‫الرئيسية‬ نظرية رأس المال: الفصل الثاني والعشرون (78)
نظرية - 27 نوفمبر، 2020

رأس المال: الفصل الثاني والعشرون (78)

تحول فائض القيمة إلى رأسمال

1) عملية الإنتاج الرأسمالية على نطاق موسع. تحول قوانين الملكية المتعلقة بالإنتاج السلعي إلى قوانين للتملك الرأسمالي

 

درسنا، حتى الآن، كيف ينبثق فائض القيمة من رأس المال؛ وندرس الآن كيف ينبثق رأس المال من فائض القيمة. إن استخدام فائض القيمة كرأسمال، أي إعادة تحويل فائض القيمة إلى رأسمال، هو ما يدعى بتراكم رأس المال(1).

دعونا بادئ ذي بدء نعاين هذه العملية من وجهة نظر الرأسمالي المفرد. لنفرض أن صاحب مصنع غزول سلّف رأسمالا مقداره 10 آلاف جنيه، ليستثمر أربعة أخماسه في القطن والآلات، إلخ، وخمساً واحداً في الأجور. ولنفرض أنه ينتج 240 ألف باون من الغزول كل عام، قيمتها 12 ألف جنيه، وعلى افتراض أن معدل فائض القيمة هو 100%، فإن فائض القيمة يتمثل في منتوج فائض أو منتوج صافي يبلغ 40 ألف باون من الغزول، أي سُدس المنتوج الإجمالي، بقيمة 2000 جنيه تتحقق بالبيع. إن قيمة بمقدار ألفي جنيه هي قيمة بمقدار ألفي جنيه. وليس بوسع المرء أن يرى أو يشم في هذا المبلغ من النقد أثراً لفائض قيمة. فحين نعرف من طابع قيمة معينة أنها فائض قيمة، فإننا نعرف فقط كيف حصل مالكها عليها؛ إلا أن ذلك لا يغير شيئا من طبيعة القيمة ولا من طبيعة النقد.

وعليه فلكي يتسنى تحويل هذا المبلغ المكتسب البالغ ألفي جنيه إلى رأسمال، فإن صاحب مصنع الغزول سوف يسلف، مع بقاء كل الظروف الأخرى ثابتة، أربعة أخماس المبلغ لشراء القطن، إلخ، والخمس الباقي لشراء عمال غزل جدد، علما بأن هؤلاء يجدون، في السوق، وسائل العيش التي سلّفهم رب العمل قيمتها. وعندها يشرع رأس المال الجديد هذا، أي الألفا جنيه، بالنشاط في صناعة الغزول، ويقدم، بدوره، فائض قيمة يبلغ 400 جنيه.

لقد سُلّفت القيمة – رأسمال بالأصل في شكل نقد. أما فائض القيمة فهو، على العكس من ذلك، موجود بالأصل، كقيمة لجزء معين من المنتوج الإجمالي. وإذا ما بيع هذا المنتوج الإجمالي، وتحول إلى نقود، فإن القيمة – رأسمال تستعيد شكلها الأصلي، أما فائض القيمة فإنه يغير نمط وجوده الأصلي. ولكن ابتداء من هذه اللحظة تكون القيمة – رأسمال وفائض القيمة، كلاهما، مبلغين من النقود، ويجري تحويلهما من جديد إلى رأسمال بالطريقة نفسها تماما. فالرأسمالي ينفق الأول، مثلما ينفق الثاني، في شراء السلع التي تتيح له البدء مجدداً بصنع منتوجاته، ولكن على نطاق أوسع هذه المرة. ولكي يستطيع شراء هذه السلع، ينبغي أن يجدها متيسرة في السوق.

