‫الرئيسية‬ دول العالم كوبا: معنى “يوم الصفر”
دول العالم - 21 فبراير، 2021

كوبا: معنى “يوم الصفر”

اعتبارا من الأول من كانون الثاني، بدأت الحكومة الكوبية بتطبيق خطة اقتصادية معيارها الأساسي القضاء على العملة المزدوجة في البلاد: البيزو غير القابل للتحويل، والبيزو القابل للتحويل، والذي كان يمكن استبداله بالدولار بمعدل 1=1. الآن سيكون هناك عملة واحدة فقط، حيث سيتم تقييمها بـ 24 بيزو لكل دولار، ما يعني تخفيضا هائلا لقيمة العملة، بتأثيرات قوية على كافة المتغيرات الاقتصادية الأخرى، وخاصة الرواتب.

بقلم أليخاندرو إيتوربي_ 13 كانون الثاني 2021 _

الصحافة البرجوازية العالمية تشيد بهذا الإجراء باعتباره إجراء قاسيا لكنه ضروري “للتقدم على الطريق الصحيح نحو الرأسمالية”، رغم أنها مازالت تعتبره بمثابة انتقال من “الإقتصاد الإشتراكي”. إحدى وسائل الإعلام تلك وصفته “بالنقلة النوعية”[i].

في مقاربة تظهر على أنها معاكسة، اعتبر الإعلام الكوبي الرسمي أن هذا الإجراء ليس بسيطا ولكنه أساسي: “إنها لن تكون تحولات سطحية”. لكنه دافع عن هذا الإجراء الصارم واعتبره حتميا بسبب “الضغوط المستمرة للحصار الذي هو أكثر من مجرد دعاية”، و”تأثير الجائحة”. وفي هذا السياق أكد أن هذه التغييرات تجري في إطار ثورة 1959 (“ثورة من أجل رفاهية الجميع”) وبالتالي، “هناك أسباب تدعو للتفاؤل”[ii]. ورغم أن كلمة “إشتراكية” قد اختفت من النص، إلا أن نغمة المقال توحي بفكرة أن الأمر تحول ضمن المعايير الحالية.

نعتقد أن كلتا المقاربتين خاطئتين لأنهما تنطلقان من فرضية زائفة: أن الاقتصاد الكوبي لايزال “اشتراكيا” في نهاية العام 2020. إننا في “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”، على عكس الغالبية العظمى لليسار العالمي، أكدنا قبل أكثر من عقدين أن الرأسمالية قد تمت استعادتها في الجزيرة[iii]. في هذا الإطار المفاهيمي، نعتبر أن الإجراءات التي تم تبنيها اعتبارا من “يوم الصفر” تمثل خطة تسوية رأسمالية شرسة تطبقها حكومة ميغيل دياز كانيل والحزب الشيوعي الكوبي، على العمال والشعب الكوبي.

الثورة ومكتسباتها

لبرهنة هذا التقييم، من الضروري إجراء مراجعة موجزة للتاريخ الكوبي منذ ثورة 1959، التي صادرت الشركات الإمبريالية والبرجوازية الكوبية (التي هربت بأعداد كبيرة إلى ميامي). وهكذا أصبحت كوبا الدولة العمالية الأولى في أمريكا اللاتينية، تماما في “الفناء الخلفي” للإمبريالية الأمريكية ، وبات فيدل كاسترو وتشي جيفارا مرجع ملايين المناضلين.

نتيجة لتطبيق الاقتصاد المركزي والمخطط من قبل الدولة، توقفت كوبا عن كونها شبه مستعمرة لليانكي، وحقق الشعب الكوبي مكتسبات في غاية الأهمية، كالقضاء على الجوع والبؤس، وعلى آفات كالدعارة.

كان هناك تقدم هائل في مجال التعليم، الذي كان يعتبر من الأفضل في العالم، وخلق لنظام صحي عام ممتاز، بأكبر عدد من الأطباء لكل ألف من السكان على مستوى العالم، والصناعة الدوائية كانت لذاتها، مستقلة عن التكتلات الخاصة الكبرى للقوى الإمبريالية.

