‫الرئيسية‬ نظرية الصهيونية – الكرّاس كاملاً
نظرية - 10 ديسمبر، 2020

الصهيونية – الكرّاس كاملاً

 أنور كامل

وثيقة تاريخية

أول كتاب يُنشر بالعربية عن الصهيونية في مصر والعالم العربي سنة 1944 من وجهة نظر اليسار

تصدير بقلم
بشير السباعي

خلال شتاء 1943 – 1944، حصل أنور كامل (ولد عام 1913) من الشاعر السريالي جورج حنين (1914 – 1973) مؤسّس جماعة “الفن والحرية” (1939 – 1946) على نسخة من كرّاس الشيوعي البريطاني أ. ريناب “معاداة السامية والمسألة اليهودية“، الصادر بالإنجليزية في لندن في عام 1943، وهو عبارة عن بحث موجز يتضمن تلخيصاً للأطروحات الكلاسيكية للتحليل الماركسي للمسألة اليهودية والتي كان أوتو هيلر قد عرضها بهذه الدرجة أو تلك من التماسك في كتاب “اضمحلال اليهودية” الصادر بالألمانية في فيينا في عام 1931.

وخلال ربيع 1944 حصل أنور كامل من الكاتب والناشر الماركسي لطف الله سليمان (ولد عام 1918) على نسخة من كرّاس أصدره التروتسكيون الفلسطينيون في أوائل عام 1944 تحت عنوان “حقيقة الصهيونية“، وهو عبارة عن رسالة مفتوحة موجهة إلى قواعد حزب العمال البريطاني تتضمن تحليلاً انتقادياً ماركسياً رائداً يدلّل -من الناحية المنطقية- على صواب استنتاجات ليون تروتسكي (1879 – 1940) -قائد انتفاضة أكتوبر 1917 في بتروغراد ومؤسّس الجيش الأحمر- بشأن سبل حل المسألة اليهودية وبشأن الصهيونية.
وكان تروتسكي قد ذكر لمراسل شيوعي أميركي في فبراير 1934: “إن الدولة الناشئة الألمانية والنزاع العربي – اليهودي على حد سواء يؤكدان بشكل قاطع صواب المبدأ القائل بأن المسألة اليهودية لا يمكن حلها في إطار النظام الرأسمالي”. وفي أكتوبر من العام نفسه قال في إحدى رسائله: “إن الصهيونية تحرف العمال (اليهود) عن النضال الطبقي بتلويحها بأمل.. إنشاء دولة يهودية في ظل النظام الرأسمالي”.
وعلى بعد آلاف الأميال من الشرق الأوسط، قال تروتسكي في 18 يناير 1937 من منفاه المكسيكي “إن كل يوم يحمل إلينا الدليل على عجز الصهيونية عن حل المسألة اليهودية ويتخذ النزاع بين اليهود والعرب في فلسطين بعداً مأساوياً وخطراً باطّراد. وأنا على اقتناع تام بأن المسألة اليهودية لا يمكن حلها في إطار الرأسمالية الآخذة بالتحلّل وتحت إشراف الإمبريالية البريطانية.. إن المسألة اليهودية ترتبط ارتباطاً لا ينفصل بالتحرر الكامل للبشرية”. وقد حذّر العمال اليهود من التجاوب مع النداءات الصهيونية، وأشار، في 23 ديسمبر 1938، إلى أن “فلسطين تظهر بوصفها سراباً مأساوياً”. وفي 4 أبريل 1939، دعا العمال اليهود إلى الانخراط في النضال الطبقي البروليتاري بدلاً من التجاوب مع النداءات الصهيونية و”الذهاب لتقبيل أرض فلسطين” وقبل أسابيع قليلة من اغتياله على يد عميل ستاليني، أشار إلى أن “محاولة حل المسألة اليهودية عن طريق هجرة اليهود إلى فلسطين تكشف الآن عن طبيعتها الحقيقية: إنها تضليل مأساوي لليهود.. إن خلاص اليهود يرتبط ارتباطاً لا ينفصل بالإطاحة بالرأسمالية” (يوليو 1940).
وقد أدمع الكتّاب المطلعون، الماركسيون والصهيونيون على حد سواء، أن تروتسكي لم يحد عن هذه الاستنتاجات في أي وقت من الأوقات. ففي ابريل 1970، ذكر الكاتب الماركسي الأميركي بيتر بوتشي “ان تروتسكي لم يحد قط عن الاعتقاد بأن النضال من أجل تحرر اليهود يرتبط ارتباطاً لا ينفصل بمصير النضال من أجل الاشتراكية”. وفي عام 1978، كتب المؤرخ الصهيوني الإسرائيلي باروخ – كني – باز -الأستاذ بالجامعة العبرية بالقدس- أن تروتسكي قد واصل حث اليهود، وخاصة العمال اليهود بالطبع، على ربط مستقبلهم بمستقبل الحركة الاشتراكية الثورية. وقد حذّرهم من الانفصال عن العناصر التقدمية، في مختلف أرجاء العالم. وظل مقتنعاً بأن اليهود لا يمكنهم بمفردهم، إنقاذ أنفسهم، أكان ذلك من خلال إطار منظمات مستقلة في البلدان التي يحيون فيها أم عن طريق دولة قومية”.
وهذا الاستنتاج الأساسي هو الرسالة التي ينتهي كرّاس “حقيقة الصهيونية” إلى توجيهها إلى اليهود. فالخلاص اليهودي يرتبط بالثورة الاشتراكية العالمية ويستحيل أن يتحقق من خلال اضطهاد شعب آخر واغتصاب بلاده. ان شعباً يضطهد شعباً آخر لا يمكن أن يكون هو نفسه حرّاً.
والحال أن ما اعتبته الصهيونية حلاً للمسـألة اليهودية قد اعتبره تروتسكي -في يوليو 1940- “مصيدة دموية”.
وكان التجمع التروتسكي الفلسطيني قد تشكّل في أواخر الثلاثينيات إثر احتدام أزمة الحزب الشيوعي الفلسطيني. وقد سارع التجمع في عام 1939 إلى إعلان تضامنه التام مع الحركة القومية التحرّرية العربية الموجهة ذد الانتداب البريطاني وضد المشروع الصهيوني في آن واحد، كما أعلن دعمه غير المشروط لمطالب العرب الفلسطينيين المباشرة وعلى رأسها وقف الهجرة اليهودية، ووقف شراء اليهود للأراضي وتدشين حكم عربي فلسطيني للبلاد.
والحال أن قادة التجمع المذكور قد تعرّضوا للاعتقال إثر إعلان هذا الموقف. وكان على رأس التجمع قادة من طراز توني كليف، أحد القادة الحاليين لحزب العمال الاشتراكي البريطاني الذي يدعو إلى تدمير الدولة الصهيونية. وقبل صدور كرّاس “حقيقة الصهيونية” كان جبرا نقولا (1912 – 1974) قد أصبح واجداً من قادة التجمع البارزين. وقد طرده الصهيونيون من بلاده ومات في المنفى.
وكان من الطبيعي أن يتحمس أنور كامل، الماركسي الأممي، لاستنتاجات الكرّاسين المذكورين. وقد قرّر عرض هذه الاستنتاجات على الجمهور المصري الذي كانت الحركة الصهيونية تحاول إغراء عناصره اليهودية بالإندراج في مشروعها الاستعماري – الاستيطاني، وكانت الحركة القومية – الإسلامية، بزعامة حسن البنّا (1906 – 1949)، تحاول جرّ عناصره المسلمة إلى مواقف مستمدة أساساً -وياللمفارقة!- من تراث اللاسامية الأوروبية التي أخذت تتغلغل في الشرق العربي على يد عناصر مسيحية شامية منذ أوائل هذا القرن. وكانت الحركة الستالينية المصرية بزعامة هنري كورييل (1914 – 1978)، تواجَه بالصمت المخزي -حتى عام 1944 على الأقل- فيما يتعلق بالموقف الذي يجب اتخاذه تجاه الحركة الصهيونية.
لم يتردّد أنور كامل في عرض استنتاجات الكرّاسين المذكورين على الجمهور المصري، حتى وهو يدرك كل الإدراك خطر الإرهاب الذي يمكن أن يتعرّض له من جانب عملاء الحركة الصهيونية في مصر آنذاك، والذين كانوا يتحرّكون بحرية غير محدودة، وخطر الإرهاب الذي يمكن أن يتعرّض له من جانب القوميين الديماغوجيين، وخطر الملاحقات والاضطهاد من جانب السلطات التي لم تكفّ يوماً واحداً عن تضد النشاط اليساري.
كان أنور كامل واحدا من المثقفين المصريين الطليعيين الذين ظهروا على مسح الحياة العامة عند منتصف الثلاثينيات. وقد أصدر في عام 1936 “الكتاب المنبوذ” الذي صودر بقرار من مجلس الوزراء بعد نحو أسبوعين من صدوره.
وأنور كامل هو أحد مؤسسي جماعة “الفن والحرية”، أو تجمع واسع لممثلي الإنتلجنسيا الإبداعية اليسارية المصرية المعاصرة، ورئيس تحرير مجلة “التطور” (1940)، لسان حال الجماعة المذكورة، وأحد مؤسسي منظمة “تحرير الشعب” اليسارية السرية (1940) والأمين العام الأول لها، وأحد مؤسسي جماعة “الخبز والحرية” (سبتمبر 1940 – يوليو 1946) ورئيسها، وقد تعرّض أنور كامل للاعتقال أكثر من مرة كما تعرّضت كتاباته للمصادرة غير مرة.
وعندما قرّر أنور كامل نشر كراس “الصهيونية” في أواخر عام 1944، لجأ إلى لطف الله سليمان، الذي كان قد تمكن من تأسيس دار لنشر الأدبيات اليسارية.
وقد طبع لطف الله سليمان ألف نسخة من الكرّاس وزعت كلها في غضون أسابيع، الأمر الذي يدل على أن الجمهور المصري كان تواقاً إلى الوقوف على أبعاد الحركة التي كان يستشعر خطورتها.
وعندما كتب لطف الله سليمان صيف 1948 بيان: “لا لحربكم ولا لسلامكم!“، والذي دعا إلى شن حرب ثورية ضد الدولة الصهيونية كان أنور كامل واحداً من أبرز مؤيّدي هذا البيان.
وعندما أيّد ستالين (1879 – 1953) قرار تقسيم فلسطين واعترف بالدولة الصهيونية مما جرّ الستالينيين المصريين إلى مؤازرة هذا الموقف الذي يشكل ارتداداً عن اللينينية، استنكر أنور كامل هذه الذيلية السياسية المخزية.
وعندما سئل أنور كامل في حديث صحفي في أوائل 1988 عن سبب رفضه قرار التقسيم، قال أن السبب يتمثل في أنه يرفض قيام دول أو نصف دولة صهيونية في فلسطين وأنه مازال يرى أنه إن كانت لليهود مشكلة فإنها لا تحل عن طريق إقامة وطن قومي لهم في فلسطين أو في غير فلسطين وإنما تُحَل عن طريق الثورة العالمية.
ومن الواضح أن هذه الآراء كانت السبب الرئيسي وراء اتفاقي مزوري التاريخ -على اختلاف توجهاتهم السياسية- على تعمّد إغفال الإشارة -ولو بشكل عابر- إلى كرّاس “الصهيونية“، أول كرّاس يساري بالعربية عن الصهيونية. ولا شك أن هناك مصلحة مشتركة بين هؤلاء المزورين ومن بينهم، بطبيعة الحال، تلامذة هنري كورييل- في طمس التراث اليهودي.
والحال أن صدور طبعة جديدة من هذا الكرّاس يجيء وسط ظروف تختلف كثيراً عن الظروف التي رافقت صدور الطبعة الأولى.
فالطبعة الحالية تصدر وسط ظروف امتداد عميق لأزمة الصهيونية – بشكل لم يسبق له مثيل منذ عام 1944.
لا شك أن الوجه الرئيسي لأزمة الصهيونية يتمثل في تصاعد الحركة القومية الفلسطينية وعجز الحركة الصهيونية عن القضاء على هذه الحركة، عسكرياً أو سياسياً، وذلك رغم كل التدابير القمعية والمناورات السياسية، المدعومة من الإمبريالية.
وتتمثل وجوه أخرى لأزمة الصهيونية في احتدام الأزمة الاجتماعية – الاقتصادية التي تجتاح الدولة الصهيونية وسط ظروف الاحتلال، وتزايد العزلة الدولية لإسرائيل، واحتداد أزمة القيادة السياسية الإسرائيلية، وفشل السياسة الإسرائيلية في وقف الارتباك والتفسّخ الداخليين وفي وقف نزوح أعداد متزايدة باطراد من اليهود عن إسرائيل.
ومن المؤكد أن تزايد نفوذ اليمين الصهيوني على المسرح السياسي الإسرائيلي والصهيوني لا يمكن أن يكون غير مرحلة في عملية تفكك الصهيونية والدولة الصهيونية، كما أشار إلى ذلك موشيه ماخوفر، أحد مؤسسي “ماتزبن”، والأستاذ حالياً بكلية تشيلس البريطانية.
إلا أن من المؤكد كذلك أن الانهيار الكامل للصهيونية لا يمكن أن يتحقق بعيدا عن دينامية الكفاح الثوري الذي يخوضه المضطهَدون من أجل التحّر من الاضطهاد. وبهذا المعنى، تكتسب الانتفاضة الفلسطينية أهمية متزايدة باطراد.
أما العامل اليهودي الإسرائيلي فهو لن يكتسب وعيا ثوريا إلا بقدر ما يكون العداء الجذري للصهيونية وللدولة الصهيونية هو المكوّن الرئيسي لوعيه. وأول مكونات هذا العداء الجذري للصهيونية هو التأييد غير المشروط لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه.

*  *  *
إن صدور طبعة جديدة من كرّاس “الصهيونية” هو حدث يستحق الترحيب.

