Home نظرية الصهيونية (1)

الصهيونية (1)

وثيقة تاريخية
أول كتاب يُنشر بالعربية عن الصهيونية في مصر والعالم العربي سنة 1944 من وجهة نظر اليسار. كتبه أنور كامل

تصدير بقلم بشير السباعي

خلال شتاء 1943 – 1944، حصل أنور كامل (ولد عام 1913) من الشاعر السريالي جورج حنين (1914 – 1973) مؤسّس جماعة “الفن والحرية” (1939 – 1946) على نسخة من كرّاس الشيوعي البريطاني أ. ريناب “معاداة السامية والمسألة اليهودية“، الصادر بالإنجليزية في لندن في عام 1943، وهو عبارة عن بحث موجز يتضمن تلخيصاً للأطروحات الكلاسيكية للتحليل الماركسي للمسألة اليهودية والتي كان أوتو هيلر قد عرضها بهذه الدرجة أو تلك من التماسك في كتاب “اضمحلال اليهودية” الصادر بالألمانية في فيينا في عام 1931.

وخلال ربيع 1944 حصل أنور كامل من الكاتب والناشر الماركسي لطف الله سليمان (ولد عام 1918) على نسخة من كرّاس أصدره التروتسكيون الفلسطينيون في أوائل عام 1944 تحت عنوان “حقيقة الصهيونية“، وهو عبارة عن رسالة مفتوحة موجهة إلى قواعد حزب العمال البريطاني تتضمن تحليلاً انتقادياً ماركسياً رائداً يدلّل -من الناحية المنطقية- على صواب استنتاجات ليون تروتسكي (1879 – 1940) -قائد انتفاضة أكتوبر 1917 في بتروغراد ومؤسّس الجيش الأحمر- بشأن سبل حل المسألة اليهودية وبشأن الصهيونية.
وكان تروتسكي قد ذكر لمراسل شيوعي أميركي في فبراير 1934: “إن الدولة الناشئة الألمانية والنزاع العربي – اليهودي على حد سواء يؤكدان بشكل قاطع صواب المبدأ القائل بأن المسألة اليهودية لا يمكن حلها في إطار النظام الرأسمالي”. وفي أكتوبر من العام نفسه قال في إحدى رسائله: “إن الصهيونية تحرف العمال (اليهود) عن النضال الطبقي بتلويحها بأمل.. إنشاء دولة يهودية في ظل النظام الرأسمالي”.
وعلى بعد آلاف الأميال من الشرق الأوسط، قال تروتسكي في 18 يناير 1937 من منفاه المكسيكي “إن كل يوم يحمل إلينا الدليل على عجز الصهيونية عن حل المسألة اليهودية ويتخذ النزاع بين اليهود والعرب في فلسطين بعداً مأساوياً وخطراً باطّراد. وأنا على اقتناع تام بأن المسألة اليهودية لا يمكن حلها في إطار الرأسمالية الآخذة بالتحلّل وتحت إشراف الإمبريالية البريطانية.. إن المسألة اليهودية ترتبط ارتباطاً لا ينفصل بالتحرر الكامل للبشرية”. وقد حذّر العمال اليهود من التجاوب مع النداءات الصهيونية، وأشار، في 23 ديسمبر 1938، إلى أن “فلسطين تظهر بوصفها سراباً مأساوياً”. وفي 4 أبريل 1939، دعا العمال اليهود إلى الانخراط في النضال الطبقي البروليتاري بدلاً من التجاوب مع النداءات الصهيونية و”الذهاب لتقبيل أرض فلسطين” وقبل أسابيع قليلة من اغتياله على يد عميل ستاليني، أشار إلى أن “محاولة حل المسألة اليهودية عن طريق هجرة اليهود إلى فلسطين تكشف الآن عن طبيعتها الحقيقية: إنها تضليل مأساوي لليهود.. إن خلاص اليهود يرتبط ارتباطاً لا ينفصل بالإطاحة بالرأسمالية” (يوليو 1940).
وقد أدمع الكتّاب المطلعون، الماركسيون والصهيونيون على حد سواء، أن تروتسكي لم يحد عن هذه الاستنتاجات في أي وقت من الأوقات. ففي ابريل 1970، ذكر الكاتب الماركسي الأميركي بيتر بوتشي “ان تروتسكي لم يحد قط عن الاعتقاد بأن النضال من أجل تحرر اليهود يرتبط ارتباطاً لا ينفصل بمصير النضال من أجل الاشتراكية”. وفي عام 1978، كتب المؤرخ الصهيوني الإسرائيلي باروخ – كني – باز -الأستاذ بالجامعة العبرية بالقدس- أن تروتسكي قد واصل حث اليهود، وخاصة العمال اليهود بالطبع، على ربط مستقبلهم بمستقبل الحركة الاشتراكية الثورية. وقد حذّرهم من الانفصال عن العناصر التقدمية، في مختلف أرجاء العالم. وظل مقتنعاً بأن اليهود لا يمكنهم بمفردهم، إنقاذ أنفسهم، أكان ذلك من خلال إطار منظمات مستقلة في البلدان التي يحيون فيها أم عن طريق دولة قومية”.