مقدار هذا المكسب الأخير كان عظيما للغاية لدرجة أنه حتى بعد 25 سنة من استعادة الرأسمالية، وبعد إفساده، كان هذا النظام قادرا على هزيمة فيروس كورونا[iv]، وسينتج الآن لقاحه الخاص لكافة السكان[v].

في الوقت الذي نبرئ فيه هذه الإنجازات العظيمة للثورة، من الضروري القول إن القيادة الكوبية قامت ببناء دولة بيروقراطية، دون ديمقراطية حقيقية للعمال والجماهير، متماهية مع النموذج الستاليني. العمال الكوبيون لم يقودوا الدولة الكوبية أبدا، بل بيروقراطية الحزب الشيوعي هي من قامت بذلك.

وأكثر من هذا، قيادة كاسترو بقيت ضمن معايير “الإشتراكية في بلد واحد”، التي اقترحتها الستالينية منذ النصف الثاني لعشرينيات القرن الماضي، في مواجهة الثورة الإشتراكية الأممية التي اقترحتها الماركسية منذ القرن التاسع عشر. النموذج الستاليني انتهى بالفشل وقاد، كما توقع ليون تروتسكي في كتابه “الثورة المغدورة”، إلى استعادة الرأسمالية ليس فقط في الاتحاد السوفييتي السابق، ولكن أيضا في أوروبا الشرقية، والصين، وكوبا.

رغم أنه ليس الهدف المركزي لهذه المقالة، إلا أن مفهوم “الإشتراكية في بلد واحد” يعني أن السياسة الدولية للكاستروية هي التي أسهمت في عزل الثورة وبقاء الإمبريالية، مثلا، عندما قال فيدال كاسترو للقيادة الساندينية في العام 1979: “لا تبنوا كوبا جديدة في نيكاراغوا”، بل ابقوا في إطار الرأسمالية[vi].

المرحلة الاستثنائية واستعادة الرأسمالية

 

عام 1990، كان سقوط الاتحاد السوفييتي واستعادة الرأسمالية في أوروبا الشرقية بمثابة ضربة قاسية للاقتصاد الكوبي، الذي تركز على تصدير السكر وتبادل النفط والتكنولوجيا مع تلك البلدان. في هذا السياق، بدأت ما تسمى بـ “المرحلة الاستثنائية”، وبدأت قيادة كاسترو بتطوير سياسة استعادة الرأسمالية وتفكيك القواعد الاقتصادية لدولة العمال.

المعالم الأساسية لاستعادة الرأسمالية تمثلت بالتالي[vii]:

_ قانون الاستثمار الأجنبي للعام 1995، والذي خلق “مشاريع مشتركة” يديرها رأس المال الأجنبي. الاستثمارات وجهت بشكل خاص إلى السياحة والفروع المتصلة بها، لكنها وسعت لاحقا إلى قطاعات أخرى، كالأدوية، ومؤخرا النفط.

_ احتكار الدولة للتجارة الخارجية، الذي كانت تمارسه حتى ذلك الحين وزارة التجارة الخارجية، قد تم إلغاؤه: كل من الشركات المملوكة للدولة والشركات المختلطة بات يمكنها التفاوض بحرية بشأن صادراتها ووارداتها.

_ الدولار أصبح العملة الفعلية لكوبا، حيث يتواجد بشكل مشترك مع عملتين وطنيتين: إحداهما “قابلة للتحويل” إلى الدولار، والأخرى “غير قابلة للتحويل”.

_ إنتاج وتسويق السكر تمت خصخصتهما، “وحدات الإنتاج التعاونية الأساسية” (80٪ من المساحة المزروعة). أصحابها ليس لهم ملكية قانونية للأرض، لكنهم يتشاركون في الأرباح المكتسبة. عام 1994 “الأسواق الزراعية المستقلة”، التي يحدد أسعارها السوق، بدأت بالاستثمار.

ما قمنا بتحليله للتو لا علاقة له بالسياسة الاقتصادية الجديدة التي طبقها الاتحاد السوفييتي بين عامي 1921- 1928. إنه شيء مختلف نوعيا لأنه يعني تدمير جوهر دولة العمال الكوبية: التخطيط الاقتصادي المركزي للدولة تم إلغاؤه، والوزارة التي كانت تتولاه تم حلها. مكان هذه الدولة ظهرت دولة رأسمالية جديدة، يوظف فيها الاقتصاد وفقا لقانون الربح الرأسمالي.

