‫الرئيسية‬ نظرية الصهيونية (10)
نظرية - 4 ديسمبر، 2020

الصهيونية (10)

  أول كتاب يُنشر بالعربية عن الصهيونية في مصر والعالم العربي سنة 1944 من وجهة نظر اليسار – تأليف أنور كامل
الدعوة إلى إنشاء “وطن مشترك” بين العرب واليهود في فلسطين

السلم والتعاون مع العرب!

“الوطن المشترك” أو “الدولة المشتركة” بين اليهود والعرب!
تلك هي الأسطورة الجديدة التي أعلنها جناح ماكر من أجنحة الصهيونية. ولكن العرب يقولون لا وسيقولون لا! أيها اليهود ابتعدوا عن فلسطين!
وينطوي هذا الجناح على اتجاهين: الأول تمثله حركة هاشومر هاتسير
(Hashoemer Hatsair) التي يؤيدها ما يقرب من 20,000 ناخب والثاني تمثله جماعة صغيرة من البرجوازيين الأحرار أمثال الدكتور ماجنيز كالفاريسكس. أما الاتجاه الأول فإن لسانه الناطق باسمه يحمل هذا الشعار: “من أجل الصهيونية. من أجل الاشتراكية.,. ومن أجل التضامن بين الشعوب”. الصهيونية من جهة والاشتراكية والتضامن بين الشعوب من جهة أخرى! المتناقضات مجتمعة! فكيف يمكن أن يفسّر هذا؟ استمع إلى ياري زعيم الحركة: “وحتى لو تحقق الاتحاد العربي فإنه لن يضم إلا هؤلاء العرب الذين يعيشون في هذه البلاد. فإذا افترضنا أن بهذه البلاد 12 مليوناً من العرب (يبدو أن الزعيم قد نسي هنا أن يدخل في حسابه مصر وغيرها من البلاد العربية) فإن بالعالم ما لا يقل عن 12 مليوناً من اليهود في حاجة إلى الخلاص الصهيوني. إننا نكافح من أجل حل كامل داخل إطار فلسطين والبلاد المحيطة بها يقوم على قاعدة المساواة بين اليهود والشعوب العربية”. “إن المشكلة الشاغلة لنا جميعاً هي: ما أكثر الطرق عملية أمام اليهود حتى لا يكونوا أقلية في فلسطين؟ إننا لا يجب أن نغمض أعيينا عن الحقيقة: عن أن مصيرنا ستقرره القوى الظافرة، وأننا لن نستطيع في مدّة يوم واحد أن نحصل على الاستقلال في فلسطين”.
(من خطاب ألقاه في 10 نوفمبر سنة 1942 أمام المجلس التنفيذي الصهيوني الداخلي لكي يشرح فيه بعض مبادئ حركته).
وعلى هذا فإن حركة هاشومير هاتسير لا تؤيد فكرة الدولة اليهودية في فلسطين لسببين: الأول أنها قانعة بها. إذ يبدو أن شهيتها أوسع بكثير من شهية الصهيونيين الرسميين. فهي لا تكتفي بأغلبية فلسطين، وإنما ترغب أيضاً بالمساواة العددية بين اليهود والعرب في فلسطين مضافاً إليها البلاد المجاورة. والثاني أنها تخشى أكثر ممّا يخشى الصهيونيون الرسميون أن يكون من المستحيل الحصول في مدّة يوم واحد على الاستقلال الكامل في فلسطين، هذا هو جوهر مذهب “الوطن المشترك” أو “الدولة المشتركة” وجوهر “التضامن العالمي” بين الشعوب الذي تدعو إليه حركة هاشومير هاتسير!.
واليهود مستعدون بطبيعة الحال أن يعيشوا بسلام مع العرب على هذا الأساس. ولكنهم نسوا شيئاً واحداً. نسوا أن العرب يقولون لا وسيقولون لا! أيها اليهود ابتعدوا عن فلسطين!.