بشير السباعي

اليهود

القرارات التي تتّخذ لا من جانب القائمين من اليهود بالحركة الصهيونية فحسب بل ومن جانب أكثر من حزب واحد في أكثر من دولة كبيرة واحدة (الحزبان الجمهوري والديموقراطي في أميركا.. إلخ) بضرورة فتح أبواب فلسطين على مصاريعها أمام اليهود يهاجرون إليها من بقاع العالم أكثر مما هاجروا ويكوّنون فيها وطنا قومياً لهم!.
والاحتجاجات تتوالى من الحكومات  في البلاد العربية من دجلة والفرات شمالاً إلى وادي النيل جنوباً في وقت اتجهت فيه هذه الحكومات نحو تحقيق الوحدة العربية، وشرعت في الفاهم على خطواتها الأولى. والتصريحات تعلن من الهيئات السياسية في هذه البلاد، يؤيدها من استطاع من اليهود أنفسهم أن يفهم أن المسألة اليهودية لا يمكن أن تُحل عن طريق الصهيونية، وأن الكفاح من أجل حريات اليهود يرتبط كل الارتباط بالكفاح من أجل حريات الشعوب في الدنيا جمعاء.
فما الصهيونية؟ في أي ظروف نشأت؟ وما الأغراض الحقيقية التي تسعى إليها؟
لقد أحيطت هذه الحركة بصور من الغموض ولدتها أساليب الدعاية الملتوية التي تغذيها وتحدوها وساعد عليها تأرجح القوى فيما كانت تصدره من تصريحات بين إرضاء الصهيونيين حيناً وإرضاء العرب حيناً آخر، حسب مقتضيات الظروف والأحوال (ظروف هذه القوى وأحوالها بطبيعة الحال)، كما ساعد عليها أيضاً نقص الثقافة السياسية في البلاد، هذا النقص الذي أدى بكثير من الناس، بل ومن خاصة الناس، إلى أن يعتقد أن في محاربة الصهيونية محاربة للهيود، مع أن من بين هؤلاء من يحارب الصهيونية بقوة لا تقل عن قوة محاربة عرب فلسطين لها.
ولهذا فنحن سنحاول هنا (في وقت برزت فيه فلسطين لتحتل مكانها بين مشاكل الساعة) أن نلقي بعض الضوء على المسألة اليهودية، متى بدأت في التاريخ، وكيف تطورت مع التاريخ، فنرفع بهذا القناع عن وجه الصهيونية الحقيقي، أغراضها الاستعمارية ومدى اعتمادها على القوى الكبيرة، ونحدد الموقف الصحيح الذي يجب أن يقفه اليهود إذا أرادوا لمسألتهم حلاً: محاربة الصهيونية والوقوف إلى جانب الشعوب المناضلة من أجل الحريات ومن أجل بناء مجتمع جديد لا أساس فيه لأي شكل من أشكال الاضطهاد.

العنصرية و”الانحطاط” أو “تفوق” الشعب اليهودي
مدرستان خاطئتان: “هتلر – ستريخر” والصهيونية

اليهود أحط بيولوجياً من الآريين! اليهود أحط بيولوجياً من بقية الشعوب! اليهود حيوان أحط من الانسان! صيحة أعلنتها أشد المدارس تطرفاً في الحض على كراهية اليهود وأكثرها عنفاً في إشعال حملات الإفناء ضد اليهود: مدرسة “هتلر – ستريخر”. ولكن في الطرف الآخر مدرسة لا تقل عن الأولى تطرفاً وتعصباً: المدرسة الصهيونية التي يحاول زعماؤها، بأساليب قد تقل في جرأتها في صراحتها عن مدرسة “هتلر – ستريخر” أن يحيطوا الشعب اليهودي بهالة من التقديس: فاليهود أرقى بيولوجيا من بقية الشعوب! واليهود هم “شعب الله المختار”! وإن كان للشعوب أن تحيا فاليهود هم أحق الشعوب بالحياة!
وبين القطبين المتقابلين يثور النقاش بأساليب شبه علمية ولكنها في الحقيقة أبعد ما تكون عن العلم، وفي أثناء هذا وقبل هذا وبعده، تفاجئنا الأحداث الاجتماعية بصور من الفظائع، هي أقسى ما عرفته البشرية من حملات التأديب والتطهير، يُشنّ ضد اليهود فيفنى فيها مئات بل ألوف من أفراد الشعب اليهودي الأبرياء! فأين الحقيقة ذات الوجه الواحد من هذا كله؟.
الذي لا جدال فيه أن هناك بين الشعوب بعض الفروق، وليس يعنينا ما إذا كانت هذه الفروق إلى أسفل أو إلى أعلى، وإنما يعنينا فقط أن نعرف ما إذا كانت هذه الفروق طبيعية ثابتة، أي تعينت مرة واحدة لتبقى على ما هي عليه إلى الأبد، أم اجتماعية متحركة أي تولدت من ظروف تاريخية معينة لتتغير في ظروف تاريخية أخرى. والرد على هذا السؤال يجرّنا إلى الرد على نظرية العنصرية. فما هذه النظرية؟ وكيف يمكن أن نفيد من بطلانها في تحديد موقفنا من كل من المدرستين: “هتلر – ستريخر” والصهيونية؟
يرى العنصريون في عنصر معين يطلقون عليه اسم “العنصر المتفوق”، أو “العنصر التاريخي”، العلة الجوهرية لتقدم المجتمع. فالتاريخ بأكمله في نظر هؤلاء معلق على نشاط هذا العنصر المختار الذي لو قدّر له ألا يكون لظل المجتمع يرسم خطاه في جمود الحيوانية.
و”العنصر” اصطلاح من أشد الاصطلاحات الموجودة اختلاطاً على الفهم. مضمونه يتغير تبعاً لعلماء الاثنولوجيا، كما يتغير تبعاً لرجال السياسة أيضاً. ونحن نرى إذا تكلمنا من وجهة نظر علم الانسان أن لهذه الكلمة معنيين: فهي تشير إما إلى جماعة من الناس ينحدر كل أفرادها من أجداد أولين دون أن يتغير أصلها الأول خلال آلاف الأجيال المتعاقبة بأي اختلاط مع أفراد ينتمون إلى جماعة أخرى، وإما إلى جماعة من الأفراد لهم بعض صفات معينة لا توجد عند الجماعات الأخرى (كلون الجلد وشكل الجمجمة وطبيعة الشعر وتركيب الحوض.. إلخ).
و”العنصر” في المعنى الأول مجرّد خيال لأنه يتضمن إلى جانب نظرية “تعدد الأصل” (البوليجينيزم الجائز تأييده علمياً) الامتناع عن كل اختلاط أو تزاوج بين العناصر خلال آلاف الأجيال من الزوج الأول إلى الجماعة الحالية. وفي هذا استحالة تاريخية (إلا في بعض القبائل التي تعيش في حالة عزلة تامة خاضعة لظروف خارجية معينة كما في استراليا مثلاً).
أما في المعنى الثاني فإن كلمة “عنصر” يمكن أن تستعمل من الناحية العلمية. فنحن نستطيع أن نفرّق مثلاً بين العنصر الأسود والعنصر الأبيض والعنصر الأصفر معتمدين في هذا على اللون أو طبيعة الشعر. ويمكننا أيضاً أن نفرّق بين الناس بشكل الجمجمة فنميز بين العنصر الدوليكوسيفالي (الرأس الطويل)، والعنصر البراشيسيفالي (الرأس العريض)، والعنصر الميسوسيفالي (الرأس المتوسط).
ونحن نرى من هنا أن لكلمة “عنصر” معنى نسبي، وإننا نستطيع في هذا المعنى وحده أن نتكلم عن وجود العناصر أو الأجناس المختلفة. ولكن هل هذه الأجناس متساوية جميعاً بمعنى أنها تتمتع بصفات طبيعية وعقلية واحدة؟ لا يمكننا أن نجيب على هذا السؤال إجابة علمية إلا إذا اشترطنا تكملته بتعيين العنصر الذي سنقيم فيه المقارنة بين العناصر. ليس هناك عنصر متفوق بطبيعته أو منحط بطبيعته. ليس هناك عنصر خالد التفوق أو عنصر خالد الانحطاط. فهذا العنصر الذي يقف اليوم في مرتبة أدنى من المرتبة التي يقف فيها عنصر آخر من الجائز أنه كان بالأمس أرقى. وذلك العنصر الآخر الذي يسود العالم حالياً من الجائز أن يكون قد مد يده فيما مضى ليستجدي ثقافته من العنصر المسود اليوم. إن العناصر لتبعد من الناحيتين الطبيعية والعقلية كل البعد عن أن تظل ثابتة. إنها تتطور بصفة مستمرة. إنها تتقدم وتتراجع وتنمو وتضمحل. إن العنصر نفسه ليتغير، ومع هذا فإن نظرية “العنصر المتفوق” لا تريد أن ترى تداخل العناصر البيولوجي، ولا تريد أن ترى تحولها المستمر. إن العنصريين ليعملون على “تثبيت” العناصر، وعلى فصل أحدها وهو العنصر الذي ينتمون إليه، لإقامته كعنصر “تاريخي”، أي كعنصر يعطي لنفسه حق السيادة وحق استغلال العناصر الأخرى. إن العنصرية ليست شيئاً آخر غير تبرير اضطهاد الشعوب تبريراً يقوم على شيء يشبه العلم ولكنه ليس بعلم.
وإذن فكل من المدرستين خاطئ: مدرسة “هتلر – ستريخر” عندما تزعم أن اليهود هم أحط الشعوب بيولوجياً، والمدرسة الصهيونية عندما تزعم -ولو بتستر- أن اليهود هم أرقى الشعوب بيولوجياً. فلا المدرسة الصهيونية استطاعت أن تمنع الشعوب الأخرى من أن تساهم في بناء الحضارات، ولا مدرسة “هتلر – ستريخر” استطاعت أن تمتع أسماء لمعت في التاريخ كأسماء أينشتين وفرويد وماركس.
وإذن فمفتاح المسألة اليهودية (وما تثيره من اتجاه نحو الصهيونية أو نحو معاداة اليهود) يجب أن يبحث عنه في ميدان آخر غير ميدان البيولوجيا: في الاجتماع والتاريخ، أي في تطورات الوضع الاقتصادي الذي احتله اليهود داخل المجتمع خلال مراحله التاريخية المختلفة، وفي تطورات العلاقات الاجتماعية التي نشأت كانعكاس طبيعي لتطورات ذلك الوضع.

اليهود في التاريخ في نظام العبودية وفي النظام الاقطاعي وفي النظام الرأسمالي

المسألة اليهودية ليست مسألة حديثة. إنها ظاهرة قديمة استمرت طوال قرون. والشعور بكراهية اليهود شعور ذو طابع خاص. والتاريخ لم يشهد “شعوراً عنصرياً” يضارع الشعور بكراهية اليهود في مدى انتشاره أو في طول ماضيه. ومن هنا اعتقاد البعض أن المسألة اليهودية مسألة قائمة بذاتها منفصلة كل الانفصال عن المشاكل الاجتماعية العامة الاقتصادية والسياسية التي تولدت في التاريخ. ولكن ليس أكثر من هذا امعاناً في الخطأ. فالمسألة اليهودية قد تولدت خلال العصور كانعكاس للظروف الاجتماعية التاريخية التي شاهدتها هذه العصور. فاليهود قد ظلوا يكوّنون جزءاً من المجتمع منذ حوالي 3500 سنة، ومن هنا فإن مشاكل اليهود لا يمكن أن تكون منفصلة أقل انفصال عن مشاكل هذا المجتمع. فلنرجع إذن إلى التاريخ.

               اليهود في مجتمع العبودية

كانت فلسطين التي نزحت إليها القبائل العبرية الأولى مركزاً لطرق التجارة في العالم المعروف وقتذاك. كانت طريقاً استراتيجياً وتجارياً تمر خلاله القوافل المحملة بأثمن خيرات الهند وشبه الجزيرة العربية. وهكذا أصبحت التجارة عاملاً هاماً في حياة سكان فلسطين القديمة، فكان هذا من أهم القوى المقرّرة في حياة اليهود وفي التطورات التي طرأت على الشعب اليهودي.
وكانت فلسطين إلى جانب هذا واقعة بين القوى الإمبريالية في ذلك العهد: مصر وآشور ثم بابل. فسقطت الدولة اليهودية بين المطرقة والسندان في سلسلة طويلة من الحروب لم تنقطع بين هذه الإمبراطوريات. غزتها آشور في النصف الثاني من القرن الثامن ق.م. وأسرت طبقتها الحاكمة التي كان يتكوّن معظمها من كبار التجار والملاك وأصحاب الحِرف. ولكن سرعان ما تكيف هؤلاء بالوسط الجديد فساهموا بقسط كبير في تجارة الإمبراطورية. أما من عاد منهم إلى فلسطين ليقيم دولة يهودية جديدة (استمرت وعوامل الانحلال تتجاذبها إلى أن سقطت نهائيا سنة 71) فوجد فلسطين غير فلسطين. عمّها الخراب وقد كانت مركزاً للتصادم بين القوى الإمبريالية. وتحولت عنها التجارة وقد شقت طرق جديدة لها شرق البحر الأبيض المتوسط وآسيا الصغرى.
في هذه الظروف تشتّتت الدولة اليهودية وتحولت إلى جماعات من اليهود أخذت تستقر في المدن التجارية الكبيرة (في أنطاكيا والإسكندرية ثم في روما) حيث لعبت العناصر المسيطرة من هذه الجماعات دوراً خطياً في التجارة الكبيرة بينما عني فقراؤها بالتجارة الصغيرة والحِرف اليدوية. ومن الواضح أن عملية تشتت الدولة اليهودية وتحولها إلى هذه الجماعات لم يكن حدوثه ممكناً إلا بتوفر هذه العوامل الثلاثة: أولاً تغلغل روح المتاجرة في اليهود وقد كانت فلسطين مركزاً لطرق التجارة في الزمن القديم، وثانياً تصدّع الدولة اليهودية تحت ضغط الإمبراطوريات القديمة وقد كانت فلسطين مركزاً للتصادم بين هذه الإمبراطوريات، وثالثاً تحول طرق التجارة بعد فتح طرق جديدة لها بعيداً عن فلسطين الأمر الذي دفع اليهود إلى تتبع هذه الطرق حرصاً على المصلحة المادية والاقتصادية.
وبعض المؤرّخين من برجوازيي اليهود يرى في تشتت الدولة اليهودية عاملاً مقرراً أول في نشوء المسألة اليهودية. ولكن ليس أكثر من هذا إمعاناً في الخطأ. فالتاريخ يثبت أن الجماعات اليهودية استطاعت دائماً أن توفق ما بينها والنظام السائد في فترات الامتداد الاجتماعي والتوسع التجاري. ويثبت أن المسألة اليهودية لا تبرز إلى حيّز الوجود بالمعنى الذي يمكن أن يفهم من كلمة “مسألة” إلا في فترات القلّص والإنكماش.
كان الإمبراطورية اليونانية في تلك العصور البعيدة آخذة في النمو فكان لليهود أن يلعبوا دوراً كبياً في التوسع التجاري الذي يتطلبه ذلك النمو. ولهذا لم يكن غريباً أن تزداد سرعة الجماعات اليهودية في التبعثر لتربط ما بين أجزاء الإمبراطورية بشبكة لا تنقطع من المراكز التجارية. ثم ما لبثت الإمبراطورية الرومانية أن أخذت هي الأخرى في النمو فكان للجماعات اليهودية أيضاً لا سيما وقد نمت ثروتها وتضاعفت قوتها أن تلعب دوراً خطيراً لا يقل إن لم يزد عن الدور الذي لعبته في الإمبراطورية اليونانية. كان اليهود هنا يمثلون حاجة اجتماعية تاريخية. وساهموا في التوسع التجاري بأكبر نصيب وقدموا القروض الضخمة لأباطرة الرومان فمنحهم هؤلاء من الامتيازات ما نالوه في ظل الاسكندر. فهل كان يمكن في مثل هذه الظروف أن يتولد للهيود شيء يمكن أن نطلق عليه لفظة “مسألة”؟  كلا بطبيعة الحال!.
ولكن الإمبراطورية الرومانية (التي كان قد وصل فيها نظام العبودية إلى قمته) قد بدأت في التصدّع فبدأ في تاريخها عصر للتقلّص الاجتماعي والانكماش التجاري عانت فيه جماهير العبيد الكادحة من استغلال سادتهم المتزايد ما لا طاقة لهم عليه فعمّ السخط وكثرت حوادث التمرّد واندلعت الانفجارات الاجتماعية. هنا وهنا فقط عمد هؤلاء السادة إلى اتخاذ إجراءين: الأول التخلص من اليهود وقد كانوا دائنين لجزء كبير منهم. والثاني خلق “كبش فداء” من اليهود يتحول إليه سخط الجماهير الثائرة. وهكذا بدأت حملات التطهير ضد اليهود ببدء التصدّع في مجتمع العبودية القديم. وبعد أن كانت الدولة اليهودية في فلسطين مركزاً للتصادم بين امبراطوريات الشرق القديمة أصبحت الجماعات اليهودية مركزاً للتصادم بين الطبقات. وهكذا بدأت تتولد لليهود في التاريخ “مسألة”، لا لمجرّد أنهم تبعثروا في الأرض جماعات جماعات وإنما لأنهم كانوا قد بدأوا في ظروف التقلّص الاجتماعي والانكماش التجاري يفقدون وظيفتهم، أو بتعبير آخر لأنهم أصبحوا في هذه الظروف لا يمثلون الحاجة الاجتماعية التاريخية التي كانوا يمثلونها في ما مضى ولكن هل فنيت الجماعات اليهودية تحت ضغط هذه الحملات؟
إن شيئاً من هذا لم يحدث لأن نظاماً اجتماعياً جديداً كانت أكانه قد بدأت تستقر وتتوطّد: النظام الاقطاعي الذي استطاعت فيه الجماعات اليهودية أن تلعب دوراً شبيهاً بالدور الذي لعبته في مجتمع العبودية ابّان امتداده وتوسعه.

