‫الرئيسية‬ نظرية رأس المال: الفصل الثالث والعشرون (89)
نظرية - 10 يناير، 2021

رأس المال: الفصل الثالث والعشرون (89)

القانون العام للتراكم الرأسمالي

5) أمثلة إيضاحية عن القانون العام للتراكم الرأسمالي

ج) السكان الرحّل

نلتفت الآن إلى فئة من السكان تنحدر أصلا من الريف، ولكنها تعمل، بقسمها الأكبر، في الصناعة. إنها فرقة المشاة الخفيفة التابعة لرأس المال، يلقي بها هنا تارة، وهناك تارة أخرى، حسب حاجاته. وحين لا يرتحل هؤلاء، فإنهم «يعسکرون». إن العمال المرتحلين يستخدمون لعمليات شتى في البناء وتصريف المياه، وصناعة الآجر، وفخر الكلس، ومد خطوط سكك الحديد، وما إلى ذلك. وهذا الرتل المتحرك من الوباء، يحمل معه إلى كل النواحي التي يضرب فيها خيامه، الجدري، والتيفوس، والكوليرا، والحمى القرمزية، وسواها(1). وفي المشاريع التي تتطلب توظيف مقادير كبيرة من رأس المال، مثل مد سكك الحديد، يتولى، صاحب المشروع نفسه عادة، تزويد أفراد جيشه بأكواخ خشبية، وما يشابهها، وبهذا يرتجل بناء قرى تفتقر إلى المستلزمات الصحية كافة، بعيدة عن رقابة السلطات المحلية، لتدر أرباحا طائلة على المتعهد الذي يستغل العمال بطريقة مزدوجة – كجنود صناعيين ومستأجري مساكن. وعلى النزيل أن يدفع شلنين أو 3 شلنات أو أربعة شلنات أسبوعيا (2)، وذلك تبعا لما في الكوخ الخشبي من جحور، جحر واحد أو جحران، أو ثلاثة. يكفينا ذکر مثال واحد. في أيلول/سبتمبر 1864، يذكر الدكتور سایمون أن رئيس «لجنة الرقابة الصحية» Nuisance Removal Committee)) في أبرشية سيفين أوكس بعث بالاحتجاج التالي إلى وزير الداخلية السير جورج غراي:

«لقد كانت حالات الإصابة بالجدري معدومة تماما في هذه الأبرشية منذ إثني عشر شهراً تقريبا. ولكن قبيل هذا الوقت، بدأت هنا أعمال مد خط سكك الحديد بين لويشام وتونبريدج، إضافة إلى أن الأعمال الرئيسية في المشروع كانت تجري في جوار هذه المدينة؛ وأقيم هنا أيضا المستودع الرئيسي للمشروع كله، وبالتالي فإن عددا كبيرا من العمال قد استخدموا هنا بالضرورة. ولتعذر الحصول على منازل منفردة للجميع، فقد قام متعهد المشروع، السيد جاي، ببناء أكواخ في مواضع متفرقة على امتداد خط العمل لإيواء عماله. إن هذه الأكواخ تفتقر إلى التهوية، وتصريف المياه، وهي علاوة على ذلك، مكتظة بالضرورة إلى حد فائق، لأن على كل مستأجر أن يأوي نزلاء، بصرف النظر عن عدد أفراد أسرته، رغم أن كل كوخ لا يضم سوی غرفتين. والنتيجة، استنادا إلى التقرير الطبي الذي تلقيناه، إن هؤلاء المساكين كانوا يضطرون، في أثناء الليل، إلى تحمل كل فظائع الاختناق لتفادي الروائح الموبوءة المتصاعدة من المياه الآسنة، الراكدة، ومن المراحيض القائمة تحت نوافذهم. وجاءت إلى لجنتنا شكوى رفعها سيد من الأطباء سنحت له فرصة زيارة هذه الأكواخ، فتحدث عن أوضاعها كمساكن بأقسى التعابير، وأعرب عن خشيته من وقوع عواقب خطيرة جدا، ما لم نسرع إلى اتخاذ تدابير صحية وقائية. وقبل عام تقريبا، وعد السيد جاي المذكور آنفاً بتخصيص منزل ملائم يعزل فيه، على الفور، الأشخاص الذين يصابون بأمراض معدية من مستخدميه. وكرر هذا الوعد في نهاية تموز/ يوليو الماضي، إلا أنه لم يحرك ساكنا للإيفاء بوعده، رغم أنه وقعت منذ ذلك التاريخ عدة إصابات بالجدري في أكواخه أسفرت عن حدوث حالتي وفاة. وفي التاسع من أيلول/ سبتمبر الجاري، أبلغني الطبيب كیلسون أن اصابات جديدة بالجدري وقعت في هذه الأكواخ ذاتها، ووصف أوضاعها بأنها مزرية تماما. وينبغي أن أضيف لمعلوماتكم، (يقصد وزير الداخلية) بأن محجرنا الصحي، المدعو منزل الوباء، والمخصص لرعايا الأبرشية ممن يصابون بأمراض معدية، يعج باستمرار بأمثال هؤلاء المرضى منذ أشهر عديدة، وهو الآن ممتلئ أيضا. وقد توفي خمسة أطفال من أسرة واحدة بمرض الجدري والحمى، وأن الأشهر الخمسة الواقعة بين الأول من نیسان/ إبريل والأول من أيلول/سبتمبر شهدت ما لا يقل عن عشر وفيات بالجدري في أبرشيتنا، وقعت أربع وفيات منها في الأكواخ المذكورة آنفاً: وإنه يستحيل علينا التيقن من الرقم الدقيق للأشخاص الذين أصيبوا بهذا الوباء، لأن الأسر التي تستشري فيها هذه الأمراض تبذل أقصى جهدها لكتمان الأمر» (3).
 ينتمي عمال مناجم الفحم وغيرها من المناجم، إلى الفئات التي تتلقى أحسن الأجور من بين البروليتاريا البريطانية. أما بأي ثمن يشترون أجورهم، فهذا ما جرى تبيانه في موضع سابق (4). وألقي هنا نظرة عجلى على ظروف سکنهم. يقوم مستثمر المنجم، في العادة، سواء كان مالكا أم مؤجراً، ببناء عدد من الأكواخ لإيواء عماله. وهم ينعمون بالأكواخ وفحم التدفئة مجانا – أي أن هذا يؤلف جزءا من الأجور، فيدفع عيناً. والذين لا يتمتعون بالسكن على هذا النحو، يتلقون تعويضاً مقداره 4 جنيهات في العام. لكن مناطق الاستخراج تجتذب، بشكل سريع، عددا ضخماً من السكان، يتألف من عمال المناجم أنفسهم، والحرفيين، وأصحاب الدكاكين، إلخ، الذين يتجمعون حولهم. والريع العقاري هنا عالي، مثلما هو عليه، بوجه عام، حيثما تكون الكثافة السكانية كبيرة. لذا يسعى رب العمل إلى أن يكدس، في أضيق رقعة ممكنة عند فتحة المنجم، العدد الأكبر من الأكواخ لحشر جميع عماله وأسرهم. وحين تفتتح مناجم جديدة في الجوار، أو تُعاد مناجم قديمة إلى العمل ثانية، يزداد ضغط الازدحام. والاعتبار الوحيد الذي يؤخذ في بناء الأكواخ، هو «زهد» الرأسمالي عن أي إنفاق باستثناء ما لا يمكن تفاديه إطلاقا.

