‫الرئيسية‬ نظرية النبي المسلّح: تروتسكي إبّان ثورة أكتوبر ج 2 (57)
نظرية - 11 يناير، 2021

النبي المسلّح: تروتسكي إبّان ثورة أكتوبر ج 2 (57)

الفصل التاسع

وقد وقف الوزراء، الواحد بعد الآخر، للإجابة. وعد تشيرنوف بأن يستخدم الاشتراكيون تأثيرهم داخل الحكومة، لكنه أشار إلى حاجتهم من أجل ذلك لدعم السوفييت غير المشروط. وألحّ تسيريتللي على الأخطار التي يمكن أن تتعرض لها السوفييتات إذا رفضت تقاسم السلطة مع البورجوازية. أما سکوبیلیف فأنّب «معلمه العزيز» قائلا: «ان العقل البارد ضروري بقدر ما هو القلب الحار ضروري أيضا» وسط ثورة من الثورات، وقد صوت السوفييت مولياً ثقته للوزارة الجديدة، ولم يصوت بحجب الثقة غير الأقلية في أقصى اليسار.

أن المجموعة السياسية التي حيت تروتسكي على أساس أنه قائدها كانت منظمة ما بين المقاطعات، المزهرایونکا. وقد حرك تروتسكي هذه المجموعة من الخارج منذ تكوينها في عام ۱۹۱۳ وساهم في منشوراتها، ولم تكن المجموعة تتطلع إلى تشكيل حزب، بل كانت تجمعاً مؤقتا لمناضلين، لا هم بلاشفة ولا هم مناشفة، ظلوا حازمين في معارضتهم للحرب، وللأمير لفوف، وللـ «اشتراكيين – الوطنيين». أما تأثيرها فاقتصر على بعض عمال بتروغراد، وحتى هناك، كان يتخطاها تطور البلشفية السريع، إلا أنه كان يلتحق بهذه المجموعة أناس كانوا في الماضي عناصر لامعة في الحزب البلشفي أو في الحزب المنشفي، وسوف يلعبون فيما بعد أدوارا مهمة. ومعظمهم، من أمثال لوناتشارسكي وريازانوف ومانويلسكي وبوكروفسكي، ويوفي واورویتسکي وفولودارسكي، كانوا قد كتبوا في صحف تروتسكي. وأصبح آخرون، ککاراخان، ویورینییف، ديبلوماسيين سوفياتيين من الطراز الأول فيما بعد. كانوا يشكلون نخبة سياسية لامعة، لكن منظمتهم كانت ضعيفة جدا ومحدودة جدا. بحيث لا يمكن أن تشكل قاعدة عمل مستقل. وحين وصل تروتسكي، كانت المجموعة تتناقش حول مستقبلها وتدرس امكانية اندماجها مع البلاشفة والتجمعات اليسارية الأخرى، ففي الاجتماعات العامة، كان يسأل محركوها بإلحاح بم يتميزون عن البلاشفة ولماذا لا يلتحقون بهم، فلا يجدون جواباً مرضياً في الحقيقة. ان انفصالهم عن البلاشفة كان ناجمة عن تعارض طويل ومعقد داخل الحزب القديم: يعكس الخلافات الماضية لا الحاضرة.

