‫الرئيسية‬ نظرية الصهيونية (11)
نظرية - 7 ديسمبر، 2020

الصهيونية (11)

 أول كتاب يُنشر بالعربية عن الصهيونية في مصر والعالم العربي سنة 1944 من وجهة نظر اليسار – تأليف أنور كامل

الحل الوحيد أو الحل العالمي من أجل “الحرّيات”

خرج النظام الرأسمالي بانتهاء القرن التاسع عشر من مرحلته “الحرّة” ليدخل في مرحلته الاستعمارية كما ذكرنا فيما سبق، وانعكس هذا التطوّر على القومية اليهودية فتحولت من “الهسكالا” إلى الصهيونية. ولكن تطوّر الرأسمالي نفسه واندلاع متناقضاته على سطح الأحداث الاجتماعية والتاريخية وارتطام هذه المتناقضات بعنف لم يشهد التاريخ مثله.. كل هذا كان له انعكاس آخر على القومية اليهودية جعلها تأخذ في التحوّل من الوطنية المتعصبة إلى العالمية المتحرّرة فاندفع كثير من اليهود (فقارؤهم لا أغنياؤهم) إلى السير في صفوف “الجيش العالمي” المناضل من أجل “الحريات جمعاء” ومن أجل توليد “المركّب الاجتماعي الجديد”.
والاتجاه التقدمي ليس اتجاهاً طارئاً على اليهود. فلقد خرج من بين الجماعات اليهودية وتخطى أسوار “الجيتو” عدد كبير من اليهود كان في طليعة المجاهدين الذين ناضلوا من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية إلى جانب زملائهم من غير اليهود في جميع الحركات التقدمية. ففي أثناء الردّة الاجتماعية التي أعقبت الحروب النابليونية لعب اليهود دوراً كبيراً في حركة التقدم التي قام بها البرجوازيون الأحرار. وهنريك هيني الشاعر اليهودي الكبير كان محارباً من المحاربين في سبيل الحرية. وماركس المنحدر من أصل يهودي هو الذي خلق المادية الديالكتيكية ليقلب بها أيديولوجية النصف الثاني من القرن التاسع عشر وفي أعقابه القرن العشرين رأساً على عقب. وثورات سنتي 1838 و1848 لم تخلُ من الكفاح اليهودي ولا ثورة أكتوبر ولا الحرب الأهلية في اسبانيا فدخلتا منه وإنك لتجد اليوم آلافاً من اليهود يقفون جنباً إلى جنب مع الحركات الشعبية في جميع البلاد.
لم يكن إذن هذا الاتجاه طارئاً على اليهود. إنما هو انعكاس طبيعي تولّد من أسوار “الجيتو”، كما تولّدت منها الصهيونية المعاصرة. ولكن هناك بين الاتجاهين فرقاً واحداً ومع هذا فهو كل الفرق. الاتجاه الأول يحرّك عجلة التاريخ إلى الأمام والاتجاه الثاني يحاول أن يحركها إلى الوراء. الاتجاه الأول اتجاه ناجح في الزمن الطويل وإن أصابه بعض الفشل في الزمن القصير والاتجاه الثاني فاشل في الزمن الطويل وإن أصابه بعض النجاح في الزمن القصير!.
ومن بين الصهيونيين من يزعم أنه من المؤمنين بالمادية الديالكتيكية المكافحين من أجل “المركّب الاجتماعي الجديد” الذي تبشّر به، ومع هذا يركّز جهاده من أجل تحقيق ايتوبيا “الوطن القومي” أو “الدولة اليهودية”، وحجّته الباطلة أن هذا “المركّب الاجتماعي الجديد” لن يتحقّق إلا في المستقبل البعيد. وهم يعلنون هذا في الوقت ذاته الذي يعترف فيه الصهيونيون الرسميون بأن إنشاء الوطن القومي في فلسطين لن يتحقق في يوم وليلة إي أنه لن يتحقّق إلا في المستقبل البعيد. فماذا يمكن أن يُسمّى هذا؟ رياء؟ أم سخرية؟ أم شرّ من هذا وذاك؟
