‫الرئيسية‬ نظرية النبي المسلّح: الإنحسار 1907 – 1914 ج 4 (45)
نظرية - 26 نوفمبر، 2020

النبي المسلّح: الإنحسار 1907 – 1914 ج 4 (45)

لم يكن في وسع تروتسكي أن يتخلى عن «الكوخ من جذوع الصنوبر» المتواضع العائد لشعبه، وهو لم يتخل عنه. ففي تشرين الأول/ اکتوبر ۱۹۰۸ تولى ادارة صحيفة صدرت في فيينا بعنوان البرافدا. كانت تلك جريدة صغيرة اصدرها منذ عام ۱۹۰۰ رهط صغير من المناشفة الاوكرانيين، يحملون اسم سبیلکا. وكانت الصحيفة تنهار، فانعقدت الأمال على تروتسكي ليعيدها إلى الحياة. وقد حملت الاعداد الأولى التي ظهرت بإدارة تروتسكي اسم المجموعة الاوكرانية، لكن حين تفتتت المجموعة في نهاية عام ۱۹۰۸ بقي تروتسكي المتحكم الوحيد بالبرافدا. لكن لما كان ينقصه المال، لم تكن الجريدة تصدر بانتظام، فخلال السنة الأولى لم تظهر غير اعداد خمسة وحسب (1). لكن كان أسهل بكثير اصدار جريدة من نقلها سراً إلى روسيا. وغالبا ما كانت هيئة التحرير توجه النداء الى کرم قرائها، شارحة كيف أن «أحمالاً ثقيلة» من الجريدة تنتظر على الحدود، ولا يمكن تسييرها بسبب الحاجة إلى 50 روبلاً، وأن مخطوطات العدد القادم تنتظر على مكتبها ولا يمكن إرسالها إلى الطابع لقلة المال؛ وأن البرافدا تجد نفسها مكرهة على وقف مراسلتها لقرائها في روسيا لعجزها عن تغطية تكاليف الطوابع (2). كان تروتسكي يضع في صندوق صحيفته كل ما تعود عليه به اعماله الصحفية الأخرى؛ ولقد باع كتبه، واضطرت امرأته للجوء إلى مقرض لقاء رهون من أجل أن تتمكن اعداد البرافدا من اجتياز الحدود. أو كانت تقدم اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي – الديمقراطي الالماني القوي ألفا من الروبلات فيغدو بالإمكان دفع بعض الديون، وتستعيد السيدة تروتسكي الأغراض التي رهنتها، ويؤمن نشر الجريدة نصف الشهري. ثم عادت المسافات بين الاعداد تطول، وأصبح نصف الشهري شهريا، ثم شبه فصلي. ومن جديد تحسن الوضع المالي، مؤقتا، بفضل هبة متواضعة من الاشتراكيين الليتوانيين، وبعض الدفعات من قراء أمناء. وعبثا حاول تروتسكي طوال عام ۱۹۰۹ أن يحصل على مساعدة من اللجنة المركزية الروسية التي كان البلاشفة فيها اكثرية. فلقد وافق لينين، لكن شرط أن يشارك في ادارة الصحيفة مندوب من اللجنة المركزية، وهو ما رفضه تروتسكي. وحظر لينين على المطبعة البلشفية في جنيف ان تطبع الصحيفة إلا على اسس تجارية بحتة (3). ورغم كل تلك الصعوبات المالية، وعدم انتظام ظهور البرافدا، فقد لقيت تجاوبا في روسيا، وتتحدث تقارير للأوخرانا عن “سعة انتشارها”(4).

أما محررو البرافدا فكانوا يشكلون فريقا مثيراً. فسكوبيليف، وهو طالب شاب كان يومذاك تلميذ تروتسكي المفضل، كان يعمل كسكرتير للجريدة، وقد أصبح فيما بعد نائبا منشفياً في الدوما الرابعة وشغل في عام ۱۹۱۷ منصب وزيراً للعمل في حكومة کیرنسكي. وكان ذراع تروتسكي الأيمن سیمکوفسكي، المنشفي هو الآخر، الذي غالبا ما ظهر اسمه يومذاك بمناسبة المجادلات، داخل الحزب. وقد تعاون مع الجريدة أيضا ریازانوف، المؤسس اللاحق لمعهد مارکس – انجلز، المتمرد بشراسة على كل سلطة والذي لم يكن ينتمي لأي من الجناحين؛ وكان صديقا حميما لتروتسكي. وكان اورینسكي يؤمن الاتصال السري بروسيا، وهو منشفي قديم شهرته شجاعته البالغة في السجون القيصرية؛ وفي عام ۱۹۱۷ کان اوريتسكي بين المنظمين الرئيسيين لانتفاضة أوكتوبر، وهو الذي صرف الجمعية التأسيسية بصفته مفوضاً خاصاً. وكان يضم الفريق كذلك المنشفي فيكتور كوب الذي اشتهر فيما بعد كدبلوماسي داهية ومغامر: فهو الذي فاوض في عام ۱۹۲۲، وراء الكواليس بخصوص معاهدة راباللو الجرمانية – الروسية، وتحرى لستالین، سراً، في الثلاثينات حظوظ اتفاقية مع هتلر.