في 7 أيار/ مايو، نظم البلاشفة ومنظمة ما بين المقاطعات حفلة استقبال لتروتسكي، وفي العاشر من أيار/ مايو، اجتمعوا لدرس مشروع الاندماج. وصل لينين يرافقه زینوفييف وكامينيف، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يراه فيها لينين بعد لقائهما غير الودي في زيمرفالد. ونحن لا نمتلك عن هذا المؤتمر غير تقرير متشذر، لكن جد مفيد، في ملاحظات لينين الشخصية. وقد كرر تروتسكي ما سبق وقاله خلال الاجتماع الذي تم تنظيمه على شرفه: لقد تخلى عن موقفه القديم ولم يعد يدافع عن الوحدة بين البلاشفة والمناشفة، فهو يرى أن الذين قطعوا أي صلة لهم بالاشتراكية – الوطنية، ولا أحد غيرهم، ينبغي أن يصطفوا منذ ذلك الحين تحت راية أممية جديدة. ثم تظاهر بالسؤال إذا كان لا يزال لينين يؤكد أن الثورة الروسية هي من حيث الجوهر ثورة من النموذج البورجوازي، مؤداها «ديكتاتورية ديمقراطية للعمال والفلاحين» لا دیکتاتورية البروليتاريا. ويبدو أن تروتسكي لم يكن على علم واضح تماما بالتبدل الجذري في التوجه الذي أحدثه لينين في الحزب البلشفي. فلقد امضى لينين الشهر الذي سبق وصول تروتسكي في جدال حاد مع الجناح اليميني في حزبه، بقيادة کا مینيف، وأقنع الحزب بالتخلي عن الأطروحة «البلشفية القديمة» حول آفاق الثورة، ويمكن الافتراض أن تروتسکي سمع شيئا عن ذلك، هنا أو هناك. فاذا لم يخبره مناضلون غير كامينيف، فمن المفروض أن يكون أخبره هذا، وكان قريباً له بالمصاهرة، أن البلاشفة من خصوم لينين، وهو بالذات (کامینیف) أخذوا على فلاديمير ايليتش تبنيه الكامل لنظرية «الثورة الدائمة»، وتخليه هكذا عن البلشفية لصالح التروتسكية.

وفي الحقيقة أن طرق لينين وتروتسکی، التي تباعدت طويلا جدا، عادت فتلاقت أخيراً. وصل كل منهما إلى استنتاجات كان الآخر وصل إليها قبل زمن طويل، استنتاجات طالما عارضها بحدة. إلا أنه لا هذا ولا ذاك كان يعي بوضوح أنه تبنى وجهة نظر الآخر. فلقد انطلقا من نقاط متباينة، لكنهما انتهيا الآن إلى الالتقاء، بعد أن اجتازا معارج متباينة. فلقد رأينا ان أحداث الحرب أدت بتروتسكي ببطء إلى التسليم باستحالة إعادة وحدة الحركة العمالية، وبأنه خطأ، وخطأ خطير أن تحاول إعادة تلك الوحدة، وبأن من واجب الأمميين الثوريين تشكيل أحزاب جديدة. أما لينين فكان توصل إلى هذا الاستنتاج قبل الحرب بزمن طويل، لكن بما يخص الحزب الروسي وحده، بينما قادته الحرب إلى تعميم هذا الاستنتاج وتطبيقه على الحركة العمالية العالمية. ومع أنه لم يكن الوحيد وراء تحديد موقفه هذا، فالعامل الرئيسي في استدلاله وفي ردود فعله الغريزية كان تجربته الروسية. هذا في حين انطلق تروتسكي، على العكس، من منظور أعم، منظور أممي، طبق مبدأه على روسيا. ومهما كانت الطرق التي توصلا عبرها إلى استنتاج مشترك، فلقد كانت النتائج العملية هي ذاتها.