دخول الإمبريالية

 

استعادة الرأسمالية في كوبا تم تنفيذها جوهريا بواسطة الاستثمارات الأجنبية، خاصة تلك المتعلقة بالإمبرياليتين الأوروبية والكندية، اللتين تهيمنان اليوم على أكثر القطاعات الاقتصادية ديناميكية وقوة.[viii] كوبا كانت تخسر الاستقلالية التي تحققت بتأسيس دولة العمال وبدأت عملية متسارعة لإعادة استعمارها.

في ذات الوقت ظهرت برجوازية “وطنية” جديدة من أجهزة الدولة والحزب الشيوعي، من أجل السيطرة على تكتلات ومؤسسات الدولة المتبقية بشكل أساسي. في قلب هذه العملية كانت عائلة كاسترو نفسها. مجلة فوربس قدرت أنه، وقت وفاته، كانت لدى فيديل ثروة تقارب الـ 900 مليون دولار[ix].

البنية الاقتصادية الكوبية تغيرت كثيرا في العقد الأخير: لم تعد مستندة إلى السكر ومركزة على الخدمات، التي في العام 2004 كانت تمثل 73.6% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، و51% من العمالة[x]. في نفس تلك السنة كانت “عائدات النقد الأجنبي المرتبطة بالسياحة” تعادل تقريبا رقم الصادرات من السلع المادية (أكثر من 2.1 مليار دولار أمريكي). إذا تمت إضافة الإيرادات الطبية وغيرها، فإن الخدمات تولد أكثر من 60٪ من النقد الأجنبي القادم إلى الدولة. من بين هذه “الخدمات” لا بد من تضمين “التصدير المؤقت” للأطباء الكوبيين المؤهلين تأهيلا عاليا، ما يدر دخلا مهما للدولة الرأسمالية الكوبية[xi].

زيارة أوباما

في هذا الإطار، شهد العام 2016 زيارة الرئيس أوباما وقتها إلى كوبا ولقاءه براؤول كاسترو. فمن جهة تم استئناف العلاقات الدبلوماسية (المتوقفة منذ عقود) بين البلدين، ومن جهة أخرى، تم وضع الأسس لإلغاء الحصار التجاري والاستثماري الذي أعلنته الولايات المتحدة في العام 1962[xii]. هذه الواقعة قدمها المدافعون عن التيار الكاستروي التشيفازي على أنها “انتصار للثورة”. بيد أن معناها الحقيقي كان مختلفا تماما.

بداية، منذ استعادة الرأسمالية في كوبا، اندلع نقاش حاد داخل البرجوازية الإمبريالية الأمريكية. من جهة كانت هناك برجوازية مناهضة لكاسترو تقيم في ميامي، ولديها ارتباطات متينة وثقل كبير داخل الحزب الجمهوري، والتي وضعت شرطين لاستئناف العلاقات مع كوبا (وتحرير التجارة والاستثمار): إسقاط نظام كاسترو، وضمان إعادة الممتلكات التي صادرتها الثورة.

ومن جهة أخرى، شهدت قطاعات عديدة، مرتبطة في الغالب بالديمقراطيين، لكن أيضا لها صوتها داخل الجمهوريين (كالسيناتور الكوبي المولد مارك روبيو، الذي شارك في الزيارة)، كيف تم إهدار فرص عمل ممتازة في بلد في غاية القرب جغرافيا، في مجالات مثل السياحة، والمالية، والإنتاج الزراعي، وبيع المنتجات الصناعية.. الخ. فرص تم استغلالها من قبل البلدان الأوروبية (خاصة اسبانيا). في الواقع البعض كان “يغش” بالفعل التشريع الساري في الولايات المتحدة ويقوم باستثمارات “مموهة” خلف الشركات الكندية.

ثانيا، مشروع نظام كاسترو هو تحويل كوبا إلى وجهة لرأس المال الأمريكي، متلقية شبه مستعمرة لاستثمارات إمبريالية هامة على بعد أميال قليلة من ساحل ميامي، بحيث يكون جزء من تلك الاستثمارات مخصص للسياحة والصحة، وجزء آخر “للمنطقة الصناعية الحرة” التي تم إنشاؤها في ميناء مارييل عام 2013[xiii]. وأن هذه العملية قد تمت دون تغيير النظام السياسي الكاستروي، ومع احترام ممتلكات كبار أعضائه، والذي هم الآن في خدمة إدارة بلد رأسمالي شبه مستعمر.