لقد وضعت حركة هاشومير هاتسير مقابل البرنامج الصهيوني الرسمي (المعروف باسم تصريح بلتمور والذي يدعو إلى تحويل فلسطين إلى ملك لليهود) هذه النقط: أولا فتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية. ثانياً إقامة نظام سياسي في فلسطين يوضع تحت رقابة دولية تعطي للوكالة اليهودية الحق في تنفيذ الهجرة اليهودية طبقاً لمقدرة البلاد الكاملة على الامتصاص الاقتصادي على أن ينظر بعين الاعتبار إلى حالة اليهود بالبلاد الأخرى في نهاية الحرب. ثالثاً منح الوكالة اليهودية السلطة اللازمة لتنمية البلاد وتعميرها (بما في ذلك جميع الأراضي المملوكة للحكومة والمساحات غير الآهلة بالسكان) خدمة لمصالح الفريقين مما يجعل الاستعمار اليهودي الكثيف ممكناً وكذلك تقدم الاقتصاد العربي. رابعاً إقامة نظام بعد الحرب في فلسطين يقوم على قاعدة المساواة السياسية بين الشعبين ويمكّن الصهيونية من تحقيق أهدافها دون ما عرقلة ويدفع البلاد نحو الاستقلال السياسي داخل إطار “الوطن المشترك”
(Against The Stream Collection Of Articles).
هذا هو جوهر “الاشتراكية” وجوهر “التعاون” بين الشعبين العربي واليهودي الذي تدعو إليه حركة هاشومير هاتسير! واليهود مستعدون بطبيعة الحال أن يقبلوا التعاون مع العرب على هذا الأساس. ولكنهم نسوا شيئاً واحداً! نسوا أن العرب يقولون لا وسيقولون لا! أيها اليهود ابتعدوا عن فلسطين!.
وأما الاتجاه الثاني (اتجاه بعض البرجوازيين الأحرار أمثال الدكتور ماجنيز وكالفاريسكي) فإنه غير مؤيد بأي حركة واسعة. ومع هذا فإن لجماعة الدكتور ماجنيز المسماة “ايهود” (Ihud) برنامجاً سياسياً يستدعي النظر. استمع إليه في خطاب أرسله إلى محرّر الإكونمويست بتاريخ 31 يناير 1944:
“إن جماعة الايهود تؤيد بشدّة اتحاد هذه الأقاليم الأربعة (فلسطين وشرق الأردن وسوريا ولبنان)، ليس فقط لأن مثل هذا الاتحاد سليم من الناحية التاريخية، وإنما أيضاً بل وأولا لأننا نعتقد أن مثل هذا الاتحاد يمكن أن يكون عوناً بتّاً لليهود. إن اتحاداً كهذا يمكن أن يخلق وسطاً أوسع من الجائز أن يعطي للمشكلة الفلسطينية ردّاً أكرم. فلو تحقق هذا الاتحاد الذي قد يجمع من السكان العرب ما يقرب من خمسة ملايين فإن العرب لن يكونوا في حاجة بعدها إلى الخوف الذي يخافونه اليوم من أن تكتسحهم الهجرة اليهودية الواسعة. إن بفلسطين اليوم أكثر من نصف مليون يهودي وأكثر من مليون عربي. وما تدعو إليه جماعة الايهود هو السماح للسكان اليهود بأن يبلغوا مبلغ السكان العرب أي أن تُعطى الفرصة لنصف مليون يهودي آخر لدخول فلسطين”.
ولكن هل يستطيع الدكتور ماجنيز أن يجيب على هذه الأسئلة؟
أولاً: إذا افترضنا أن هذه الفكرة قد تحققت فما الذي يمنع الصهيونيين من أن يعلنوا خوفهم من الأغلبية العربية داخل الاتحاد؟ من الجائز أن يقترح الدكتور ماجنيز هنا المساواة بين اليهود والعرب داخل الاتحاد كله. ولكن ماذا يكون الحل لو رفض العرب؟ هل سيقترح الدكتور ماجنيز عندها إنشاء اتحاد أوسع؟ ثم ألا يكون هذا توسعا صهيونياً مُقنّعاً؟.
