‫الرئيسية‬ نظرية أفيون الشعب (4)
نظرية - 20 فبراير، 2021

أفيون الشعب (4)

الاشتراكية وإلغاء المُلكية

أما عن الاشتراكية، فإنها لم تعد ترادف في نظري إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. فالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج قد تلغى، ومع هذا يبقى الاستغلال قائماً، بل ويشتد حتى يبلغ أرقاماً فلكية لا تحلم بها الرأسمالية نفسها، وتبقى المساواة بعد هذا حلماً من الأحلام، يداعب الجفون ولا يرى نور الواقع.
وقد تكون الملكية العامة ضماناً لحسن الإدارة، وعاملاً من عوامل القضاء على فوضى الإنتاج. ولكن هذا شيء، والعدالة شيء آخر. فالإدارة الحسنة قد تُستغل -بالرغم من قيام الملكية العامة- لصالح الأقلية الحاكمة.
ولا يغني أن تكون الممتلكات في يد الدولة، لأن حكام الدولة قد يلهبون ظهور العامة حين الشروع في تطبيق ما يزعمون أنه اشتراكية، معتذرين بأنهم مكلفون من قبل الدولة -والدولة فوق الجميع- بأن ينفّذوا من المبدأ شطره الأول: “من كل حسب قوته…”، حتى يتسنّى للمجتمع أن يصل بالإنتاج إلى أقصى ما تسمح به قواته المنتجة.
فإذا جاء دور التوزيع، لا يتركون لهؤلاء سوى النذر اليسير من المنتجات التي أفنوا فيها دماءهم. ولن يكون عذر الحكام -في هذه الحالة أيضاً- سوى أنهم مكلفون من قبل الدولة -والدولة دائماً فوق الجميع- بأن يطبقوا من المبدأ شطره الأخير: “… وإلى كل حسب عمله”.
والأعمال ببداهة الطغاة لا تستوي. وإذن فلا بد من التفاوت، بل ويبلغ هذا التفاوت حدوده الأسطورية، ما دام في الإمكان أن يكون الإرهاب هو الحكم الذي يفرض مقياس المستبدين على الناس فرضاً، حين تقويم الأعمال.
وليذهب بعد هذا المعترضون إلى الجحيم، ولتسحق معارضتهم سحقاً، وما أسهل ما يكون هذا السحق باسم المبادئ الجديدة، أو باسم “الدين” الجديد!

موسكو أفيون الشعب!

وأما عن موسكو، فما يعنيني منها بطبيعة الحال أنها مدينة كبيرة، وأنها عاصمة لسدس الكرة الأرضية. وإنما يعنيني منها هذا التأليه الذي اكتسبته، فحال بيننا وبين الكشف عن حقيقة السياسة المدمّرة التي رسمتها -ولا تزال ترسمها- حفنة من الطغاة استوت على عرش الكرملين، وجعلت من نفسها، بعد القضاء على القياصرة، قياصرة، ومن ورائها جحافل الستالينيين -أو الكرملينيين- المنتشرين انتشار الجراد في أنحاء الأرض، تمهد لبسط نفوذها خارج حدود الاتحاد “السوفييتي”، بعد أن دعمت هي سيطرتها المطلقة الكاملة داخل هذه الحدود.
فقد كان هذا التأليه يدير رؤوسنا بسحر الأفيون، فيعمينا عن رؤية الحقائق، ويجعلنا نتصور الخيانة إخلاصاً، والانحراف استقامة، وما شئت من الأشياء ما شاء لك الوهم، فحرمان الشعب “السوفييتي” من أبسط مظاهر العدالة عدالة، ووأد الحرية من مقومات الحرية، والاعتداء على استقلال الشعوب ضمان لاستقلال الشعوب، وخيانة الحركات التحررية المناضلة ضد الاستعمار “تكتيك” يدبره رأس الكرملين العليم ليقضي به على الاستعمار، إلى آخر هذه الأسطوانة المعادة الممجوجة التي مللنا سماعها، وإن بقيت “الببغاوات” مسحورة بها.
والأفيون -إذا أدار الرؤوس- أجرى الأنهار، وخلق الحور، وحقق في الأحلام أحلام الجنة. والإلهة موسكو -إذا حملت في يدها العصر “الموعود”- جذبت إليها الملعونين، ونثرت من بين أصابعها على قلوبهم قطرات من الأوهام في عزاء عن شقاء الواقع. والعزاء أفيون.
العزاء أفيون. وموسكو -زفرة المخلوق الذي أعياه البؤس على هذه الأرض- أفيون؛ وقلب الدنيا التي ليس لها قلب -أفيون، وعقل العصر الذي ليس له عقل- أفيون الشعب وأفيون الشعوب!
أي صدمة! بل أية كارثة!
ولكن كيف ألّهنا موسكو وجعلنا منها صنماً أكبر؟ بل كيف سمحنا لأنفسنا أن يصرعنا صنع أيدينا؟ وقد كانت رسالتنا -ولا تزال- على الأقل فيما نزعم- هي صرع الأصنام؟
تلك هي الأعجوبة؟