لقد لاحظ الصهيونيون أن تحوّل “المركّب الاجتماعي الرأسمالي” من “الحرية” إلى الاستعمارية قد خلق موجة من الحركات الجماعية المستقلة تعارض هذا “المركّب” وتعارض صور الضغط التي تلازمه بحكم التكوين. لاحظوا هذا، ولاحظوا أن جماهير اليهود (فقراءهم وأغنياءهم) قد أخذوا ينضمون إلى هذه الحركات الجماهيرية المستقلة، بعد أن أدركوا الكفاح من أجل حرياتهم، ومن أجل المساواة بين اليهود وغير اليهود في الحقوق مرتبط بل هو جزء من الصراع العالمي الذي تخوضه الجماهير من أجل التقدّم، سواء في الاقتصاد أو في السياسة، والذي سينتهي حتماً إن عاجلاً وإن آجلاً “بالمركّب الجديد” (مركّب الحريات جمعاء). لاحظوا هذا كله، وخشوا على الحركة اليهودية أن تفلت من بين يدي الدعوة الصهيونية، فخلعوا على أنفسهم ثوباً عالمياً مزيّفاً، خدعوا ببريقه بعض عمال اليهود، وزعموا أن الطبقات العاملة اليهودية لا يمكن أن توفّق ما بينها والطبقات العاملة العالمية نظراً للهوّة السحيقة التي خلقتها بينهما الظروف الاجتماعية والتاريخية، فأقامت أسوار “الجيتو”، وأشعلت حملات التأديب والتطهير ضد اليهود، وأدّت إلى نوع معيّن من عدم الثقة بين اليهود وغير اليهود.
واسمرار لهذا الزيف زعمهم الباطل أنهم يؤمنون بنظرية الصراع بين المتناقضات الاجتماعية لا التعاون بينها، في الوقت ذاته الذي ينادون فيه بضرورة ارجاء هذا الصراع، على الأقل فيما يتصل بالطبقات العاملة اليهودية إلى ما بعد إنشاء “الدولة اليهودية” التي يستطيع اليهود فيها وحدها أن يتضامنوا مع الشعوب في كفاحها من أجل الحريات. وهم يقيمون زعمهم هذا على أن الوضع الحالي الاقتصادي والسياسي الذي تحتله الجماهير اليهودية الكادحة لا يسمح لها بأن تخوض هذا الكفاح. فالتقدم الصناعي قد حطّم المركز الاقتصادي الذي كان يحتله مئات الألوف من أصحاب الحِرف اليهود، ولكنه لم يسمح لهم كما سمح لزملائهم من غير اليهود بالانخراط في سلك الطبقة العاملة الصحيحة، وإنما جعلهم يقتصرون على الصناعات الثانوية (كالحياكة مثلاً) دون الصناعات الثقيلة الرئيسية التي كوّنت هذه الطبقة في أحضانها، فالهدف المباشر إذن الذي يجب أن يوضع أمام اليهود هو إنشاء “الدولة اليهودية” لأن من هذه “الدولة” وحدها يمكن أن تتكوّن لليهود طبقة عاملة قوية سليمة تستطيع أن تضع يدها في يد الطبقة العاملة العالمية. وإنك لتستطيع أن تستشف النهاية الحتمية لكل هذا التفكير: تعاون فعلي بين المتناقضات الاجتماعية نظير وعد بالصراع في المستقبل. كفاح فعلي من أجل تحقيق “الدولة اليهودية” على حساب شعب آخر نظير وعد بتحطيم هذه الدولة في المستقبل. فماذا يمكن أن يُسمّى هذا؟ رياء؟ أم سخرية؟ أم شرّ من هذا وذاك؟
فإذا جئت إلى نقطة تحديد المكان الذي يمكن أن تقوم فيه هذه “الدولة اليهودية” فإنهم لن يتنازلوا عن فلسطين بالذات.
ولكن لماذا فلسطين بالذات؟ إنهم لا يستطيعون بطبيعة الحال أن يجيبوا على هذا السؤال إجابة منطقية صحيحة. إن بروشوف نفسه (مؤسس حركة العمل الصهيونية الذي يدّعي أنه من أنصار المادية الديالكتيكية) يدور ويدور حول هذه النقطة، ولكنه لا يستطيع أن يجيب. إنه يعلن “نظرية” لا يقدّم لإثباتها أي دليل مؤدّاها أن حركة يهودية ضخمة كان لا بد أن يقوم بها اليهود نحو فلسطين كانعكاس طبيعي لتزايد الاضطهاد في ظروف التصادم الحاد بين المتناقضات الاجتماعية، في الوقت الذي يثبت فيه الواقع التاريخي أن هذه الحركة الضخمة اتجهت نحو أمريكا وانجلترا وغيرهما من البلاد، وان أقلية يهودية هي التي اتجهت وحدها صوب فلسطين! إن بوروشوف “الماركسي” المزيّف ليتخلّى عن المادية الديالكتيكية ليرتمي في أحضان المثالية الصوفية، إن لم يكن لشيء آخر، فلمجرّد إصراره على فلسطين!.