               اليهود في المجتمع الاقطاعي

أحاط المسلمون بالبحر الأبيض المتوسط في القرنين السابع والثامن في الوقت ذاته الذي أخذت تتوطّد فيه أركان النظام الاقطاعي في غرب أوروبا، فكان لليهود أن يلعبوا دوراً خطيراً في التجارة بين العالم الإسلامي وأوروبا الاقطاعية. وامتد المجتمع الاقطاعي واتسعت تجارته ونمى نمواً اقتصادياً كبيراً ساهم فيه اليهود بقسط كبير حتى بدأ يرتطم بأسوار العالم الإسلامي، فاتجه الملوك الاقطاعيون نحو توسيع دائرة ممتلكاتهم، واتجه التجار في البندقية وجنوه وغيرهما من المدن التجارية الكبيرة نحو السيطرة على موانئ آسيا الصغرى، وأيّدتهم الكنيسة لأنها رأت في غزو “أراضي الكفّار” قوة جديدة وثروة جديدة، فأدّى هذا إلى اندلاع الحروب الصليبية التي استمت أكثر من قرنين ونصف قرن من الزمان (من أواخر القرن العاشر إلى ما بعد منتصف القرن الثالث عشر)، فكان لليهود أن يلعبوا دوراً خطيراً في هذه الحروب بالاشتراك في تمويلها وتقديم القروض اللازمة لها.
كان اليهود يمثلون هنا حاجة اجتماعية تاريخية فتمتعوا بحماية الطبقة الحاكمة ومنحهم الملوك والأمراء من الامتيازات ما نالوه في ظل الاسكندر وفي ظل امبراطورية الرومان، فكان منهم الممول والتاجر الغني موضع ثقة الطبقة الحاكمة، وكان منهم المشرف على المالية والحسابات الرسمية، وكان منهم جامع الضرائب. أما فقراؤهم فقد ظلوا كما كانوا في المجتمع القديم يعنون بالتجارة الصغيرة والحِرف اليدوية. فهل كان يمكن أن يتولد لليهود شيء يمكن أن تنطبق عليه لفظة “مسألة”؟ كلا بطبيعة الحال!.
ولكن الأمر لم يستمر على هذا النحو. فنمو المجتمع الاقطاعي قد أدّى إلى نمو المتناقضات الاجتماعية داخل هذا المجتمع. وما ان حل القن الثالث عشر وفي أعقابه القرن الرابع عشر حتى كانت هذه المتناقضات قد أخذت تندلع وتطفوا على سطح الأحداث التاريخية بعنف وشدّة. صراع بين جماهير الأرقاء الساخطة والنبلاء وصراع بين البرجوازية الوطنية الناشئة والنبلاء. صراع متداخل متشابك بين مختلف الطبقات الاجتماعية بدأ يؤذن بانهيار النظام الاقطاعي وسقوط الطبقة التي تمثله. هنا وهنا فقط لجأت هذه الطبقة إلى اتخاذ إجراءين: الأول التخلّص من اليهود وقد كانوا دائنين لجزء كبير منهم، والثاني خلق “كبش فداء” من اليهود يتحول إليه سخط الطبقات الثائرة. وهكذا بدأت من جديد حملات التطهير ضد اليهود ببدء التصدّع في النظام الاقطاعي، وهكذا أصبح اليهود من جديد مركزاً للتصادم بين الطبقات: بين الأرقاء والنبلاء من جهة، وبين البرجوازية الناشئة والنبلاء من جهة ثانية. ولم ينقذ اليهود من المصير ذاته إلا إلى أجل محدود التجاؤهم إلى البلاد الأخرى التي لم تكن قد وصلت فيها الظروف الاجتماعية إلى ما وصلت إليه في غرب أوروبا (إلى بولندا وليتوانيا وبعض أجزاء من روسيا ثم إلى الإمبراطورية العثمانية فيما بعد). ولم ينقذ اليهود من المصير ذاته إلا في نطاق ضيق تحولهم الشكلي عن اليهودية واعتناقهم للدين المسيحي كما حدث في اسبانيا حيث لم يسلم هؤلاء “المغتصبون” أو “المسيحيون الجدد” من يد (التفتيش).
ولكن هل فنيت الجماعات اليهودية تحت ضغط هذه الحملات؟ إن شيئاً من هذا لم يحدث لأن نظاماً اجتماعياً جديداً كانت أركانه قد بدأت تستقر وتتوطّد: النظام الرأسمالي الذي استطاعت فيه الجماعات اليهودية أن تلعب دوراً شبيهاً بالجور الذي لعبته في مجتمع العبودية وفي المجتمع الاقطاعي إبّان امتدادهما وتوسعهما.

 اليهود في المجتمع الرأسمالي

أدت سيادة الرأسمالية إلى تحرّر اليهود التدريجي فقد بدأ بسيادتها عصر جديد من عصور الامتداد الاجتماعي والتوسع التجاري، فكان لليهود أن يلعبوا دوراً كبيراً في هذا الامتداد وفي هذا التوسع. واشترك تجار اليهود في هولندا وامبراطوريتهم (التي كان قد لجأ إليها عدد كبير من اليهود الفرّين من إسبانيا) ثم في فرنسا وإنجلترا وأميركا بقسط كبير من تجارة العصر، فأحس البرجوازيون بفائدة اليهود للدولة البرجوازية، وكان من نتائج هذا أن تحطمت أسوار “الجيتو” (أحياء اليهود) تدريجياً ليخرجوا من حياة العزلة إلى حياة المشاركة العملية الهادئة مع جيرانهم من غير اليهود.
وأدى نمو الرأسمالية الصناعية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر إلى كسر رباط الجماعات اليهودية. فالإنتاج الصناعي الكبير كان قد بدأ في اجتذاب الأغنياء من اليهود إلى تيار التقدم الرأسمالي. أما فقراء اليهود من صغار التجار وأصحاب الحِرف اليهودية فقد بدأوا يتحولون إلى صفوف الطبقات العاملة. على أن هذا التحول لم يحدث بطبيعة الحال دفعة واحدة ولا بنسبة واحدة في البلاد المختلفة. ومرجع هذا أن الانقلابات الرأسمالية لم تتحقق في هذه البلاد في وقت واحد، وإنما تحققت فيها في أوقات مختلفة نتيجة لاختلاف مستوى تقدمها الاجتماعي والاقتصادي. ولعل في هذا فسيراً واضحاً لحركات الهجرة اليهودية من الشرق (لا سيما من روسيا) إلى الغرب (لاسيما إلى الولايات المتحدة الأميركية) حيث كان اليهود قد حصلوا على جميع الحقوق الاجتماعية والسياسية التي كان يتمتع بها بقية المواطنين.
وهكذا اختفت المسألة اليهودية مرة أخرى من سطح الأحداث الاجتماعية، ووجد اليهود لأنفسهم مكاناً يحتلونه في عملية التقدم الاجتماعي، وبدت الرأسمالية الصناعية “الحرّة” كما لو كانت قد استطاعت أن تحل المسألة اليهودية حلاً نهائياً.
ولكن النظام الرأسمالي كان قد أخذ في النمو فخرج من مرحلته “الحرّة” ليدخل في مرحلته الاحتكارية: مرحلة الحرب من أجل إعادة تقسيم العالم بين القوى الرأسمالية الكبيرة التي كانت قد وصلت بانتهاء القرن التاسع عشر إلى اقتسام المستعمرات بينها على نحو من الأنحاء.
واندلعت شرارة الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) لتغرق العالم بأنهار من الدماء. وبلغ الجنين الاشتراكي دور البلوغ فانفصل سدس العالم بثورة أكتوبر عن الدائرة الرأسمالية ليوطّد أركان المجتمع الاشتراكي الجديد وعمّت العالم الرأسمالي أزمة اقتصادية كبيرة لم يشهد مثلها في التاريخ (1929 – 1933) فاكتسحت موجة التعطّل عشرات الملايين من أفراد الطبقات العاملة لتلقي بهم بين فكّي الجوع.
المجتمع الرأسمالي آخذ في التصدّع. المتناقضات الاجتماعية ترتطم في عنف وشدّة. صراع بين البروليتاريا والبرجوازية في النطاقين المحلي والعالمي. وصراع بين البرجوازيين أنفسهم في النطاقين المحلي والعالمي. صاع بين المستعمرات والدول المستعمرة. وصراع بين الاتحاد السوفييتي والعالم البرجوازي. صراع لم يشهد التاريخ مثله.
وإذن فإلى “كبش الفداء” التاريخي، إلى اليهود كمركز للتصادم يمكن أن يتحول إليه جزء من سخط الجماهير الثائرة. استمع إلى هتلر وهو يتحدث إلى راوشننج: “ما اليهود إلا ضيف كريم قدمته إلى الديموقراطيات. فالدعاية المضادة لليهود في جميع البلاد تكاد تكون وسطاً لا يُستغنى عنه في مدّ حماتنا السياسية. ولسوف ترى أي زمن قصير سوف نحتاج إليه لكي نقلب أفكار ومقاييس العالم كله لا بشيء إلا بمجرّد مهاجمة اليهودية”.
وهكذا بدأت منذ سنة 1933 في أرض ماركس وأنجلس أشد الحملات تطّفاً ضد اليهود: في ألمانيا التي نجحت فيها الفاشية في الوصول إلى الحكم بأموال كبار الممولين والصناعيين أمثال كروب وتيسن بل وبعض اليهود (ذكر واحد من هؤلاء اليهود في حديث له مع إدجار مورو أنه مستعد “أن يساعد الشيطان نفسه لو اقتنع بضرورة قيادة الحرب ضد أكثر المؤثرات تخريباً في العالم المعاصر: الماركسية”. لتصبح سلاحاً من أقوى الأسلحة التي لجأت إليها الطبقة الحاكمة لسحق الحركات الشعبية. فاليهود في نظر الفاشيين هم سبب معاهدة فرساي! واليهود هم سبب هزيمة ألمانيا! واليهود هم سبب تضخم النقد! مساوئ النظام الرأسمالي تنصب على رأس “كبش الفداء” التاريخي. وتندلع شارة الحرب العالمية الثانية لتكتسح العالم كله. وتسقط دول أوروبا أمام آلة الحرب الألمانية واحدة بعد واحدة فيما يشبه النزهة الخلوية. ولكن سخط الشعوب في أوروبا المحتلة لا ينقطع. فالحركات الشعبية تبدأ جزئية هنا وهناك لتلتقي وتتجمّع في حركة كلية عامة. ويلعب “كبش الفداء” التاريخي دوره التاريخي لتحويل جزء من سخط الجماهير ضد الغزاة الألمان. فتقام أسوار “الجيتو” من جديد. وتعلن حملات التطهير والتأديب من جديد. وتقام لليهود في أوروبا مذبحة جديدة من مذابح التاريخ.
أولئك هم اليهود في التاريخ. وتلك هي المسألة اليهودية في التاريخ. وإذن فما العمل؟ سؤال تردّد على ألسنة اليهود في كل زمان وفي كل مكان. سؤال أبرزته الظروف الاجتماعية والتاريخية على لوحة المستقبل. وكان في نشوء الحركة الصهيونية وجهاً خاطئاً من وجهين للرد على هذا السؤال (الوجه الآخر الصحيح سنعرضه في نهاية هذا البحث).

               الصهيونية أو الزحف إلى فلسطين

الزحف إلى فلسطين

هذا هو الحل الوحيد الذي يراه زعماء الصهيونية للمسألة اليهودية. فاليهودية في نظر هؤلاء سيظل “تائهاً” في بقاع الأرض، غريباً بين الشعوب، مهدداً بشتّى أنواع الضغط والاضطهاد، ما بقي نظام الأشياء قائماً على ما هو عليه. ولن ينقذه من هذا الضغط ومن هذا الاضطهاد سوى الزحف إلى فلسطين: فلسطين الوطن الأول للشعب اليهودي: الوطن الأول الذي قامت فيه الدولة اليهودية.
وليس عجيباً أن ينبت في رؤوس هؤلاء الزعماء مثل هذا الحل. فالشعب اليهودي بالرغم من سقوط الدولة اليهودية قد ظل محتفظاً بروح وطنية عالية نمتها الأيديولوجيا الدينية في ظروف الاضطهاد التي لاقتها الجماعات اليهودية المشتّتة.
والوطنية اليهودية ظاهرة ولّدتها أسوار “الجيتو”. ولكنها لم تتشكّل بطابع الصهيونية السياسية المعاصرة (يجب التمييز بين الصهيونية السياسية والحنين الديني إلى صهيون) إلا خلال تطورات تاريخية طويلة. فما هذه التطورات؟.