أن الاختلاف ذاته في طريقتيها لمواجهة الأشياء والتماثل ذاته في استنتاجاتها يطبعان تقويمهما للمنظورات الثورية. ففي عام ۱۹۰۰ – ۱۹۰۹ توقع تروتسكي دمج الثورتين المعادية للإقطاع والمعادية للرأسمالية في روسيا وصور الانتفاضة الروسية كمقدمة لثورة اشتراكية عالمية، أما لينين فرفض يومذاك أن يرى في روسيا رائدة الاشتراكية الجماعية. لقد استنتج طابع الثورة وآفاقها من النقطة التي بلغتها روسيا في تطورها التاريخي، ومن بنيتها الاجتماعية التي كانت طبقة الفلاحين الفردية عنصرها الأهم، إلا أنه توصل في فترة الحرب إلى أن يأخذ بالحسبان الثورة الاشتراكية في بلدان أوروبا المتقدمة، ويحدد للثورة الروسية موقعاً ضمن هذا المنظور الأممي. إن ما كان يبدو له الآن حاسماً ليس كون روسيا لم تصبح بعد ناضجة للاشتراكية، بل كونها جزءاً من اوروبا ينبغي – وفقا لاعتقاده أن تعد نفسها للاشتراكية. لم يعد يرى إذاً أي مبرر لاقتصار الثورة الروسية على المهام البورجوازية المزعومة، وقد برهنت له تجربة نظام شباط / فبراير، عن استحالة تحطيم قدرة كبار الملاكين من دون تحطيم الطبقة الرأسمالية ونزع ملكيتها نهائيا: وهذا كان يعني «ديكتاتورية البروليتاريا».

ومع أن الخلافات القديمة بين لينين وتروتسكي قد زالت، إلا أن موقع كل من الرجلين بقي مختلفاً جدا عن موقع الأخر. فلينين كان الزعيم المعترف به لحزب كبير، حزب غدا قاعدة تحالف كل المعارضة البروليتارية لنظام شباط / فبراير، رغم كونه يمثل أقلية في السوفييتات. أما تروتسكي وأصدقاؤه فكانوا يشكلون كوكبة من الجنرالات اللامعين لكن من دون جیش. كان في وسع تروتسكي أن يوصل صوته إلى الأسماع، فردياً، من على منابر الثورة، إلا أنه لم يكن يمكن إلا لحزب جماهيري منظم جيدا أن يحول الكلمات الى وقائع دائماً. كان هناك حاجة من كل جهة للجهة الأخرى، وان بدرجات متفاوتة، وما كان شيء يناسب لينين أفضل من أن يستطيع أن يدمج بهيئة أركان حزبه كوكبة الدعاويين اللامعين، والمحرضين، والمخططين والخطباء، التي كان يقودها تروتسكي. إلا أنه كان فخوراً بالحزب الذي خلقه وواعياً للميزات التي كان يتمتع بها. كان قد قرر ضم تروتسكي واصدقائه إلى حزبه، وكان عازماً على منحهم داخل الحزب كل الحقوق الديمقراطية، وعلى أن يقاسمهم سلطته، ويقبل بأن يصبح في مواقع الأقلية في ظروف حرجة، كما سوف تظهر الاحداث. لكنه لم يكن مستعدا للتضحية بحزبه لدمجه مع مجموعات صغيرة أخرى في حزب جديد. فمن أجل القيام بذلك كان سيضطر للجوء إلى الحيلة أو لدفع ضريبة لا جدوى منها لحساب غرور الأخرين.

في اجتماع 10 أيار/ مايو طلب إلى تروتسكي وأصدقاء تروتسكي الدخول فوراً إلى الحزب البلشفي، وعرض عليهم مواقع في الأجهزة القيادية وفي هيئة تحرير البرافدا، من دون أي شروط. لم يطالب تروتسكي بجحد ماضيه، لا بل لم يشر إطلاقا إلى مجادلاتها القديمة. لقد طردها من فكره وكان يتوقع أن يحذو تروتسكي حذوه، لأنه كان يصر على الاتحاد مع كل من يستطيع المساعدة في انتصار القضية المشتركة. لا بل كان يأمل في تلك اللحظة التحالف مع مارتوف الذي انفصل عن المناشفة وبقي مخلصا لبرنامج زيمرفالد ومعارضاً لحكومة التحالف.