إن غزوله لا تمضي في التداول إلا لأنه ألقى بمنتوجه السنوي في السوق، مثلما يفعل سائر الرأسماليين بسلعهم. غير أن هذه السلع، قبل مجيئها إلى السوق، كانت جزءا من رصيد المنتوج السنوي، جزءا من إجمالي كتلة أشياء مختلفة الأنواع يتحول إليها، في مجرى السنة، المجموع الكلي لرؤوس الأموال المفردة، أي رأس المال الاجتماعي الكلي، الذي يمتلك كل رأسمالي مفرد جزءا صحيحاً منه. والعمليات التي تجري في السوق لا تحقق سوى تداول هذه الأجزاء المفردة التي يتكون منها المنتوج السنوي، فتنقلها من يد إلى أخرى، ولكنها لا تستطيع أن تزيد من إجمالي الإنتاج السنوي، ولا أن تغير من طبيعة الأشياء التي جرى إنتاجها. وهكذا فإن استخدام إجمالي المنتوج السنوي يتوقف كلية على تركيبه، لا على تداوله.

إن الإنتاج السنوي ينبغي، بادئ الأمر، أن يوفر جميع تلك الأشياء (القيم الاستعمالية) التي يعوض بواسطتها عن المكونات الشيئية لرأس المال، التي تستهلك خلال العام. بعد طرح هذا الجزء من الإنتاج السنوي يبقى المنتوج الصافي أو المنتوج الفائض الذي يتمثل فيه فائض القيمة. مم يتألف هذا المنتوج الفائض؟ هل يتألف من اشياء مخصصة لإشباع حاجات ورغبات الطبقة الرأسمالية، أشياء تدخل، بالتالي، في رصيد استهلاك الرأسماليين؟ لو كان الحال هكذا، لفرغت كأس فائض القيمة تماما، ولما تحقق شيء غير التجديد البسيط للإنتاج.

فلكي يتحقق التراكم يجب تحويل جزء من المنتوج الفائض إلى رأسمال. وما لم تقع معجزة ما، فلن نستطيع أن نحول أي شيء إلى رأسمال عدا تلك الأشياء التي يمكن استخدامها في عملية العمل (أي وسائل الإنتاج) والأشياء الأخرى الصالحة لاستمرار حياة العامل (أي وسائل العيش). بناء على ذلك لا بد من أن يكون قسم من العمل السنوي الفائض قد خُصص لإنتاج وسائل إنتاج إضافية ووسائل عيش إضافية، عدا عن إنتاج كمية الأشياء اللازمة للتعويض عن رأس المال المنفق سلفا. بتعبير أكثر إيجازاً، إن فائض القيمة قابل للتحول إلى رأسمال فقط لأن المنتوج الفائض، الذي يؤلف هو قيمته، يتضمن أصلا الأجزاء الشيئية المكونة لرأسمال جديد(2).

والآن، بغية جعل هذه الأجزاء تعمل حقا كرأسمال، يلزم الطبقة الرأسمالية عمل إضافي. وإذا لم يكن بالوسع زيادة استغلال العمال المستخدمين من قبل، أما من حيث المدة أو الشدة، فلا بد من استخدام قوة عمل إضافية. وهذا ما كانت آلية الإنتاج الرأسمالي ذاتها قد وفرته، إذ إنها تجدد إنتاج الطبقة العاملة بوصفها طبقة تعيش على الأجور التي يكفي مستواها المعتاد، لا للإبقاء على الطبقة العاملة فحسب، بل لتكاثرها أيضا. وما على راس المال سوى أن يأخذ قوة العمل الإضافية هذه التي تزوده بها الطبقة العاملة سنوياً بهيئة عمال من كل الأعمار، ويضمها إلى وسائل الإنتاج الإضافية المتضمنة في المنتوج السنوي، حتى يكتمل تحویل فائض القيمة إلى رأسمال. إذن، إن تراكم رأس المال ينحل، من وجهة نظر ملموسة، إلى تجديد إنتاجه على نطاق موسع.

والحركة الدائرية التي يقطعها تجديد الإنتاج البسيط تتغير وتتحول، بتعبیر سیسموندي، حركة لولبية (3).

دعونا نعود الآن إلى مثالنا الإيضاحي. إنها القصة القديمة نفسها: أبراهام أنجب إسحاق، وإسحاق أنجب يعقوب، وهلمجرا. إن رأس المال الأصلي البالغ 10 آلاف جنيه يعطي فائض قيمة مقداره 2000 جنيه، تتحول بدورها إلى رأسمال. ورأس المال الجديد هذا البالغ 2000 جنيه ينجب فائض قيمة مقداره 400 جنيه، وهذا بدوره ينقلب إلى رأسمال أو يتحول إلى رأسمال إضافي ثاني، وهو بدوره ينجب فائض قيمة آخر مقداره 80 جنيها، وهلمجرا(*) من دون توقف.

