‫الرئيسية‬ نظرية النبي المسلّح: الحرب الأممية ج 6 (54)
نظرية - 27 ديسمبر، 2020

النبي المسلّح: الحرب الأممية ج 6 (54)

الفصل الثامن

دخل تروتسكي إلى اسبانيا، آملا أن ينتقل من هناك إلى ايطاليا وسويسرا؛ وقد حاول أصدقاؤه الإيطاليون، مرة أخرى، أن يحصلوا له على تأشيرة. إلا أن الشرطة الفرنسية التي أجبرته على اجتياز الحدود الاسبانية حذرت الشرطة الاسبانية، في الوقت ذاته، من أن «فوضوية خطيرة» يدخل البلاد. وقد بقي تروتسكي يوما في سان سيباستيان حيث تمكن من أن يتأمل في غرفته داخل الفندق، بسخرية كئيبة، لوحة معلقة فوق سريره تمثل موت الخاطئ. ثم مضى إلى مدريد حيث انتظر طيلة عشرة أيام اخبار من ايطاليا، أمضى وقته يختلط بالجمهور المرح والصاخب، ويتردد على المعارض، ويدون الملاحظات. لم يكن يعرف الاسبانية، كما لم يكن يعرف أي شخص في مدريد، ما عدا اشتراكية فرنسية كان يدير هناك الفرع الاسباني لشركة تأمين فرنسية. وفي السابع من تشرين الثاني / نوفمبر (بعد هذا التاريخ بعام واحد، لا أكثر ولا أقل، سيقود الانتفاضة البلشفية) مضى إلى متحف برادو ودون على دفتر صغير بعض التأملات حول «العنصر الخالد» في الرسم الكلاسيكي الاسباني، الذي يتناقض مع السحر الأقل فخامة، لكن الأكثر حمامة ورهافة، الذي يتميز به الانطباعيون الفرنسيون.

بعد ذلك بيومين، تعرف إليه عميل للشرطة وأوقفه، فيما كان يحضر حفلة رياضية. ومخافة أن تضعه الشرطة الإسبانية بالقوة على مركب متجه إلى روسيا، بعث برسائل احتجاج وبرقيات ذات اليمين وذات اليسار. وفي رسالة إلى وزير الداخلية الاسباني، استخدم لهجته وسخريته المشهورتين ليحتج قائلا انه لا يعرف الاسبانية، ولم يقابله مواطناً اسبانياً واحداً، ولم ينشر مذ دخل البلاد سطر واحد، مقتصراً على زيارة المتاحف والكنائس. أما المبرر الوحيد لتوقيفه، الذي أعطاه إياه قائد شرطة مدريد، فهو أن «أفكاره متقدمة بعض الشيء بالنسبة لإسبانيا». وقد شرعت الصحافة الجمهورية والاشتراكية تطالب بإطلاق سراحه. ولم تمر ثلاثة ايام حتى تلقى الأمر بالذهاب إلى کادیکس تحت الحراسة. هنالك ترك ينتظر بحرية، لكن تحت رقابة بوليسية لطيفة وشبه مضحكة، وصول أول مركب يتيح له مغادرة البلاد.

أمضى تروتسکی ستة أسابيع في کادیکس، قاصفاً الحكومة الاسبانية بالاحتجاجات وقاتلاً الوقت بصحبة شرطي في مكتبة قديمة حيث، وسط صمت «يسمع معه المرء الديدان تلتهم أوراق الكتب» كان يغوص في كتب قديمة فرنسية وانكليزية، ويدون ملاحظات، ويعيد نسخ استشهادات حول الثورات والثورات المضادة الاسبانية وانعكاساتها على سباقات الثيران، ويدون ملاحظات ايضا حول اخفاقات الليبرالية الاسبانية ودسائس القوى العظمى في شبه الجزيرة. وفي الأخير، رسا في المرفأ مركب متجه إلى كوبا، فرفض الصعود اليه. وبعد احتجاجات جديدة وبعض لحظات القلق سمح له بأن ينتظر وصول مرکب ذاهب إلى الولايات المتحدة. أما أصدقاؤه الايطاليون فكتبوا اليه آنذاك بأنهم يأملون الحصول في وقت غير بعيد على تأشيرتين إلى ايطاليا وسويسرا. وقد لاحظ تروتسكي: «في حين أصبحت في کادیکس، تعرض أوروبا بكاملها استضافتي». وفي ۲۰ كانون الأول / ديسمبر، حصل على رخصة للمضي إلى برشلونة، بحراسة الشرطة، للانضمام إلى امرأته وولديه الذين وصلوا من باريس. ومن برشلونة، أبحر مع عائلته على متن باخرة اسبانية قديمة، مزدحمة بهاربين اغنياء وبـ «غير مرغوب فيهم» لا موارد لديهم من كل بلدان أوروبا. وقد كان علم المركب الحيادي يحميه على الأقل من الغواصات الألمانية. وفي اليوم الأخير من العام، عبر المركب مضيق جبل طارق.