يقول الدكتور جوليان هنتر: «لعل السكن الذي يحصل عليه عامل المناجم، وغيره من العمال، في مناطق الفحم في نورثمبرلاند ودورهام، هو بوجه عام، النموذج الأسوأ والأغلى مما نجده في إنكلترا عدا مناطق مماثلة في مونماوث شاير. ويتمثل السوء البالغ في وجود عدد كبير من النزلاء المكدسين في غرفة واحدة، وفي ضيق فسحة الأرض التي يكوم فيها عدد ضخم من البيوت، ونقص الماء، وغياب المراحيض، وفي الدأب على بناء منزل فوق آخر، أو تجزئتها إلى شقق (flats) (بحيث يشكل عدد من الأكواخ طوابق يقع الواحد منها فوق الآخر بشكل عمودي).. ويتصرف مستأجر المنجم كما لو أن المستوطنة بأكملها تقطن مخيماً لا مسكنا دائما»(5). ويقول الدكتور ستيفنز: «تنفيذا للتوجيهات التي تلقيتها، زرت معظم قرى المناجم الكبيرة في دورهام یونیون… وما عدا استثناءات قليلة، فإن الافتقار إلى التدابير اللازمة لحماية صحة السكان، إنما هو قول ينطبق عليها جميعا … إن جميع اعمال المناجم ملزمون («ملزم» tbound، تعبير يرجع، شان الاسترقاق، «bondage»، إلى عصر القنانة) بالعمل لدى مستأجر (lessee) المنجم أو مالكه لمدة اثني عشر شهرا. وإذا ما عبر العمال عن تذمرهم أو ضايقوا المراقب (viewer) بأية صورة، فإن علامة تنبيه توضع إزاء أسمائهم في سجله، وعندما يحل موعد توقيع عقد سنوي جديد يطرد أمثال هؤلاء… ويبدو لي أنه ما من نوع من “نظام مقايضة العمل بالسلع” (Truck – system) يمكن أن يكون على هذا القدر من السوء كما في هذه المناطق كثيفة السكان. فالعامل ملزم بأن يأخذ، كجزء من أجره، بيتاً محاطاً بالمؤثرات الوبائية، وليس بوسعه أن يكفل النجاة لنفسه. فالعامل هو، من كل النواحي، قن. ومن المشكوك فيه عموماً، أن أحدا آخر يمكن أن يسعفه غير مالكه، ومالكه هذا يراجع بیان میزان الحسابات أولا، والنتيجة مؤكدة تقريبا. كما يتزود العامل من المالك بالماء سواء كان نظيفاً أم قذراً، كافياً أم ناقصاً، وعليه أن يدفع لقاء ذلك، وإلا خصم المبلغ من أجره»(6).
وفي حال النزاع مع «الرأي العام» بل والرقابة الصحية لا يتورع رأس المال إطلاقا عن «تبرير» الأوضاع الخطرة من ناحية، والمذلة من ناحية أخرى، التي يطوق بها شغل العامل وحياته العائلية بذريعة أنها ضرورية لتحقيق ربح أكبر من استغلال العامل. وهذا يضارع ما يحدث حين يمتنع رأس المال عن استخدام المعدات التي تحمي من مخاطر الآلات في المصانع، وعن وسائل التهوية والتدابير الوقائية في المناجم، إلخ. وهذا هو الحال أيضا بالنسبة إلى سكن عمال المناجم.