وهذا الاستنتاج الأساسي هو الرسالة التي ينتهي كرّاس “حقيقة الصهيونية” إلى توجيهها إلى اليهود. فالخلاص اليهودي يرتبط بالثورة الاشتراكية العالمية ويستحيل أن يتحقق من خلال اضطهاد شعب آخر واغتصاب بلاده. ان شعباً يضطهد شعباً آخر لا يمكن أن يكون هو نفسه حرّاً.
والحال أن ما اعتبته الصهيونية حلاً للمسـألة اليهودية قد اعتبره تروتسكي -في يوليو 1940- “مصيدة دموية”.
وكان التجمع التروتسكي الفلسطيني قد تشكّل في أواخر الثلاثينيات إثر احتدام أزمة الحزب الشيوعي الفلسطيني. وقد سارع التجمع في عام 1939 إلى إعلان تضامنه التام مع الحركة القومية التحرّرية العربية الموجهة ذد الانتداب البريطاني وضد المشروع الصهيوني في آن واحد، كما أعلن دعمه غير المشروط لمطالب العرب الفلسطينيين المباشرة وعلى رأسها وقف الهجرة اليهودية، ووقف شراء اليهود للأراضي وتدشين حكم عربي فلسطيني للبلاد.
والحال أن قادة التجمع المذكور قد تعرّضوا للاعتقال إثر إعلان هذا الموقف. وكان على رأس التجمع قادة من طراز توني كليف، أحد القادة الحاليين لحزب العمال الاشتراكي البريطاني الذي يدعو إلى تدمير الدولة الصهيونية. وقبل صدور كرّاس “حقيقة الصهيونية” كان جبرا نقولا (1912 – 1974) قد أصبح واجداً من قادة التجمع البارزين. وقد طرده الصهيونيون من بلاده ومات في المنفى.
وكان من الطبيعي أن يتحمس أنور كامل، الماركسي الأممي، لاستنتاجات الكرّاسين المذكورين. وقد قرّر عرض هذه الاستنتاجات على الجمهور المصري الذي كانت الحركة الصهيونية تحاول إغراء عناصره اليهودية بالإندراج في مشروعها الاستعماري – الاستيطاني، وكانت الحركة القومية – الإسلامية، بزعامة حسن البنّا (1906 – 1949)، تحاول جرّ عناصره المسلمة إلى مواقف مستمدة أساساً -وياللمفارقة!- من تراث اللاسامية الأوروبية التي أخذت تتغلغل في الشرق العربي على يد عناصر مسيحية شامية منذ أوائل هذا القرن. وكانت الحركة الستالينية المصرية بزعامة هنري كورييل (1914 – 1978)، تواجَه بالصمت المخزي -حتى عام 1944 على الأقل- فيما يتعلق بالموقف الذي يجب اتخاذه تجاه الحركة الصهيونية.
لم يتردّد أنور كامل في عرض استنتاجات الكرّاسين المذكورين على الجمهور المصري، حتى وهو يدرك كل الإدراك خطر الإرهاب الذي يمكن أن يتعرّض له من جانب عملاء الحركة الصهيونية في مصر آنذاك، والذين كانوا يتحرّكون بحرية غير محدودة، وخطر الإرهاب الذي يمكن أن يتعرّض له من جانب القوميين الديماغوجيين، وخطر الملاحقات والاضطهاد من جانب السلطات التي لم تكفّ يوماً واحداً عن تضد النشاط اليساري.
كان أنور كامل واحدا من المثقفين المصريين الطليعيين الذين ظهروا على مسح الحياة العامة عند منتصف الثلاثينيات. وقد أصدر في عام 1936 “الكتاب المنبوذ” الذي صودر بقرار من مجلس الوزراء بعد نحو أسبوعين من صدوره.
وأنور كامل هو أحد مؤسسي جماعة “الفن والحرية”، أو تجمع واسع لممثلي الإنتلجنسيا الإبداعية اليسارية المصرية المعاصرة، ورئيس تحرير مجلة “التطور” (1940)، لسان حال الجماعة المذكورة، وأحد مؤسسي منظمة “تحرير الشعب” اليسارية السرية (1940) والأمين العام الأول لها، وأحد مؤسسي جماعة “الخبز والحرية” (سبتمبر 1940 – يوليو 1946) ورئيسها، وقد تعرّض أنور كامل للاعتقال أكثر من مرة كما تعرّضت كتاباته للمصادرة غير مرة.
