‫الرئيسية‬ نظرية النبي المسلّح: الحرب الأممية ج 5 (53)
نظرية - 25 ديسمبر، 2020

النبي المسلّح: الحرب الأممية ج 5 (53)

الفصل الثامن

خضع تروتسکي لهذه التأثيرات المختلفة بصورة واضحة للغاية. إن الكره الذي كان يمكن لرجل كمانويلسكي أن يشعر به تجاه «العصبوية» والجانب الروسي بشكل خاص في البلشفية كان أقوى بكثير لدى تروتسكي. إلا أنه كان ينادي، هو الآخر، بتعاون وثيق مع «مجموعات اللينينيين النشيطة جدا والمؤثرة جدا»، مع أنه كان لا يزال يخاف أن يبقى وجها لوجه معها. وحين قرر أن يجعل من التقارب مع البلاشفة مبدأ لسياسة الجريدة، استقال مارتوف من ناشي سلوفو، بعد الكثير من التحذيرات والتحذيرات المضادة، ممتلئة بالضغينة. وهكذا انتهت صداقة قديمة أخرى، في الوقت الذي كان تروتسکي يخطو فيه خطوة جديدة باتجاه لينين والأممية الثالثة.

إلا أنه لا تروتسكي، ولا حتى لينين، كانا قد قررا قطع العلاقة بالأممية الثانية، فورا وللأبد. وفي ربيع ۱۹۱۹، وبعد أن ذعر قادة هذه الأخيرة من رد الفعل الذي أحدثته حركة زيمرفالد، عقدوا في الأخير اجتماعا في لاهاي لمكتب الأممية. وقد طلب لوزوفسكي إلى الاشتراكيين، عبر صفحات ناشي سلوفو، أن يقاطعوا المؤتمر التداولي أو ألا يحضروه إلا ليعلنوا عالياً أنهم ينسحبون من منظمة ما قبل الحرب. وفي إجابة بالغة الأهمية بالنسبة لمؤرخ الأممية الثالثة، اقترح تروتسكي موقفا أكثر حذراً: «من الممكن أن نكون، نحن اليسار، قادرين، على مقاطعة مؤتمر لاهاي التداولي إذا كانت الجماهير تدعمنا. يمكننا حينذاك ألا نذهب إلا للتظاهر … كما ينصحنا لوزوفسكي بأن نفعل، حاكم مسبقا على القضية، ومن دون أن يقدم لنا امكانية أخرى. لكن من الممكن أيضا أن تجبرنا مواقف الحركة العمالية لفترة من الزمن على أن نكون يسار أمميتهم (الثانية)». وأعاد إلى الأذهان أن حركة زيمرفالد لم تظهر كمحاولة صريحة لخلق أممية جديدة. ان موقف تروتسكي في هذا الموضوع كان موقف لينين لكن بصورة أقل جزماً. وفي نهاية نيسان / ابريل ۱۹۱۹، جذب لينين خلفه المؤتمر التداولي الثاني لحركة زيمرفالد الذي انعقد في كپینتال في سويسرا. ولم يستطع تروتسكي حضوره لأن السلطات الفرنسية منعته هذه المرة من اجتياز الحدود، ورغم أنف الرقابة الصارمة، أعلن في ناشي سلوفو عن تضامنه مع من كانوا في كپینتال وعن تأييده لقراراتهم.

