة الاحداث وتحفز تقاطب القوى المتعادية عند حدودها القصوى. كان صبر الحامية والعمال في بتروغراد قد نفد، فالصفوف من اجل الحصول على الخبز لا تنتهي، والعملة التي تضاعف تداولها عشر مرات منذ الحرب هبطت قيمتها، وبلغت المضاربة أوجها. أما الجماهير فكانت تلاحظ أن شروط المعيشة اليومية تفاقمت منذ الثورة، وبدأت تشعر بأنها تعرضت للخداع. زد على ذلك كله أن الهجوم المكلف تطور في تلك الفترة بالذات. إلا أنه كان هنالك أيضا تفاوت في الاستعداد النفسي والموقف بين العاصمة والمقاطعات. فبتروغراد كانت تطالب بتبدیل فوري وباستقالة حكومة الأمير لفوف الثانية، بينما لم يكن نظام شباط / فبراير
فقد حظوته في المقاطعات.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: تروتسكي إبّان ثورة أكتوبر ج 3 (58)


‫شاهد أيضًا‬

أفيون الشعب (11)

سيطرة الدخلاء وقد يتساءل البعض كيف تسنّى للدخلاء أن يسيطروا على الحركة، سيطرة جعلتها أداة …