‫الرئيسية‬ نظرية أفيون الشعب (3)
نظرية - 13 يناير، 2021

أفيون الشعب (3)

حرّاس الجمود

عصيت الأصنام، ولم أك حين عصيتها مخرّباً؛ وتمردت على أسوار المناطق الحصينة الشائكة، ولم أك حين تمردت عليها مدمراً أو متلفاً؛ وإنما كنت أحاول أن أفك الحصار الحديدي الذي ضرب ضرباً على نفوس الناس، في غير ما مسوّغ.
ومن هنا بدأ كفاحي سلسلة من الإرتطامات الحادة المتوالية بصخور تلك الأسوار الصماء، أيقظت حراس الجمود -وما من أحد يستطيع أن ينكر أن للجمود حرّاساً- فصوبت إليّ الاتهامات، بعد أن كنت أصوّب أنا إليها الاتهامات.
وكان في مقدمة هذه الاتهامات أني أدعو إلى الهدم في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى البناء؛ ولم يكلفوا بطبيعة الحال أنفسهم مشقة السؤال: وكيف نستطيع أن نبني ما نريد بناءه قبل أن نهدم ما يستحق الهدم مما هو كائن؟ وأنّى لقوى النمو أن تنبثق من نفوس الناس قبل أن تتطهر هذه النفوس من ألغام العبودية المانعة لكل نمو؟ لأن في الرد على السؤال إدانة لهم، وحكما على مستقبلهم.

الحرب في ميدانين

كان لا مفر من الحرب.
وكان عليّ أن أُقدّر -قبل البدء في هذه الحرب- ما سأتعرّض له من أخطار. وقد قدّرته بالفعل، وأدخلته في قائمة الحساب. ولكني لم أكن أتصور أنّي سأُرغم على خوضها في ميدان الأصدقاء بنفس القوة التي خضتها في ميدان الخصوم.
وهل يستطيع أحد أن يلومني على أنّي أحسنت الظن بالناس، فلم أُقدّر أن ميدان الأصدقاء سيكون كميدان الخصوم عنفاً وقسوة؟ والرد لا يمكن أن يكون إلا بالنفي!
وقد يكون تعبير “الحرب في ميدان الخصوم وميدان الأصدقاء في وقت واحد” شيء من التناقض. ومع هذا فلا تناقض. فقد خضت الحرب، في ميدان المجتمع، ضد الخصوم، حين حاربت أفكارهم الضاغطة، التي أذاعوها بين الناس لتثبيت المجتمع.
وخضتها، في ميدان النفس البشرية، ضد الأصدقاء، حين حاربت هذه الأفكار في نفوسهم الباطنة، وقد رسخت في ضمائرهم مع الزمن قطرة قطرة، فحسبوا كل من هاجمها عدواً، مع أنه في واقع الأمر صديق يعمل على إنقاذهم من القيم الزائفة، التي تقعدهم عن الحركة، كلما نما في نفوسهم نزوع إلى إحداث التغيير.

من الجدل إلى التحليل

وبدأت الحرب. وكانت الحرب أول الأمر كلامية، بل وظلت إلى اليوم من جانبي كلامية، فأنا رجل لمّا يحمل السلاح، وإن كان قد حمل ولا يزال يحمل سلاحاً قد يكون أقوى من كل سلاح. أنا رجل يكتب ويتكلم. والسلاح الذي يستعمله -عادة- رجل يكتب ويتكلم، إنما هو القلم واللسان. والوسيلة التي يعتمد عليها -عادة- رجل يكتب ويتكلم، إنما هي الجدل العقلي يفضح به الزيف في أفكار الخصوم، والتحليل النفسي يحاول أن يحرّ به ضمائر الناس من سيطرة هذه الأفكار.

من صميم الفكرة

ناديت بالتحّرر من زيف المتجّرين بالدين، فثار عليّ المتجّرون بالدين، وقالوا: إنه ملحد. ناديت بحق المرأة في الحياة الحرّة، وطالبت بالمساواة بين الرجال والنساء في الحقوق والواجبات، فثار عليّ المتزمتون، وقالوا: إنه إباحي. ناديت بالعدالة الاجتماعية، وطالبت بحق الفقراء في الحياة الإنسانية الكريمة على هذه الأرض الواقعية المادية التي ندبّ فوقها، فتنمّر الجشعون، وقالوا: لقد أعلن الصراع الطبقي!