ولكن إذا كان بوروشوف وأمثاله يرون أن من العسير على الجماهير اليهودية الكادحة أن تساهم في خوض الصراع العالمي من أجل الحريات فإن هذه الجماهير لا ترى هذا الرأي. فالواقع التاريخي يثبت أنها اشتكت فعلاً في جميع الحركات التقدّمية التي اندلعت في روسيا القيصرية، والتي بلغت قمتها في أكتوبر 1917، ويثبت أنها لعبت وما تزال تلعب دوراً في أميركا وانجلترا وفي غير أميركا وانجلترا من البلاد التي هاجر إليها اليهود فراراً من الاضطهاد، الأمر الذي يسقط زعم بورشوف في الأرض (زعمه أن اشتغال اليهود في الصناعات الثانوية لا الرئيسية يمنعهم من أن يكون لهم أثر كبير مجد في كفاح العمال العالمي). وهل دليل على هذا أكبر من أن الصهيونية لم تستطع إلى الآن بعد هذه الدعاية الطويلة وبعد هذا الكفاح الطويل أن تجرّ في أعقابها إلا نسبة صغيرة من يهود العالم؟ هذه هي الوقائع ولكن الأكاذيب الصهيونية لا تريد إلا أن تتخطّى جميع الحدود!
ومع هذا فقد كان للتفكير الصهيوني أثر على جزء من الجماهير اليهودية الكادحة في الهجرة إلى فلسطين. أما في العالم فإن الأثر لا يزال ضيقاً محدوداً. وأما في فلسطين فإن الأغلبية الساحقة من أفراد الطبقات العاملة اليهودية لا تزال تؤمن بالحركة الصهيونية ولا تزال تكافح من أجل تحقيق أهدافها القريبة والبعيدة. ومرجع هذا أن لليهود في فلسطين وضعاً “محلياً” يختلف عن وضع اليهود في جميع بلاد العالم. فهم أولا يتمتعون في فلسطين بامتيازات يتفوقون بها على العمال العرب. فأجر العامل اليهودي يعادل ضعف أو ثلاثة أمثال أجر العامل العربي. والعامل اليهودي يشعر بأن له شخصية نسبية لأن للعمال اليهود منظمة قوية معترف بها من الحكومة ومؤيدة من المنظمات الصهيونية. وهم ثانياً يعيشون في فلسطين داخل اقتصاد صهيوني مغلق، وفي أحضان مجتمع صهيوني بينه والمجتمع العربي هوّة بعيدة الغور، الأم الذي كان له أكبر الأثر على تنمية الإحساس “الطائفي” بينهم. يضاف إلى هذا علناً أن حكومات الحلفاء لم تعنَ على الأقل في نظر الصهيونيون العناية الكافية بحالة اليهود في أوروبا، الأمر الذي يحمل على تقوية عقيدة يهود فلسطين في أنه لا خلاص ليهود العالم إلا في فلسطين. وكذلك رابعاً أن القائمين بالدعوة الصهيونية قد نجحوا إلى حد كبير في تصوير الحركة العربية المضادة للصهيونية كحركة موجّهة لا ضد الصهيونية وإنما ضد اليهود كيهود الأمر الذي جعلهم يعتقدون أن في تقوية الصهيونية حماية لليهود من “الخطر العربي”.