كانت مسائل أكثر أهمية لا تزال تفصل تروتسكي عن لينين. كان هنالك قبل كل شيء مشكلة الانهزامية الثورية، فقد كتب تروتسكي: «لا تكسب الثورة شيئا من مراكمة أكبر للهزائم»، فيما كان يؤكد لينين أن هزيمة عسكرية تنزل بروسيا تسهل الثورة. وللوهلة الأولى، يتعلق الأمر بأطروحات متعارضة جذريا ولا يمكن المصالحة فيما بينها؛ هكذا يصور المؤرخون الستالينيون الموضوع. وفي الواقع أن الخلاف لم يكن سياسيا، بل كان يتناول طريقة الدعارة. فلينين وتروتسكي كانا ينصحان الاشتراكيين بتحويل الحرب إلى ثورة، وبنشر أفكارهم ومفاهيمهم في صفوف العمال والجيش، حتى لو أدى ذلك إلى إضعاف بلادهم عسكرياً. وكانا يعتبران معا أن الخوف من الهزيمة القومية ينبغي ألا يحرف الاشتراكيين عن واجبهم. ورغم الاصرار الاستفزازي الذي كان يتكلم به لينين على الانهزامية، فهو لم يكن يطالب المناضلين بأن ينخرطوا في أعمال انهزامية بوجه الدقة أو بأن يشجعوا الآخرين على القيام بتلك الأعمال، من مثل التخريب والفرار من الجيش؛ كان يشرح فقط أن من واجب الاشتراكيين الروس المقدس أن يقوموا بالتحريض الثوري، حتى لو انطوى هذا التحريض على خطر اضعاف قوة روسيا العسكرية، وذلك بأمل أن يفعل الثوريون الألمان الأمر ذاته، بحيث تسقط كل الحكومات الامبريالية في نهاية المطاف تحت ضربات الأمميين مجتمعة. إن هزيمة أحد البلدان لن تكون هكذا غير حادث عرضي في مسيرة الثورة من بلد إلى آخر. أما تروتسكي، ومعه عدد كبير من أنصار لينين بالذات، فكانوا يرفضون أن يربطوا نجاح الثورة بالهزيمة هذا الربط الحصري. فكان تروتسكي يقول إنه تكفي المناداة بالثورة وأعدادها دون حسبان الوضع العسكري؛ وكان للموقفين، من وجهتي نظر المدافعين عنها، منافعها ومساوئها. فقد كانت لا – انهزامية تروتسكي تتميز بكونها لا تعرض الأمميين مسبقا للاتهام بتقديم الدعم والمساعدة للعدو. أما موقف لينين فرغم المساوئ التكتيكية كان يسمح بشكل أفضل بتحصين الأميين ضد الوطنية المحاربة، وبوضع حاجز منیع بينها وبين خصومها. وفي عام ۱۹۱۷ كان هذان الشكلان المتباينان من النضال ضد الحرب يتعايشان في سياسة الحزب البلشفي دون إحداث خصومة أو خلاف.

وكانت الولايات المتحدة الأوروبية تشكل موضوع تباین آخر. هذه الولايات المتحدة الأوروبية، التي اعتبرت فيما بعد تروتسكية من حيث الجوهر، أدخلها لينين في اطروحاته الخاصة حول سياسة الحرب الاشتراكية منذ أيلول / سبتمبر ۱۹۱۹. كانت ترمز إلى أمل لينين وتروتسكي الذي لا يتزعزع بأن تهز الثورة البروليتارية أوروبا جمعاء في نهاية الحرب. إلا أن لينين كان يصوغ اعتراضات مما يخص الطريقة التي كان يدافع بها تروتسكي عن وجهة نظره، لأنه بدا في احدى اللحظات ان تروتسکي يوحي بأن الثورة لن تتمكن من الاندلاع في روسيا، إلا إذا تلازمت مع هزة اوروبية شاملة. وكان لينين يقول أن موقفا كهذا يمكن أن يقود إلى الطمأنينة (*) ويدفع اشتراکیي أي بلد إلى أن ينتظروا بهدوء أن يبدأ الآخرون. ومن جهة أخرى، فهو لم يكن يستبعد الوهم المسالم القائل بأنه يمكن للولايات المتحدة الأوروبية أن تقوم على قاعدة غير اشتراكية، أي على قاعدة رأسمالية. كان يقول لينين أن باستطاعة الثورة أن تنتصر في روسيا قبل أن يتحرك سائر اوروبا، لأن «التطور الاقتصادي والسياسي غير المتساوي قانون محتم من قوانين الرأسمالية». وقد تعرض تروتسکی لهذا النقد حين اندفع وراء الرؤيا الرائعة لقارة اشتراكية موحدة فزعم أن الحرب «بتحطيمها الدولة القومية ستدمر كذلك القاعدة القومية للثورة». فاذا نظرنا إلى الفحوى العامة لاستدلال تروتسكي يبدو التفسير الذي أعطاه لينين للكلمات المستشهد بها عندئذ غير سليم، لأن تروتسكي ما انفك يؤكد أن الثورة الروسية ستكون الأولى التي ستنتصر، وستحفز ثورات جديدة في كل مكان.