               “الهسكالا” أو الاحياء اليهودي

كانت آمال اليهود في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر منحصرة في التحرّر من الضغط والاضطهاد. وجاءت الثورة الفرنسية وحرّرت يهود فرنسا من هذا الضغط ومن هذا الاضطهاد. واكتسحت أوروبا موجة من الحروب الثورية حطمت أسوار “الجيتو” في دولها واحدة بعد واحدة. وكان من جرّاء هذا أن انعكست “حرية” الثورة الفرنسية ووطنية النظام الرأسمالي الجديد على الثقافة اليهودية فأحيت فيها نهضة جديدة. وأزهرت هذه النهضة التي عرفت باسم “الهسكالا” (Haskala) أي التنوير في بولندا وليتوانيا وألمانيا وروسيا. وكانت من أهداف جعل الثقافة اليهودية ثقافة زمنية، وتطعيم هذه الثقافة بروح العصر العلمية والعقلية، لتنفصل عن الشعور الديني القديم الذي كان ينزع نحو العودة إلى فلسطين وهكذا دخل الأدب الأوروبي ودخلت الفلسفة الأوروبية في حياة اليهود فأقبل شبابهم المثقف على جيت وكانت وفيخته وشلنج وغيرهم من انسانيي العصر. ولم تثر “الهسكالا” في ذلك الوقت، مع أنها كانت مظهراً فكرياً من مظاهر النهضة الوطنية اليهودية، مسألة إنشاء وطن قومي لليهود لا في فلسطين ولا في غير فلسطين.
الحرية! المساواة! الاخاء! تلك كانت المصادر الثلاثة الوحيدة التي استمدت منها “الهسكالا” وحيها. لقد كان اليهود في ذلك الوقت يؤمنون بأن “حرية” العصر قد قدمت لمسألتهم التاريخية حلاً لا رجوع فيه، ولكن التاريخ أسقط أملهم في الأرض عندما أثبتت وقائعه أن “حرية” العصر لم تقدّم للمسألة اليهودية إلا حلاً مؤقتاً لم يتخطّ حدود ذلك العصر. فبدأ اليهود يتجهون نحو الصهيونية المعاصرة، بعد أن رأى فيها اليائسون أملاً والساخطون برنامجاً.

             الصهيونية السياسية المعاصرة

كان ميلاد الحركة في العقد الأخير من القرن التاسع عشر أي بتحول النظام الرأسمالي من مرحلته “الحرّة” إلى مرحلته الاستعمارية. بل ما هذه الحركة إلا انعكاس لتحول النظام الرأسمالي من “الحرية” إلى الاستعمارية انعكس على النهضة اليهودية فتحولت من “الهسكالا” إلى الصهيونية. ومن البديهي أن انتقال النظام الرأسمالي من مرحلته “الحرّة” إلى مرحلته الاستعمارية لم يحدث إلا خلال عملية تطور استمرت سنين. ومن البديهي أيضاً أن التحول في النهضة اليهودية من “الهسكالا” إلى الصهيونية لم يحدث هو الآخر إلا خلال عملية تطور استمرت سنين.
فأنت تستطيع أن تلمح بذور الصهيونية السياسية المعاصرة حتى في أيام “التحالف المقدّس” (تلك الردّة الإقطاعية التي أعقبت الحروب النابليونية) عندما كانت الجموع اليهودية تساهم مساهمة فعلية في جميع الحركات التحرّرية التي أدّت إلى ثورات سنتي 1830 و1848. تستطيع مثلاً أن تقرأ في سنة 1840 للهيودي الألماني موسن هيس ما يأتي:
“إننا سنظل دائماً غرباء بين الشعوب. صحيح أن هذه الشعوب سوف تمنحنا بعض الحقوق بدافع من الشعور بالإنسانية والعدالة. ولكنها لن تحترمنا مطلقاً ما دمنا قد وضعنا ذكرياتنا العظيمة في الصف الثاني”. وتستطيع أن تسمع عنه أنه يرى ضرورة التضحية بحركة التحرّر اليهودية إذا كانت هذه الحركة تتعارض في أي بلد من البلاد مع الحركة الوطنية اليهودية
(Sacher, history of the lews , new york, p 350)
وتستطيع أن ترى في سنة 1873 كيف نمّى سمولنكين اليهودي الروسي هذه الفكرة، وكيف نادى بأن اليهود شعب، وأن هذا الشعب في حاجة إلى وطن ينمّي فيه عبقريته، وأن هذا الوطن يجب أن يكون فلسطين! وتستطيع أن تحيط في سنة 1882 بما جاء في كتاب Auto – Emancipation أي (التحرّر الذاتي) لليهودي الروسي أيضاً الدكتور ليوبنسكر من أن تحرّر اليهود لن يتحقّق إلا عن طريق إنشاء وطن قومي لهم.
وإذا فإذا قلنا أن الصهيونية السياسية الحديثة قد ولدت في العقد الأخير من القرن التاسع عشر فإن هذا لا يعني مطلقاً أن التفكير الصهيوني لم يتولد في رؤوس مفكري اليهود قبل ذلك الوقت، وإنما يعني فقط أن الصهيونية لم تتشكّل بالطابع السياسي المنظم، أي لم تتحول إلى حركة سياسية منظمة لها برنامج واضح وأهداف واضحة تدور كلها حول بناء دولة يهودية في فلسطين، إلا في ذلك العقد.
ولكن الوطن القومي لم يتحول من مجرّد فكرة تطوف برؤوس زعماء الصهيونية إلى حقيقة سياسية واقعة إلا في الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918). فمنذ ذلك الوقت والهجرة اليهودية إلى فلسطين تحدث في نطاق واسع لم يعرف من قبل (لا سيما بعد وعد بلفور). والمتتبع لتطورات المسألة يستطيع أن يدرك بسهولة تامة أن هذا التحول لم يكن في امكان اليهود تحقيقه إلا إذا اعتمدوا على القوى الاستعمارية السائدة في فلسطين، أو التي لها مصالح في فلسطين. أما العرب فتلك قوة في نظر هؤلاء ر يُعتدّ بها، ولا ينبغي أن يحسب حسابها، أو ينظر بعين الاعتبار إلى آمالها الطبيعية في تحقيق الاستقلال الوطني.

                   التحالف مع القوى الكبيرة

الالتجاء إلى القوى الكبيرة ظاهرة تميزت بها الصهيونية منذ اليوم الأول الذي ولدت فيه. فالدكتور هرزل وحي الحركة ومنشؤها قد تأرجح في سياسته بين أكثر من قوة رجعية واحدة. حاول أن يتقرّب من السلطان عبد الحميد الثاني المستبد بتركيا وبالإمبراطورية العثمانية، ومن جوزيف تشمبرلن وزير المستعمرات البريطانية وأحد رُسل الإمبراطورية، ومن فلهلم الثاني إمبراطور ألمانيا “الديموقراطي المُشار إليه بالبنان”، بل ومن فون بليف وزير الداخلية في روسيا القيصرية ومنظّم مذابح اليهود فيها.
أما السلطان عبد الحميد فقد عرضت عليه المساعدة المالية اليهودية مقابل تأييده لمشروع فلسطين ولكنه لم يهتم بالموضوع، ومع هذا فإن هرزل لم يتردّد أيام مذبحة الأرمن، عندما طلب منه السلطان أن يستعمل كافة الوسائل لمنع إثارة هذه المسألة في الصحافة النمساوية، في أن يقدّم كل ما في وسعه تنفيذا لهذا الطلب
(His Diary, 2nd volume, May 7th to July 8th,1896)
وأما تشمبرلن فقد اهتم بالموضوع ولكنه اقترح أوغندا بدلاً من فلسطين فأهمل هرزل الاقتراح لأن أوغندا لا تمثل في نظر الصهيونيين أراضي فلسطين المقدسة التي كانوا يشعرون نحوها بالحنين الديني. وأما امبراطور ألمانيا فقد كان يعلم أن فريقاً كبيراً من أغنياء اليهود لم ينخرط بعد في سلك الحركة الصهيونية، ولهذا فقد اكتفى بالإرساليات الدينية كقناع تعمل من ورائه الاستعمارية الألمانية على توطيد نفوذها في الشرق الأوسط. وأما فون بليف فقد عرضت عليه الصهيونية كوسيلة لسحب عددك كبير من اليهود من الحركة الثورية ولمساعدة روسيا للتخلص من هذا “الفائض” اليهودي، فراقت له الفكرة وحاول أن يقنع الحكومة الروسية بضرورة استخدام نفوذها لدى السلطان. ومع أن شيئاً جدياً لم يتم في الموضوع فإن النشاط الصهيوني قد تمتّع في روسيا بقسط كبير من الحرية، في الوقت ذاته الذي كانت تضطهد فيه جميع الحركات التقدّمية فيها.
وليس عجيباً أن يتجه هرزل هذا الاتجاه. فهو بطبيعة تفكيره عدو من أعداء الديموقراطية، ودليل هذا كتابه The gewish state (أي الدولة اليهودية)، الذي يعتبر انجيلاً للحركة الصهيونية، والذي تستطيع أن تقرأ فيه أمثال هذه العبارات: “الشعوب أيضاً لا تصلح في الوقت الحاضر لديموقراطية لا حد لها، وسوف تصبح أقل وأقل صلاحية لها في المستقبل” (P 68). “من المستحيل تكوين سياسة داخلية أو خارجية حكيمة في اجتماع شعبي.. ومن هنا فإنني أميل إلى الجمهورية الأرستقراطية.. إن كثيراً من نظم البندقية يطوف برأسي” (P 70).
بل العجيب ألا يتجه هرزل هذا الاتجاه. فليس من قبيل المصادفة أن يصدر منه في 10 يوليو سنة 1895 خطاب إلى دوق بادن الكبير يجيء فيه: “من الواضح أن قيام شعب محايد على أقصر طريق إلى الشرق يمكن أن تكون له أهمية كبيرة للسياسة الشرقية الألمانية. فأي شعب هو المقصود بهذا؟ إنني أعني الشعب المضطر بقوة الأشياء إلى الانضمام إلى الأحزاب الثورية في كل مكان”. وليس من قبيل المصادفة أن يكتب في مذكراته ما يأتي وشبيه بما يأتي: “إذا ازدادت شهرة جمعيتنا فإن المعادين للهيود سيقومون مع الحكومات بعمل الدعاية لها في الاجتماعات وفي البرلمانات وفي الصحف” (Diary, June 15 th) “لقد ربح المعادون لليهود. دعهم يتمتعون بهذا لأننا نحن أيضاً سنكون سعداء. لقد ربحوا لأنهم كانوا على حق!” (المرجع نفسه).
ومع أن هرزل لم ينجح مع تشمبرلن في سنة 1902 فإن استغلال فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين كانت منذ زمن بعيد موضع نظر بعض رجال الدولة في إنجلترا. ففي سنة 1838 أنشئت في القدس قنصلية بريطانية هدف من أهدافها الرئيسية “حماية اليهود بصفة عامة”. واللورد شافتسبوري الذي كان يعارض بشدّة فكرة تحرير اليهود في بريطانيا العظمى عني عناية خاصة بمشروع استعمار فلسطين عن طريق “أحفاد إبراهيم”. وكثير من المحافظين غيره كانوا يرون الرأي نفسه، إن أدباً سياسياً بأكمله قد نبت في منتصف القرن الماضي ليعبّر عن فكرة إعادة إنشاء الدولة اليهودية في فلسطين.
ولكن التحالف الصهيوني لم يصطبغ بالصبغة العملية إلا في الحرب العالمية الماضية (1914 – 1918). والتناقض بين القوى المتعددة التي كانت تتنازع على إعادة اقتسام العالم في هذه الحرب هو الذي جعل في تحقيق هذا الحالف ومظهر من مظاهر هذا التناقض كان يتمثّل في انقسام الحركة الصهيونية نفسها إلى فريقين: فريق قوي يؤيد ألمانيا ويرى في هذا التأييد خدمة للقضية الصهيونية، وفريق آخر يرى بزعامة الدكتور فايزمان أن خدمة هذه القضية لن يكون إلا بوضع الحركة الصهيونية تحت تصرّف بريطانيا بصفة خاصة والحلفاء بصفة عامة. وفي هذه الظروف، (ظروف التناقض بين القوتين الكبيرتين)، دخل في حساب لويد جورج وآرثر بلفور (الذي أصبح فيما بعد اللورد بلفو) أن في تأييد الحركة الصهيونية كسباً للحلفاء بصفة عامة، ولإنجلترا بصفة خاصة، وذلك في أثناء الحرب وفيما بعد الحرب. وكان تصريح بلفور في 2 نوفمبر سنة 1917 أحد مواليد هذه الظروف:
“إن حكومة جلالته تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وسوف تستخدم خير ما في وسعها لتسهيل تحقيق هذا الغرض على أنه يجب أن يُفهم بوضوح أن شيئاً ما لن يتخذ للإضرار بالحقوق المدنية والدينية بين الجماعات غير اليهودية الموجودة بفلسطين أو بالحقوق والقوانين السياسية التي يتمتع بها اليهود في أي بلد آخر”.
وهكذا تحقق التحالف الصهيوني على يد بلفور، ولم يكن قد انقضى على اتفاقية حسين – مكماهون (يوليو سنة 1915)، التي وُعد فيها العرب بدولة عربية مستقلة مقابل مساعدتهم لبريطانيا ضد الأتراك، عامان أو أكثر! ولم تكن المسألة في نظر السياسة الاستعمارية أكثر من وعود! (رأس الرمح) الاستعماري يوجه إلى قلب الشرق الأوسط! تلك هي الصهيونية سافرة غير مقنّعة!.
استمع إلى اللورد ملشت، أحد المحتكرين الرأسماليين، وأحد زعماء الصهيونية في إنجلترا: “إن وجود ثلاثة ملايين من اليهود (في فلسطين) سوف يزيل إلى الأبد إمكانية ثورة مسلّحة وناجحة تحطّم آثار سياسة الانتداب” (Thy neighbour, 1936, pp. 201-2) (منحت عصبة الأمم إنجلترا حق الانتداب على فلسطين في 24 يوليو سنة 1922). واستمع إلى أوسشكين زعيم آخر من زعماء الصهيونية: “إن فلسطين عبية بحتة معناها أن بريطانيا العظمى سوف ترغم آجلاً أو عاجلاً على الرحيل وإن فلسطين يهودية إلى حد كبير معناها تحالف سياسي خالص.. بين الشعبين اليهودي والإنجليزي” (Palestine review, July 3,1936) واستمع إلى المجلة الصهيونية في وقت اضطرت فيه السياسة الاستعمارية تحت ضغط الحركة الوطنية العربية إلى التراجع ولو قليلاً في مسألة الصهيونية: “إننا سنتعاون كما كنا نتعاون دائماً وبالرغم من الفشل سيظل تعاوننا أميناً” (Zionist review, november 10, 1938). واستمع إلى جيريون رئيس اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية: “كل من يخون بريطانيا العظمى يخون الصهيونية” (المؤتمر الصهيوني الثاني عشر).
لم يقتصر مجال التحالف الصهيوني على مسألة فتح باب الهجرة اليهودية إلى فلسطين مقابل الخدمات التي يمكن أن تقدمها الصهيونية، وإنما تعدى هذا إلى تصدير رؤوس الأموال إلى فلسطين. فهناك من بين دعامات الحركة الصهيونية يهود من الإنجليز والأمريكان يلعبون دوراً كبيراً في عالم رأس المال المالي. وقد بلغ ما صدر من رأس المال الإنجليزي لتشغيله بفلسطين 30 مليوناً من الجنيهات، ومن رأس المال الأميركي 10 ملايين من الجنيهات. ولم يمنع تغلغل رأس المال الأمريكي في فلسطين على نطاق واسع سوى انهيار سنة 1929 وما أدى إليه من سياسة استرجاع القروض الأجنبية التي اتبعتها الولايات المتحدة الأمريكية. أما رأس المال الإنجليزي فقد تغلغل بشكل ضخم في فلسطين وتوطّدت أركانه فيها نهائياً بقصد الاشتراك في عملية استغلال الموارد الموجودة بالبلاد.
ولكن هل نجحت الصهيونية في تحقيق أغراضها؟ الجواب بالنفي! (الكتاب الأبيض 1939).