رد أوباما كان إيجابيا في كلا الجانبين. من ناحية قال: “نريد أن نكون شركاء” (وكلنا نعرف ماذا يعني هذا بالنسبة للإمبريالية). ومن ناحية أخرى: “مصير كوبا يجب أن يحدده الكوبيون”، و”إننا نقبل بوجود نظامين مختلفين”. بكلمات أخرى، طالما أننا نضمن تسليم كوبا، فإننا لن نشكك في نظام كاسترو.

عقبتان: ترمب والجائحة

 

كان هذا هو الواقع والديناميكيات عام 2016. منذ ذلك الوقت وحتى اليوم. عقبتان تعارضتان مع خطة نظام كاسترو. الأولى كانت انتصار دونالد ترمب، الذي من أجل الحفاظ على التحالف مع البرجوازية المناهضة لكاسترو التي تعيش في ميامي، عكس السياسة التي روج لها أوباما.. وتجمد كل شيء.

من جهة أخرى، أدت الجائحة والقيود على السفر الدولي إلى توقف تدفق الدولارات إلى الجزيرة عبر السياحة الأجنبية. بهذا، تعرض الاقتصاد بأسره إلى ضربة، والتي بتحليل عميق لها، كانت قد بدأت تفعل فعلها مع الدولار باعتباره العملة الحقيقية. مثلا، جاء في تحليل هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” للتدابير الأخيرة: “يعتقد المتخصصون أن كوبا تمر بعملية تخفيض لقيمة عملتها، الأمر الذي يبرز السلوك المتكرر بشكل متزايد بين الكوبيين: البحث اليائس عن الدولار”[xiv].

هذا هو السبب الحقيقي الكامن وراء خطة “يوم الصفر”: الخنق المؤقت لمشروع تسليم البلاد للإمبريالية بسبب نقص الدولارات. الحصار الأمريكي عنصر حقيقي ولكنه ثانوي في هذا الواقع. إنها أزمة مفهومة، نمطية بالنسبة لبلد رأسمالي شبه استعماري، وليست أزمة “حصن اشتراكي تحت الحصار” كما يجادل المدافعون عن نظام كاسترو.

تعديلات لسنوات عديدة

بهذا الإطار يمكننا أن نفهم بشكل أفضل معنى خطة الإجراءات التي تم إطلاقها بداية هذا العام. لقد وصفناها بأنها “خطة تعديل رأسمالية شرسة”. لكن قبل تحليلها، يبدو من المهم الإشارة إلى أن هذه ليست خطة التعديل الأولى التي يطبقها نظام كاسترو منذ استعادة الرأسمالية.

على سبيل المثال، في العام 2011 بدأ بتطبيق خطة تسريح جماعي لموظفي الدولة: في ذلك الوقت قدر أنها قد تصل إلى 1,300,000 شخص[xv]. منذ عدة سنوات، تم تقييد عدد المستفيدين مما يسمى بـ “كتيب المؤن”، والذي يمكن للكوبيين من خلاله شراء المنتجات الأساسية بأسعار مدعومة. المنتجات التي لا يمكن الحصول عليها دون الكتيب يمكن اكتسابها فقط في السوق السوداء بأسعار أعلى بكثير.

هذه النقطة الأخيرة جوهرية، حيث أنه في الواقع جرى تقسيم العمال الكوبيين إلى ثلاثة أقسام استنادا إلى الطريقة التي يتلقون فيها رواتبهم. غالبية عمال الدولة (وقطاع كامل من العاملين في المؤسسات الصغيرة والشركات الخاصة) يتلقون بيزوات غير قابلة للتحويل.. لقد كانوا الأكثر حرمانا، لأن الأسعار في “الأسواق الحرة” كانت ثابتة بالدولار، وقد تمكنوا من البقاء بفضل كتيّب التموين.