ونصرف النظر هنا عن ذلك الجزء من فائض القيمة الذي يستهلكه الرأسمالي نفسه.

تماما مثلما لا يعنينا الآن ما إذا كان رأس المال الإضافي يدمج برأس المال الأصلي، أو يفصل عنه لكي يستطيع أن ينمي قيمته بصورة مستقلة، أو ما إذا كان الرأسمالي الذي راكمه، يستخدمه بنفسه، أم يسلمه لآخر. وإن الشيء الوحيد الذي ينبغي ألا يغرب عن البال هو أن رأس المال الأصلي، جنبا إلى جنب مع الرساميل المتكونة حديثة، يمضي في تجديد إنتاجه لنفسه وإنتاج فائض قيمة، وإن هذا يصح أيضا على كل رأسمال متراکم في صلته بكل رأسمال إضافي يتولد عنه.

لقد نشأ رأس المال الأصلي بتسليف 10 آلاف جنيه. فمن أين أتى الرأسمالي بهذه الثروة؟ من عمله الخاص وعمل أجداده! – هكذا يجيب الناطقون باسم الاقتصاد السياسي بالاجماع (4). الواقع أن فرضيتهم تبدو الفرضية الوحيدة المنسجمة مع قوانين الإنتاج السلعي.

ولكن الحال على خلاف ذلك تماما بالنسبة لرأس المال الإضافي البالغ 2000 جنيه.

فنحن نعرف تمام المعرفة عملية نشوئه. فهو فائض قيمة محول إلى رأسمال. فليست فيه منذ انبثاقه، ذرة قيمة لم تنشأ من العمل المجاني للغير. إن وسائل الإنتاج التي تدمج بها قوة العمل الإضافية، ووسائل العيش التي قام بها أود العمال، ليست أكثر من أجزاء من مكونات المنتوج الفائض، من الجزية التي تنتزعها الطبقة الرأسمالية من الطبقة العاملة سنوياً. ورغم أن الأولى نشتري، بجزء من هذه الجزية، قوة العمل الإضافية، حتى وإن يكن بسعر كامل، بحيث يبادل الشيء بما يعادله، إلا أن الصفقة، لكل هذه الأسباب، هي عبارة عن الحيلة القديمة نفسها التي يمارسها فاتح يشتري السلع من المغلوبين بالنقود التي نهبها منهم.

ولو استخدم رأس المال الإضافي المنتج الذي أثمره، فإن على هذا المنتج أن يواصل قبل كل شيء إنماء قيمة رأس المال الأصلي، كما أن عليه أيضا أن يشتري مجدداً ثمار عمله السابق المجاني بأن يقدم لقاءها عملا أكبر مما تكلف. وحين ننظر في الأمر باعتباره صفقة بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة، فلن نرى أيما فرق في كون العمل المجاني الذي أداه العمال السابقون هو الذي يستخدم العمال الإضافيين. فالرأسمالي يمكن أن يحول رأس المال الإضافي إلى آلات تلقي بمنتجي رأس المال الإضافي ذلك في براثن البطالة، ويستعيض عنهم ببضعة أطفال. وفي كل الأحوال، فإن الطبقة العاملة تخلق، بعملها الفائض في أحد الأعوام، رأس المال الذي سيقوم باستخدام العمل الإضافي في العام التالي. وهذا ما يسمى: تولید رأس المال برأس المال.

إن تراكم رأس المال الإضافي الأول البالغ ألفي جنيه، يفترض سلفاً وجود قيمة مقدارها 10 آلاف جنيه تعود إلى الرأسمالي كقيمة أنتجها بفضل “عمله الأصلي” وسلفها بنفسه. أما رأس المال الإضافي الثاني البالغ 400 جنيه، فيفترض سلفاً، على العكس، أن ثمة 2000 جنيه قد تراكمت سابقاً وقدمت فائض القيمة، أي الأربعمئة جنيه التي تحولت إلى رأسمال. وبذا تبدو ملكية عمل الماضي المجاني، من الآن، فصاعداً الشرط الأول والأخير للتملك الحالي للعمل المجاني الحي، بحجم يتعاظم أبدا. فكلما ازداد مقدار ما سبق أن راكمه الرأسمالي ازداد مقدار ما بوسعه أن يراكمه.