* * *
ومع هذا يتشبث الصهيونيون بالصهيونية! كأنما ينتظرون تغير الظروف، أو لعلهم يأملون الاعتماد على قوة جديدة من القوى الكبيرة (أمريكا مثلاً)، أو يبحثون عن أسلوب جديد من أساليب الكفاح! أما الواقع الاجتماعي والتاريخي الذي ينبئ بأن الحل الصهيوني للمسألة اليهودية حل خرافي من المستحيل تحقيقه. وأما الحل الصحيح للمسألة اليهودية الذي يتمثل في كفاح الشعوب من أجل بناء مجتمع جديد، لا أثر فيه لأي شكل من أشكال الاضطهاد، فذلك لا يعمل له حساب!.
وإذن فليستمر الزحف إلى فلسطين: فلسطين الوطن الأول للشعب اليهودي! الوطن الأول الذي قامت فيه الدولة اليهودية! فليستمر على حساب العرب وضد إرادة العرب.

            اليهود والعرب في فلسطين

منذ سنين عديدة والحركة الصهيونية تحاول أن تثبت أنها لا تضر بمصالح العرب المقيمين بفلسطين بل تحاول أن تثبت أنها تعمل على خدمة مصالح هؤلاء العرب. استمع إلى بن جيريون: “يجب ألا تمس في أي الظروف حقوق هؤلاء السكان (العرب). إن “حالمي الجيتو” وحدهم من أمثال زنجويل هم الذين يستطيعون تصور إمكانية إعطاء فلسطين لليهود بالإضافة إلى الحق في طرد غير اليهود من البلاد. إن أي دولة لا يمكن أن توافق على هذا. وحتى إذا بدا أن هذا الحق يمكن أن يعطى لنا.. فإن اليهود لن يكون لهم أي مبرّر ولن تكون لهم أية إمكانية في مباشرة هذا الحق. ليست مهمة الصهيونية أن تطرد السكان المحليين من فلسطين. وإذا كان هذا من أهدافها فإنها لن تكون إلا مجرّد خيال خطر..”.
(From we and our nighbours, speeches and Essays, new york, 1915, Hebrew).

                     ألفاظ معسولة

واستمع إليه في سنة 1920: “يجب ألا تمس في أي الظروف أراضي الفلاح… فهؤلاء الذين يعيشون من كد أيديهم يجب ألا ينتزعوا من أرضهم حتى ولا نظير أي تعويض مالي” (المرجع نفسه). وفي سنة 1924: “إن مصير العامل اليهودي مرتبط بمصير العامل العربية. إنهما سيرتفعان معاً وسيهبطان معاً” (المرجع نفسه). وفي سنة 1926: “السكان العرب جزء عضوي لا يمكن أن ينفصل عن فلسطين. إنهم متأصلون هنا. إنهم يعملون هنا وسيبقون هنا. ومع أنه ليس من المستحيل في الوقت الحاضر أن تطرد جماهير غفيرة من الناس من بلد ما بمساعدة القوة المادية فإن المجانين أو الدجالين السياسيين وحدهم هم الذين يستطيعون أن يتهموا الشعب اليهودي بأنه يضمر مثل هذه الرغبة” (المرجع نفسه).

                        ألفاظ معسولة

واستمع إلى الدكتور فايزمان رئيس المنظمة الصهيونية في سنة 1929: “إلى الآن لم تقم حالة واحدة، وإني لآمل أن ألا تقوم في المستقبل حالة واحدة، يطرد فيها عربي من أرضه، لا بطريق مباشر، ولا بطريق غير مباشر” (من خطاب له في لندن في 17 ديسمبر سنة 1929). وإذا كان لهذه التصريحات أي قيمة عملية، فإننا نستطيع أيضا أن نشير إلى جابوتنسكي نفسه، ممثل جناح الصهيونية المتطرّف، الذي أعلن غير مرة، أن من بين مبادئه الأساسية: “أولاً المحافظة على المساواة في الحقوق بين جميع المواطنين بغض النظر عن الجنس أو الدين أو اللغة أو الطبقة وذلك في جميع نواحي الحياة العامة بالبلاد. وثانياً جعل نائب الرئيس عربياً في كل وزارة يرأسها يهودي والعكس بالعكس.. إلخ”.
(The war front of the jewish people Hebrew).

                         ألفاظ معسولة

ولكن ماذا كانت النتائج الحقيقية للنمو الصهيوني بالنسبة إلى عرب فلسطين؟ بالنسبة إلى الفلاح العربي والعامل العربي؟ هذا ما سنكشف عنه القناع هنا.

              الصهيونية والفلاحون العرب

يعلن الصهيونيون بنوع من الفخر أنهم قد أدخلوا وسائل الإنتاج الحديث في الزراعة الفلسطينية، أي أنهم كانوا عنصراً أكبر من عناصر التقدم في حياة البلاد. فهل هذا صحيح؟ الجواب بالنفي، لأن وسائل الإنتاج الحديث لم تستخدم في فلسطين إلا في المزارع اليهودية وحدها. أما الفلاح العربي فإنه لا يزال يستخدم الأدوات الزراعية القديمة التي كان يستخدمها أجداده منذ مئات القرون. استمع إلى فيلكانسكي: “إن المحراث العبي ليشبه محراث اليهود القدماء. بل ومن الجائز افتراض أن المحراث القديم كان أفضل”.
(Vilkanski: The Fellahs Farm, p. 18)
إن تقدم التكنيك يضاعف إنتاجية العمل، ولكن العربي في فلسطين لم يفد من هذا التقدم شيئاً. خذ مثلاً إنتاج طن من القمح. إنه يتطلب في المزرعة اليهودية 5,2 يوم عمل في حين أنه يتطلب في المزرعة العربية 55,9 يوم عمل، أي أكثر من عشرة أمثال. ولا يقتصر هذا الإنخفاض على إنتاجية الفلاح العربي وحده بل يتخطى هذا إلى إنتاجية مواشيه وطيوره أيضاً. فبقرة الفلاح العربي تدرّ في السنة عدداً يتراوح ما بين 600 و700 لتراً من اللبن، بينما تدرّ البقرة في المزرعة اليهودية عددا يتراوح ما بين 3000 و4000. والدجاجة العادية في المزعة العربية لا تضع أكثر من 45 بيضة في السنة، بينما تضع الدجاجة في المزرعة اليهودية ما يقرب من 250 بيضة في السنة.. إلخ”!
(Dr. Borovitz, Economic Survey of Palestine, P. 41).
فالمزارع العربية إذن لم تفد شيئاً من الآلية الحديثة التي لم يدخلها اليهود في فلسطين إلا في مزارعهم الخاصة. يضاف إلى هذا أن الهجرة اليهودية قد طردت عدداً كبيراً من الفلاحين العرب من الأراضي التي كانوا يعيشون عليها بعرق الجبين، وأن الاقتصاد الفلسطيني اليهودي قد وقف عثرة في سبيل الإصلاح الزراعي في البلاد، وذلك على الرغم من تصريحات زعماء الصهيونية الزائفة، وعلى الرغم من ألفاظهم المعسولة.
ولقد اضطرت الوكالة اليهودية نفسها في سنة 1930 إلى أن تعترف أمام لجنة التحقيق الحكومية بأن 688 من المستأجرين العرب قد طردوا هم وعائلاتهم من مزارعهم في وادي الجسريل
(Report of The jewish Agency forwarded of sir john Hope Simpson).
ومن الجائز أن يكون هذا الإحصاء الرسمي أقل من الواقع بكثير. وإذا أدخلنا في تقديرنا أيضاً الزيادة المطردة التي طرأت على الاستعمار الصهيوني منذ سنة 1930 إلى الآن، فإننا لا نبالغ إذا قلنا أن بضعة ألوف من المستأجرين العرب قد فقدوا أراضيهم نهائياً.

ص 46
“ولكنّا دفعنا تعويضاً كاملاَ عن الأراضي!”. هكذا يجيب دجالو الصهيونية. فما هذا التعويض الذي يتشدّقون به؟ إنك لتستطيع أن تقرأ للدكتور جرانوفسكي مدير الخزانة الوطنية اليهودية أن هذا التعويض لم يصل في المتوسط إلى أكثر من 7ر41 ج. ف عن العائلة
(Dr. A. Granovsky land and The jewish national Fund In Palestine).
ومن البديهي أن هذا المقدار لم يوزّع بالتساوي على المستأجرين. فبعض الأسر كان يتقاضى على سبيل الرشوة نسبة أعلى حتى يتغاضى عن الأضرار التي تلحقها الصهيونية بمصالح العرب، وبعضها كان يطرد من أراضيه نظير نسبة ضئيلة جداً. يضاف إلى هذا أن ديون المستأجرين كانت تدفع من هذه التعويضات. وقد جاء في تقرير اللجنة الحكومية التي أُلّفت لدراسة حالة الفلاحين في سنة 1930 أن هذه الديون قد بلغت 27 ج. ف في المتوسط
(Report of a Committee on the Economic Conditions of Agri-culturists in Palestine, etc. Jerusalem, 1930, Johnson-Crosbie Report).
فهل بعد هذا يمكن أن يسمى هذا التعويض تعويضاً كاملاً؟ كلا بطبيعة الحال! ولكن الدجل الصهيوني لا يقف عند حد!
“ولكن شراء الصهيونيين لأراضي العرب قد وضع في أيديهم مقادير ضخمة من النقود”. هكذا يجيب دجالو الصهيونية. ولكن من هم الذين يبيعون هذه الأراضي إلى الصهيونيين؟ صغار الفلاحين أم كبار الملاك؟ إن وادي الجسريل بأكمله يكاد يكون قد اشترى من عائلة واحدة (سرسق) حصلت على هذه المساحات الواسعة من الأتراك في سنة 1872. لقد باعت هذه العائلة لليهود مساحة من الأرض تشمل 20 قرية بما فيها من سكان وبما عليها من مواشي وطيور. وإن سميلانسكي أحد زعماء الصهيونية يقرّر أن من 90 إلى 95% من الأراضي التي بيعت إلى الصهيونيين كانت في ملك كبار المُلاك، وأن من 5 إلى 10% فقط كانت في ملك صغار المُلّاك
(Mr. Smilansky: Zionist Settlment And The Fellah).
وعلى هذا فإن “المبالغ الضخمة التي يشير إليها الصهيونيين لم تذهب إلا إلى جيوب هؤلاء المُلّاك الكبار. فهل بعد هذا يمكن أن يقال أن شراء الصهيونيين لأراضي العرب قد وضع في أيديهم مبالغ ضخمة من النقود؟ كلا بطبيعة الحال! ولكن الدجل الصهيوني لا يقف عند حد.
ولعل في هذا تفسيراً للمعارضة الشديدة التي جابه بها الصهيونيون قانون حماية المستأجرين، وتفسيراً لارتباط التوسع الصهيوني بوجود طبقة من المُلّاك الإقطاعيين الكبار في فلسطين. إذ لو كان الفلاح العربي يمتلك الأرض التي يرتبط بها ويعمل فيها مدى الحياة لما استطاع الصهيونيون إغراءه بأي وسيلة من الوسائل على أن يتنازل عنها مقابل أي تعويض مالي. ومن هنا محابة الصهيونية لأي إصلاح زراعي أو أي تحسن في حالة الفلاح. وليس أدلّ على هذا مما جاء في الخطاب الصريح الذي ألقاه أوسثكين الرئيس السابق للخزانة الوطنية اليهودية في مؤتمر للمعلمين: “في هذه البلاد منظمة خاصة تعنى ببيع الأسمدة الكيماوية. إنها تستخدم هيئة بأكملها من المهندسين الزراعيين ينتقلون من قرية إلى قرية ويعلّمون الفلاح كيف يسمّد أرضه. يضاف إلى هذا أنهم يقدمون له السماد بالنسيئة وبشروط دفع سهلة. ومن المؤكّد أن هذا النشاط نشاط مدني طيب. فالفلاح الذي كان بالأمس يكاد لا يستدر من أرضه ربحاً ما أصبح دخله الآن يرتفع سنة بعد سنة. ومن الواضح أن ظروف شراء الأرض ستسوء بتحسن الظروف الزراعية. وإلى جانب هذا فإن دعاية ضخمة تبذل بين العرب لتأسيس بنك زراعي يخدم الفلاح ومالك الأرض الكبير أيضاً. ولو تحقّق هذا فإن شراء الأرض سيكون أكثر صعوبة” (امتاز هذا الخطاب بالصراحة التامة لأنه لم يكن معدّاً للدعاية الصهيونية العامة). فهل يمكن بعد هذا أن يقال أن الحركة الصهيونية حركة تقدمية؟ كلا بطبيعة الحال! ولكن الدجل الصهيوني لا يقف عند حد.
لقد كان في طبيعة الصهيونية أن تقاطع منتجات الفلاح لأن في مثل هذه المقاطعة مساهمة في استمرار تأخر المزرعة العربية عن المزرعة اليهودية، ولأنه بغير هذه المقاطعة يكون من العسير على الصهيونية أن تستمر في التوسع، ويكون من المستحيل عليها أن تحافظ على عزلة الاقتصاد الصهيوني، وأن تبقى في البلاد على مستويين للحياة يختلف كل منهما عن الآخر اختلافاً تامّاً: مستوى يهودي مرتفع (متوسط دخل أسرة الفلاح اليهودي يتراوح بين 100 ج و150 جنيه في السنة) ومتوسط عربي منخفض (متوسط دخل أسرة الفلاح العربي يتراوح بين 15 ج و25ج قبل الحرب). فهذا الفرق بين المستويين (اليهودي المرتفع والعربي المنخفض) فرق ضخم لا يمكن عبوره عن طريق التكنيك الحديث وحده. ومن هنا فقد كان لابد من خلق قنطرة جديدة يمكن عن طريقها عبور هذا الفرق، وتمثلت هذه القنطرة برفع أثمان المنتجات اليهودية. وهكذا فإنك تجد مثلاً أن ثمن البيضة المستوردة من المزرعة العربية كانت قبل الحرب ملين أو ثلاثة ملات، في حين أن بيضة المزرعة اليهودية كانت تُباع بستة ملات. وقس على هذا أثمان الخضروات والفواكه المختلفة.. إلخ، فإن ثمنها كان أعلى إذا أنتجها اليهود عن ثمنها فيما لو أنتجها العرب. ولكن طرد المنتجات العربية من الاقتصاد اليهودي لم يكن من الممكن تحقيقه وأثمانها أقل من أثمان المنتجات اليهودية إلا بالالتجاء إلى وسائل العنف. ومن هنا الحوادث التي كان يصب اليهود فيها الكيروسين على الخضروات والفواكه التي كان يجلبها العرب إلى السوق اليهودية. ومن هنا حوادث الاعتداءات المتكرّرة على الفلاحين العرب من الرجال والنساء الذين كانوا يتجاسرون على اجتياز هذه السوق لطرح منتجاتهم فيها. فهل يمكن بعد هذا أن يقال أن الحركة الصهيونية حركة خدمت الزراعة العربية والفلاح العربي؟ كلا بطبيعة الحال! ولكن الدجل الصهيوني لا يقف عند حد!.