قطاع الأقلية من العاملين لدى الدولة كانوا يتلقون أجورهم بعملة البيزو القابلة للتحويل، لذا كانت لديهم إمكانية أكثر سهولة للوصول إلى السوق السوداء. كثيرون، كقطاع الأطباء، استكملوا دخلهم بخدمات من “تحت الطاولة” للأجانب الذين يأتون إلى الجزيرة لتلقي العلاج. وأخيرا، العمال المرتبطون بالسياحة الدولية (كالفنادق ومطاعم معينة) كانوا قادرين على الحصول على دولارات مباشرة من الزوار الأجانب.

الحقيقة أنه في إطار هيكل أجور متمايز قانونيا إلى 32 مستوى، أفاد مكتب الإحصاء الوطني الكوبي نفسه بأن الحد الأدنى الرسمي للأجور، حتى اتخاذ تلك التدابير، كان أقل من 20 دولار، ومتوسط الأجور في البلاد كان 37 دولارا[xvi].

أوضاع الطبقة العاملة، والشعب الكوبي ككل، تدهورت دراماتيكيا منذ استعادة الرأسمالية. أي شخص سافر وشاهد الواقع دون “غمامات أيديولوجية” يمكنه تأكيد هذا. ومن بين آفات رأسمالية أخرى، عادت الدعارة.

وقد انعكس هذا أيضا في الأدب الكوبي نفسه. ليوناردو بادورا، الذي اشتهر عالميا بكتابه “الرجل الذي أحب الكلاب”، كان قد كتب سابقا ملحمة روائية مسرحية حول شرطي سابق تخصص الآن في بيع وشراء الكتب. وفيها، خلف حبكتها الخاصة، يمكن لمس هذا التفسخ الاجتماعي كإطار[xvii].

“يوم الصفر”

المعيار المركزي لهذه الخطة الجديدة هو التوحيد النقدي، وتشريع فرض الدولار بشكل كامل على الاقتصاد. وكما قلنا، العملة الجديدة (القابلة للتحويل الآن) تبدأ بمعدل 24 بيزو لكل دولار. في ذات الوقت، تم وضع زيادة للحد الأدنى للأجور، ستجعله، كبداية، معادلا لنحو 85 دولارا.

لكن هذه الزيادة، التي تبدو ضئيلة ولكن حقيقية، ليست كذلك. من جهة، “سجل المؤن”، أي السوق الحرة الواحدة لكافة السلع الأساسية، تم بالفعل إعلان تصفيته تماما[xviii]. وبذلك، فإن الإعانة التي يمثلها هذا السجل لكثير من القطاعات الشعبية ستنتهي. حجة مثل هذا الإجراء الذي قد تصدر عن أي وزير مالية في حكومة برجوازية نيوليبرالية: “من الصعب جدًا دعم 100 ٪ من السكان لأنك بهذه الطريقة تحمي أولئك الذين يسهمون والذين لا يسهمون”، كما قال أحد المسؤولين الذين أعلنوا الخطة[xix].

ومن جهة أخرى، يتفق المختصون على أن هذه الإجراءات ستحدث تضخما بنسبة 160%، ما سيؤثر ليس فقط على القوة الشرائية للأجور، بل، وحتما، على قيمة الدولار[xx]. بهذا التضخم، وتخفيض قيمة العملة لتغطيته، فإن الحد الأدنى للأجور سينخفض بسرعة إلى أقل من 34 دولارا، والآن دون دعم على المواد الغذائية والسلع الأساسية.

بتوقفهم عن الحديث المخادع للعمال والشعب الكوبي، بدأ كبار الموظفين في نظام كاسترو بقول الحقيقة حول “يوم الصفر“:  “يجب تنفيذ الزيادة في المعاشات التقاعدية والمساعدة الاجتماعية للحفاظ على حد أدنى من توازن الاقتصاد الكلي”. ومثل أي اقتصاديين رأسماليين أرثوذكسيين: “إن الخطر الأكبر لتمويل عجز الموازنة هو التضخم، لأن الأموال التي لم يخلقها الاقتصاد الحقيقي تُطرح في الشارع[xxi].