يقول الدكتور سایمون، المفتش الطبي في المجلس الملكي السري، في تقرير رسمي له: «تبريرا للأوضاع المزرية في السكن المنزلي، يزعم أن المناجم تُستثمر عادة بموجب عقد إيجار، وأن مدة استفادة المستأجر (التي تبلغ عادة 21 عاما في مناجم الفحم) ليست طويلة بما فيه الكفاية كي تسمح له بأن يرى فائدة في إشادة مأوی حسن لعماله وللحرفيين وغيرهم ممن يجتذبهم المشروع، وأنه حتى لو كان ينزع إلى الإنفاق بسخاء في هذا الأمر، فإن المالك العقاري سيهزم هذا النزوع، بسعيه إلى أن يحصل على زيادة باهظة في الريع العقاري لقاء امتیاز بناء قرية مريحة، ولائقة، على سطح الأرض، كي يقطنها العمال الذين يستخرجون ملکه الواقع تحت الأرض، وإن هذا السعر التحريمي (إن لم يكن التحريم الفعلي نفسه) يصد الآخرين أيضا ممن يرغبون بهذا الشكل أو ذاك، في بناء المساكن اللائقة… ليس غرض هذا التقرير الدخول في أي نقاش حول صحة التبرير الوارد أعلاه. كما لا حاجة بنا أيضا لأن نبحث، في حال توفير سكن لائق، على من ستقع التكاليف في آخر المطاف، سواء على مالك العقار أو مستأجر المنجم، أو العامل، أو الجمهور… ولكن إزاء وجود هذه الوقائع المخزية التي تؤكدها التقارير المرفقة» (الدكتور هنتر والدكتور ستيفنز وسواهما) فلا بد من اتخاذ التدابير للقضاء عليها … إن حقوق ملكية الأرض تستغل هنا لارتكاب ظلم اجتماعي كبير. فالمالك العقاري، بصفته مالكاً لباطن الأرض، يدعو مستوطنة من العمال الصناعيين للعمل في عقاره، ثم بصفته مالكاً لسطح الأرض، يجعل من المستحيل، على العمال الذين جمعهم، أن يجدوا سكنا مناسبة في المكان الذي ينبغي أن يعيشوا فيه. في غضون ذلك فإن مستأجر المنجم، (المستغل الرأسمالي) وليست لديه أي مصلحة مالية لمقاومة هذا الازدواج، فهو يعرف جيدا أنه إذا كانت ادعاءات المالك باهظة، فإن العواقب لن تقع عليه، وأن عماله الذين يتحملون هذا العبء، لا يمتلكون الثقافة الكافية لمعرفة حقوقهم في الصحة، وأنه لا أحقر المساكن، ولا أقذر مياه الشرب، ستكون باعث على القيام بإضراب»(7).

___________
(1) تقرير الصحة العامة السابع، 1865، لندن، ص 18.
(2) المرجع نفسه، ص 165.
(3) المرجع نفسه، ص 18، الحاشية 2. وكتب موظف اسعاف الفقراء في تشابل – إين – لي – فريث يونيون، إلى المسجل العام (Registrar General) تقريراً جاء فيه: «لقد حفروا في دنهولز، عدة حفر صغيرة في تلة كبيرة من رماد الكلس (بقايا الكلس المحترق) ليستخدموها بمثابة مأوى، يقطنه الحفارون، وغيرهم من العمال المستخدمين في بناء خط سكك الحديد. إن هذه الحفر ضيقة، ورطبة، لا أثر قربها لمجاري تصريف المياه أو المراحيض، ولا أدنى وسيلة للتهوية عدا عن ثقب في الأعلى، يستخدم كمدخنة أيضا. وقد تفشى هنا وباء الجدري، متسبباً في وقوع عدد من الوفيات» (بين ساكني الكهوف) (المرجع نفسه، الحاشية رقم 2).
(4) إن التفاصيل التي أوردناها على الصفحة 460 وما يليها [الطبعة الألمانية المعتمدة، ص519 – 525؛ الطبعة العربية ص 608-618] وما يليها، تتعلق، بوجه خاص، بعمال مناجم الفحم، وللاطلاع على الظروف الأكثر سوءا في مناجم المعادن، راجع التقرير، النزيه تماما، الذي وضعته اللجنة الملكية Royal Commission عام 1864.
(5) المرجع نفسه، ص 180-181.
(6) المرجع نفسه، ص 515-517.
(7) المرجع نفسه، ص 16.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من الرابط أدناه:

رأس المال: الفصل الثالث والعشرون (88)

‫شاهد أيضًا‬

النبي المسلّح: تروتسكي إبّان ثورة أكتوبر ج 4 (59)

كتبت جريدة غوركي أن «تصريح تروتسكي المدلى به بالكثير من الاندفاع والكرامة استثار تصفيق الج…