‫الرئيسية‬ نظرية النبي المسلّح: تروتسكي إبّان ثورة أكتوبر ج 1 (56)
نظرية - 7 يناير، 2021

النبي المسلّح: تروتسكي إبّان ثورة أكتوبر ج 1 (56)

الفصل التاسع

 

وصل تروتسكي إلى بتروغراد في الرابع من أيار/ مايو. كان قد مضى على اندلاع الثورة ستة أسابيع: خلال تلك الأسابيع تسارعت الأحداث بحيث بدت العاصمة صورة من صور الحلم، حتى بالنسبة لرجل احتفظ منذ عام ۱۹۰۰ بذكرى شوارعنا وجماهيرنا، ذكرى مفعمة بالمحبة. كانت الثورة قد بدأت حيث توقفت عام ۱۹۰۰، لكنها تركت نقطة انطلاقها بعيدة جدا إلى الخلف، فالقيصر ووزراؤه كانوا لا يزالون سجناء دولة، لكن معظم رعاياهم القدامى كانوا يرون فيهم أشباح ماض لن يعود. وأبهة الزمن القديم وإرهاب الملكية وأصنامها، كل ذلك بدا كما لو أنه توارى مع ثلج الشتاء الأخير.

ان لينين الذي عاد إلى روسيا قبل تروتسكي بشهر كامل، وصفها، حسبما وجدها يومذاك، كالبلد الأكثر حرية في العالم. وفي الحقيقة أن حريتها تلك اقتصرت على حرية التعبير، إلا أن الشعب كان يستفيد من هذه الحرية كثيراً، كما لو كان يأمل أن يكتشف في نقاشات محمومة نمط حياة جديدة لأن القديم قاد البلاد إلى حافة الهاوية. هذا السعي المتحمس خلف مبادئ جديدة، وأشكال جديدة ومضمون جديد للحياة الاجتماعية – سعي كان جمهور المهانين والمضطهدين يشارك فيه بعنفوان مثير – كان يميز مناخ بتروغراد الأدبي في ذلك الربيع من عام ۱۹۱۷. ما من سلطة وما من حقيقة كانتا لا تزالان تعتبران من الأمور المسلم بها. لم يبق قائماً غير الاعتقاد الغامض بأن الخير هوما يمكن ان يحفز الثورة ويساعد على احقاق العدالة تجاه المضطهدين. كان طابع الانتفاضة الاجتماعية ينعكس حتى على مظهر المدينة، فالشوارع وساحات الأحياء الأنيقة في وسطها اكتسحا سكان الضواحي البائسة المعذبة. كان العمال والجنود يحضرون جماعات جماعات تلك الاجتماعات التي تتواصل ليلا ونهارا في الساحات وفي المصانع وفي الثكنات القائمة في المناطق المحيطة. والعلم الأحمر، شعار التمرد والثورة الذي كان محظراً في الماضي كان يرفرف الآن على المباني الكلاسيكية الجديدة على ضفاف النيفا. كان يمكن أن تدرك، كيفما تحركت في الشوارع، في كل مشهد وفي كل حادث صغير، دور العمال والجنود المهيمن في الثورة. يكفي القادم الجديد أن يلقي نظرة عابرة على العاصمة ليشعر بأن حضور الأمير الفوف كوزير أول للثورة هو أمر من الفظاظة بمكان.

ما كاد تروتسكي يودع عائلته ومتاعه القليل في فندق مؤثث حتى مضى إلى معهد سمولني، مركز سوفييت بتروغراد. في ذلك الوقت بالذات، كانت لجنته التنفيذية، التي خلفت اللجنة التي كان تروتسکی محرکها في عام 1905، تعقد اجتماعا لها. كان الرجل الذي يرأسه يومذاك هو تشخیدزه، رفيقه القديم، الذي هاجمه قبل قليل في نفويي میر. نهض تشخیدزه ليستقبل تروتسكي لكن استقباله كان فاترا. وقد تلت ذلك لحظة ضيق، فالمناشفة والاشتراكيون الثوريون، الذين كانوا يشكلون أغلبية، ما كانوا يعرفون إذا كان القادم الجديد صديقا لهم أو عدواً – بدا أنه تحول من صديق قديم إلى عدو. وقد أبدى الاعضاء البلاشفة في اللجنة التنفيذية ملاحظة مفادها ضرورة دعوة رئيس سوفييت عام ۱۹۰۰ لاتخاذ مقعد له بينهم خلال ذلك الاجتماع. فوقع المناشفة والاشتراكيون الثوريون في الحيرة وتهامسوا فيما بينهم، واتفقوا على قبول تروتسكي كمراقب، من دون حق التصويت. أما هو فلم يكن يطلب شيئا آخر، إذ ليس المهم بالنسبة إليه امتلاكه لحق التصويت، بل اسماع صوته من على منبر الثورة هذا.