إلا أن الوجه الأكثر فرادة في هذه الثريا فكان أدولف يوفي. وكان يوفي شاباً ومثقفاً لامعاً من أصل كارایتی (5)، يعاني من اصابة عصبية، فيقسم وقته بين أعماله الجامعية وتحريره في البرافدا ومتابعته للاستشفاء النفسي. وقد قدم يوفي تروتسکی لمحلله النفسي، الفرد أدلر. وهكذا تآلف تروتسكي مع التحليل النفسي وتوصل إلى استنتاج أن مارکس وفرويد لم يكونا متباعدين الواحد عن الأخر بقدر ما كان يميل الماركسيون اللاعتقاد(6). وفي فيينا، خاض يوفي صراعا يائساً ضد نوبات متكررة من النوراستينيا، وكانت المقالات التي يكتبها وهو يبذل جهداً أليماً تعيد كتابتها بعمق هيئة تحرير الجريدة. وقد بذل تروتسكي كل ما في وسعه ليحيط يوفي بصداقته ويعيد ثقته بذاته. وفي عام ۱۹۱۷، كان يوفي بين قادة ثورة أوكتوبر، ولعب دورا أساسيا في المفاوضات التي أدت الى سلم برست – لیتوفسك. وقد أشار تروتسكي في اوراقه الخاصة إلى أن الثورة «فعلت اكثر بكثير مما فعله التحليل النفسي لتحرير يوفي من عقده»(7). وقد رد يوفي على صداقة تروتسكي بإخلاص ومودة لا حدود لها. وحين انتحر في عام ۱۹۲۷، كان ذلك احتجاجا على طرد تروتسكي من الحزب البلشفي.

وحاصل الكلام، أن البرافدا لم تكن واحدة من مشاريع تروتسكي الصحفية الكبرى. كانت تزعم أنها تتوجه لـ «العمال البسطاء» أكثر مما لرجال الحزب المكونين سیاسيا. كانت تقول انها تريد أن تخدم لا أن تقود، قراءها(8). أن لغة البرافدا البسيطة، ودعواتها لوحدة الحزب أمنت لها نوعا من الشعبية، لكن لم تضمن لها نفوذاً سياسياً دائماً. فمن يدافعون عن تكتل أو مجموعة ينساقون عموماً للجوء لمحاجة معقدة إلى هذا الحد أو ذاك، مخصصة للكادرات الوسطى والعليا في الحركة أكثر مما لمناضلي القاعدة. أما اولئك الذين يقولون أن على الحزب تخطي انقساماته الداخلية وإعادة رص صفوفه، فإنما يدافعون -كما كانت الحال مع تروتسكي-عن قضية شرحها اسهل وتأثيرها أضمن- إلا أن نجاحهم هو في معظم الوقت سطحي. بينما لكون معارضيهم عرفوا كيف يكسبون کادرات الحزب بمحاجتهم الأكثر تعقيدا، لديهم حظ كبير بأن يتوصلوا لكسب جمهور المناضلين أيضأ، ذلك أن الكادرات تكيف المحاجة وتبسطها فتمكن هكذا من نشرها في صفوف القاعدة. ان ندءات تروتسكي لوحدة كل الاشتراكيين صفق لها في لحظة توجيهها الكثيرون. وفي بطرسبورغ، حتى البلاشفة اعادوا طبع البرافدا. لكن هؤلاء بالذات الذين كانوا يصفقون لها اليوم، كان يمكن أن يتخلوا عنها فيما بعد ليتبعوا هذا الجناح أو ذاك، بحيث يغدو بطل الوحدة متوحداً. ومهما يكن، فقد كان في موقف تروتسكي، وفي اهتمامه بـ «اللغة البسيطة»، وفي تعهده بأن «يخدم لا أن يقود»، أكثر من شبهة ديماغوجية؛ ذلك أن قائداً سياسيا، لا بل قائداً ثورياً، «يخدم» من يصغون إليه أفضل حين «يقودهم».