کتب تروتسكي إلى الفرد روسمر: «انها المرة الأخيرة التي ألقي فيها نظرة على اوروبا القديمة السافلة هذه».

*    *    *

في صباح يوم أحد، بارد ومطر، واقع في 13 كانون الثاني/ يناير ۱۹۱۷، نزل تروتسكي في مرفأ نيويورك. وقد اعدت جالية الاشتراكيين الروس استقبالا حماسية لمؤلف بیان زیرفالد، الذي قوبل بالهتافات الطويلة والتهاني.

كان لتروتسكي «مظهر تائه». لقد شاخ وكان التعب بادياً على وجهه، حسبما يقول الشيوعي الروسي – الأميركي م. أولجين، الذي كان زاره في فيينا، قبل خمس سنوات. «كان حديثه يدور حول انهيار الاشتراكية الأممية». كان ذلك ايضا موضوع المحاضرات، التي ألقاها بعد وصوله بوقت قصير بحضور الاشتراكيين الروس، والفنلنديين، والليتوانين، والألمان واليهود في نيويورك وفيلادلفيا، ومدن أخرى.

وقد استقر مع عائلته في مسكن (استأجره بـ ۱۸ دولار في الشهر) في برونکس، شارع 164. كانت الشقة الرخيصة تقدم لآل تروتسکی رفاها لم يعتادوه من قبل: للمرة الأولى في حياة قائد الثورة لاحقا يكون تحت تصرفه جهاز هاتف. ولقد وصف العديد من الكتاب الأميركيين بصورة مفعمة بالخيال حياة تروتسكي في نيويورك: فأحدهم جعل منه خياطاً جائعاً، وآخر غاسل أوان في أحد المطاعم، وآخر ممثلا سينمائياً. وقد كذب تروتسكي تلك الروايات، وليس في ذكريات أناس مثل زيف وأولجين، اللذين كانا جد قريبين من تروتسكي، أي أساس لتأكيدات من هذا النوع، فتروتسکي کسب معیشته كصحفي وكمحاضر.

كان المهاجرون الروس ينشرون في نيويورك جريدة باسم نوفيي مير (العالم الجديد)، بإدارة بوخارین وكولونتاي وفولودارسكي. وعلى الفور غدا تروتسكي دعامة الجريدة، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يعمل فيها بارتباط وثيق بحلقة بلشفية. كان بوخارين يقيم في فيينا حين كان تروتسكي يدير فيها جريدته البرافدا، إلا أن حدة الصراع بين الجناحين باعدت بينهما. أما الآن فكانا يرتبطان معا بصداقة، لن تفسد إلا بعد ثماني سنوات من ذلك التاريخ – وبصورة غير كاملة في كل حال – حين سيغدو بوخارین شریکا الستالين. أما كولونتاي، المنشفية القديمة، فكانت قد اصبحت من اكثر انصار لينين تعصبا، وكان فولودارسكي، الروسي – الأميركي الذي يقدم نفسه ك «عامل اميركي من حيث الأصل ونمط الحياة»، منجذبا كلياً إلى البلشفية؛ وسوف يحمل بعض الدينامية وحس التنظيم الأميركي الى الثورة البلشفية. واذا لم يكن تروتسكي قد تماثل يومذاك مع الحزب البلشفي، فقد تماثل على الأقل، مع تلك المجموعة.

