‫الرئيسية‬ نظرية النبي المسلّح: الحرب الأممية ج 7 (55)
نظرية - 2 يناير، 2021

النبي المسلّح: الحرب الأممية ج 7 (55)

الفصل الثامن

رغم أن محيطا وقارة كانا يفصلان تروتسكي عن مسرح الأحداث، ورغم الحيرة التي كانت تسببها له أخبار مشوشة ومتناقضة في الغالب، أدرك بوضوح اي طريق تنخرط فيها بلاده، وصاغ مشكلات الثورة، ولم يتردد في تحديد أولئك الذين كان يرى فيهم الآن أعداء لهذه الثورة، حتى لو كانوا بالأمس أصدقاءه الشخصيين. بقي عليه أن يجيب عن هذا السؤال: أي حزب هو حزب الثورة، أي حزب هو حزبه؟.

بعد أن رسم ببعد نظر ودقة صورة الثورة، أضاف إليها غلالاً من الحلم والخيال. كان يتوله في مداعبة الأمل بأن تنتفض كل البروليتاريا الأوروبية. لم تكن انتفاضة بتروغراد بالنسبة إليه غير مقدمة لانتفاضة معممة في اوروبا، وهذا الأمل كان يحفز كل فكره.
أعطاه أجنحة في صعوده، مثلا سوف يؤدي فقدان ذلك الأمل، فيما بعد، إلى تحطيمه والقضاء عليه. فعبر صفحات نوفيي مير، نری تروتسكي للمرة الأولى – في سلسلة طويلة – في صراع مع الوهم. وقد حاول قبل أن يغادر نيويورك مباشرة أن يرد على بعض الذين كانوا يؤكدون بورع أنه حتى في ظل حكم الامير لفوف لروسيا، ينبغي الدفاع عنها في وجه غزو قوات القيصر(*) Kaisar. أما تروتسكي، فكان مستمراً، حتى في ذلك الحين، في معارضة الحرب، وقد أجاب: تمثل الثورة الروسية خطراً أعظم بكثير، بالنسبة لأل هوهنزلرن، من شهوات روسيا الامبريالية ومطامعها. وكلما أسرعت الثورة أكثر في القاء القناع الشوفيني الذي أجبرها أمثال غوتشكوف ومیلیوکرف على وضعه، كلما أسرع أكثر إلى السفور وجهها البروليتاري الحقيقي، وكلما كان الاستقبال الذي ستلقاه في ألمانيا أكثر حماسة وأكثر حزما، كلها كانت رغبة آل هوهنزلرن في خنق الثورة الروسية أخف، وكانت قدرتهم على ذلك أقل، لأنه سيكون عليهم أن يواجهوا أكثر مشاكلهم المحلية الخاصة بهم.

– لكن ما الذي سيحدث – أجاب المحاور – إذا لم تنتفض البروليتاريا الألمانية؟ ما الذي ستفعلون حينذاك؟.

– انت تفترض إذاً أنه يمكن للثورة ان تتم في روسيا دون أن تتأثر المانيا …؟ لكن هذا أمر بعيد الاحتمال تماما.

– ربما. لكن إذا كانت تلك هي الحال مع ذلك؟.

– بصراحة، لسنا بحاجة أبدأ لتعذيب أنفسنا في دراسة احتمال بهذه الدرجة من الاستبعاد. لقد حولت الحرب أوروبا جمعاء إلى مخزن بارود للثورة الاجتماعية. والبروليتاريا الروسية تلقي الآن مشعلا ملتهب في هذا المخزن. وافتراض أن لا يحصل أي انفجار يساوي الوقوف في وجه قوانين المنطق التاريخي وعلم النفس. أما إذا تم ما هو بعيد الاحتمال، إذا حالت المنظمات المحافظة، والاشتراكية – الوطنية، بين الطبقة العاملة الالمانية والانتفاض ضد طبقتها الحاكمة في مستقبل قریب، لا شك أن الطبقة العاملة الروسية ستدافع عن الثورة حينذاك والسلاح في يدها … وتشهر الحرب على آل هوهنزلرن وتدعو البروليتاريا الألمانية للانتفاض ضد العدو المشترك … سيكون واجبها عندئذ أن تدافع عن الثورة لا عن الوطن، وأن تحمل تلك الثورة إلى بلدان أخرى».
كان يجيب هكذا بالقرب، كلا طرح عليه السؤال: ما الذي سيحدث إذا لم تتم الثورة في المانيا؟ بدا أنه لا يخرج من حلمه إلا ليغوص فيه ثانية، ولا يستبعد أمله إلا ليعانقه من جديد. لم يكن هنالك بالنسبة إليه مستقبل، أو أمل، أو حياة، من دون الثورة الأوروبية.

*   *   *

في السابع والعشرين من آذار / مارس، حضر تروتسکي وعائلته ومجموعة من المهاجرين الأخرين اجتماعا جاء يقول لهم فيه اشتراكيون الوداع بكل اللغات، وفي الغد، أبحروا إلى نيويورك على متن مركب نرويجي يدعى «کریستانيا فجورد». وللمرة الأولى في حياة تروتسكي، كان يسافر بصورة «جديرة بالاحترام». حصل دون صعوبة على كل الوثائق الضرورية، على الترخيص بالدخول إلى روسیا کما على تأشيرة العبور عن طريق انكلترا؛ كان ينتظر رحلة من دون مشکلات. إلا أنه فوجئ كثيرا حين انزلته الشرطة البحرية الانكليزية من المركب بالقوة، هو وعائلته – بعد أن توقف الـ «کریستیانيا فجورد» بتاريخ 3 نیسان / ابريل في هاليفاكس، في اسكوتلندا – الجديدة – وقادته إلى معسكر أسرى حرب المان في أمهرست، ووضعت امرأته وولديه تحت الرقابة الشديدة. وقد منع المهاجرون الروس الأخرون الذين كانوا مسافرين مع تروتسكي من مواصلة رحلتهم. كانوا قد رفضوا كلهم أن يردوا على الضابط الانكليزي الذي سألهم عن افكارهم السياسية وما ينوون فعله في روسيا. فلقد أجاب الروس بأجمعهم أن هذا لا يعني الشرطة البحرية البريطانية.

