Home نظرية رأس المال: الفصل الخامس عشر (70)

رأس المال: الفصل الخامس عشر (70)

 

التغير في مقدار سعر قوة العمل وفي فائض القيمة

IV – تغير مدة العمل وقدرته الإنتاجية وشدته، في آن واحد معا

من الواضح أن بالإمكان حصول عدد كبير من التراكيب في هذه الحالة. إذ يمكن لأي اثنين من هذه العناصر الثلاثة أن يتغيرا فيما يبقى الثالث على حاله، أو يمكن للعناصر الثلاثة أن تتغير جميعا. ويمكن لها أن تتغير جميعا بنفس الدرجة أو بدرجات مختلفة، بالاتجاه نفسه، أو باتجاهات متعاكسة، بحيث أن التغيرات تبطل بعضها بعضا، إما كلية أو جزئيا. إلا أن تحليل كل حالة محتملة أمر يسير في ضوء النتائج التي تم التوصل إليها في الفقرات الأولى والثانية والثالثة. إن نتيجة أي ترکيب محتمل يمكن التوصل إليها بمعاملة كل عنصر على أنه متغير لوحده، وإن العنصرين الآخرين ثابتان مؤقتا. لذا سنقتصر على معاينة حالتين هامتين فقط، وبشيء من الإيجاز.

1 – هبوط القدرة الإنتاجية للعمل مع تمديد يوم العمل في آن واحد معا.

عند ذكر هبوط القدرة الإنتاجية للعمل، نقصد الهبوط في فروع العمل التي تحدد منتوجاتها قيمة قوة العمل؛ ومثل هذا الهبوط، ينجم، على سبيل المثال، عن تدني خصوبة الأرض، وما يقابل ذلك من ارتفاع في أسعار المحاصيل الزراعية. خُذ يوم عمل يتألف من 12 ساعة، ويخلق قيمة جديدة مقدارها 6 شلنات، نصفها يعوض عن قيمة قوة العمل، والنصف الآخر بشكل فائض القيمة؛ فيوم العمل ينقسم إذن إلى 6 ساعات عمل ضروري و6 ساعات عمل فائض. لنفترض أنه نتيجة لارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية، ترتفع قيمة قوة العمل من 3 إلى 4 شلنات، فيرتفع بالتالي وقت العمل الضروري من 6 إلى 8 ساعات. وما لم يطرأ تبدل على طول يوم العمل، فإن العمل الفائض يهبط من 6 إلى 4 ساعات، وفائض القيمة من 3 شلنات إلى شلنين. وإذا مُدّد يوم العمل بمقدار ساعتين، أي من 12 إلى 14 ساعة، فإن العمل الفائض سيظل عند 6 ساعات، وفائض القيمة عند 3 شلنات، إلا أن مقدار فائض القيمة سينخفض بالمقارنة مع قيمة قوة العمل، مقاسة بوقت العمل الضروري. أما إذا مُدّد يوم العمل بمقدار 4 ساعات، أي من 12 إلى 16 ساعة، فإن النسبة بين فائض القيمة وقيمة قوة العمل، بين العمل الفائض والعمل الضروري، تظل دون تغير، لكن المقدار المطلق لفائض القيمة يرتفع من 3 إلى 4 شلنات، والمقدار المطلق للعمل الفائض من 6 إلى 8 ساعات، وهي زيادة تبلغ 3 أي % 33. وعليه فإن توافق هبوط القدرة الإنتاجية للعمل مع إطالة يوم العمل في آن معا قد يؤدي إلى بقاء المقدار المطلق لفائض القيمة على حاله في نفس الوقت الذي ينخفض فيه مقداره النسبي؛ كما أن مقداره النسبي يمكن أن يظل ثابتاً في نفس الوقت الذي يزداد فيه مقداره المطلق؛ ويمكن للإثنين أن يرتفعا شريطة أن يمدد يوم العمل بدرجة معينة.