كان تروتسكي يعبر أكثر من أي شخص آخر عن عاطفة شائعة جدا في الحزب، ربما كان أفضل تحديد لها انها استهوال الانشقاق الذي لا دواء له. وفي كانون الثاني/ يناير ۱۹۱۰، اجتمع قادة التكتلين في باريس وحاولوا للمرة الأخيرة أن يتجاوزوا خلافاتهم. ومن الجانبين كان هنالك اناس عازمون على المضي الى النهاية، أي إلى حد القطيعة، لكن كان المعتدلون، في الجانبين، هم الذين انتصروا للوهلة الأولى. كان رجال الساعة في صفوف البلاشفة، يدعون ريكوف، سوکولنيكوف، لوزوفسكي، كامينيف (9). ومن الجانب الآخر، جعل تروتسكي من نفسه بطل الوحدة وأفشل مارتوف، الذي شرح فيما بعد ظروف انصياعه قائلا أنه إذا حدث ذلك فلأن المناشفة كانوا ضعيفين جدا بحيث ما كان في وسعهم المغامرة بقطيعة فورية (10). وتم التوصل إلى اتفاق جميل جدا فلا يمكن أن يكون حقيقيا. وافق التكتلان على حل منظماتهما الخاصة بهما، وعلى الاندماج، بحيث يتخلص كل منها من متطرفيه، المناشفة من تصفوييهم، والبلاشفة من مقاطيعهم؛ والتزم التكتلان أيضاً بإيقاف منشوراتها المنفصلة وجعل مواردهما المالية مشتركة ووضعها بإدارة لجنة من ثلاثة اشتراكيين ألمان هم کارل کاوتسكي وفرانز مهرينغ وکلارا زتكين. وقد استحق تروتسكي المدائح التي تخصص في مناسبة مماثلة للوسيط السعيد. واعترفت اللجنة المركزية رسميا بالخدمات التي قدمتها جريدته، البرافدا، للحزب بمجمله «بغض النظر عن التكتلات»، وقررت بأن تغطي الجريدة بما لها من سلطة، وتصرف لتروتسكي معونة منتظمة (150 روبلا في الشهر) وتقدم له دعمها الكامل في كل الحقول. جرى تعيين البلشفى كامينيف، قریب تروتسکی بالمصاهرة، ممثلا للجنة المركزية لدى البرافدا. وقد توخت بهذا الخيار تسهيل التعاون لأن كامينيف كان من أولئك الذين جاهدوا بإخلاص الإنجاح وحدة الحزب.

ويمكن أن نتخيل بسهولة بأي فرح نشر تروتسکی کل تلك الأنباء في البرافدا(11). إلا أنه لم تمر اسابيع حتى كان عليه أن يعلن فشل محاولة المصالحة، نتيجة لخطأ المناشفة (وقد اعترف بذلك) الذين رفضوا حل تكتلهم. ولم يكن في وسعه ان يفاجأ بذلك، لأنه استطاع أدراك نفور المناشفة العميق من التفاهم مع البلاشفة الذين اوقفوا، من جانبهم، اصدار صحفهم. وقد كان يمكن أن نفكر بأن تروتسكي بطل الوحدة، انتفض بالمناسبة ضد أولئك الذين كانوا يجعلونها مستحيلة. إلا أنه «علق حكمه» في البرافدا واكتفى بالتلميح بأنه يستنكر سلوك المناشفة (12). وعبثا حاول كامينيف دفعه لتبني موقف أكثر حزماً. فلقد اعتبر تروتسكي أن هذا التدخل يسيء إلى استقلاله كرئيس تحرير، ويهدف إلى تسخير البرافدا للمصالح البلشفية. تبع ذلك انفجار خصومات حتمية، واضطربت كل جالية المهاجرين بالمكائد في الحال.