وبمقدار ما يكون فائض القيمة، الذي يؤلف رأس المال الإضافي رقم واحد، ثمرة شراء قوة العمل بدفع جزء من رأس المال الأصلي، وهو شراء يتطابق کلياً مع قوانین تبادل السلع، وهذا يفترض من وجهة النظر الحقوقية، حرية تصرف العامل بقدراته الجسدية الخاصة لا أكثر، وحرية تصرف مالك النقد أو السلع بالقيم التي يمتلكها، وبمقدار ما يكون رأس المال الإضافي رقم اثنين، إلخ، هو نتيجة محض لرأس المال الإضافي رقم واحد، وهو بالتالي نتيجة العلاقات المذكورة أعلاه؛ وبمقدار ما تتحقق هنا كل صفقة منفردة، بثبات، في تطابق کامل مع قوانین تبادل السلع، حيث يشتري الرأسمالي قوة العمل دائما، ويبيع العامل هذه القوة دائمة، – بل من الممكن أن نفترض أن ذلك البيع والشراء يجریان بالقيمة الفعلية لهذه القوة، بمقدار ما يعد ذلك كله صحيحاً، فمن الواضح أن قانون التملك أي قانون الملكية الخاصة، الذي يرتكز على إنتاج وتداول السلع، يتحول بفعل دیالکتیکه الداخلي الحتمي، إلى نقيضه تماما. فتبادل المتعادلات، وهو العملية الأصلية التي انطلقنا منها بالأصل، قد انقلب الآن رأسا على عقب تماما على نحو لم يعد معه هناك سوى تبادل ظاهري؛ مرد ذلك، أولا، أن ذلك الجزء من رأس المال الذي يبادل بقوة العمل ما هو ذاته سوى جزء من منتوج عمل الغير الذي جرى تملكه من دون معادل؛ ومرد ذلك، ثانية، أن على العامل الذي أنتج هذا الجزء ليس فقط التعويض عنه، بل أن يضيف إليه فائضاً جديداً. فعلاقة التبادل القائمة بين الرأسمالي والعامل تصبح إذن مجرد مظهر خارجي يلصق بعملية التداول، شکل محض، غريب عن محتواه هو بالذات، ويغلف هذا المحتوى بالغموض. التكرار الدائم لشراء وبيع قوة العمل هو الشكل. أما المحتوى، فهو أن الرأسمالي يستولي المرة تلو الأخرى، دون معادل، على جزء من عمل الماضي المتجسد شيئياً للغير، مبادلا إياه بكمية أكبر من العمل الحي للغير. لقد بدت لنا حقوق الملكية أول الأمر حقوقاً ترتكز على عمل المرء نفسه. وكانت هذه الفرضية ضرورية، في الأقل، نظرا لأن الذين يواجهون بعضهم هم مالكو سلع متساوون في الحقوق، ولأن الوسيلة الوحيدة التي تتيح للشخص تملك سلع الغير، تنحصر في أن ينفصل عن سلعته هو، التي لا يمكن إنتاجها إلا بالعمل وحده. أما الآن فيتضح أن الملكية هي حق تملك العمل المجاني للآخرين أو منتوجات هذا العمل، من جهة الرأسمالي، واستحالة تملك الشخص لمنتوجه الخاص، من جهة العامل. إن فصل الملكية عن العمل قد غدا النتيجة المحتومة لقانون انطلق، ظاهرياً، من وحدة تطابق الاثنين (5).

وعليه، مهما بدا نمط التملك الرأسمالي مناقضاً للقوانين الأصلية للإنتاج السلعي، فإنه لا ينبثق قط من انتهاك هذه القوانين بل، على العكس، من تطبيقها بالذات. دعونا نوضح الأمر تارة أخرى بأن نستعرض بإيجاز الأطوار المتعاقبة للحركة التي تبلغ ذروتها في تراكم رأس المال.