أرسل تروتسکي من المعسكر برقیات احتجاج إلى الحكومة الروسية وإلى الوزير الأول الانكليزي، إلا أن البرقيات صودرت ولم تصل أبدا إلى المرسلة إليهم. إلا أن هذا الاحتجاز انتهى مع ذلك بإثارة فضيحة سياسية، فطلبت الهيئة التنفيذية المنشفية لسوفييت بتروغراد إطلاق سراح تروتسکی. كان اعلان الهيئة التنفيذية يقول: «ان الديمقراطية الثورية في روسيا تنتظر بفارغ الصبر عودة أبنائها الذين كافحوا من أجل الحرية، وتدعو إلى الاستظلال برایتها كل الذين ناضلوا طيلة حياتهم ليهيئوا اطاحة القيصرية. إلا أن السلطات الانكليزية تسمح مع ذلك لبعض المهاجرين بالعبور وتحتجز بعضهم الأخر … إن الحكومة الانكليزية تقترف هكذا تدخّلاً لا يحتمل في شؤون روسيا الداخلية وتهين الثورة الروسية حين تسرق منها أبناءها الأكثر اخلاصا». تمت اجتماعات الاحتجاج في كل انحاء روسيا، فما كان من میلیوکوف، وزير الخارجية، إلا أن طلب إلى سفير بريطانيا إطلاق سراح تروتسکی. لكنه سحب مطالبته بعد ذلك بيومين، مدركا أنه لا يستطيع أن ينتظر من تروتسكي غير العداء. في غضون ذلك، وفي حين كان مر على احتجاز تروتسکي قرابة شهر، كان هذا يرغي ويزبد ويحتج وينهال بالشتائم على إدارة المعسكر. وكان في أمهرست ۸۰۰ أسير الماني، هم بحارة غواصات تم اغراقها، وقد كلمهم تروتسكي وشرح لهم أفكار زيمرفالد، وحدثهم عن النضال ضد الامبراطور وعن الحرب التي خاضها کارل ليبكخنت في المانيا. وسرعان ما دوى المعسكر بخطبه وما عتم ان أصبح يشبه “اجتماعا سياسية دائماً”. وبناء على طلب الضباط الألمان، حظر قائد المعسكر على تروتسكي التوجه للأسرى. فرد تروتسكي ساخراً: «هكذا إذا يصطف العقيد الانكليزي فوراً إلى جانب الوطنيين الهوهنزلرنيين». وقد وقع أكثر من 500 بحار احتجاجاً ضد هذا الحظر. وفي الأخير، وبعد الكثير من الأعمال الرعناء والدسائس من جانب الحكم الجديد اضطر ميليوكوف لأن يجدد طلبه إلى سفارة بريطانيا العظمى. وفي ۲۹ نیسان / ابريل غادر تروتسكي امهرست، تصحبه حتى ابواب المعسكر هتافات البحارة الألمان، بينما كانت تعزف النشيد الأممي أوركسترا مرتجلة.

بعد رحلة في البحر دامت ما يقرب من ثلاثة أسابيع، وصل تروتسكي في 17 أيار / مايو (4 أيار / مايو وفقا للتقويم الروسي) إلى فنلندا، واستقل القطار باتجاه بتروغراد. وفي القطار ذاته والمقصورة ذاتها اللذين كان فيها كان يسافر فاندرفلد، رئيس الأممية الثانية، ودومان، وهو اشتراكي بلجيكي مرموق آخر، وكانا ينويان أن يبثا روحا محاربة ووطنية في رفاقهم الروس. وقد قدم تروتسكي وفاندرفلد روايتين مختلفتين عن هذا اللقاء حيث زعم الأول أنه رفض الكلام مع اشتراكيين وطنيين، بينما قال الثاني إن الحديث كان طويلا، ولبقاً، ولكن غير ودي. ومهما يكن، فالأمميتان الثانية والثالثة، مع كل ما كان يفصل بينهما، سافرتا معا طوال ساعات في مقصورة قطار حديدي.

عند الحدود الروسية، كان قد أتى وفد من أمميي بطرسبورغ يستقبل تروتسكي. وقد أرادت اللجنة المركزية البلشفية هي الأخرى أن تحييه، لكن مع بعض التحفظ: لم يكن المندوب البلشفي الذي أتى إلى الحدود أحد قادة الحزب المعروفين. وفي بتروغراد، استقبل جمهور يحمل الرايات الحمراء تروتسكي لدى نزوله من القطار وحمله على الأكتاف. وللحال شرع تروتسكي يخطب في الجمهور، ودعاه للقيام بثورة جديدة.

____________

(*) المقصود هنا امبراطور المانيا، المشار اليه بكلمة Kaistar تمييزا عن كلمة Tsar التي تشير الى القيصر الروسي (م).

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: الحرب الأممية ج 6 (54)

‫شاهد أيضًا‬

أفيون الشعب (11)

سيطرة الدخلاء وقد يتساءل البعض كيف تسنّى للدخلاء أن يسيطروا على الحركة، سيطرة جعلتها أداة …