رد تروتسکی على لينين بالطريقة الأتية: “ليس على أي بلد أن ينتظر بكسل، من أجل خوض النضال، أن يكون ابتدأ الآخرون. إنها حقيقة أولية من المفيد تردادها … علينا خوض النضال على أرضنا القومية، من دون انتظار الآخرين، متأكدين من أن مبادرتنا ستكون مهمازاً للبلدان الأخری”. وكان تروتسكي يواصل محاجته بتحليل ينطوي على بذور خصومة، لا مع لينين بل مع خليفته، وهو يقول: صحيح أن الرأسمالية تطورت بصورة «غير متساوية». وهذا هو السبب في أن الثورة لن تنتصر في البدء إلا في بلد واحد، إلا أن «لا تكافؤ التطور هو بحد ذاته غير متكافئ». إن بعض البلدان الأوروبية أكثر تقدما من الناحيتين الاقتصادية والثقافية من بلدان أخرى، إلا أن أوروبا، منظوراً إليها بمجملها، هي أكثر تقدما من افريقيا أو آسيا، وأكثر نضجا بالنسبة لثورة اشتراكية. ليس ضرورياً، بالتالي، تصور أن الثورة ستبقى معزولة، بشكل دائم أو خلال زمن طويل، في بلد واحد. ليس ثمة إذا حاجة للوقوع في در مسیانية (*) ثورية قومية تجعلنا نعتبر دولتنا القومية الخاصة بنا كالمسيح المعد لقيادة البشرية إلى الاشتراكية. إذا كان بإمكاننا أن نتصور حقا أن ثورة اجتماعية تنتصر داخل بلد واحد، فسيكون اذاك للموقف المسياني … تبريره التاريخي النسبي. “إن النضال للحفاظ على القاعدة القومية للثورة الاجتماعية بطرائق تهدد بتحطيم تضامن البروليتاريا الأممي، انما يعني تهديم أسس الثورة بالذات. على الثورة أن تبدأ على قاعدة قومية، لكن إذا أخذنا بالاعتبار التداخل الاقتصادي والسياسي – العسكري للدول الأوروبية، فهذه الثورة لا يمكن أن تنجز على هذه القاعدة”.
لم يصغ لينين اعتراضا على هذا الكلام. أما ما يسترعي انتباهنا الآن لدى تروتسکی فإنما هو حدسه، المعبر عنه بصورة سلبية، في الـ «مسيانية الثورية القومية” التي تجعل أمة تعتبر نفسها «کالمسيح المعد لقيادة البشرية إلى الاشتراكية». هذه المسيانية، سيصبح ستالين في سنواته الأخيرة هو المعبر عنها(1).