لقد رأينا، بادئ الأمر، أن التحول الأول لمقدار من القيم إلى رأسمال، يتحقق بالتوافق التام مع قوانين التبادل. فالطرف الأول في العقد يبيع قوة عمله، والطرف الثاني يشتريها. الأول يتلقى قيمة سلعته التي تنتقل قيمتها الاستعمالية – وهي العمل – إلى يد الثاني. إن وسائل الإنتاج التي تخص الثاني أصلا، تتحول على يديه، بمعونة هذا العمل الذي يخصه أيضا، إلى منتوج جديد يخصه من الناحية القانونية أيضا.

قيمة هذا المنتوج تتضمن: أولا قيمة وسائل الإنتاج المستهلكة. فالعمل النافع لا يستطيع استهلاك وسائل الإنتاج هذه من دون أن ينقل قيمتها إلى المنتوج الجديد، ولكن لا بد لقوة العمل حتى تكون قابلة للبيع من أن تكون قادرة على تقديم عمل نافع في الفرع الصناعي الذي تستخدم فيه.

وتتضمن قيمة المنتوج الجديد أيضا: معادل قيمة قوة العمل وفائض قيمة. والحال هكذا، لأن قوة العمل – المباعة لفترة زمنية معينة قد تكون يوما أو أسبوعا، إلخ. – هي أقل قيمة من القيمة التي تتولد عن استخدام قوة العمل خلال هذه المدة الزمنية. إلا أن العامل قد تلقى مبلغاً معيناً مقابل القيمة التبادلية لقوة عمله، وبذلك يكون قد انفصل عن قيمتها الاستعمالية – وهذا هو الحال في كل بيع وشراء.

إن كون هذه السلعة الخاصة، أي قوة العمل، تمتلك قيمة استعمالية فريدة تتمثل في تقديم عمل، أي خلق قيمة، لا يؤثر في القانون العام للإنتاج السلعي. إذن فلو كان مقدار القيمة المسلّفة بشكل أجور لا يظهر ثانية في المنتوج وحسب، بل يظهر وقد كبر بإلحاق فائض قيمة، فليس سبب ذلك أن بائع قوة العمل قد خُدع، فهو قد تلقى فعلا قيمة سلعته، بل إن السبب الوحيد يرجع إلى أن الشاري قد استهلك هذه السلعة.

إن قانون التبادل لا يشترط سوى التساوي بين القيم التبادلية للسلع التي تُبادل. بل إنه يفترض منذ البداية، أصلا، أن يكون ثمة اختلاف بين قيمها الاستعمالية، ولا علاقة لهذا القانون إطلاقا باستهلاك هذه السلع، وهو أمر لا يبدأ إلا بعد إبرام الصفقة وتنفيذها.

إذن فإن التحول الأول للنقد إلى رأسمال يتحقق بالانسجام الأدق مع القوانين الاقتصادية للإنتاج السلعي وحق الملكية المنبثق عنها. ومع ذلك فإن هذا التحول يولد النتائج التالية:

1- إن المنتوج يخص الرأسمالي لا العامل؛
2 – إن قيمة هذا المنتوج تتضمن، إلى جانب قيمة رأس المال المُسلف، فائض قيمة يكلف العامل عملا لكنه لا يكلف الرأسمالي شيئا، ويصبح، مع ذلك، ملكاً مشروعاً للرأسمالي؛

3 – إن العامل يحتفظ بقوة عمله، ويستطيع أن يبيعها مجددا إذا استطاع العثور على شارِ.

وليس تجديد الإنتاج البسيط إلا التكرار الدوري لهذه العملية الأولى؛ ففي كل مرة حول النقد مجددا إلى رأسمال. لذا فإن القانون لا يتعرض للخرق؛ بل على العكس تُتاح له الفرصة ليفعل فعله باستمرار.

إن أفعال تبادل عديدة متعاقبة، تجعل الفعل الأخير يمثل الأول

(Plusieurs échanges successifs n’ont fait du dernier que le representant du premier).. (سیسموندي، المرجع نفسه، ص 70).
وكما رأينا فإن تجديد الإنتاج البسيط يكفي لختم هذه العملية الأولى بطابع جدید كلياً، بمقدار ما ننظر إليها كحدث وحید معزول.