ثانياً: على أي أساس يريد الدكتور ماجنيز أن يقنع العرب بأن الصهيونية التي خلقت هوّة سحيقة بين المجتمعين العربي واليهودي في فلسطين وذلك عن طريق المقاطعة التامة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية سوف تغير اتجاهها فجأة عندما يزداد عدد اليهود بالبلاد؟
ثالثاً: إذا كان الصهيونيون يريدون حقاً أن يكتسبوا ثقة العرب، فهل هم على استعداد حقيقي لتصفية هذه المقاطعة الوطنية بشتّى صورها، وهل هم على استعداد حقيقي لتأييد المطالب الديموقراطية التي يكافح من أجلها الشعب العربي.
الجواب على كل هذا بالنفي! وما من عربي سوف يوافق على دخول نصف مليون جديد من اليهود لكي ينضم إلى القلعة الصهيونية المغلقة. أما إذا انهارت أسوار هذه القلعة فإن هذا سيكون معناه الموت الطبيعي لفكرة الصهيونية التي لن تجد لنفسها مكاناً خارج هذه الأسوار. إن برنامج الدكتور ماجنيز وشركاه لا يخرج عن يكون ايتوبيا خرافية. وهو إلى جانب هذا مؤيد مكشوف للسياسة الإمبريالية لأنها هي وحدها التي تستطيع أن تقيم التوازن بين الصهيونية وأماني العرب الوطنية. استمع إلى الاقتراحات التي قدمتها هذه الجماعة إلى الوكالة اليهودية في سنة 1930 عن السياسة العربية (يلاحظ أن اسم هذه الجماعة كان في ذلك الوقت Brith Shalom Society):
“أن يكون الوضع السياسي لسلطة الانتداب بالبلاد بشكل يضمن الاستقرار في العلاقات بين الشعبين الذين يعيشان في هذه البلاد ويوطّد الأمن العام فيها ويحمي حدودها ويحافظ على المصالح الخاصة البريطانية والدولية لسلطة الانتداب في فلسطين”.
هذا هو جوهر “السلم” بين الشعب اليهودي الذي يدعو إليه الدكتور ماجنيز وشركاه. واليهود مستعدين بطبيعة الحال أن يقبلوا فكرة “السلم” على هذا الأساس. ولكنهم نسوا شيئاً واحداً. نسوا أن العرب يقولون لا وسيقولون لا! أيها اليهود ابتعدوا عن فلسطين!.
“نبتعد عن فلسطين؟ وإذن فأين يكون الخلاص؟”. هكذا يجيب دجّالو الصهيونية. ألا يكون الخلاص إلا في فلسطين؟ “كبش الفداء”؟ تلك هي مأساتهم التاريخية! والصهيونية لم تخلق لكم شيئاً بقدر ما خلقت منكم في فلسطين كبشاً للفداء. إن مصيركم في فلسطين لن يكون غير السحق بين المطرقة والسندان: بين الأماني العربية والمطامع الاستعمارية. إن لعنة الأجيال ستنصبّ عليكم في قلب الشرق الأوسط فابتعدوا عن فلسطين لأن الخلاص لن يكون في فلسطين.
“نبتعد عن فلسطين؟ وإذن فماذا يكون العمل؟”. السؤال نفسه يتردّد على ألسنة اليهود في كل مكان. السؤال نفسه تبرزه الظروف الاجتماعية والتاريخية (على الرغم من كفاح الصهيونية الطويل) على لوحة المستقبل. وفي كفاح الشعوب العالمي من أجل “الحريات” ضد الديكتاتورية (بشتى صورها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المُقنّعة وغير المُقنّعة) وفي وقوف اليهود (فقراءهم لا أغنياءهم) إلى جانب هذه الشعوب وجه آخر هو الوجه الصحيح للرد على هذا السؤال.

يمكن قراءة الفصل السابق من خلال الرابط أدناه:

الصهيونية: الصهيونية والحركة الدستورية في فلسطين (9)

‫شاهد أيضًا‬

أفيون الشعب (11)

سيطرة الدخلاء وقد يتساءل البعض كيف تسنّى للدخلاء أن يسيطروا على الحركة، سيطرة جعلتها أداة …