إلا أن الاستقبال البارد الذي لقيه بدا له محضاً وقد كتبت انجليكا بالابانوف، سكرتيرة حركة زيمرفالد، انه رأى في عدم تدخل قادة الحزب بفعالية أشد من أجل تحريره من احتجازه في بريطانيا دليلا على أنهم لم يكونوا متحمسين لرؤيته يعود إلى المسرح السياسي. «كان المناشفة والبلاشفة ينظرون إليه بمزيج من الضغينة والحذر … وذلك عائد جزئياً لكونهم كانوا يخشون منافسته …». ومهما تكن الحقيقة، فثمة واقع أكيد هو أن المواقع السياسية قد توضحت بين شهر شباط / فبراير وشهر أيار/ مايو، كانت الأحزاب والمجموعات قد جمعت شتاتها وحددت موقفها، واضطلع القادة بمسؤولياتهم واختاروا مواقعهم. وفي عام 1905، كان تروتسكي اول مهاجر يعود، بينما كان في هذه المرة آخر من عاد إلى البلاد، وما من مركز شاغر يناسب رجلا يتميز بكفاءاته وبطموحه كان يمكن أن يقدم له.

كان الوضع في ذلك الحين يشير إلى أن جميع الأحزاب – باستثناء البلاشفة – كان لها ما يبرر خشيتها من أي تأثير جديد وغير متوقع، فللمرة الأولى فقد النظام الناجم عن ثورة شباط / فبراير توازنه العابر الهزيل. وكان يحاول استعادته عن طريق تدابير ومناورات دقيقة، وقد توارت عن الساحة أول حكومة للأمير لفوف، تلك الحكومة التي لم يكن يتمثل فيها غير طبقة النبلاء والطبقة البورجوازية الكبرى، الأولى عن طريق المحافظين الذين دعموا غوتشكوف، والثانية عن طريق حزب الكاديت بقيادة ميليوكوف. أما المناشفة والاشتراكيون فوعدوا بدعم الحكومة لكن دون المشاركة فيها. مع ذلك، فهذه الحكومة ما كان يمكن أن تستمر يوما واحدا، من دون مساندة السوفييت، الذي كان يمثل سلطة فعلية خلقتها الثورة. كان قد تم الآن بلوغ اللحظة التي لم يعد يمكن فيها للاشتراكيين المعتدلين أن يقدموا دعمهم للحكومة من دون المشاركة فيها.

كانت الأحزاب التي شكلت أول حكومة للأمير لفوف تحاول قصر الثورة على اطاحة القيصر نقولا الثاني، وانقاذ الملكية في حال أمكن ذلك. كانت تتمنى أيضا مواصلة الحرب، واعادة الانضباط الاجتماعي والعسكري الذي كان يستحيل من دونه مواصلتها. أما العمال والجنود الذين كانوا يساندون السوفييتات فكانوا يأملون على العكس «تعميق» الثورة والمسارعة إلى عقد «صلح ديمقراطي، من دون ضم ولا تعويضات». وكان الاشتراكيون المعتدلون يحاولون التوفيق بين تلك السياسات وتلك المطالب المتناقضة، وكانوا يدخلون حتماً في دوامة تناقضات صارخة، محاولين مساعدة الحكومة لمواصلة الحرب، والضرب في الوقت ذاته على وتر الرغبات الشعبية في السلام. يقولون لأنصارهم أن الحكومة استبعدت الأهداف الامبريالية التي كان يسعى إليها القيصر من خلال الحرب – الهيمنة الروسية في البلقان واحتلال غاليسيا والقسطنطينية – غير ساعية إلا لهدف واحد يتمثل بعقد سلام عادل وديمقراطي. وكان الأمير لفوف يحاول أن يعيد إلى الحركة الآلة الادارية القديمة الموروثة عن القيصرية، بينما يرى العمال والجنود أن السوفييتات هي التي تشكل الإدارة الحقيقية، وكان المناشفة والاشتراكيون الثوريون يأملون بأن يسمح نظام الحكم الجديد بالجمع بين الادارة القديمة والسوفييتات. وقد بذلت الحكومة جهدها لإعادة الانضباط إلى جيش اتعبته الحرب وهزته الثورة، جيش كان جنوده يرفضون اطاعة ضباطهم ولا يصغون إلا للجان التي انتخبوها بذاتهم. وكان الاشتراكيون المعتدلون يلتزمون بمساعدة الحكومة لإعادة الانضباط، إلا أنهم كانوا يدعون مع ذلك الجنود للدفاع عن الحقوق التي اكتسبوها مؤخراً، والتي صيغت في القرار المشهور رقم ۱ الذي أصدره السوفييت ضد الضباط والجنرالات القيصريين. كانت الحكومة تتمنى ضمان أمن الملكية الأرضية، بينما يطالب الفلاحون بتوزيع ممتلكات طبقة النبلاء. وكان المناشفة والاشتراكيون الثوريون يحاولون تأجيل حل تلك المشكلة الأساسية حتى دعوة جمعية تأسيسية كانت تؤجل بدورها إلى أجل غير معروف.