لقد قلنا إن “يوم الصفر” كان خطة تعديل شرسة أطلقتها حكومة دياز كانيل لنفس الهدف الذي كان لدى الحكومات البرجوازية الأخرى: تفريغ كلفة الأزمة على حساب العمال. لكن من الضروري أن نمضي أبعد في هذا التحليل: مثل تلك الحكومات، تريد أن تضع المزيد من الأسس الاستراتيجية لمشروعها لتدعيم مستوى جديد وأعمق لاستغلال العمال، خدمة للاستعمار الإمبريالي.

الحكومة الكوبية منحت كافة الضمانات للشركات الإمبريالية لاستغلال موارد الجزيرة، لقد وفرت لهم إمكانية توظيف عمال مؤهلين تأهيلا عاليا بأقل معدل للأجور على مستوى القارة، وإلى جانب ذلك، تضمن الدولة لتلك الشركات أن العمال لن يقوموا بالإضرابات أو إعلان المطالب لأنهم ممنوعون من التنظيم خارج الحزب الشيوعي أو النقابات الرسمية. جنة للاستثمارات الإمبريالية، يتوقع نظام كاسترو استئنافها بعد الجائحة، وامتدادها إلى البرجوازية الأمريكية، من منظور أن جو بايدين سيستأنف سياسة أوباما.

ماذا ينبغي أن يكون برنامج كوبا؟

 

لقد حاولنا، على مدى عقدين، أن نبين أن كوبا كانت قد أصبحت دولة رأسمالية في عملية شبه استعمار متسارعة. في هذا الإطار، يجب تعريف نظامها على أنه دكتاتورية رأسمالية، دون حريات ديمقراطية للعمال والشعب، مع قمع مختلف مظاهر المعارضة.

في مواجهة هذا الواقع، هناك مبدئيا ثلاثة برامج: بالنسبة للإمبريالية، كما سبق وأن رأينا، “التقدم في طريق ممهد للرأسمالية (الاستعمارية)”. بهذا المعنى، لا داعي للعجلة في إزاحة نظام كاسترو الحالي. في ذلك الإطار تطلب منه الإمبريالية، خاصة الأوروبية، فتح بعض “صمامات التنفيس” لمنع الإنفجار.

البرنامج الثاني هو ذلك المتعلق بالمدافعين عن خرافة بقاء كوبا باعتبارها “آخر معاقل الاشتراكية”. والنتيجة هي الدفاع غير المشروط عن كل ما يفعله نظام كاسترو، سواء فيما يتعلق بخطة التعديل الشرسة تلك، أو قمع كافة تظاهرات المعارضة مع اتهامها بأنها “استفزازات إمبريالية”.

البرنامج الثالث هو الذي يجب علينا نحن الاشتراكيين الثوريين طرحه. من المستحيل تطويره هنا بكل عمقه، لكننا نعتقد أنه يتجلى، بشكل أساسي، في مزيج من الإجابات على ثلاث مشاكل مركزية: الظروف المعيشية للطبقة العاملة، والاستعمار الإمبريالي، والطابع الديكتاتوري للنظام.

إذا كان التحليل الذي قمنا بتطويره صحيحا (أي إذا كانت كوبا قد تحولت إلى دولة رأسمالية في صيرورة الاستعمار الاقتصادي)، فيجب أن يكون المحور الاستراتيجي للبرنامج هو الحاجة إلى ثورة عمالية واشتراكية جديدة لتتطور في البلاد، من أجل إعادة بناء أسس دولة العمال التي دمرتها الكاستروية. ضمن هذا البرنامج، فإن النضال ضد الهيمنة الإمبريالية، والتدابير الملموسة المطبقة لتسهيل ذلك، وتداعياتها على المستوى المعيشي للعمال والشعب الكوبي لها أهمية مركزية.

اليوم ، كما في العام 1959، المهمة الحقيقية هي تحرير أنفسنا من الإمبريالية. الاستقلال الكوبي الذي تحقق مع الدولة العمالية قد ضاع. لاستعادة هذا الاستقلال، من الضروري القيام بثورة اجتماعية جديدة تصادر الشركات ورؤوس الأموال الأوروبية والكندية (ولمنع الانقلاب الهائل للأمريكيين)، بنفس الطريقة التي كان لا بد منها في مصادرة ملكية إمبريالية اليانكي و”الديدان”. الاختلاف العميق عن العملية التي بدأت في العام 1959 هو أن هذا يعني اليوم محاربة سياسات نظام كاسترو.