                الصهيونية والعمال العرب

ويعلن الصهيونيون بنوع من الفخر أنهم قد حوّلوا فلسطين إلى بلاد صناعية. ولكن سؤالاً بسيطاً يبرز في رأس كل عامل عربي: ماذا كان نصيبه من هذا التقدم؟
إن 18000 فحسب هم الذين يشتغلون في الصناعة العربية. ومن بين هؤلاء 10000 عامل. ولعل في هذا ما يدل على ضآلة المشروعات الصناعية العربية. إن معظم هذه المشروعات لا يضم أكثر من عامل أو عاملين كما أنه ليس فيها مشروع واحد يضم أكثر من 100 عامل. ورأس مال هذه الصناعة يبلغ 2500000 ج. ومتوسط رأس مال المشروع يبلغ بين 500ج و600ج. إنها صناعة بدائية لم تستخدم بعد الآلية الضخمة كما أن معظمها يقوم على العمل اليدوي
(Abramovitz-Gelfac, The Arab Economy, p. 61- Hebrew).
أما الصناعة اليهودية فإن 60000 يشتغلون فيها، كما أن إنتاجها قد بلغت قيمته 40,000,000ج. يضاف إلى ذلك أنها مزودة بأحدث وسائل الإنتاج.
فالصهيونية لم تعمل إذن على تحسين حالة الصناعة العربية. وهذا طبيعي للغاية. فالاقتصاد الصهيوني لا يمكن أن يساعد الصناعة العربية في الوقت ذاته الذي يعمل فيه على مقاطعة منتجات هذه الصناعة مقاطعة تامّة، وعلى مقاطعة منتجات الفلاح العربي واليد العاملة العربية في نطاق واسع. إن “المساعدة” الوحيدة التي يمكن أن يقدمها الاقتصاد الصهيوني للصناعة العربية هي المنافسة أي التحطيم. فهل يمكن أن يقال بعد هذا أن الحركة الصهيونية قد حوّلت فلسطين إلى بلد صناعي؟ كلا بطبيعة الحال! ولكن الدجل الصهيوني لا يقف عند حد!.
وقد يعطي عدد العمال العرب الذين يشتغلون الآن في الحكومة فكرة عن مدى انتشار التعطّل بين هؤلاء العمال قبل الحرب. لقد كان بعض العمال العرب لا يجد عملاً بالكلية وكان بعضهم الآخر لا يجد العمل إلا لفترة معينة من السنة يُلقى بعدها في جحيم التعطل. إن 14 مصلحة حكومية قد شغّلت في سبتمبر سنة 1942 عدداً يبلغ 103411 من بينهم 90,000 عامل عربي (الإحصاءات الحكومية). يضاف إلى هذا 30,000 من العرب اشتغلوا في الجيش. أي أن المجموع بلغ 120,000.
إن اليهود لم يستخدموا حتى عندما كانت اليد العاملة اليهودية نادرة أكثر من 8000 أو 10,000 عامل عربي. وقد حدث هذا على الرغم من المعارضة الشديدة التي كان يبديها الصهيونيون والتي كانت تصل في كثير من الحالات إلى استعمال وسائل العنف. فهل بعد هذا يمكن أن يقال أن الحركة الصهيونية قد خدمت العمال العرب في فلسطين؟ كلا بطبيعة الحال! ولكن الدجل الصهيوني لا يقف عند حد!.
ولطالما نادى بن جيريون نفسه بمثل هذه العبارات: “إن العمال اليهود لن يكون في مقدورهم مطلقاً أن يشتغلوا 8 ساعات في اليوم إذا أُرغم العرب على الاشتغال 10 ساعات أو 12 ساعة في اليوم. إن العامل اليهودي لن يكون في مقدوره مطلقاً أن يحصل على 30 قرشاً في اليوم إذا كان العربي يبيع عمله مقابل 15 قرشاً أو أقل” (We And Our Neighbours, P. 74). إن “الهستادروت” Histadrut) أو اتحاد العمل اليهودي) لعلى أتم الاستعداد لقبول جميع عمال فلسطين دونما تمييز بين الجنسيات أو الأديان” (المرجع نفسه. ص 79). ولكن المقصود بهذه العبارات المعسولة هو تغطية الحقائق المرّة التي ألحقتها الحركة الصهيونية بعرب فلسطين. ففي تل أبيب مثلاً حيث يبلغ عدد سكان المدينة 200,000 لا يوجد عامل عربي واحد. والمشروعات الصناعية التابعة للهستادروت تكاد لا تستخدم من العمال العرب أحداً. والتعاونيات المرتبطة بالهستادروت ليس فيها أعضاء من العرب إطلاقاً. وعندما تضطر في بعض الأحايين وكالة التعاقد في الهستادروت التي تحصل على عقود بملايين الجنيهات إلى طلب عدد من العمال العرب في عقودها العسكرية والحكومية والبلدية فإنها لا تدفع لهم إلا ثلث أو نصف الأجر الذي يُدفع عادة للعامل اليهودي. فهل بعد هذا يمكن أن يُقال أن الحركة الصهيونية قد خدمت العمال العرب في فلسطين؟ كلا بطبيعة الحال! ولكن الدجل الصهيوني لا يقف عن حد!.

         الصهيونية والصحة والتعليم بين العرب

ويعلن الصهيونيون بنوع من الفخر ـأنهم قد ساهموا بالتقدم الصحي والثقافي في فلسطين العربية. فهل هذا صحيح؟ من الواضح أن الصحة العامة قد تحسنت في فلسطين عما كانت عليه من قبل. ومن الواضح أيضاً أن نسبة التعليم قد ارتفعت فيها عما كانت عليه من قبل. إنها ظاهرة طبيعية اشتركت فيها بلاد الشرق العربي كله خلال السنوات العشرين الماضية. وليس يعنينا هنا أن نبحث إلى أي حد ساهمت الحكومة في كل من هاتين النهضتين الصحية والعلمية. وإنما يعنينا أن نكشف القناع عن نصيب الصهيونية في هذا التقدم إن كان لها فيه أي نصيب.
هناك بعض أرقام لها دلالة واضحة. فمن بين 655175 شخصاً تردّدوا على المستشفيات اليهودية في سنة 1940 لم يكن هناك سوى 2038 من المسلمين أي بنسبة 3/1% (الملخص الاحصائي لفلسطين 1941). فهل بعد هذا يمكن أن يقال أن الحركة الصهيونية قد ساهمت في رفع مستوى الصحة العامة بين عرب فلسطين؟ كلا بطبيعة الحال! ولكن الدجل الصهيوني لا يقف عن حد!.
أما التعليم فإن المدارس اليهودية المتعددة الموجودة بالبلاد لا تقبل الطلبة العرب إطلاقاً. ولقد حدث (وفي هذا مغزى عميق) أن ترك أحد الأغنياء وهو كادوري اليهودي العراقي في وصيته مبلغاً كبيراً للتعليم الزراعي في فلسطين فأنشأت الحكومة تنفيذاً لرغبته مدرسة عربية إلى جانب المدرسة اليهودية فما كان من الصحافة الصهيونية إلا أن ثارت ثائرتها معارضة منها لفتح المدرسة العربية! فهل بعد هذا يمكن أن يقال أن الحركة الصهيونية قد ساهمت في رفع مستوى التعليم بين عرب فلسطين؟ كلا بطبيعة الحال! ولكن الدجل الصهيوني لا يقف عند حد!.

       الصهيونية والحركة الدستورية في فلسطين

لا يستطيع الصهيونيون أن يعلنوا هنا لا بفخر ولا بغير فخر أنهم قد اشتركوا في الحركة الدستورية العربية. إذ ليس في مستعمرات الامبراطورية كلها مستعمرة واحدة فيها نظام أوتوقراطي سافر كما هي الحال في فلسطين. إنها محرومة من أي تمثيل برلماني بل ومحرومة من هيئة استشارية. والحجّة التي تتذرّع بها الحكومة أمام العرب بعد تحقيق النظام النيابي في البلاد تتلخص في أن الصهيونيين لا يوافقون على تحقيق النظم الديموقراطية في فلسطين لأنهم سيكونون عند ذاك في الأقلية.
فأية حجّة!
إن هؤلاء الصهيونيين أنفسهم يقيمون “حقهم” الباطل في فلسطين، و”حقهم” الباطل في الهجرة التي لا حدّ لها إلى فلسطين، على قاعدة “الحقوق الديموقراطية” للشعوب، ومع هذا ينكرون على الشعب العربي حقه العادل في أن يكون له نظام ديموقراطي، وأن يكون له تمثيل نيابي! لماذا؟ لأن الصهيونيين لا يرضيهم أن يكونوا في الأقلية!.
فأية حجّة!
من ستة وعشرين عاماً وفلسطين تُحكم بمقتضى القوانين الاستثنائية! منذ ستة وعشرين عاماً وكل شيء جائز في فلسطين! أن يُقبض على أي شخص في أي وقت بناء على أمر الإدارة! أن يُلقى بأي شخص في السجن لأجل غير مسمّى بناء على أمر الإدارة! لا قضاء عادي ولا طرق عادية لتحقيق العدالة! لماذا؟ لأن الصهيونيين لا يُرضيهم أن يكونوا في الأقلية!.
فأية حجّة!
إن هؤلاء الصهيونيين أنفسهم يتشدّقون “بتضامنهم” مع الشعوب المكافحة من أجل حريتها (مع الحبشة والصين.. إلخ)، في الوقت ذاته يعلنون فيه حرباً سافرة في فلسطين على الحركة الديموقراطية، ويطالبون فيه أن يُحكم عرب فلسطين بيد من حديد! لماذا؟ لأن الصهيونيين لا يُرضيهم أن يكونوا في الأقلية!.
فأية حجّة!
لقد تخطّى بن جيريون نفسه عندما ذكر في مقال له في سنة 1928: “من أجل المحافظة على السلم في البلاد، ومن أجل حماية جماهير الفلاحين من ملّاك الأرض الكبار، ومن أجل تأمين هجرة اليهود وصيانة حقهم في الوطن القومي، يجب استمرار حكم الانتداب”! نظام أوتوقراطي وحماية للفلاح وتوسّع صهيوني واستمرار للانتداب! المتناقضات مجتمعة! فماذا يمكن أن يُسمّى هذا؟ رياء؟ أم سخرية؟ أم شرّ من هذا وذاك؟.
وبعد:
فتلك نواحٍ أوردناها على سبيل التمثيل لا الحصر!
ولكن ماذا كان موقف الطبقات العربية من التوسع الصهيوني في فلسطين؟ ماذا كان موقف ملّاك الأرض الإقطاعيين؟ وموقف البرجوازيين؟ وموقف الطبقات العاملة. إن الطبقات العربية كلها باستثناء بعض المتأرجحين الخونة من أفراد الطبقات العليا ثائرة ضد اليهود في فلسطين. ولكن تحديد موقف كل طبقة من هذه الطبقات يحتاج إلى شيء من الاستطراد سنسوقه هنا موجزين.

      ثورة الطبقات العربية على التوسع الصهيوني

هوّة سحيقة (شرحنا شيئاً من تفصيلاتها فيما سبق) تفصل ما بين اليهود والعرب في فلسطين. ومن هنا تألب الطبقات العربية في مجموعها على التوسع الصهيوني في فلسطين: طبقة ملّاك الأرض الإقطاعيين وطبقة البرجوازيين ثم الطبقات العاملة.
أما ملّاك الأرض الإقطاعيين فإن أغلبيتهم الساحقة معادية للصهيونيين بل ومعادية لليهود كيهود. إنهم بحكم طبقتهم يكرهون أي تغيّر يطرأ على حياة البلاد ويتوقون إلى ظروف الماضي وأوضاعه: ظروف النظام الإقطاعي الآخذ في التصدّع! ومن هنا حملات الإرهاب والإفناء التي يثيرونها ضد اليهود. ولكن هذا لا يمنع بطبيعة الحال من وجود فريق من بينهم مستعد لاتباع سياسة إمّا مع الاستعمارية على حساب الصهيونية وإمّا مع الاستعمارية والصهيونية معاً. ومثل من أمثلة الاتجاه الأول جمال الحسيني الذي أعلن مرة أنه ليسرّ إذا رأى فلسطين تتحول إلى مستعمرة من مستعمرات التاج مقابل إيقاف الهجرة اليهودية. أمّا الاتجاه الثاني فإن عدداً من ملّاك الأرض قد تعاون فعلاً مع اليهود لأنه رأى في بيع أراضيه إليهم عملية مربحة. أغنى هؤلاء أنفسهم بملايين قليلة من الجنيهات، وما كان يعنيهم بعد هذا أن يطرد المستأجر من أرضه أو لا يطرد منها، ولا كان يعنيهم أن يُمنع الفلاح العربي أو لا يمنع من الاشتغال بالأرض التي أفلحها قبل أن تتحول إلى مستعمرة يهودية بعرق الجبين. ويرتبط هذا الفريق بالرأسمالية الناشئة بأكثر من رباط واحد. ومقل من الأمثلة البارزة لهذا الاتجاه عائلة النشاشيبي.
وأما البرجوازيون، وأغلبهم من أصل إقطاعي، فإنهم تابعون لرأس المال الأجنبي في معظم الحالات. فالرأسمالية العربية لم تتم بعد النمو الكافي، ولم تستقل بعد الاستقلال الكافي، الذين يسمحان لها بأن تضع يدها على مفاتيح الصناعة الفلسطينية، أو أن تنزع هذه المفاتيح من يدي رأس المال الاستعماري. هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن الصناعة الخفيفة بأكملها تكاد تكون في أيدي الصهيونيين. ومن هنا الصراع الاقتصادي ثم السياسي الذي تخوضه الرأسمالية العربية ضد رأس المال الاستعماري وضد رأس المال الصهيوني. ولكن نظراً لضعف الرأسمالية العربية من ناحية النمو الاقتصادي، ونظراً لاعتمادها على رأس المال الأجنبي، ونظراً لارتباطها بطبقة مُلّاك الأرض، فإن أقساماً منها يؤدي بها كفاحها إلى المساومة، ثم إلى التعاون على نحو من الأنحاء.
وأما الطبقات العاملة، وهي أدنى الطبقات في المجتمع العربي، فإن مقاومتها للصهيونيين أشد وأعنف. وليس هذا من مواليد المصادفة. إنما هو من مواليد الظروف المادية. فالطبقات الدنيا في المجتمع العربي هي التي لاقت من التوسّع الصهيوني أشد أنواع الضغط وأعنف ألوان الاضطهاد. يضاف إلى هذا أنه ليس من مصلحتها، ولا من مصلحة فريق منها، أن يتبع سياسة المساومة أو التعاون. وأما الأسطورة التي يحاول الصهيونيون إذاعتها في الخارج من أن هذه الطبقات إن كانت تخوض حرباً ضد هؤلاء الصهيونيين فهي تخوض هذه الحرب، لا بوحي من نفسها، وإنما بإيعاز من مهيجي الطبقات الاقطاعية، فتلك أكذوبة ضخمة. فالمجتمع العربي يشهد اليوم في فلسطين حركة شعبية آخذة في النمو، ويشهد بالتالي مقاومة للصهيونية يتناسب عنفها مع ذلك العنف. وتحرّر الشعب العربي من ويلات الصهيونية مرتبط إلى أكبر حدّ بهذه الحركة الشعبية.
لقد كان لزحف اليهود إلى فلسطين رد فعل طبيعي من عرب فلسطين. فالدعوة إلى الزحف قابلتها دعوة أحد ضد الزحف. وتلك اليوم صيحة كل عربي في فلسطين: أيها اليهود ابتعدوا عن فلسطين! صيحة يزكيها الكفاح: كفاح الشعوب العربية جمعاء، وكفاح الشعوب المناضل في العالم من أجل الحريات. ولسوف يستمر هذا الكفاح، كأعنف ما يكون الكفاح، حتى يتحقق للشعب العربي في فلسطين أمل في الاستقلال والحرية طال سعيه إلى تحقيقه.
ومع هذا يتشبّث الصهيونيون بالصهيونية، كأنما لا يستطيع أن يعيش اليهود إلا في فلسطين على حساب العرب وضد إرادة العرب. يتشبثون بها إلى حد الجنون. وحادث الباخرة “باتويا” ليس ببعيد. فمنذ سنوات قليلة نسف الصهيونيون بالديناميت الباخرة “باتويا”، وهي محمّلة بالمهاجرين في طريقها إلى جزيرة موريتيوس، التي كانت الحكومة البريطانية قد منحتها لهم كملجأ مؤقت! إما الموت في قاع البحر وإما الخلاص في فلسطين! هذا هو الاحتجاج الإجرامي الذي وجّهته الصهيونية ضد الكتاب الأبيض!
ولكن في هذه الظروف المتعدّدة: ظروف تأرجح السياسة الاستعمارية بين اليهود والعرب خدمة لمصالحها من جهة، وظروف ضغط الحركة العربية المضادة لليهود في فلسطين من جهة أخرى، برزت إلى الوجود أسطورة جديدة، نادى المنادون بها من بين الصهيونيين: فكرة “الوطن المشترك” أو “الدولة المشتركة” بين العرب واليهود. فماذا يقول أنصار هذه الفكرة؟ وهل تستطيع دعوتهم أن تقف أمام الأحداث؟ إنها لا تستطيع ولن تستطيع.