هذا البناء الفسيح، القائم على الالتباس والكذب، كان لابد له أن ينهار في أحد الايام على رأس من تولوا بناءه. وقد حدث الانتصاف الاول في شهر نيسان/ ابريل، فغوتشكول العاجز عن اعادة الانضباط إلى الجيش قدم استقالته كوزير للحرب، ثم تبعه بعد وقت قصير ميليوكوف، الذي استقال بدوره من وزارة الخارجية. ففي مذكرة موجهة إلى حلفاء روسيا الغربيين، أعلن أن الحكومة الجديدة ستواصل السعي بأمانة وراء تحقيق أهداف الحرب التي حددتها الحكومة القيصرية التي سبقتها، وقد أحدث ذلك حركة استنكار شعبي بلغت ضخامتها درجة لم يستطع الأمير لفوف معها الاستمرار في السلطة وقتا أطول.

أن المنطق العنيد الخاص بالثورة بدأ يعبر عن نفسه، ففي مدى شهرين، أفقدت حکومتها الأولى والاحزاب التي شكلتها حظوتها واعتبارها، واستهلكتها تماما. قبل ذلك بوقت قصير، في الأيام الأخيرة من النظام القيصري، كان غاستون دومرغ، رئيس الجمهورية الفرنسية، أتى إلى بتروغراد في زيارة رسمية. حث يومذاك زعماء حزب الكاديت على اللجوء إلى الصبر لتذلیل خلافاتهم مع القيصر، وقد انفجر میلیوکوف وماكلاكوف ازاء كلمة «الصبر»، تلك، قائلين: «کفی صبرا! لقد استنفدنا كل ما لدينا من صبر! في كل حال، إذا لم نسارع إلى العمل، سوف تتوقف الجماهير عن الاصغاء إلينا!» هذه الكلمات أصبحت لازمة من اللازمات المفضلة لدى الثورة، وكان ميليوكوف ضحيتها الأولى. لم تكن الأغلبية الاشتراكية المعتدلة داخل السوفييت تنوي المطالبة باستقالته، لكن حين الزم الحكومة والبلاد جهاراً بمتابعة الأهداف القيصرية للحرب، احتج المناشفة والاشتراكيون الثوريون هاتفين: «كفى صبراً، لقد استنفدنا كل ما لدينا من صبر! في كل حال، إذا لم نسارع إلى العمل، سوف تتوقف الجماهير عن الإصغاء إلينا» إلا أن الجماهير ما كانت ستتبعهم بعد لو تركوا كل مسؤولية الحكم لقادة الطبقات التي استفادت من ثورة شباط / فبراير، لكنها لم تصنعها.