لقد أدى ارتفاع أسعار وسائل العيش في إنكلترا، خلال الفترة الواقعة بين 1799 و1815، إلى ارتفاع إسمي في الأجور، رغم أن الأجور الفعلية المتجسدة في وسائل العيش قد هبطت. واستخلص ويست وریکاردو، من هذه الواقعة، استنتاجا يفيد أن هبوط إنتاجية العمل الزراعي قد أفضى إلى هبوط معدل فائض القيمة، وقد جعلا هذه الفرضية، التي لا تصح إلا في مخيلتيهما، نقطة الانطلاق لتحليل هام في تناسب مقادير الأجور والأرباح والريع العقاري. والواقع أن فائض القيمة، في ذلك الوقت، ارتفع ارتفاعاً نسبياً ومطلقاً، بفضل ارتفاع شدة العمل وإطالة يوم العمل بصورة قسرية. وكانت تلك هي الفترة التي أصبح فيها تمدید ساعات العمل إلى أقصى الحدود أمراً عادياً وقانونياً (1)، وهي فترة تميزت، خصوصا، بنمو متسارع لرأس المال من هنا، والعوز والفاقة من هناك (2)
2 – تزايد شدة العمل وقدرته الإنتاجية مع تقليص يوم العمل في آن واحد معا.
إن تزايد قدرة إنتاجية العمل وتعاظم شدّته، يفضیان، معا، إلى نتيجة متماثلة.

فكلاهما يزيد من كتلة المنتوجات التي يتم إنتاجها في فترة معينة من الوقت. لذلك فكلاهما يقلص ذلك الجزء من يوم العمل الذي يستخدمه العامل لإنتاج وسائل عيشه أو ما يعادلها. إن الحد الأدنى المطلق لطول يوم العمل يثبته عموما هذا الجزء الضروري منه وإن كان قابلا للتقلص. فلو تضاءل يوم العمل الإجمالي إلى ما يساوي طول هذا الجزء، فإن العمل الفائض سيزول، وهذا مستحيل في ظل نظام رأس المال. فإن إلغاء شكل الإنتاج الرأسمالي سوف يتيح تحديد يوم العمل بوقت العمل الضروري، إلا أن وقت العمل الضروري سوف يوسع حدوده، حتى في حالة كهذه. فشروط حياة العامل تغدو أكثر ثراء وتطلعاته الحياتية أكثر اتساعا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن جزءا مما يشكل الآن العمل الفائض سيحسب حينذاك كعمل ضروري وأعني به العمل اللازم لتكوین رصيد احتياطي اجتماعي ورصيد تراكم اجتماعي.

وكلما ارتفعت قدرة إنتاجية العمل أكثر، تزايدت إمكانية تقليص يوم العمل؛ وكلما تقلص يوم العمل أكثر، تزايدت إمكانية رفع شدة العمل. ومن وجهة النظر الاجتماعية، ترتفع إنتاجية العمل كذلك مع التوفير في العمل، وهذا بدوره ينطوي، لا على التوفير في وسائل الإنتاج فحسب، بل أيضا على تفادي كل عمل لا نفع فيه. وبينما يفرض نمط الإنتاج الرأسمالي هذا التوفير في كل مؤسسة على انفراد، من جهة، فإنه ينجب، من جهة ثانية، بفعل فوضى نظامه التنافسي، أعتى أنواع الإسراف في تبديد قوة العمل وتبديد وسائل الإنتاج الاجتماعية، ناهيك عن خلق عدد هائل من الوظائف، التي لا غنى عنها في الوضع الراهن، ولكنها، في ذاتها ولذاتها، زائدة عن اللزوم.

