‫الرئيسية‬ نظرية أفيون الشعب (2)
نظرية - 29 ديسمبر، 2020

أفيون الشعب (2)

أصنام وأشباح

أما الأفيون الذي حاربته وسأظل أحاربه إلى أن يسكتني صمت القبر، إن كان لصمت القبر أن يُسكت الكلمة المكتوبة فيخنق معناها الحي في نفوس قرئيها -وقد كتبت فقرأ لي الناس، وسأكتب وسيقرأ لي الناس- أو يُخرس الكلمة المنطوقة فيقتل فكرتها النابضة في قلوب المستمعين إليها -وقد تحدثت فاستمع إليّ الناس، وسأتحدث وسيستمع إليّ الناس- فهو تلك الأصنام التي وقفت ولا تزال تقف عقبة كأداء في سبيل تحرّر الفرد وتحرّر المجتمع، فتعوق الفرد وتعوق المجتمع في وقت معاً عن الحركة والنمو، محاولة أن توقف عجلة التاريخ عن الدوران، بل وإذا تديرها إن استطاعت إلى الواء، متخطية قوانين الحركة الخالقة الصاعدة، التي هي من النواميس الطبيعية الأولى. هو تلك المناطق المحرّمة التي لُقّنا تحريمها منذ الصغر، فشبّ معظمنا والتسبيح بحمدها ركن حصين في نفوسه الباطنة، وبلغ البعض المستبد منّا طور الرجولة وهو على إيمان راسخ بأن خرقها جريمة لا تغتفر، بل وجريمة عليه أن يقومها بالقوة. وما أسهل أن “تتحرج” الأمور، وما أسهل ما “تدعو” إلى استعمال القوة!
والأصنام أشباح!
أشباح تطالع الإنسان -منذ ولادته- أنّى سكن، وأنّى اتجه: تطالعه -على صدر الأم- في لبن الرضاع: في “الكخ” مقرونة بصفعة، و”الدح” مقرونة بقبلة؛ وتطالعه -وهو طفل- من فم الأب- الممثل الهزلي لدور الرّب- ينهى ويأمر، و”يشخط” و”ينطر”؛ وتطالعه -وهو تلميذ- من فم المعلم يلقّنه الوصايا.
والوصايا عفاريت!
عفاريت تطل برؤوسها من كل مكان تظهر فيه العفاريت: من بين أشهر الصحف، وسطور الكتب؛ من أفواه الخطباء التقليديين، وألسنة الزعماء المزيّفين، الذين جعلوا من التطفل على الشعب صناعة رئيسية لهم؛ من لوحات الصور المتحركة، والصابون الذي اتّفق الزعماء على أنه خير صابون!
الأصنام أشباح، والوصايا عفاريت!
والأصنام والأشباح أبواق: أبواق للحكمة المفتعلة، تلفظ الوصايا من جوفها العجيب -دون انقطاع- كأنما هي آلة أوتوماتية، لا تمل، ولا تكل. فالوصايا العشر لا تكفي -لا بد من مائة وصية ووصية؛ والوصايا المائة لا تكفي -لا بد من ألف وصية ووصية؛ والوصايا الألف لا تكفي- لا بد من مليون وصية ووصية!
والفرد -والفرد “مسكين”- هو الضحية الدائمة لهذا الكبت المستمر المرهق. والبت يقتل الفكر الحر، ويخنق الشخصية المستقلة، ويضع الأسوار المنيعة حول عقول الناس، ويحاصر رغباتهم الجياشة بطائفة مدرّبة من عساكر “المرور”، تركل الأفكار “الشاردة” بكعوب أحذيتها السميكة، وتخلع أكتافها ببطون بنادقها الغليظة، حتى لا تجرؤ على “الشرود”.
والرغبات -إذا توالى عليها الكبت- إما أن تُنفّس عن نفسها بالهستيريا، وإما أن تدفع صاحبها إلى إحداث التغيير المعقول. والهستيريا قد تصيب الفرد، فينطح الصخر برأسه؛ وقد تصيب الجماعات، فتقلب عربات الترام، وتحطم فوانيس الحكومة. وقد تجنّبت الهستيريا، واخترت الدعوة إلى إحداث التغيير المعقول.

يمكن مراجعة الفصل السابق من خلال الرابط التالي:

 

أفيون الشعب (1)

‫شاهد أيضًا‬

أفيون الشعب (11)

سيطرة الدخلاء وقد يتساءل البعض كيف تسنّى للدخلاء أن يسيطروا على الحركة، سيطرة جعلتها أداة …