الدعوة إلى إنشاء “وطن مشترك” بين العرب واليهود في فلسطين

السلم والتعاون مع العرب!

“الوطن المشترك” أو “الدولة المشتركة” بين اليهود والعرب!
تلك هي الأسطورة الجديدة التي أعلنها جناح ماكر من أجنحة الصهيونية. ولكن العرب يقولون لا وسيقولون لا! أيها اليهود ابتعدوا عن فلسطين!
وينطوي هذا الجناح على اتجاهين: الأول تمثله حركة هاشومر هاتسير
(Hashoemer Hatsair) التي يؤيدها ما يقرب من 20,000 ناخب والثاني تمثله جماعة صغيرة من البرجوازيين الأحرار أمثال الدكتور ماجنيز كالفاريسكس. أما الاتجاه الأول فإن لسانه الناطق باسمه يحمل هذا الشعار: “من أجل الصهيونية. من أجل الاشتراكية.,. ومن أجل التضامن بين الشعوب”. الصهيونية من جهة والاشتراكية والتضامن بين الشعوب من جهة أخرى! المتناقضات مجتمعة! فكيف يمكن أن يفسّر هذا؟ استمع إلى ياري زعيم الحركة: “وحتى لو تحقق الاتحاد العربي فإنه لن يضم إلا هؤلاء العرب الذين يعيشون في هذه البلاد. فإذا افترضنا أن بهذه البلاد 12 مليوناً من العرب (يبدو أن الزعيم قد نسي هنا أن يدخل في حسابه مصر وغيرها من البلاد العربية) فإن بالعالم ما لا يقل عن 12 مليوناً من اليهود في حاجة إلى الخلاص الصهيوني. إننا نكافح من أجل حل كامل داخل إطار فلسطين والبلاد المحيطة بها يقوم على قاعدة المساواة بين اليهود والشعوب العربية”. “إن المشكلة الشاغلة لنا جميعاً هي: ما أكثر الطرق عملية أمام اليهود حتى لا يكونوا أقلية في فلسطين؟ إننا لا يجب أن نغمض أعيينا عن الحقيقة: عن أن مصيرنا ستقرره القوى الظافرة، وأننا لن نستطيع في مدّة يوم واحد أن نحصل على الاستقلال في فلسطين”.
(من خطاب ألقاه في 10 نوفمبر سنة 1942 أمام المجلس التنفيذي الصهيوني الداخلي لكي يشرح فيه بعض مبادئ حركته).
وعلى هذا فإن حركة هاشومير هاتسير لا تؤيد فكرة الدولة اليهودية في فلسطين لسببين: الأول أنها قانعة بها. إذ يبدو أن شهيتها أوسع بكثير من شهية الصهيونيين الرسميين. فهي لا تكتفي بأغلبية فلسطين، وإنما ترغب أيضاً بالمساواة العددية بين اليهود والعرب في فلسطين مضافاً إليها البلاد المجاورة. والثاني أنها تخشى أكثر ممّا يخشى الصهيونيون الرسميون أن يكون من المستحيل الحصول في مدّة يوم واحد على الاستقلال الكامل في فلسطين، هذا هو جوهر مذهب “الوطن المشترك” أو “الدولة المشتركة” وجوهر “التضامن العالمي” بين الشعوب الذي تدعو إليه حركة هاشومير هاتسير!.
واليهود مستعدون بطبيعة الحال أن يعيشوا بسلام مع العرب على هذا الأساس. ولكنهم نسوا شيئاً واحداً. نسوا أن العرب يقولون لا وسيقولون لا! أيها اليهود ابتعدوا عن فلسطين!.
لقد وضعت حركة هاشومير هاتسير مقابل البرنامج الصهيوني الرسمي (المعروف باسم تصريح بلتمور والذي يدعو إلى تحويل فلسطين إلى ملك لليهود) هذه النقط: أولا فتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية. ثانياً إقامة نظام سياسي في فلسطين يوضع تحت رقابة دولية تعطي للوكالة اليهودية الحق في تنفيذ الهجرة اليهودية طبقاً لمقدرة البلاد الكاملة على الامتصاص الاقتصادي على أن ينظر بعين الاعتبار إلى حالة اليهود بالبلاد الأخرى في نهاية الحرب. ثالثاً منح الوكالة اليهودية السلطة اللازمة لتنمية البلاد وتعميرها (بما في ذلك جميع الأراضي المملوكة للحكومة والمساحات غير الآهلة بالسكان) خدمة لمصالح الفريقين مما يجعل الاستعمار اليهودي الكثيف ممكناً وكذلك تقدم الاقتصاد العربي. رابعاً إقامة نظام بعد الحرب في فلسطين يقوم على قاعدة المساواة السياسية بين الشعبين ويمكّن الصهيونية من تحقيق أهدافها دون ما عرقلة ويدفع البلاد نحو الاستقلال السياسي داخل إطار “الوطن المشترك”
(Against The Stream Collection Of Articles).
هذا هو جوهر “الاشتراكية” وجوهر “التعاون” بين الشعبين العربي واليهودي الذي تدعو إليه حركة هاشومير هاتسير! واليهود مستعدون بطبيعة الحال أن يقبلوا التعاون مع العرب على هذا الأساس. ولكنهم نسوا شيئاً واحداً! نسوا أن العرب يقولون لا وسيقولون لا! أيها اليهود ابتعدوا عن فلسطين!.
وأما الاتجاه الثاني (اتجاه بعض البرجوازيين الأحرار أمثال الدكتور ماجنيز وكالفاريسكي) فإنه غير مؤيد بأي حركة واسعة. ومع هذا فإن لجماعة الدكتور ماجنيز المسماة “ايهود” (Ihud) برنامجاً سياسياً يستدعي النظر. استمع إليه في خطاب أرسله إلى محرّر الإكونمويست بتاريخ 31 يناير 1944:
“إن جماعة الايهود تؤيد بشدّة اتحاد هذه الأقاليم الأربعة (فلسطين وشرق الأردن وسوريا ولبنان)، ليس فقط لأن مثل هذا الاتحاد سليم من الناحية التاريخية، وإنما أيضاً بل وأولا لأننا نعتقد أن مثل هذا الاتحاد يمكن أن يكون عوناً بتّاً لليهود. إن اتحاداً كهذا يمكن أن يخلق وسطاً أوسع من الجائز أن يعطي للمشكلة الفلسطينية ردّاً أكرم. فلو تحقق هذا الاتحاد الذي قد يجمع من السكان العرب ما يقرب من خمسة ملايين فإن العرب لن يكونوا في حاجة بعدها إلى الخوف الذي يخافونه اليوم من أن تكتسحهم الهجرة اليهودية الواسعة. إن بفلسطين اليوم أكثر من نصف مليون يهودي وأكثر من مليون عربي. وما تدعو إليه جماعة الايهود هو السماح للسكان اليهود بأن يبلغوا مبلغ السكان العرب أي أن تُعطى الفرصة لنصف مليون يهودي آخر لدخول فلسطين”.
ولكن هل يستطيع الدكتور ماجنيز أن يجيب على هذه الأسئلة؟
أولاً: إذا افترضنا أن هذه الفكرة قد تحققت فما الذي يمنع الصهيونيين من أن يعلنوا خوفهم من الأغلبية العربية داخل الاتحاد؟ من الجائز أن يقترح الدكتور ماجنيز هنا المساواة بين اليهود والعرب داخل الاتحاد كله. ولكن ماذا يكون الحل لو رفض العرب؟ هل سيقترح الدكتور ماجنيز عندها إنشاء اتحاد أوسع؟ ثم ألا يكون هذا توسعا صهيونياً مُقنّعاً؟.
ثانياً: على أي أساس يريد الدكتور ماجنيز أن يقنع العرب بأن الصهيونية التي خلقت هوّة سحيقة بين المجتمعين العربي واليهودي في فلسطين وذلك عن طريق المقاطعة التامة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية سوف تغير اتجاهها فجأة عندما يزداد عدد اليهود بالبلاد؟
ثالثاً: إذا كان الصهيونيون يريدون حقاً أن يكتسبوا ثقة العرب، فهل هم على استعداد حقيقي لتصفية هذه المقاطعة الوطنية بشتّى صورها، وهل هم على استعداد حقيقي لتأييد المطالب الديموقراطية التي يكافح من أجلها الشعب العربي.
الجواب على كل هذا بالنفي! وما من عربي سوف يوافق على دخول نصف مليون جديد من اليهود لكي ينضم إلى القلعة الصهيونية المغلقة. أما إذا انهارت أسوار هذه القلعة فإن هذا سيكون معناه الموت الطبيعي لفكرة الصهيونية التي لن تجد لنفسها مكاناً خارج هذه الأسوار. إن برنامج الدكتور ماجنيز وشركاه لا يخرج عن يكون ايتوبيا خرافية. وهو إلى جانب هذا مؤيد مكشوف للسياسة الإمبريالية لأنها هي وحدها التي تستطيع أن تقيم التوازن بين الصهيونية وأماني العرب الوطنية. استمع إلى الاقتراحات التي قدمتها هذه الجماعة إلى الوكالة اليهودية في سنة 1930 عن السياسة العربية (يلاحظ أن اسم هذه الجماعة كان في ذلك الوقت Brith Shalom Society):
“أن يكون الوضع السياسي لسلطة الانتداب بالبلاد بشكل يضمن الاستقرار في العلاقات بين الشعبين الذين يعيشان في هذه البلاد ويوطّد الأمن العام فيها ويحمي حدودها ويحافظ على المصالح الخاصة البريطانية والدولية لسلطة الانتداب في فلسطين”.
هذا هو جوهر “السلم” بين الشعب اليهودي الذي يدعو إليه الدكتور ماجنيز وشركاه. واليهود مستعدين بطبيعة الحال أن يقبلوا فكرة “السلم” على هذا الأساس. ولكنهم نسوا شيئاً واحداً. نسوا أن العرب يقولون لا وسيقولون لا! أيها اليهود ابتعدوا عن فلسطين!.
“نبتعد عن فلسطين؟ وإذن فأين يكون الخلاص؟”. هكذا يجيب دجّالو الصهيونية. ألا يكون الخلاص إلا في فلسطين؟ “كبش الفداء”؟ تلك هي مأساتهم التاريخية! والصهيونية لم تخلق لكم شيئاً بقدر ما خلقت منكم في فلسطين كبشاً للفداء. إن مصيركم في فلسطين لن يكون غير السحق بين المطرقة والسندان: بين الأماني العربية والمطامع الاستعمارية. إن لعنة الأجيال ستنصبّ عليكم في قلب الشرق الأوسط فابتعدوا عن فلسطين لأن الخلاص لن يكون في فلسطين.
“نبتعد عن فلسطين؟ وإذن فماذا يكون العمل؟”. السؤال نفسه يتردّد على ألسنة اليهود في كل مكان. السؤال نفسه تبرزه الظروف الاجتماعية والتاريخية (على الرغم من كفاح الصهيونية الطويل) على لوحة المستقبل. وفي كفاح الشعوب العالمي من أجل “الحريات” ضد الديكتاتورية (بشتى صورها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المُقنّعة وغير المُقنّعة) وفي وقوف اليهود (فقراءهم لا أغنياءهم) إلى جانب هذه الشعوب وجه آخر هو الوجه الصحيح للرد على هذا السؤال.