خلال اقامة تروتسكي في الولايات المتحدة التي دامت اكثر بقليل من شهرين، لم تتسنّ له فرصة التآلف مع الحياة الأميركية، وقد تمكن فقط – كما يقول هو ذاته – من القاء “نظرة خاطفة على داخل محل الحدادة الذي سيهيأ فيه مستقبل البشرية”. أدهشته نيويورك وأذهلته الاحصائيات التي تثبت أن الثروة الأميركية حققت تقدما سريعا منذ بداية الحرب. إلا أن روحه وقلبه بقيا بجانب «أوروبا القديمة السافلة» تلك. وقد قال خلال احد الاجتماعات: «ثمة واقع يتمثل في أن حياة اوروبا الاقتصادية قد اهتزت حتى الاعماق، بينما تثري أميركا. في الوقت الذي أتأمل فيه نیویورك بغيرة، أتساءل أنا الذي ما انفككت أحس بنفسي أوروبياً، أتساءل بقلق شديد: هل ستتمكن أوروبا من الوقوف على قدميها؟ هل هذا هو انحطاطها وهل ستغدو شيئا آخر غير مقبرة جميلة؟ هل سيغدو مركز الثقل الاقتصادي والثقافي في العالم أميركية؟».

انطلاقا من تلك الفترة، وطيلة ما بقي من حياة تروتسکی، سيحلم بالاسهام العظيم والفريد الذي يمكن للولايات المتحدة أن تحمله الى الماركسية والاشتراكية، اسهام يفوق من حيث الأهمية والقدرة ذلك الذي قدمته للرأسمالية. لكن المجموعات الاشتراكية الأميركية بدت له في تلك الفترة ضيقة، وخائفة، ورعوية بشكل مضحك، تقودها تشكيلة اشتراكية غريبة «تضيف الى نشاطاتها التجارية خلال الاسبوع تأملات ربانية واهنة حول مستقبل البشرية». وقد رأی تروتسكي في هیلکیت، أحد قيادييها، «هذا المثل الأعلى للقائد الاشتراكي لأطباء أسنان أعمالهم مزدهرة». ولم يستثن غير أوجين ديبس، الرائد والشهيد، الذي احس فيه، رغم فقر مارکسیته، بـ «النار التي لا تنطفئ للمثالية الاشتراكية … في كل مرة كنا نلتقي فيها، كان يشدني بين ذراعيه ويعانقني».

في الاسبوعين الأولين من آذار / مارس وصلت الأخبار الأولى، المشوشة في كل حال، حول «اضطرابات» في العاصمة الروسية؛ وبسبب انقطاع في الاتصالات، لم تكن برقيات الوكالات تتكلم بعد إلا على «هیاجات شعبية ناجمة عن الجوع». لكن منذ ۱۳ آذار / مارس، كتب تروتسكي في نوفيي مير: «نحن ازاء بداية ثورة ثانية في روسيا. فلنأمل أن يشارك فيها كثيرون من بيننا». استولت على الجالية الروسية إثارة محمومة، وتتالت الاجتماعات. وكتب زيف، الذي غدا منشفياً واشتراكياً وطنياً: «في كل تلك الاجتماعات، كان حديث تروتسكي هو الحدث المنتظر واللحظة المهمة. كانت تتأخر أحيانا عدة ساعات لأنه على تروتسكي أن يتكلم في عدة اجتماعات في الوقت ذاته … إلا ان الجمهور كان ينتظره بصبر، متعطشا لسماع الكلمات التي توضح الأحداث الجارية في روسيا». ويروي زيف، بغضب، أن تروتسكي هاجم منذ البدء حكومة الأمير الفوف المؤقتة التي تشكلت قبل قليل. فهو قد صاح: «أليس من المخجل أن يكون وزیر خارجية الثورة هو هذا الميليوكوف الذي وصف العلم الأحمر بالخرقة الحمراء، وأن يكون وزير الحربية هو هذا الغوتشكوف الذي تذلل أمام ستوليبين؟ ان کيرنسكي، الرجل اليساري الوحيد في هذه الحكومة، ليس أكثر من رهينة». وكان أصدقاء زيف يتساءلون: «ما الذي حدث لتروتسكي؟ ما الذي يريده؟».