هكذا تحقق أول تحالف بين الكادیت والاشتراكيين المعتدلين. وحين ظهر تروتسکی في دورة اللجنة التنفيذية للسوفييت، كان الشركاء الجدد يتقاسمون بالضبط مقاعد الحكومة، وتم الاتفاق على أن تضم عشرة وزراء رأسماليين وستة وزراء اشتراكيين. كان الكادیت هم الشركاء الرئيسيون، لذا فإن برنامج الحكومة الجديدة كان مماثلا من حيث الجوهر لبرنامج الحكومة السابقة، وكان في وسع الوزراء الاشتراكيين الستة أن يعدلوه فقط تعديلا طفيفاً ليجعلوه مقبولا أكثر من جانب السوفييت. وقد حل کیرنسکي، الذي كان على علاقة بالحزب الاشتراكي الثوري، محل غوتشكوف کوزیر للحرب، وغدا تسيريتلي، القائد المنشفي الأكثر بروزاً في تلك الفترة، والنائب السابق المحكوم عليه بالأشغال الشاقة، غدا وزيرا للبرق والبريد والهاتف. أما تشيرنوف، زعيم الاشتراكيين الثوريين الذي شارك في مؤتمر زمرفالد، فتم تعيينه وزيرا للزراعة، وأصبح سکوبیلیف، تلميذ تروتسكي ومساعده القديم، وزيرا للعمل.

فيه أيار/ مايو، أي غداة وصول تروتسکی، مثل الوزراء الاشتراكيون أمام السوفييت طالبين إليه دعم حكومة التحالف. وحين ظهر تروتسكي، استقبل بتصفيق حار وحياه سکوبیلیف داعيا إياه «المعلم العزيز والمحبوب». وقد طالبه البعض من القاعة بالإدلاء برأيه حول حدث الساعة. وكان القلق بادياً عليه ازاء ذلك الاحتكاك الأول، تحت … الأنظار الفضولية لجماعة من المجهولين والنظرات العدائية من جانب «الاشتراكيين – الخونة». ولما كان متيقظاً فقد تكلم بحذر. بدأ يمجد عظمة الثورة، ووصف التأثير بالغ القوة الذي أحدثته عبر العالم بحيث قزم حدث الساعة إلى حدود حجم متواضع، قال انهم لو استطاعوا أن يروا انعكاسات الثورة في العالم، وأن يقيسوها كما تسنى له أن يفعل حين كان في الخارج، لكانوا فهموا أن روسيا «افتتحت عهداً جديداً، عهد حديد ودم، لا صراعا بين الأمم بل صراع الطبقات البائسة والمضطهدة ضد أسيادها. وقد صدمت تلك الكلمات آذان الوزراء الاشتراكيين الذين التزموا بمواصلة الحرب وبتهدئة «مسعوري» الثورة. وتابع تروتسكي يقول:

“لا أخفي أنني استنكر بشدة ما يحدث هنا، إذ اعتقد أن هذه المشاركة في الحكومة خطيرة … فحكومة التحالف لن تخلصنا من الازدواجية الحالية للسلطة، كل ما ستفعله هو أنها ستنقل هذه الازدواجية الى داخل الوزارة بالذات” كان ذلك هو بالضبط

ما يؤكده البلاشفة: فهم أيضا كانوا يلحون على انقسام السلطة هذا بين السوفييتات والحكومة. وكما لتحاشي جرح الاصدقاء القدامى، خفف تروتسكي من لهجته، التي غدت أكثر تسامحاً، وقال: «لن تموت الثورة من جراء وزارة تحالف. لكن علينا أن نتذكر ثلاث ضرورات جازمة: أن نحذر البورجوازية، أن نراقب قادتنا الخاصين بنا، وألا نعتمد إلا على قوتنا الثورية بالذات … كان يتحدث بصيغة جمع المتكلم «علينا»، «قوتنا» – کما للتماثل، على طريقته، مع رفاقه القدامى. إلا أنه أظهر تصلباً حاسماً بخصوص الموضوعة الاساسية في مداخلته: «اعتقد أن العمل القادم الذي ينبغي أن نبادر اليه هو نقل كل السلطة إلى ايدي السوفييتات. إن سلطة موحدة هي وحدها التي يمكن أن تنقذ روسيا». كانت تلك الكلمات تدوي كشعار للينين. وختم تروتسكي محاجته الطويلة والباهرة وهو يهتف: «عاشت الثورة الروسية، فاتحة الثورة العالمية»، وإذا لم يقع الحضور أجمعين تحت سحر افكاره، فقد فتنهم على الأقل الصدق والبلاغة اللذان عرض بها تلك الأفكار.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: الحرب الأممية ج 7 (55)

‫شاهد أيضًا‬

أفيون الشعب (11)

سيطرة الدخلاء وقد يتساءل البعض كيف تسنّى للدخلاء أن يسيطروا على الحركة، سيطرة جعلتها أداة …