رد الفعل

ومع هذا فمن ضحايا الشعوذة من تمسك بالشعوذة واتهمني. ومن سجينات التقاليد من أصرت على التقاليد وأدانتني. ومن صرعى الجوع من قبّل يده في وجهي ثلاث مرات من الخارج، ومثلها من الداخل، وحمد الله على نعمة “الستر”، ثم أباح “سرّي” بعد لحظات، نظير “سحاتيت” معدودات، ولا أقول “دينارات”!
ولكن هؤلاء جميعاً، من طرق النداء نفسه، فلبى النداء. وفي هذا لذّة لا تعوّض.

دعوت إلى الاشتراكية… ولكن

أما أنّي دعوت إلى الاشتراكية فهذا حق. فقد كنت أؤمن بأن الاشتراكية هي الخطوة العملية الأولى في سبيل التحرّر، وقد كان التحرّر ولا يزال في نظري هو الهدف الأسمى الذي يجب أن يسعى إليه الناس.
وكنت أؤمن بأن الاشتراكية -حين تضع الضمانات المادية الأولى التي لا يمكن للفرد أن يمارس حريته الكاملة إلا في ظلها- تهيئ للناس -في المستقبل القريب- مجتمعاً أمثل، يُشبع جميع حاجات البشرية، مهما تزايدت هذه الحاجات، فيحقق للإنسان خيالات الجنة، بعد أن تمرّغ طويلاً في أوحال الأرض.
وسمِّ هذا المجتمع ما شئت من الأسماء التي قد يبتكرها العقل البشري فيتناقلها عادة كثير من الناس دون وعي لمضمونها الكامل، فما كنت أسعى فيما صدر عني إلا إلى شيء واحد، هو رفاهية الجميع. وقد رميت فأصبت، ورميت فأخطأت، ولا يُنقص من قدر المجاهدين في سبيل الخير العام أن يعترض الخطأ طريقهم. فالخطأ -في كثير من الأحيان- دلالة من دلالة الحركة، ووفرة النشاط.
وأنا رجل لم ينكر اشتراكيته قط. وقد أكون من القلائل جداً الذين اعترفوا بمبدئهم -بل ولعلي أكون الوحيد الذي اعترف بهذا المبدأ- على ما في هذا الاعتراف من احتمال التعرّض للخطر. ومن يراجع التحقيقات المختلفة التي أجرتها النيابة معي، أو محاضر الجلسات في القضايا المتعددة التي كنت هدفاً لها، يستطيع أن يتثبت من صدق الرواية.
وإذن فالسلطات لم تسرف في الافتراء عليّ -بل ولعلها لم تفترِ عليّ إطلاقاً- حين اتهمتني بما اتهمتني به، وحين زجّت بي في السجون رهن التحقيق فيما وجهته إليّ من تهم، وإن كان البعض قد شوّه الحقائق، وأذاع الأباطيل.
ولكن من الحق أيضاً أن أقول، إن فهمي للاشتراكية أصبح الآن أعمق، وإن موقفي من كثير من المسائل قد نما وتطور، وإن موسكو تقف على رأس القمة في هذه المسائل.
وقد أُتّهم لهذا بشيء من “التأرجح” أو “التذبذب”، والحق أن لا “تأرجح” ولا “تذبذب”. ولا شك أن الذين اتصلوا بي يذكرون أني كنت أرفض دائماً البقاء داخل حدود، وأن الشيء الوحيد الذي كنت لا أحيد عنه هو قانون الحركة الدائمة والتغيّر المستمر، وأن من صميم ما كنت أدعوا إليه تطعيم النفس البشرية بعناصر التطور الدائم، حتى لا تجد أدنى صعوبة في التخلي عمّا يثبت زيفه بالتجربة، كائناً ما كان رسوخه الماضي في عادات الفرد، أو في تقاليد البشرية.
والتخلي عن الزيف هو أولى مراحل النمو.

يمكن مراجعة الفصل السابق من خلال الرابط التالي:

أفيون الشعب (2)

‫شاهد أيضًا‬

النبي المسلّح: تروتسكي إبّان ثورة أكتوبر ج 4 (59)

كتبت جريدة غوركي أن «تصريح تروتسكي المدلى به بالكثير من الاندفاع والكرامة استثار تصفيق الج…