“إن هؤلاء الذين يتقاسمون الدخل الوطني فيما بينهم طرفان، الأول (العمال) ليحصل كل عام، من جديد، على الحق في أخذ نصيبه بأداء عمل جديد؛ أما الطرف الآخر، (الرأسماليون) فلديه سلفا حق مسبق دائم في أخذ نصيبه بالاستناد إلى العمل المنجز في الأصل”.

(Parmi ceux qui se partagent le revenu national, les uns (die Arbeiter) y acquièrent chaque année un nouveau droit par un nouveau travail, les autres, les capitalistes,” (die Kapitalisten).”‘y ont acquis antérieurement un droit permanent par un travail primitive)

(سیسموندي، المرجع نفسه، ص 110-111).
ومن المعروف أن ميدان العمل ليس بالميدان الوحيد الذي يأتي به حق البكورية بالمعجزات.

ولا يغير من الأمر شيئا كذلك أن يأتي تجديد الإنتاج الموسع، أي التراكم، ليحل محل تجديد الإنتاج البسيط. ففي الحالة الأولى يبدد الرأسمالي کامل فائض القيمة هباء بتبذيره، وفي الثانية يبدي فضيلة بورجوازية باستهلاك جزء منه وتحويل الباقي إلى نقود.
إن فائض القيمة ملك له، ولم يسبق أن كان ملكا لأحد غيره. وإذا ما سلّفه لأغراض الإنتاج، فإن التسليفات تأتي من رصيده الخاص، كما كان الحال بالضبط في اليوم الأول من دخوله السوق. وكون الأرصدة التي يدفعها الآن مستمدة من العمل المجاني الذي قام به عماله، أمر لا يغير من الوضع إطلاقا. فلو أن العامل (ب) يحصل على أجوره من فائض القيمة الذي أنتجه العامل (آ)، فإن العامل (آ) يكون، أولا، قد أعطى فائض القيمة هذا من دون أن يكون السعر العادل لسلعته قد خصم منه نصف قرش، وتكون صفقته، ثانيا، لا تعني العامل (ب) عموما في شيء. فكل ما يطالب به (ب)، وما له الحق في المطالبة به، هو أن يدفع له الرأسمالي قيمة قوة عمله.

“مع ذلك فكلاهما رابح: العامل لأنه قد دفعت له ثمار عمله، (ينبغي أن تقرأ: من ثمار عمل العمال الآخرين المجاني) قبل أن يؤدي عملا ينبغي أن تقرأ: قبل أن يعود عمله بثماره) ورب العمل لأن قيمة عمل هذا العامل أكبر من أجوره” (ينبغي أن تقرأ: لأنه ينتج قيمة أكبر من قيمة أجوره).

صحيح، أن الأمور تلوح في صورة أخرى تماما فيما لو نظرنا إلى الإنتاج الرأسمالي في مجرى تجدده المستمر، ولو نظرنا، لا إلى الرأسمالي المفرد والعامل المفرد، بل إلى الوضع بشموليته، إلى الطبقة الرأسمالية مقابل الطبقة العاملة. ولكن القيام بذلك يعني تطبيق معايير غريبة كليا (total) عن الإنتاج السلعي.

ففي الإنتاج السلعي لا نجد سوى الشاري المستقل والبائع المستقل إزاء بعضهما. وتنقطع العلاقة بين الاثنين ما إن ينصرم الأمد الزمني المتفق عليه في العقد الذي أبرماه. وإذا ما تكررت الصفقة، فذلك(**) نتيجة اتفاق جديد لا علاقة له بالقديم، ولن يلتقي البائع نفسه بالشاري نفسه، إلا بمحض الصدفة.

وإذا شئنا الحكم على الإنتاج السلعي، أو على إحدى الظواهر المتصلة به، استنادا إلى القوانين الاقتصادية الخاصة بهذا الإنتاج، يتوجب أن ندرس كل فعل من أفعال التبادل في ذاته، أي بدون أي ارتباط بفعل التبادل الذي يسبقه والذي يليه. وبما أن صفقات البيع والشراء لا يُتفق عليها إلا بين فرد وآخر، فلا يمكن البحث هنا، عن علاقات بين طبقتين اجتماعيتين كاملتين.