وكان تقرر في مؤتمر باريس التداولي(*) التخلص من الجناحين المتطرفين في الحزب، أي من التصفويين والمقاطعين فالتزم المناشفة بطرد الأولين، والبلاشفة بنبذ الآخرين. وقد تمكن لينين من الوفاء بالتزاماته بسهولة، عن طريق طرد المقاطعين الرئيسيين، بوغدانوف ولوناتشارسكي. أما المناشفة فاعتبروا من المستحيل الوفاء بتعهداتهم، ذلك أن موقف التصفويين كان شائعاً للغاية في صفوفهم فلا يمكن التنصل منه جديا. فطرد الذين وقفوا في وجه النضال السري كان يعني القضاء ببساطة على نفوذهم الخاص بهم وتشجيع صعود البلاشفة، وهو ما رفضوه، فانطرحت المشكلة حينذاك بالشكل التالي: من عارضوا العمل السري -قال البلاشفة- لا مكان لهم في حزب يتوقف مستقبله على هذا النوع من العمل، أما المناشفة. وعلى الأقل من كانوا مناهضين للتصفوية. فكانوا يجيبون بأن على الحزب أن يسمح ببقاء خلافات في الرأي في داخله. ولم يعد لينين النظر في المبدأ العام القائل بوجود معارضة داخل الحزب، لكنه رد فقط بأن هذا الخلاف الخاص لا يمكن التساهل حياله، لأن معارضي العمل السري لا يمكن أن يكونوا مناضلين سريين جيدين. ولأن هذا النزاع كان يمكن اعتباره، بمعنى ما، نزاعا بين أنصار الانضباط والمدافعين عن حق المعارضة، فقد انحاز تروتسكي ضد الأولين، وهو ما ساقه على طريق الانعدام الواضح للمنطق. فلقد أغمض عينيه، هو، بطل الوحدة، عن الانقسام الجديد في الحزب الذي يتحمل المناشفة تبعته؛ وذلك باسم حرية المعارضة. هو الذي كان يمجد السرية بحماس جدير ببلشفي، مد اليد لمن كانوا ينوون التخلص من العمل السري کما من رزمة مربكة وخطرة. وفي الأخير، أن العدو اللدود لليبرالية البورجوازية وقف في الخندق ذاته الذي كان يقف فيه المنادون بالتحالف مع الليبرالية ضد المعارضين الشرسين لتحالف من هذا النوع.
____________

(1) كان ذلك قدر كل منشورات المهاجرين في تلك الفترة، التي كان معظمها يظهر بصورة أكثر ندرة. ن. بونوف. التاريخ العام للحزب الشيوعي السوفياتي، ج ۱، ص ۲۲۳. ويشار الى برافدا تروتسكي عموما باسم البرافدا الفيينوية، تمييزا لها عن البرافدا البلشفية التي تأسست بعد ذلك بزمن طويل؛ فلقد ظهرت الأولى في لفوف، في البدء، في غاليسيا النمساوية، ولم يظهر العدد السادس منها، الذي نشر في فيينا، إلا في تشرين الثاني / نوفمبر ۱۹۰۹.
(2) برافدا، العددان ۳ و5.
(3) لينين، سوش، ج ۳، ص ۳4۸ – ۳۹۹.
(4) بولشفيكې، دوکومنتي اوكرانونو او تدیلینیا، ج ۱، ص 4۲.
(5) كان الكارايتيون بدعة انفصلت عن اليهودية الحاخامية في العصر الوسيط لتعود إلى التراث الانجيلي الصرف.
(6) بعد الثورة، طلب تروتسكي من الباحثين البلاشفة أن يبقوا منفتحين على ما يمكن أن يكون هنالك من جديد وغني في الفرويدية، سوش، ج ۲۱، ص ۲۳ – ۳۲.
(7) محفوظات تروتسكي.
(8) برافدا، العدد ۱.
(9) ن. بوبوف. المرجع المذكور، ج ۱، ص ۲4۸.
(10) مارتوف، سباسيتلي ايلي او بر از دنيتلي، ص 16.
(11) البرافدا، العدد ۱۰.
(12) البرافدا، العدد ۱۲.
(*) المؤتمر التداولي، أو الكونفرنس اجتماع واسع بشبه المؤتمر الحزبي، لكن لا تصدر عنه قرارات الزامية تتعلق بخط الحزب (م).

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: الإنحسار 1907 – 1914 ج 3 (44)

‫شاهد أيضًا‬

روزا ليكسمبورغ: “من أجل عالم نكون فيه متساوون اجتماعيا، مختلفون إنسانيا، وأحرارا تماما”

عندما ينظم مئات النساء الدعوة لإضراب 8 آذار عام في إسبانيا، ويعلنّ أن النسوية التي يناضلن …