*  *  *

كان تروتسكي قد أمضى في باريس حوالي سنتين حين حظرت الشرطة الفرنسية ناشي سلوفو في 15 أيلول / سبتمبر 1916. وفي صباح اليوم التالي تلقی تروتسكي الأمر بمغادرة البلاد، فاحتج النواب الاشتراكيون لدى رئيس المجلس؛ أريستيد بريان، وجرى تأجيل تطبيق قرار الطرد. ومن الناحية القانونية، لم يكن هنالك أي سبب مبرر للطرد، فناشي سلوفو لم تتمكن من أن تقول أكثر مما سمحت به الرقابة، وإذا كان تروتسكي هاجم في الغالب الرقابة وسخر منها، إلا أنه كان ينصاع بدقة لمتطلباتها. والحكومة الفرنسية لم تستهول علاقات تروتسكي بالمجموعات الصغيرة الفرنسية المعادية للعسكرية. إلا أن سفارة روسيا حاكت الدسائس ضد الثوريين المهاجرين، وانصاع الفرنسيون لرغبات حلفائهم، طوعا أو كرها. وسهلت الصدفة مخططات السفارة الروسية. فقد حدث تمرد بين الجنود الروس الذين نزلوا في مرسيليا، تسبب به جزئيا عميل سري للشرطة الروسية. وادعت السفارة أن المتمردين تأثروا بناشي سلوفر، فخاف تروتسكي أن يتم تسليمه للسلطات الروسية. وخلال ستة أسابيع حاول عبثا أن يحصل على تأشيرة إلى سويسرا أو إلى ايطاليا، أو على ترخيص بالذهاب إلى اسكندينافيا تعطيه المراجع الانكليزية. وفي نهاية المطاف، في 30 تشرين الأول / اوکتوبر، جاء مفتشان واصطحباه إلى الحدود الاسبانية.

قبل طرده، وجه «رسالة مفتوحة» إلى جول غيسد، رائد الماركسية الفرنسية الذي أصبح وزيرا للحرب، يقول فيها: «هل يمكن لاشتراكي شريف أن يمتنع عن النضال ضدكم؟ وفي عصر کشف فيه المجتمع البورجوازي الذي كنت، في الماضي، أنت جول غيسد، عدوه اللدود، کشف القناع كليا عن أسسه وطبيعته، جعلت من الحزب الاشتراكي جوقة مطيعة لنداءات رؤساء زمر اللصوصية الرأسمالية.. إن اشتراكية بابوف، وسان سيمون، وفوربيه، وبلانكي، اشتراكية الكومونة، وجوريس، وجول غيسد، نعم جول غيسد أيضا، وقعت أخيرا على البر توماس يخصها من أجل مفاوضة القيصر حول أوثق وسيلة للاستيلاء على القسطنطينية … انزل من سيارتك العسكرية يا جول غيسد، واخرج من القفص الذي سجنتك فيه الدولة الرأسمالية، والق نظرة حولك. ربما يشفق القدر، لمرة تكون الأخيرة، على بؤس آخرتك، ربما ستسمع الضجة المخنوقة للأحداث التي تقترب. إننا ننتظرها، إننا نناديها، إننا نعد العدة لها».

______________

(*) اعتقاد يرى أن مسيحاً شخصياً سيأتي ليحرر الناس من الخطيئة ويقيم مملكة الله على الأرض (م).
(1) كان تروتسكي يفترض، بالطبع، أن فرضية الولايات المتحدة الأوروبية الرأسمالية طوباوية. وقد كتب أن الامبريالية الالمانية تجتهد لتوحيد القارة القديمة تحت سيطرتها، لكن حتى لو توصلت لذلك، لن تكون نجحت إلا في أن تولد نظام تحالفات عسكرية قسرية ووحدة جمركية، «تحريفا ساخراً لولايات متحدة أوروبية، كتبته العسكرية الألمانية بحد السيف». أن ثورة اشتراكية هي وحدها التي يمكن ان تولد وحدة إرادية للأمم. ناشي سلوفو، العدد ۲۹، 4 شباط / فبراير ۱۹۱۹.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: الحرب الأممية ج 4 (52)

‫شاهد أيضًا‬

أفيون الشعب (11)

سيطرة الدخلاء وقد يتساءل البعض كيف تسنّى للدخلاء أن يسيطروا على الحركة، سيطرة جعلتها أداة …