يجب العودة الى مقالات نوفيي مير لنفهم كيف استقبل تروتسكي الثورة وما كان ينتظره منها. خلال الخمسة عشر يوما التي انصرمت بين الأخبار الأولى عن «هیاجات الجوع» في بتروغراد ورحيل تروتسكي من نيويورك، صاغ هذا بوضوح وبشكل كامل تلك الأفكار الرئيسية التي سيفصلها خلال العام. فحين عرف تروتسکي ممن تتألف حكومة الأمير لفوف، وحين اشترطت تلك الحكومة عودة النظام، كتب تروتسكي: «أن جرف الثورة القوي بدأ بالاهتزاز، ولن تستطيع قوة بشرية أن توقفه». كان الليبراليون يخافون أن تسحقهم الحركة الشعبية التي حملتهم إلى السلطة، لذا كانوا يسعون لإيقاف الثورة، «کما لو كانت مكنستها الحديدية، قد أكملت تنظيف كل الزبل الرجعي الذي تراکم طوال قرون»، حول عرش القيصر. «الأمة تنهض اليوم بكاملها، شريحة بعد شريحة، كل اولئك الذين جرى اضطهادهم وحرمانهم وخداعهم … وعلى رأس الجماهير الشعبية في روسيا، ستكمل البروليتاريا الثورية رسالتها التاريخية، ستطرد الرجعية الملكية من كل الزوايا التي تحاول الاختباء فيها، وستمدّ يدها لبروليتاريا المانيا واوروبا جمعاء. ينبغي عدم الاكتفاء بتصفية القيصرية، بل تصفية الحرب ذاتها ايضا».

وقد اتهم الحكومة الأولى للثورة بكونها استعادت لحسابها امبريالية القيصر ومطامعه في البلقان والدردنيل، وحيا بأمل ولادة سوفييت بتروغراد الذي كان يرى فيه الحكومة المعدة لتفرض نفسها على الادارة القديمة، التي كانت الآن بين يدي الكادیت الديمقراطيين – الدستوريين (*). وحين بدا واضحا أن السوفييت، بقيادة المناشفة ورئاسة شخیدزه، قدم دعمه لحكومة الأمير لفوف وساند سياسته الخارجية، هاجم تروتسکي بعنف تشخیدزه الذي كان قد دافع عنه منذ وقت غير بعيد في وجه انتقادات البلاشفة، وکیرنسکي، هذا «الحقوقي الشاب من ساراتوف … الذي لا يزن كثيرا في ميزان الثورة». وقد تذرع المناشفة والاشتراكيون الثوريون بوطنية الفلاحين ليبرروا قبولهم بالحرب. ولكن تروتسكي أجابهم قائلا إن ما يهم حقا انما هو تعطش الفلاحين للأرض، لا وطنيتهم المزعومة. فالقيصرية والأرستقراطية الأرضية والبورجوازية فعلت كل ما في وسعها لحرف الفلاحين عن الثورة الزراعية وجعلهم يهتمون بالحرب الامبريالية، ومن واجب الاشتراكيين افهام الفلاحين أن المشكلة الحقيقية هي الثورة الزراعية، لا الحرب، أرض السادة لا القسطنطينية، هذا ما ينبغي أن يقوله الجندي – البروليتاري للجندي – الفلاح. وفي دراسة نشرت في زوکونفت، وهي نشرة دورية اشتراكية اميركية – يهودية، أوضح تروتسكي فكرته هذه بقوله: «سوف تنتفض الجماهير الفلاحية في القرى، ومن دون أن تنتظر قرارا من الجمعية التأسيسية، ستشرع تطرد المالكين الكبار من أراضيهم، وكل الجهود لوضع حد للحرب الطبقية … ستكون بلا جدوى. ليس ثمة غير الجهلة يفكرون أن الثوريين هم الذين يصنعون الثورة، وان في وسعهم ايقافها حين يشاؤون».

________
(*) كان حزب الكاديت هذا يمثل مصالح البرجوازية(م).

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: الحرب الأممية ج 5 (53)

‫شاهد أيضًا‬

أفيون الشعب (11)

سيطرة الدخلاء وقد يتساءل البعض كيف تسنّى للدخلاء أن يسيطروا على الحركة، سيطرة جعلتها أداة …