وعندما قرّر أنور كامل نشر كراس “الصهيونية” في أواخر عام 1944، لجأ إلى لطف الله سليمان، الذي كان قد تمكن من تأسيس دار لنشر الأدبيات اليسارية.
وقد طبع لطف الله سليمان ألف نسخة من الكرّاس وزعت كلها في غضون أسابيع، الأمر الذي يدل على أن الجمهور المصري كان تواقاً إلى الوقوف على أبعاد الحركة التي كان يستشعر خطورتها.
وعندما كتب لطف الله سليمان صيف 1948 بيان: “لا لحربكم ولا لسلامكم!“، والذي دعا إلى شن حرب ثورية ضد الدولة الصهيونية كان أنور كامل واحداً من أبرز مؤيّدي هذا البيان.
وعندما أيّد ستالين (1879 – 1953) قرار تقسيم فلسطين واعترف بالدولة الصهيونية مما جرّ الستالينيين المصريين إلى مؤازرة هذا الموقف الذي يشكل ارتداداً عن اللينينية، استنكر أنور كامل هذه الذيلية السياسية المخزية.
وعندما سئل أنور كامل في حديث صحفي في أوائل 1988 عن سبب رفضه قرار التقسيم، قال أن السبب يتمثل في أنه يرفض قيام دول أو نصف دولة صهيونية في فلسطين وأنه مازال يرى أنه إن كانت لليهود مشكلة فإنها لا تحل عن طريق إقامة وطن قومي لهم في فلسطين أو في غير فلسطين وإنما تُحَل عن طريق الثورة العالمية.
ومن الواضح أن هذه الآراء كانت السبب الرئيسي وراء اتفاقي مزوري التاريخ -على اختلاف توجهاتهم السياسية- على تعمّد إغفال الإشارة -ولو بشكل عابر- إلى كرّاس “الصهيونية“، أول كرّاس يساري بالعربية عن الصهيونية. ولا شك أن هناك مصلحة مشتركة بين هؤلاء المزورين ومن بينهم، بطبيعة الحال، تلامذة هنري كورييل- في طمس التراث اليهودي.
والحال أن صدور طبعة جديدة من هذا الكرّاس يجيء وسط ظروف تختلف كثيراً عن الظروف التي رافقت صدور الطبعة الأولى.
فالطبعة الحالية تصدر وسط ظروف امتداد عميق لأزمة الصهيونية – بشكل لم يسبق له مثيل منذ عام 1944.
لا شك أن الوجه الرئيسي لأزمة الصهيونية يتمثل في تصاعد الحركة القومية الفلسطينية وعجز الحركة الصهيونية عن القضاء على هذه الحركة، عسكرياً أو سياسياً، وذلك رغم كل التدابير القمعية والمناورات السياسية، المدعومة من الإمبريالية.
وتتمثل وجوه أخرى لأزمة الصهيونية في احتدام الأزمة الاجتماعية – الاقتصادية التي تجتاح الدولة الصهيونية وسط ظروف الاحتلال، وتزايد العزلة الدولية لإسرائيل، واحتداد أزمة القيادة السياسية الإسرائيلية، وفشل السياسة الإسرائيلية في وقف الارتباك والتفسّخ الداخليين وفي وقف نزوح أعداد متزايدة باطراد من اليهود عن إسرائيل.
ومن المؤكد أن تزايد نفوذ اليمين الصهيوني على المسرح السياسي الإسرائيلي والصهيوني لا يمكن أن يكون غير مرحلة في عملية تفكك الصهيونية والدولة الصهيونية، كما أشار إلى ذلك موشيه ماخوفر، أحد مؤسسي “ماتزبن”، والأستاذ حالياً بكلية تشيلس البريطانية.
إلا أن من المؤكد كذلك أن الانهيار الكامل للصهيونية لا يمكن أن يتحقق بعيدا عن دينامية الكفاح الثوري الذي يخوضه المضطهَدون من أجل التحّر من الاضطهاد. وبهذا المعنى، تكتسب الانتفاضة الفلسطينية أهمية متزايدة باطراد.
أما العامل اليهودي الإسرائيلي فهو لن يكتسب وعيا ثوريا إلا بقدر ما يكون العداء الجذري للصهيونية وللدولة الصهيونية هو المكوّن الرئيسي لوعيه. وأول مكونات هذا العداء الجذري للصهيونية هو التأييد غير المشروط لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه.

*  *  *
إن صدور طبعة جديدة من كرّاس “الصهيونية” هو حدث يستحق الترحيب.

بشير السباعي