ومهما يكن طول سلسلة عمليات تجديد الإنتاج الدورية، وعمليات التراكم السابقة، التي سبق أن مر بها رأس المال الناشط حاليا، فإنها تحتفظ دوما بعذريتها الأولى. وطالما كانت قوانين التبادل مرعية في كل فعل من أفعال هذا التبادل، مأخوذة على انفراد، فإن اسلوب التملك يمكن أن ينقلب انقلابا جذريا كاملا، من دون أن يؤثر بشيء على حقوق الملكية الملازمة للإنتاج السلعي. فهذه الحقوق تظل هي ذاتها سارية المفعول، سواء بادئ الأمر، حين يكون المنتوج ملكاً لمنتجه، الذي لا يستطيع الإثراء، وهو يبادل الشيء بما يعادله، إلا بعمله الشخصي، أو سواء لاحقاً، في الحقبة الرأسمالية، حين تصبح الثروة الاجتماعية، بدرجة متزايدة أبدا، ملكا لأولئك الذين يحتلون موقعا يبيح لهم الاستئثار بالعمل المجاني للغير دوما وأبدا.

وتغدو هذه النتيجة أمرا محتوماً، منذ أن يقوم العامل نفسه ببيع قوة عمله، بيعاً حراً، بصفتها سلعة. ولكن ابتداء من تلك اللحظة فقط، يعم الإنتاج السلعي ويصبح الشكل النموذجي للإنتاج؛ وابتداء من تلك اللحظة أيضا، يتم إنتاج أي منتوج كان من البداية، لأجل البيع، وتمر كل الثروة المنتجة عبر ميدان التداول. فالإنتاج السلعي لا يبسط سلطانه على المجتمع بأسره إلا عندما يغدو العمل المأجور قاعدة لهذا الإنتاج؛ ولكن الإنتاج السلعي لا يكشف عن جميع قدراته الخفية إلا عند ذاك أيضا. والقول بان التغلغل المفاجئ للعمل الماجور يشوه الطابع الحقيقي للإنتاج السلعي، يضارع القول إن الإنتاج السلعي ينبغي ألا يتسع إذا ما أردنا ألا يشوه طابعه الحقيقي. وكلما تطور الإنتاج السلعي قدما، حسب القوانين الخاصة الملازمة له، وتحول إلى إنتاج رأسمالي، انقلبت قوانين الملكية الملازمة للإنتاج السلعي إلى قوانين للتملك الرأسمالي(6).

لقد رأينا أن كل رأسمال مُسلّف، بصرف النظر عن منبعه الأصلي، يتحول، حتى في حالة تجديد الإنتاج البسيط، إلى رأسمال متراکم، أي إلى فائض قيمة مُرسمل. ولكن كل رأس المال الأصلي المسلف يصبح، في تيار الإنتاج المتدفق العام، مقداراً متناهياً في الصغر (magnitudo evanescens بالمعنى الرياضي للكلمة)، بالمقارنة مع رأس المال المتراكم مباشرة؛ أي بالمقارنة مع فائض القيمة أو المنتوج الذي أعيد تحويله إلى رأسمال، سواء كان رأس المال هذا يعمل بين يدي من راكمه أو بين يدي سواه. لذا يصف الاقتصاد السياسي رأس المال بشكل عام بأنه «ثروة متراكمة، (فائض قيمة أو إيراد محول إلى رأسمال) استخدم، مرة أخرى، في إنتاج فائض القيمة» (7)، ويصف الرأسمالي بأنه “مالك المنتوج الفائض”(8). وهناك طريقة أخرى للتعبير عن هذا المعنى نفسه، وهي القول بأن رأس المال الحالي كله هو فائدة مئوية متراكمة أو فائدة مئوية محولة إلى رأسمال، ذلك لأن الفائدة المئوية ما هي إلا جزء کسري من فائض القيمة(9).