كان يحتاج تروتسكي لقدر أقل من الاعتزاز كي يقبل مقترحات لينين فورا. كان عليه أن يأخذ كذلك بالاعتبار اعتراضات أثارها بعض رفاقه الذين كانوا يلفتون النظر الى غياب الديمقراطية في حزب لينين و«الممارسات العصبوية» في اللجان والجمعيات البلشفية. أما تروتسكي الذي طالما انتقد حزب لينين بالتعابير ذاتها، فكان يعتبر هذه المخاوف دون أساس. وفي رده على لينين، ألح على التحول الحديث في الحزب البلشفي الذي «اكتسب» – حسبما قال – «منظوراً أمميا» و «تخلص من تبلشفه». وجد نفسه إذا متفقاً تمام الاتفاق مع لينين على المستوى السياسي، ووافق كذلك على معظم مقترحات العملية بهدف تعاون فوري، لكن بما أن الحزب البلشفي تبدل إلى تلك الدرجة، لم يكن ينبغي مطالبة تروتسكي وأصدقائه بحمل اسم بلاشفة. «لا أستطيع أن احدد نفسي كبلشفى، إذ ليس أمرا مرغوباً فيه أن يلصق المرء بنفسه سمات قديمة!» ينبغي الالتقاء في حزب جدید، يحمل اسماً جديداً، من خلال مؤتمر مشترك للمجموعات السياسية التي تزمع الاندماج. ولقد كان يجب أن يدرك تروتسكي أن مؤتمرا من هذا النوع سيتمتع البلاشفة فيه بتفوق مطلق في مختلف الأحوال: لذا فالفرق كان سيقتصر على تبديل في السمة أو العنوان! ولم تكن تلك مسألة بالأهمية التي تبرر لتروتسكي وصحبه الانغلاق في عزلتهم السياسية. لكن لم يكن هنالك أي حل في متناول النظر في ذلك الحين.

وحين سئل لينين في تلك الفترة عن السبب الذي يجعله يبقى منفصلا عن تروتسكي رغم اتفاقهما الكامل، أجاب: «حقا ألا تعرفون؟ إنه الطموح، الطموح، الطموح». كان اعتبار تروتسكي نفسه بلشفياً، فيما لو فعل ذلك سيظهر کاستسلام ضمني، لا للينين الحالي، بل للينين الماضي، وهو ما كان يرفضه. إلا أن هذا الاستسلام كان إلى حد ما حتمياً، فلينين الماضي، المهاجر هو الذي كان مهندس ما غدا حزب الثورة. من جهة أخرى، فالبرنامج الحالي للحزب كان يجسد أفكار تروتسكي أكثر مما يجسد أفكار لينين. إلا أن هذا كان واقعاً لا يفطن له أحد. ولا شك أن لينين كان يجهل تقريبا امكانية أن يكون هذا التجاهل جرح تروتسکی. زد على ذلك أنه كان يستحيل عملياً، بالنسبة إليه، فيما لو أراد، أن يقدم اثبات بهذا الشأن إلى تروتسكي، بأي شكل من الأشكال. فليس لدي حزب ثوري يخوض غمار ثورة محتدمة متوفر من الوقت لإعطاء البرهان على الدقة والرهافة بما يخص «حقوق نشر» الافكار السياسية. إلا أن لينين حيّا تروتسكي بعد مرور فترة قصيرة من ذلك العام، من دون أي مرارة، قائلا أنه لما كان قطع أي علاقة بالمناشفة فليس هنالك بلشفي أفضل منه. أما تروتسكي فكان لديه حس سياسي مرهف للغاية بحيث لا يمكن إلا أن يرى من المضحك الإصرار في مثل ذلك الحين على نفاذ بصره. بالنسبة اليه أيضاً، كانت الانجازات السياسية للثورة أهم من التشخيصات النظرية، ولم يكن تردده غير الرعشة الأخيرة لمعارضته للينين.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: تروتسكي إبّان ثورة أكتوبر ج 1 (56)

‫شاهد أيضًا‬

النبي المسلّح: تروتسكي إبّان ثورة أكتوبر ج 4 (59)

كتبت جريدة غوركي أن «تصريح تروتسكي المدلى به بالكثير من الاندفاع والكرامة استثار تصفيق الج…