ولكننا نشهد اليوم في رحم الصهيونية جنيناً مضاداً لها ولدته المتناقضات التي خلقتها هذه الحركة. ودرجة نمو هذا الجنين بين الجماهير اليهودية في فلسطين يرتبط قبل كل شيء بدرجة نمو الموجة المطالبة بالتحرر العالمي العام. فإذا وصلت هذه الموجة إلى القمة، وأغلب الظن أنها ستصل إليها في أوروبا وخارج حدود أوروبا في نهاية هذه الحرب فإن الأغلبية الساحقة من الجماهير اليهودية في فلسطين سوف تترك المعسكر الصهيوني ينعى من بناه على حساب العرب وضد إرادة العرب. أما إذا لم يحدث شيء من هذا ورفض اليهود في فلسطين تأييد حركة التحرّر العربية التي هي جزء من حركة التحرّر العالمي فإن اليهود سيرتمون عندها في أحضان الاستعمارية التي ستحاول في ظروف تلك الموجة العامة أن تحافظ على مركزها في الشرق. وليس من البعيد إذا استلزم الأمر أن تلقي بهم ضحية على مذبح “اللعنة الآتية من هذا الشرق”. ولن يكون في هذه الحال مصير “الدولة اليهودية” خيراً من مصير “دولة الأرمن” التي أقيمت في نهاية الحرب الماضية لتفنى نهائياً بمجرّد تخلي الاستعمارية عن تأييدها.
إن التوسع الصهيوني لهو في حقيقة أمره نكبة من النكبات التاريخية تحلّ هذه المرة بالجماهير اليهودية المقيمة في فلسطين أو الزاحفة نحو فلسطين. ولن ينقذ هذه الجماهير من الدمار إلا شيء واحد هو انهيار الصهيونية.
وبعد!
فنحن نحارب الصهيونية وسنظل نحاربها حرباً لا هوادة فيها حتى نشهد مصرعها الأخير: يحاربها العرب في فلسطين وتحاربها الشعوب العربية في البلاد العربية ويحاربها جيش “التحرر العالمي العام” (جيش “التحرّر الأفقي”) في أميركا وانجلترا وفي أوروبا وفي كل بقاع الأرض. وإنك لتجد من بين الجماهير اليهودية الكادحة، نعني الفقراء لا الأغنياء، في صفوف هذا “الجيش” عدداً كبيراً آخذاً في النمو والازدياد.
نحاربها هذه الحرب، لا لأن بنا كراهية طبيعية نحو اليهود، وإنما لأننا نعتقد، واعتقادنا مستمد من الواقع التاريخي والاجتماعي، أن الصهيونية حركة استعمارية مركّبة (استعمارية بحكم أهدافها الذاتية واستعمارية لاستخدام القوى الكبيرة لها)، وأن نجاح “الجيش الأفقي” يتطلّب القضاء النهائي على هذه الحركة.
نحاربها هذه الحرب لا لأن بنا كراهية طبيعية نحو اليهود، وإنما لأننا نعتقد، واعتقادنا مستمد من الواقع الاجتماعي والتاريخي، أن الصهيونية حركة ولّدتها أسوار “الجيتو” أو المتناقضات الكامنة في “مركّب اجتماعي” آخذ في التصدّع، وأن نجاح القوى التقدّمية في توليد “المركّب الجديد”، وهو “مركّب” لن يبقى على سور واحد من هذه الأسوار، يتطلّب القضاء النهائي على هذه الحركة.
نحارب هذه الحرب، لا لأن بنا كراهية طبيعية نحو اليهودية، وإنما لأننا نعتقد، واعتقادنا مستمد من الواقع التاريخي والاجتماعي، أن الصهيونية حركة تعمل على تضليل “جيش اليهود الأفقي”، وتوجيه كفاحه إلى غير وجهته المنطقية الصحيحة، بإبعاده عن موجة “التحرّر العام”، وأن نجاح هذه الموجة في تحطيم جميع القوى الرجعية يتطلّب القضاء التام على هذه الحركة.
وواجب اليهود اليوم (وليس يعنينا من اليهود إلا فقراءهم) أن يتخلّوا نهائياً عن المعسكر الصهيوني سواء في فلسطين أو في غير فلسطين وإلا فإن نكبة كبيرة من نكبات التاريخ قد لا يدركون الآن مداها سوف تنصبّ فوق رؤوسهم عاجلاً أو آجلاً في قلب الشرق الأوسط.
فيا أيها اليهود في جميع أنحاء العالم ابتعدوا عن فلسطين!.

يمكن قراءة الفصل السابق من خلال الرابط أدناه:

الصهيونية (10)

‫شاهد أيضًا‬

أفيون الشعب (11)

سيطرة الدخلاء وقد يتساءل البعض كيف تسنّى للدخلاء أن يسيطروا على الحركة، سيطرة جعلتها أداة …