       الحل الوحيد أو الحل العالمي من أجل “الحرّيات”

خرج النظام الرأسمالي بانتهاء القرن التاسع عشر من مرحلته “الحرّة” ليدخل في مرحلته الاستعمارية كما ذكرنا فيما سبق، وانعكس هذا التطوّر على القومية اليهودية فتحولت من “الهسكالا” إلى الصهيونية. ولكن تطوّر الرأسمالي نفسه واندلاع متناقضاته على سطح الأحداث الاجتماعية والتاريخية وارتطام هذه المتناقضات بعنف لم يشهد التاريخ مثله.. كل هذا كان له انعكاس آخر على القومية اليهودية جعلها تأخذ في التحوّل من الوطنية المتعصبة إلى العالمية المتحرّرة فاندفع كثير من اليهود (فقارؤهم لا أغنياؤهم) إلى السير في صفوف “الجيش العالمي” المناضل من أجل “الحريات جمعاء” ومن أجل توليد “المركّب الاجتماعي الجديد”.
والاتجاه التقدمي ليس اتجاهاً طارئاً على اليهود. فلقد خرج من بين الجماعات اليهودية وتخطى أسوار “الجيتو” عدد كبير من اليهود كان في طليعة المجاهدين الذين ناضلوا من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية إلى جانب زملائهم من غير اليهود في جميع الحركات التقدمية. ففي أثناء الردّة الاجتماعية التي أعقبت الحروب النابليونية لعب اليهود دوراً كبيراً في حركة التقدم التي قام بها البرجوازيون الأحرار. وهنريك هيني الشاعر اليهودي الكبير كان محارباً من المحاربين في سبيل الحرية. وماركس المنحدر من أصل يهودي هو الذي خلق المادية الديالكتيكية ليقلب بها أيديولوجية النصف الثاني من القرن التاسع عشر وفي أعقابه القرن العشرين رأساً على عقب. وثورات سنتي 1838 و1848 لم تخلُ من الكفاح اليهودي ولا ثورة أكتوبر ولا الحرب الأهلية في اسبانيا فدخلتا منه وإنك لتجد اليوم آلافاً من اليهود يقفون جنباً إلى جنب مع الحركات الشعبية في جميع البلاد.
لم يكن إذن هذا الاتجاه طارئاً على اليهود. إنما هو انعكاس طبيعي تولّد من أسوار “الجيتو”، كما تولّدت منها الصهيونية المعاصرة. ولكن هناك بين الاتجاهين فرقاً واحداً ومع هذا فهو كل الفرق. الاتجاه الأول يحرّك عجلة التاريخ إلى الأمام والاتجاه الثاني يحاول أن يحركها إلى الوراء. الاتجاه الأول اتجاه ناجح في الزمن الطويل وإن أصابه بعض الفشل في الزمن القصير والاتجاه الثاني فاشل في الزمن الطويل وإن أصابه بعض النجاح في الزمن القصير!.
ومن بين الصهيونيين من يزعم أنه من المؤمنين بالمادية الديالكتيكية المكافحين من أجل “المركّب الاجتماعي الجديد” الذي تبشّر به، ومع هذا يركّز جهاده من أجل تحقيق ايتوبيا “الوطن القومي” أو “الدولة اليهودية”، وحجّته الباطلة أن هذا “المركّب الاجتماعي الجديد” لن يتحقّق إلا في المستقبل البعيد. وهم يعلنون هذا في الوقت ذاته الذي يعترف فيه الصهيونيون الرسميون بأن إنشاء الوطن القومي في فلسطين لن يتحقق في يوم وليلة إي أنه لن يتحقّق إلا في المستقبل البعيد. فماذا يمكن أن يُسمّى هذا؟ رياء؟ أم سخرية؟ أم شرّ من هذا وذاك؟
لقد لاحظ الصهيونيون أن تحوّل “المركّب الاجتماعي الرأسمالي” من “الحرية” إلى الاستعمارية قد خلق موجة من الحركات الجماعية المستقلة تعارض هذا “المركّب” وتعارض صور الضغط التي تلازمه بحكم التكوين. لاحظوا هذا، ولاحظوا أن جماهير اليهود (فقراءهم وأغنياءهم) قد أخذوا ينضمون إلى هذه الحركات الجماهيرية المستقلة، بعد أن أدركوا الكفاح من أجل حرياتهم، ومن أجل المساواة بين اليهود وغير اليهود في الحقوق مرتبط بل هو جزء من الصراع العالمي الذي تخوضه الجماهير من أجل التقدّم، سواء في الاقتصاد أو في السياسة، والذي سينتهي حتماً إن عاجلاً وإن آجلاً “بالمركّب الجديد” (مركّب الحريات جمعاء). لاحظوا هذا كله، وخشوا على الحركة اليهودية أن تفلت من بين يدي الدعوة الصهيونية، فخلعوا على أنفسهم ثوباً عالمياً مزيّفاً، خدعوا ببريقه بعض عمال اليهود، وزعموا أن الطبقات العاملة اليهودية لا يمكن أن توفّق ما بينها والطبقات العاملة العالمية نظراً للهوّة السحيقة التي خلقتها بينهما الظروف الاجتماعية والتاريخية، فأقامت أسوار “الجيتو”، وأشعلت حملات التأديب والتطهير ضد اليهود، وأدّت إلى نوع معيّن من عدم الثقة بين اليهود وغير اليهود.
واسمرار لهذا الزيف زعمهم الباطل أنهم يؤمنون بنظرية الصراع بين المتناقضات الاجتماعية لا التعاون بينها، في الوقت ذاته الذي ينادون فيه بضرورة ارجاء هذا الصراع، على الأقل فيما يتصل بالطبقات العاملة اليهودية إلى ما بعد إنشاء “الدولة اليهودية” التي يستطيع اليهود فيها وحدها أن يتضامنوا مع الشعوب في كفاحها من أجل الحريات. وهم يقيمون زعمهم هذا على أن الوضع الحالي الاقتصادي والسياسي الذي تحتله الجماهير اليهودية الكادحة لا يسمح لها بأن تخوض هذا الكفاح. فالتقدم الصناعي قد حطّم المركز الاقتصادي الذي كان يحتله مئات الألوف من أصحاب الحِرف اليهود، ولكنه لم يسمح لهم كما سمح لزملائهم من غير اليهود بالانخراط في سلك الطبقة العاملة الصحيحة، وإنما جعلهم يقتصرون على الصناعات الثانوية (كالحياكة مثلاً) دون الصناعات الثقيلة الرئيسية التي كوّنت هذه الطبقة في أحضانها، فالهدف المباشر إذن الذي يجب أن يوضع أمام اليهود هو إنشاء “الدولة اليهودية” لأن من هذه “الدولة” وحدها يمكن أن تتكوّن لليهود طبقة عاملة قوية سليمة تستطيع أن تضع يدها في يد الطبقة العاملة العالمية. وإنك لتستطيع أن تستشف النهاية الحتمية لكل هذا التفكير: تعاون فعلي بين المتناقضات الاجتماعية نظير وعد بالصراع في المستقبل. كفاح فعلي من أجل تحقيق “الدولة اليهودية” على حساب شعب آخر نظير وعد بتحطيم هذه الدولة في المستقبل. فماذا يمكن أن يُسمّى هذا؟ رياء؟ أم سخرية؟ أم شرّ من هذا وذاك؟
فإذا جئت إلى نقطة تحديد المكان الذي يمكن أن تقوم فيه هذه “الدولة اليهودية” فإنهم لن يتنازلوا عن فلسطين بالذات.
ولكن لماذا فلسطين بالذات؟ إنهم لا يستطيعون بطبيعة الحال أن يجيبوا على هذا السؤال إجابة منطقية صحيحة. إن بروشوف نفسه (مؤسس حركة العمل الصهيونية الذي يدّعي أنه من أنصار المادية الديالكتيكية) يدور ويدور حول هذه النقطة، ولكنه لا يستطيع أن يجيب. إنه يعلن “نظرية” لا يقدّم لإثباتها أي دليل مؤدّاها أن حركة يهودية ضخمة كان لا بد أن يقوم بها اليهود نحو فلسطين كانعكاس طبيعي لتزايد الاضطهاد في ظروف التصادم الحاد بين المتناقضات الاجتماعية، في الوقت الذي يثبت فيه الواقع التاريخي أن هذه الحركة الضخمة اتجهت نحو أمريكا وانجلترا وغيرهما من البلاد، وان أقلية يهودية هي التي اتجهت وحدها صوب فلسطين! إن بوروشوف “الماركسي” المزيّف ليتخلّى عن المادية الديالكتيكية ليرتمي في أحضان المثالية الصوفية، إن لم يكن لشيء آخر، فلمجرّد إصراره على فلسطين!.
ولكن إذا كان بوروشوف وأمثاله يرون أن من العسير على الجماهير اليهودية الكادحة أن تساهم في خوض الصراع العالمي من أجل الحريات فإن هذه الجماهير لا ترى هذا الرأي. فالواقع التاريخي يثبت أنها اشتكت فعلاً في جميع الحركات التقدّمية التي اندلعت في روسيا القيصرية، والتي بلغت قمتها في أكتوبر 1917، ويثبت أنها لعبت وما تزال تلعب دوراً في أميركا وانجلترا وفي غير أميركا وانجلترا من البلاد التي هاجر إليها اليهود فراراً من الاضطهاد، الأمر الذي يسقط زعم بورشوف في الأرض (زعمه أن اشتغال اليهود في الصناعات الثانوية لا الرئيسية يمنعهم من أن يكون لهم أثر كبير مجد في كفاح العمال العالمي). وهل دليل على هذا أكبر من أن الصهيونية لم تستطع إلى الآن بعد هذه الدعاية الطويلة وبعد هذا الكفاح الطويل أن تجرّ في أعقابها إلا نسبة صغيرة من يهود العالم؟ هذه هي الوقائع ولكن الأكاذيب الصهيونية لا تريد إلا أن تتخطّى جميع الحدود!
ومع هذا فقد كان للتفكير الصهيوني أثر على جزء من الجماهير اليهودية الكادحة في الهجرة إلى فلسطين. أما في العالم فإن الأثر لا يزال ضيقاً محدوداً. وأما في فلسطين فإن الأغلبية الساحقة من أفراد الطبقات العاملة اليهودية لا تزال تؤمن بالحركة الصهيونية ولا تزال تكافح من أجل تحقيق أهدافها القريبة والبعيدة. ومرجع هذا أن لليهود في فلسطين وضعاً “محلياً” يختلف عن وضع اليهود في جميع بلاد العالم. فهم أولا يتمتعون في فلسطين بامتيازات يتفوقون بها على العمال العرب. فأجر العامل اليهودي يعادل ضعف أو ثلاثة أمثال أجر العامل العربي. والعامل اليهودي يشعر بأن له شخصية نسبية لأن للعمال اليهود منظمة قوية معترف بها من الحكومة ومؤيدة من المنظمات الصهيونية. وهم ثانياً يعيشون في فلسطين داخل اقتصاد صهيوني مغلق، وفي أحضان مجتمع صهيوني بينه والمجتمع العربي هوّة بعيدة الغور، الأم الذي كان له أكبر الأثر على تنمية الإحساس “الطائفي” بينهم. يضاف إلى هذا علناً أن حكومات الحلفاء لم تعنَ على الأقل في نظر الصهيونيون العناية الكافية بحالة اليهود في أوروبا، الأمر الذي يحمل على تقوية عقيدة يهود فلسطين في أنه لا خلاص ليهود العالم إلا في فلسطين. وكذلك رابعاً أن القائمين بالدعوة الصهيونية قد نجحوا إلى حد كبير في تصوير الحركة العربية المضادة للصهيونية كحركة موجّهة لا ضد الصهيونية وإنما ضد اليهود كيهود الأمر الذي جعلهم يعتقدون أن في تقوية الصهيونية حماية لليهود من “الخطر العربي”.
ولكننا نشهد اليوم في رحم الصهيونية جنيناً مضاداً لها ولدته المتناقضات التي خلقتها هذه الحركة. ودرجة نمو هذا الجنين بين الجماهير اليهودية في فلسطين يرتبط قبل كل شيء بدرجة نمو الموجة المطالبة بالتحرر العالمي العام. فإذا وصلت هذه الموجة إلى القمة، وأغلب الظن أنها ستصل إليها في أوروبا وخارج حدود أوروبا في نهاية هذه الحرب فإن الأغلبية الساحقة من الجماهير اليهودية في فلسطين سوف تترك المعسكر الصهيوني ينعى من بناه على حساب العرب وضد إرادة العرب. أما إذا لم يحدث شيء من هذا ورفض اليهود في فلسطين تأييد حركة التحرّر العربية التي هي جزء من حركة التحرّر العالمي فإن اليهود سيرتمون عندها في أحضان الاستعمارية التي ستحاول في ظروف تلك الموجة العامة أن تحافظ على مركزها في الشرق. وليس من البعيد إذا استلزم الأمر أن تلقي بهم ضحية على مذبح “اللعنة الآتية من هذا الشرق”. ولن يكون في هذه الحال مصير “الدولة اليهودية” خيراً من مصير “دولة الأرمن” التي أقيمت في نهاية الحرب الماضية لتفنى نهائياً بمجرّد تخلي الاستعمارية عن تأييدها.
إن التوسع الصهيوني لهو في حقيقة أمره نكبة من النكبات التاريخية تحلّ هذه المرة بالجماهير اليهودية المقيمة في فلسطين أو الزاحفة نحو فلسطين. ولن ينقذ هذه الجماهير من الدمار إلا شيء واحد هو انهيار الصهيونية.
وبعد!
فنحن نحارب الصهيونية وسنظل نحاربها حرباً لا هوادة فيها حتى نشهد مصرعها الأخير: يحاربها العرب في فلسطين وتحاربها الشعوب العربية في البلاد العربية ويحاربها جيش “التحرر العالمي العام” (جيش “التحرّر الأفقي”) في أميركا وانجلترا وفي أوروبا وفي كل بقاع الأرض. وإنك لتجد من بين الجماهير اليهودية الكادحة، نعني الفقراء لا الأغنياء، في صفوف هذا “الجيش” عدداً كبيراً آخذاً في النمو والازدياد.
نحاربها هذه الحرب، لا لأن بنا كراهية طبيعية نحو اليهود، وإنما لأننا نعتقد، واعتقادنا مستمد من الواقع التاريخي والاجتماعي، أن الصهيونية حركة استعمارية مركّبة (استعمارية بحكم أهدافها الذاتية واستعمارية لاستخدام القوى الكبيرة لها)، وأن نجاح “الجيش الأفقي” يتطلّب القضاء النهائي على هذه الحركة.
نحاربها هذه الحرب لا لأن بنا كراهية طبيعية نحو اليهود، وإنما لأننا نعتقد، واعتقادنا مستمد من الواقع الاجتماعي والتاريخي، أن الصهيونية حركة ولّدتها أسوار “الجيتو” أو المتناقضات الكامنة في “مركّب اجتماعي” آخذ في التصدّع، وأن نجاح القوى التقدّمية في توليد “المركّب الجديد”، وهو “مركّب” لن يبقى على سور واحد من هذه الأسوار، يتطلّب القضاء النهائي على هذه الحركة.
نحارب هذه الحرب، لا لأن بنا كراهية طبيعية نحو اليهودية، وإنما لأننا نعتقد، واعتقادنا مستمد من الواقع التاريخي والاجتماعي، أن الصهيونية حركة تعمل على تضليل “جيش اليهود الأفقي”، وتوجيه كفاحه إلى غير وجهته المنطقية الصحيحة، بإبعاده عن موجة “التحرّر العام”، وأن نجاح هذه الموجة في تحطيم جميع القوى الرجعية يتطلّب القضاء التام على هذه الحركة.
وواجب اليهود اليوم (وليس يعنينا من اليهود إلا فقراءهم) أن يتخلّوا نهائياً عن المعسكر الصهيوني سواء في فلسطين أو في غير فلسطين وإلا فإن نكبة كبيرة من نكبات التاريخ قد لا يدركون الآن مداها سوف تنصبّ فوق رؤوسهم عاجلاً أو آجلاً في قلب الشرق الأوسط.
فيا أيها اليهود في جميع أنحاء العالم ابتعدوا عن فلسطين!.

الصهيونية (1)
الصهيونية (2)
الصهيونية (3)
الصهيونية (4)
الصهيونية (5)
الصهيونية (6)
الصهيونية (7)
الصهيونية (8)
الصهيونية (9)
الصهيونية (10)
الصهيونية (11)

تدقيق وإعادة طباعة
فيكتوريوس بيان شمس

‫شاهد أيضًا‬

أفيون الشعب (11)

سيطرة الدخلاء وقد يتساءل البعض كيف تسنّى للدخلاء أن يسيطروا على الحركة، سيطرة جعلتها أداة …