لو كانت شدة العمل وقدرته الإنتاجية ثابتتين، فإن ذلك الجزء الذي ينبغي على المجتمع أن يكرسه من مجموع وقته للإنتاج المادي يكون أقصر، وبالنتيجة يتعاظم الوقت المتاح للنشاط الحر لأفراده من النواحي الروحية والاجتماعية، وذلك بمقدار ما يتطور توزيع العمل على نحو متساو، على جميع أعضاء المجتمع القادرين على العمل، وبمقدار ما تضيق أكثر فأكثر مقدرة فئة اجتماعية على إزاحة أعباء العمل الطبيعية عن كاهلها، وإلقائها على كاهل فئة أخرى في المجتمع. ومن هذه الناحية، يجد يوم العمل حدوده النهائية، آخر المطاف، بتعميم العمل على نحو شامل. أما في المجتمع الرأسمالي فإن وقت الفراغ يتأتي لطبقة واحدة بتحويل مجمل حياة الجماهير إلى وقت عمل.

_______________

(1) إن القمح والعمل نادرا ما يمضيان معا يدا بيد، غير أن هناك حدوداً بديهية، لا يمكن لهما أن ينفصلا خارجها. وبخصوص الجهود الخارقة التي بذلتها الطبقات العاملة في فترات الغلاء التي ولدت هبوط الأجور المشار إليه في الشهادة، (بالتحديد، الشهادة أمام لجان التحقيق البرلمانية في 1814 – 1815) فإن جهود الأفراد هذه جديرة بأكبر الثناء والتكريم، وقد أدت بالتأكيد إلى نمو رأس المال. ولكن ليس ثمة كائن فيه ذرة من الإنسانية يتمنى أن يراها تستمر من دون انقطاع، فهي جديرة بأكبر الثناء کعون مؤقت، أما إذا ما استمرت الجهود دائمة، فستولد عن ذلك نتائج شبيهة بما يتمخض عن اضطرار السكان إلى العيش بالحد الأدنى من الطعام، (مالتوس، بحث في طبيعة وتنامي الريع، لندن، 1815، الحاشية). إنه لمما يشرف مالتوس أنه اهتم بتمدید ساعات العمل، ولفت إليه الأنظار في مكان آخر من کتیبه، بينما اتخذ ریکاردو وغيره، رغم بشاعة الحقائق من هذا النوع، من ثبات طول يوم العمل نقطة انطلاق في كل أبحاثهم. إن المصالح المحافظة، التي كان مالتوس عبدا لها، منعته من أن يرى أن الإطالة غير المقيدة ليوم العمل، المقرونة بالتطور العاصف للآلات، وباستغلال عمل النساء والأطفال، تفضي لا محالة إلى جعل شطر كبير من الطبقة العاملة “فائضاً”، خصوصا حينما ينتهي الطلب الناجم عن الحرب، وينتهي احتكار إنكلترا لأسواق العالم. وبالطبع فإن من الأنسب والأكثر توافقاً مع مصالح الطبقات الحاكمة، التي كان مالتوس يعبدها كقس ورع، أن يفسر “الفيض السكاني” كثمرة لقوانين الطبيعة الأزلية، وليس كثمرة للقوانين التاريخية للإنتاج الرأسمالي تحديدا.
(2) “إن أحد الأسباب الرئيسية لنمو رأس المال، خلال الحرب، ينبع من تعاظم الجهود، ولربما تعاظم الحرمانات، التي قدمتها الطبقات العاملة، وهي الأكثر عددا في كل مجتمع. فقد أجبر المزيد من النساء والأطفال، بفعل الضرورات القاهرة، على امتهان عمل في الصناعة، فيما اضطر العمال السابقون، للسبب نفسه، على تكريس قسط أكبر من وقتهم لزيادة الإنتاج”. (ابحاث في الاقتصاد السياسي تعرض الأسباب الرئيسية للمصاعب الوطنية، لندن، 1830، ص248).
(Essays on political economy in which are illustrated the principal causes of the present national distress, London, 1830, p. 248).

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من الرابط أدناه:

رأس المال: الفصل الخامس عشر (69)