______________

(1) “تراكم رأس المال هو استخدام جزء من الإيراد کرأسمال”. (مالتوس، تعریفات، إلخ، تحریر كازنوف. 11.Malthus, Definitions etc. ed. Cazenove. p) “تحویل الإيراد إلى رأسمال” (مالتوس، مبادئ الاقتصاد السياسي، الطبعة الثانية، لندن، 1836، ص320).
(Malthus, Principles of Political Economy, 2nd Ed. London, 1836, p. 320).
(2) لا نأخذ هنا، في حسابنا، التجارة الخارجية، التي تستطيع أمة من الأمم، بواسطتها، أن تحول مواد الترف إلى وسائل إنتاج ووسائل عيش، أو بالعكس. فلكي ندرس موضوع بحثنا في شكله الصافي، خلوة من الظروف الجانبية المشوشة، ينبغي أن نعتبر عالم التجارة كله كأمة واحدة، ونفترض أن الإنتاج الرأسمالي متوطد في كل مكان، وأنه يهيمن على كل فروع الإنتاج.
(3) يعاني تحلیل سیسموندي للتراكم من مثلب كبير، وهو: أنه يقنع نفسه أكثر مما ينبغي بعبارة تحويل الإيراد إلى رأسمال، من دون أن يسبر غور الظروف المادية لهذه العملية(م).
[(م) أنظر: سیسموندي، المبادىء الجديدة للاقتصاد السياسي، المجلد 1، باريس، 1819، ص119]. ن. برلین].
(*) هذه إشارة إلى إنجيل متى، الإصحاح الأول، حيث يرد ذكر ذرية أبراهام، بوصفه الأب الأول الذي تحدّر منه اليهود. [ن. برلین].
(4) “العمل الأصلي الذي يدين له راسماله بالولادة”. (سیسموندي، المرجع نفسه، ص 109).
(5) إن ملكية الرأسمالي لمنتوج عمل الغير هو النتيجة الضرورية لقانون التملك الذي كان مبدأه الأساسي يتمثل، على النقيض من ذلك، في الحق المطلق لكل عامل، حصراً، بامتلاك منتوج
عمله بالذات. (شیربولييه، الثروة والفقر، باريس، ص 58. (غير أن هذا التحول الديالكتيكي، غير موضح في هذا البحث بصورة كافية).
(**) ورد في الطبعة الرابعة: من denn. [ن. برلین].
(6) لا يسعنا، إذن، إلا أن نندهش من دهاء برودون الذي يسعى إلى القضاء على الملكية الرأسمالية معارضة إياها …. بالقوانين الأزلية للملكية القائمة على الإنتاج السلعي!
(7) “رأس المال هو ثروة متراكمة تستخدم لجني الربح”. (مالتوس، المرجع المذكور، [ص 262]). “إن رأس المال… يتألف من ثروة مدخرة من الإيراد، تستخدم ابتغاء الربح”. (ر. جونز، مقرر محاضرات في الاقتصاد السياسي).
(R Jones, Text-book of Lectures on the Political Economy of Nations, Hertford, 1852, p. 16)
(8) “إنهم مالكو المنتوج الفائض أو رأس المال”، (منابع وعلاج المصاعب الوطنية. رسالة إلى اللورد جون راسل، لندن، 1821، [ص4]).
(The Source and Remedy of the National Difficulties. A Letter to Lord John Russell, London, 1821, p.4]).

(9) “إن رأس المال، مقروناً بالفائدة المئوية المركبة على كل جزء من أجزاء رأس المال المدّخر، يبلغ من الضخامة مبلغاً بحيث أن كل الثروة التي يستمد منها الدخل في العالم بأسره، قد باتت منذ أمد بعید مجرد فائدة مئوية عن رأس المال”. (مجلة إيكونوميست اللندنية، 19تموز/يوليو 1851).

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من الرابط أدناه:

رأس المال: الفصل الحادي والعشرون (77)

‫شاهد أيضًا‬

روزا ليكسمبورغ: “من أجل عالم نكون فيه متساوون اجتماعيا، مختلفون إنسانيا، وأحرارا تماما”

عندما ينظم مئات النساء الدعوة لإضراب 8 آذار عام في إسبانيا، ويعلنّ أن النسوية التي يناضلن …