ويرتبط بهذا ضرورة إعلاء رفض خطة التعديل الواردة في “يوم الصفر”، والمطالبة بحد أدنى للأجور يغطي، عند معادلته بالدولار، الكلفة الحقيقية لسلة السلع الضرورية للأسرة العاملة. وارتباطا بهذه القضية هناك أيضا الحاجة إلى حق العمال في تشكيل نقاباتهم المستقلة، والحق في الإضراب.

كلتا العمليتين تقودانا إلى الاشتباك المباشر والقتال ضد نظام كاسترو وحكومة دياز كانيل. إننا ندافع عن الحق في تشكيل أحزاب سياسية غير الحزب الشيوعي. وبهذا، فإننا لا ندرج فقط الحق في أحزاب ثورية، كتلك التي تشكل “الرابطة الأممية للعمال_ الأممية الرابعة”، بل أيضا في المنظمات الإصلاحية مثل “بوديموس” أو “سيريزا”. وبالنسبة لأولئك الذين يتهموننا بالدفاع أيضا عن حريات البرجوازية، نرد بأن البرجوازية الإمبريالية لديها بالفعل وستتمتع بكافة الحقوق لاستغلال العمال الكوبيين وجني أرباح هائلة في البلاد، بسبب الاتفاقيات التي عقدتها حكومة كاسترو. نحن ندافع عن الحريات للجميع، حتى يتمكن العمال من النضال بشكل أفضل ضد هذا الاستغلال الرأسمالي وضد دكتاتورية كاسترو. هذا النضال لا يمكنه أن ينتهي إلا بإسقاط نظام كاسترو، الذي يعيقه تماما.

وبتقدير النضال المناهض للدكتاتورية ومن أجل الحريات الديمقراطية للعمال والجماهير، يمكننا القول أن الوضع الكوبي مشابه للنضال ضد الدكتاتوريات الرأسمالية الأخرى. بالنسبة لنا، فإن سقوط هذا النظام بفعل الجماهير سيكون خطوة إلى الأمام، وسيفتح الباب لظروف أفضل للنضال الاستراتيجي للثورة العمالية والاشتراكية.

هذه الحريات لن تأتي بها يد الإمبريالية التي تفضل، في نهاية المطاف، العمل والتفاوض مع نظام كاسترو، ناهيك بـ “فيروسات” ميامي، التي طردت بثورة العام 1959. إنه نضال يجب أن يرتبط بشكل وثيق ببناء دولة عمال كوبية جديدة، وتتم به استعادة المكتسبات التي ضاعت أو أضيعت. في هذه المهمة، نظام كاسترو (بما في ذلك دياز كانيل) هو العدو المباشر الذي ينبغي قتاله.

هذا الاقتراح يقودنا إلى الحاجة إلى وحدة العمل مع القطاعات الوسطى التي تناضل أيضا من أجل الحريات الديمقراطية. على سبيل المثال، تلك التي نفذناها قبل بضع سنوات مع الفنانة التشكيلية تانيا بروغيرا، التي اضطهدها النظام[xxii]. أو تضامننا مع ما عرف مؤخرا بـ “ثورة التصفيق”[xxiii]. بالنسبة لنا، فإن هذه ليست قطاعات ثورة مضادة، بل مطالب ديمقراطية تقدمية للقطاعات الوسطى، والمثقفين، والشباب.

بعض الاعتبارات النهائية

هذه الاستنتاجات والمقترحات قد تكون صادمة بالنسبة للغالبية العظمى من المناضلين اليساريين، المتربين على الدفاع عما كان الدولة العمالية الوحيدة في أمريكا اللاتينية وتبرئتها، وعن المكانة التي اكتسبها الأخوان كاسترو (خاصة فيديل) لقيادتهما لتلك الثورة. لقد كنا جزء من ذلك الجيل وكنا معجبين للغاية بالثورة الكوبية ومدافعين عنها. لكننا، كماركسيين، لا يمكن أن نبني تحليلاتنا وتوصيفاتنا أو أن نتوسع في سياستنا استنادا إلى أسباب عاطفية، بل إلى حقائق واقعية، مهما كانت صادمة.