مصير الثورات

منذ قديم والكادحون ينشدون المساواة ويسعون إلى الحرية. ومنذ قديم وأقلية من الناس تستغل تذمر الكادحين فتتزعم الثورات لمصلحتها باسم الأغلبية. منذ قديم والنظم الاجتماعية تتغير والكدح يبقى ولا يتغير: ففي العبودية أسياد وعبيد، وفي الإقطاعية نبلاء وأرقاء، وفي الرأسمالية برجوازيون وبروليتاريون: تغيرت الأشكال وبقي الجوهر الطبقي ولم يتغير. وتهدأ المجزرة فيتساءل المنبوذون المطرودون المحرومون: أين ثمن الدم المسفوك -والدم المسفوك لحم عزيز حبيب؟ ضاع! فضاع أمل القرون الخالد! ضاع الأمل الدائم في الحرية والمساواة والإخاء، ولم يبق للمنبوذين المطرودين المحرومين سوى الأفيون، يتعزون به عن بؤس الواقع!

الماركسية وثورة أكتوبر

وجاءت الماركسية، وأعلنت للكادحين أن الخلاص قريب، وأن ثورة البروليتاريين هي الطريق الوحيد لهذا الخلاص، وقدمت براهينها العلمية على أن “الجنة” الأرضية لا ريب آتية، وأن العصر “الموعود” سوف يتحقق وشيكاً على أيدي الكادحين. وحرّك الماركسيون “زناد” الوعي الجديد، فانتزعوا زجاجات الأفيون من أفواه المحرومين، وأشعلوا نيران الحرب الطبقية في كل مكان يكدح فيه الكادحون.
وفي الخامس والعشرين من شهر أكتوبر سنة 1917 انتصر الحزب البلشفي الروسي -بقيادة لينين وتروتسكي- فخُيّل للناس وخيّل وخيّل: خُيّل لهم أن أبواب “الجنة” الأرضية قد فتحت!
فقد أقام البروليتاريون حكم الشعب في سدس الأرض بضربة واحدة. ونزع البروليتاريون ملكية نازعي الملكية في سدس الأرض بضربة واحدة. وحو البروليتاريون العصر “الذهبي” من مجرد حلم يداعب الأذهان إلى مخلوق حي تجري في شرايينه دماء الملايين في سدس الأرض بضربة واحدة.
وعمّا قريب تفتح أبواب “الجنة” الأرضية، وتقام الحرية الحقّة، وتقام المساواة الحقّة، ويقام الإخاء الحق، في خمسة أسداس الأرض الباقية، فيسجل التاريخ أن تاريخ الإنسان قد “بدأ”!

يمكن مراجعة الفصل السابق من خلال الرابط التالي:

أفيون الشعب (3)


‫شاهد أيضًا‬

أفيون الشعب (11)

سيطرة الدخلاء وقد يتساءل البعض كيف تسنّى للدخلاء أن يسيطروا على الحركة، سيطرة جعلتها أداة …