نفضل الاستناد إلى عنصرين لتروتسكي. الأول هو توضيحاته في “الثورة المغدورة” التي أشرنا إليها بالفعل، والتي تتيح لنا فهم ما يحدث في كوبا. والآخر هو المعيار الذي تم التعبير عنه في “البرنامج الانتقالي: “قول الحقيقة للجماهير، مهما كانت مرة”.

_______________________

[i] https://www.ambito.com/mundo/cuba/2021-ajuste-devaluacion-y-un-cambio-paradigma-n5160099

[ii] https://cubasi.cu/es/noticia/editorial-sonar-una-cuba-mejor-trabajar-por-ese-sueno?fbclid=IwAR3YVZL5MmJFGlu_bWfotWs9hfT2cLbE8xj1rgDHVpCawqDdw8Lz9cbJC6w

[iii] حول هذا الموضوع، انظر نص المناقشة التي عقدت في المنتدى الاجتماعي العالمي في بورتو أليغري، عام 2001، بين قيادة الرابطة الأممية للعمال_ الأممية الرابعة، والقادة الكوبيين:

 https://litci.org/es/debate-de-la-lit-ci-con-los-dirigentes-cubanos-2001/

[iv] https://litci.org/es/por-que-cuba-logra-frenar-la-expansion-del-coronavirus/

[v] https://www.dw.com/es/una-vacuna-contra-covid-19-hecha-en-cuba/a-54609196

[vi] حول هذا الموضوع، انظر، بين العديد من المواد الأخرى، مجلة كويرو انترناشيونال 48، تموز 1990، (الحقبة الأولى)، ومجلة كويرو انترناشيونال 20، (الحقبة الثالثة) تموز 2018.

[vii] البيانات من المقالة المذكورة في الملاحظة الثالثة

[viii] عام 2005 كان هناك 258 شركة مرتبطة برأسمال أجنبي. البلدان التي كان لها النسبة الأكبر هي: اسبانيا (77 شركة)، وكندا (41 شركة)، وإيطاليا (40 شركة). البيانات تم استخلاصها من مقال “الشركات الأجنبية في كوبا” للصحافي نيلسون روبيو.

[ix] https://www.periodicocubano.com/conoce-la-fortuna-y-vida-lujosa-que-tuvo-fidel-castro/

[x] عام 2006 بلغ حجم التجارة الخارجية والدخل من السياحة حوالي 10 مليارات دولار، نحو ثلث اقتصاد البلاد، (البيانات من البنك المركزي الكوبي).

[xi] انظر المقال في الملاحظة الرابعة و:

https://litci.org/es/menu/especial/autores/medicos-cubanos-una-conquista-de-la-revolucion-del-59/.

[xii] حول هذا الموضوع انظر:

 https://litci.org/es/sobre-la-visita-de-obama-a-cuba/.

[xiii] http://www.zedmariel.com/es

[xiv]  https://www.bbc.com/portuguese/internacional-55516428.amp, source in Portuguese, translated by us.

[xv] https://elpais.com/internacional/2011/01/04/actualidad/1294095608_850215.html

[xvi] البيانات استخرجت من:

https://www.dw.com/es/cuba-quintuplicar%C3%A1-el-salario-m%C3%ADnimo-como-parte-de-su-reforma-monetaria/a-55913122#:~:text=The%20ministry%20establishes%2032%20scales,state%20Office%20National%20of%20State%20C3%ADsticas.

[xvii] نوصي بقراءة رباعيته، الفصول الأربعة، على وجه الخصوص، وأعمال أخرى مثل ضباب الأمس

[xviii] انظر الملاحظة رقم 1

[xix] المرجع السابق

[xx] المرجع السابق

[xxi] المرجع السابق

[xxii] راجع المقالات المختلفة على:

 https://litci.org/es/?s=tania+bruguera

[xxiii] حول هذا الموضوع، انظر بين مقالات صحافية أخرى:

https://www.periodismodebarrio.org/2020/12/la-revolucion-de-los-aplausos/

و

https://www.lavanguardia.com/internacional/20210103/6163004/revolucion-aplausos.html

ترجمة تامر خرمه

‫شاهد أيضًا‬

لقاح الفصل العنصري الذي أوجدته الإمبريالية

من بين عدّة أمور، حدد لينين السمة المميزة للإمبريالية: “لقد حولت الرأسمالية نفسها إل…